...

لم تعد أهم الأحداث في الأسابيع الأخيرة من الحرب الروسية ضد أوكرانيا تقتصر على خط التماس القتالي فحسب، بل أصبحت تتكشف على بعد 100 إلى 200 كيلومتر من الجبهة، على طول الطرق السريعة، والجسور، وعقد السكك الحديدية، ومسارات الوقود، والمعابر المؤقتة في الأراضي المحتلة من مقاطعات خيرسون، وزابوروجيا، دونيتسك، ولوهانسك.

لم يعد هذا مجرد سجال تقليدي بالمدفعية أو مطاردة معتادة للمواقع على الخطوط الأمامية. لقد نقلت أوكرانيا ضرباتها إلى عمق الآلة العسكرية الروسية، حيث تتغذى الجبهة بالوقود، والذخيرة، والمعدات، والمياه، والمواد الغذائية، والأدوية، والمولدات، ووسائل الاتصال، والقوة البشرية.

وفي 27 مايو 2026، أعلن وزير الدفاع الأوكراني ميخائيل فيدوروف عن إطلاق البرنامج الاستراتيجي "الإغلاق اللوجستي". ومعنى هذا البرنامج واضح للغاية: ليس مجرد توجيه ضربات مؤلمة منفردة، بل عرقلة المؤخرة العملياتية الروسية بشكل منهجي. وبعبارة أخرى، جعل الجيش الروسي يستمر في الوقوف على الجبهة، ولكنه يفقد تدريجياً القدرة على التحرك، والتزود بالإمدادات، والمناورة، والهجوم.

منذ بداية شهر مايو، تم تسجيل أكثر من 500 ضربة استهدفت الشاحنات الروسية ووسائل النقل الأخرى في الأراضي المحتلة. ومنذ بداية يونيو، نُفذت 21 ضربة على الجسور الرابطة بين شبه جزيرة القرم ومقاطعة خيرسون. وخلال ثلاثة أيام فقط، في 19 و20 و21 يونيو، دمرت الطائرات المسيرة الأوكرانية متوسطة المدى نحو 90 وحدة من المعدات الروسية، بمعدل 30 مركبة يومياً.

لم يعد هذا نشاطاً عارضاً، بل هي حملة منظمة.

والهدف الرئيسي منها ليس جندياً بمفرده، ولا خندقاً، ولا حتى مركز قيادة. إن الهدف الرئيسي هو الحركة؛ الحركة الروسية على طرق الحرب.

الجيش يموت عندما يفقد الوقود وليس عندما يفقد الخندق

يظل أي جيش فعالاً طالما أن خطوطه الأمامية تتلقى كل ما تحتاجه. يجب أن تتحرك الذخيرة إلى الأمام، والجرحى إلى الخلف. ويجب أن يتدفق الوقود إلى الدبابات، والمدرعات، والشاحنات، والمولدات، والمجموعات المتنقلة. كما يجب أن تعمل الاتصالات، وتُشحن الطائرات المسيرة، وتصل التعزيزات في الوقت المحدد.

وإذا انقطعت هذه السلسلة، فلا يختفي الجيش فوراً، بل يظل في مواقعه، ويستمر في إطلاق النار والهجوم، لكن وتيرته تبطئ، وتصبح مناوراته أثقل، ويتحول الهجوم إلى سلسلة من الوثبات المكلفة. ويبدأ القادة في ترشيد استهلاك الذخيرة، ويبحث اللوجستيون عن طرق بديلة، ويصبح الوقود خاضعاً للتوزيع اليدوي، وتدريجياً يبدأ الخط الأمامي في المعاناة من شح الإمدادات.

هذا هو الرهان الذي تعول عليه كييف الآن.

ووفقاً لـ ميخائيل فيدوروف، فقد ضاعفت القوات الأوكرانية خلال الأشهر الأخيرة تدمير اللوجستيات الروسية، والمستودعات، والمعدات، ومراكز القيادة، ومسارات الإمداد في العمق العملياتي بمقدار أربع مرات. وصاغ القاعدة الأساسية لهذه الحملة بصرامة شديدة: كلما زاد تدمير اللوجستيات الروسية، قلت العمليات الهجومية على خط التماس القتالي.

وقد تم توجيه 5 مليارات هريفنيا إضافية (نحو 113 مليون دولار) لشراء وسائل هجومية حديثة متوسطة المدى. وتذهب هذه الأموال مباشرة إلى الوحدات العسكرية عبر نظام النقاط الإلكترونية، وتُطلق بالتوازي مناقصات مركزية لشراء كميات ضخمة من هذه الوسائل.

التغيير الجوهري يكمن في أن أوكرانيا لم تعد تكتفي بصد الهجمات الروسية على الخطوط الأمامية، بل تحاول مسبقاً حرمان هذه الهجمات من الوقود، والقذائف، ووسائل النقل، والزخم.

"ميدل سترايك" الرد الأوكراني على الحشد الروسي

تتمحور الحملة الأوكرانية حول الضربات متوسطة المدى "ميدل سترايك". هذه هي المنطقة الواقعة بين النطاق التكتيكي للجبهة والعمق البعيد؛ ليست على بعد 5 كيلومترات من الخنادق، وليست أيضاً على بعد 1000 كيلومتر في عمق روسيا. إنها المنطقة التي يتواجد فيها الجيش على مسافة قريبة كافية لتزويد الوحدات القتالية مباشرة بالإمدادات، ولكنها بعيدة بما يكفي ليشعر بأنه في أمان نسبي.

وحتى وقت قريب، كانت اللوجستيات الروسية تعمل هناك بشكل مستقر نسبياً، حيث كانت الشاحنات، وصهاريج الوقود، ومركبات الصيانة، وقطارات السكك الحديدية، والمستودعات، والقواعد الوسيطة تتحرك عبر مسارات معروفة، تحميها أنظمة الحرب الإلكترونية، والمجموعات الدفاعية المتنقلة، ووسائل الدفاع الجوي، والتمويه.

أما الآن، فتحولت هذه المنطقة إلى ساحة صيد.

ولتنفيذ هذه الضربات، تُستخدم مسيرات من طراز "إف بي-2"، و"بولافا"، و"رام-2 إكس"، و"دارتس"، ومنذ ربيع عام 2026، انضمت إليها أيضاً مسيرات "بيغيموت"، و"باتون"، و"هورنيت". وتستخدم القوات الأوكرانية ما لا يقل عن 14 نوعاً من الطائرات المسيرة من هذه الفئة. ومهمتها ليست توجيه ضربات رمزية لأهداف رنانة، بل التدمير المنهجي للمنشآت والمعدات التي لا يمكن للجبهة أن تحيا بدونها: الشاحنات، وصهاريج الوقود، وقطارات السكك الحديدية، والجسور، وتقاطعات الطرق، والمستودعات، ونقاط إعادة التحميل.

المنطق هنا بسيط ولا يرحم؛ فتدمير شاحنة تحمل براميل وقود بالقرب من خط الجبهة قد يعني خسارة عشرات اللترات، بينما تدمير شاحنة صهريج في العمق العملياتي يعني خسارة عدة أطنان من الوقود. والضربة الموجهة لشاحنة واحدة أمر مزعج، لكن الضربة الموجهة لرتل محاصر بين الجسور المتضررة والمعابر المائية المؤقتة كفيلة بقطع الإمدادات عن قطاع كامل.

وكلما تم استهداف المنشأة اللوجستية في نقطة أبعد عن الجبهة، كان حجم الشحنات المركزة فيها أكبر، مما يجبر روسيا على تأمين مساحات شاسعة باستخدام وسائل التصدي: الحرب الإلكترونية، والشبكات المضادة للمسيرات، ونقاط المراقبة، والمسيرات الاعتراضية، ومجموعات الدفاع الجوي المتنقلة، ووسائل التمويه.

إن أوكرانيا تجبر روسيا فعلياً على حماية الطرق وليس الجبهة فحسب.

"هورنيت" الأمريكي: مسيرة صغيرة بدور كبير

تحتل الطائرة المسيرة "هورنيت" مكانة خاصة في هذه الحملة، وقد دخلت الخدمة في صفوف القوات الأوكرانية في ربيع عام 2026. وتنتجها الشركة الأمريكية "سويفت بيت إل إل سي"، المعروفة أيضاً باسم "بيرينيال أوتونومي"، والتي أسسها الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل إريك شميت.

في تكوينها الأساسي، تعد "هورنيت" طائرة مسيرة تكتيكية بمدى طيران يصل إلى نحو 50 كيلومتراً. ومع ذلك، تقوم الوحدات الأوكرانية بتطوير أنظمة الاتصال والتكوين العام لهذه الأجهزة، لتحويلها إلى أداة على المستوى العملياتي.

ويبلغ الوزن الإجمالي للمسيرة نحو 15 كجم، وتملتك القدرة على حمل رأس حربي يزن ما بين 4 إلى 5 كجم. وللاتصال، تُستخدم أجهزة "ستارلينك" وأنظمة أخرى. ويُوظف الذكاء الاصطناعي في المرحلة الأخيرة من الطيران، حيث يساعد في التوجيه، وتحديد الاتجاهات، والملاحة، والتعرف على الأهداف. ويزيد نظام الرؤية الآلية من احتمالية إصابة الهدف حتى في حال انقطاع الاتصال.

ومن الناحية الفنية، تستطيع المسيرة قطع جزء من دورة الهجوم بشكل مستقل تقريباً، لكن القرار النهائي بضرب الهدف يظل بيد المشغل. وهذا تفصيل غاية في الأهمية: أوكرانيا تدخل الأتمتة، لكنها تبقي العنصر البشري في دائرة اتخاذ القرار.

ويعتبر الجانب الروسي مسيرات "هورنيت" واحدة من أبرز التهديدات. ووفقاً للمزاعم الروسية، فقد تم إسقاط نحو 150 طائرة مسيرة من طراز "هورنيت"، و"رام-2 إكس"، و"باتون" خلال شهر مايو 2026، وشكلت مسيرات "هورنيت" نحو 70% منها. وحتى لو تم التعامل مع هذه البيانات بحذر، فإن هذا التركيز يوضح أن الجيش الروسي يرى في هذه الأجهزة مشكلة منهجية وليس مجرد عامل إزعاج.

من الدفاع الجوي إلى الشاحنات: أوكرانيا تغير الهدف

منذ يناير 2026، تم تحديد المواقع الجغرافية لأكثر من ألف ضربة أوكرانية استهدفت منشآت روسية. والعدد الفعلي للهجمات أعلى بكثير، لأن هذه الإحصاءات لا تشمل سوى الحالات المؤكدة. ويظهر التوزيع التقريبي منطق الحملة: نحو 7% من الضربات استهدفت أنظمة الدفاع الجوي، و20% استهدفت وسائل النقل، و35% استهدفت المستودعات.

وعلى مدار أشهر، استهدفت القوات الأوكرانية بشكل منهجي أنظمة الدفاع الجوي الروسية، والرادارات، ومجمعات الحرب الإلكترونية في الأراضي المحتلة. وكان لهذا تأثير مزدوج؛ فمن ناحية، خسرت روسيا وسائل حماية باهظة الثمن، ومن ناحية أخرى، كانت طواقم الدفاع الجوي، خوفاً من استهدافها، تستهلك الصواريخ المضادة للطائرات بنشاط وتتراجع إلى عمق المؤخرة.

وبحلول مايو 2026، نقلت الحملة الأوكرانية مركز ثقلها. فبينما كانت الأولوية في السابق للدفاع الجوي، والرادارات، والحرب الإلكترونية، أصبح الهدف الرئيسي الآن هو الشاحنات، وصهاريج الوقود، ومسارات النقل.

هذا التحول يعد عقلانياً؛ فالدفاع الجوي يحمي الجبهة، لكن الشاحنة تغذيها. والرادار يساعد في رؤية التهديد، لكن صهريج الوقود يمنح الجيش القدرة على التحرك. والمستودع يخزن الذخيرة، لكن الطريق يحول المستودع إلى نيران مدفعية على الخطوط الأمامية.

وعندما تندمج الضربات على المستودعات مع الضربات على وسائل النقل والجسور، يظهر تأثير الخنق. قد تكون الذخيرة موجودة في المؤخرة، لكن إيصالها يصبح أكثر صعوبة. وقد يكون الوقود متوفراً في القاعدة، لكن نقله يصبح أكثر خطورة. وقد تكون الاحتياطيات جاهزة، لكن مسار نقلها يتحول إلى منطقة خطر.

طريق "نوفوروسيا": الممر البري إلى القرم يتحول إلى مصيدة

كان الطريق السريع "آر-280"، الذي تطلق عليه روسيا اسم "نوفوروسيا"، من أوائل الطرق التي تعرضت لضربات منهجية. ويربط هذا الطريق بين روستوف على نهر الدون، ويمر عبر ماريوبول، وبيرديانسك، وميليتوبول المحتلة وصولاً إلى القرم. وحتى وقت قريب، كان هذا الطريق يمثل الممر البري الرئيسي لنقل الشحنات إلى شبه الجزيرة.

والآن، تحول هذا الطريق إلى شريان هش.

المهمة الرئيسية للقوات الأوكرانية هنا واضحة: عرقلة اللوجستيات العسكرية، وقطع أو إضعاف الاتصال البري لروسيا مع القرم بشكل حاد. ولهذا الأمر أهمية عسكرية مباشرة إلى جانب الأهمية السياسية؛ فمن خلال هذا الممر، يتم تأمين إمدادات مجموعة قوات "دنيبر" في قطاع أوريخيف على اتجاه زابوروجيا، والذي يظل أحد القطاعات المحورية.

وكانت المحاولة الكبرى الأولى لقطع الممر البري إلى القرم قد اتخذتها أوكرانيا في صيف عام 2023 خلال الهجوم المضاد، لا سيما في منطقة روبوتينه. وحينها، كانت الخطة تقضي باختراق الدفاعات الروسية في قطاع يبلغ عرضه نحو 30 كيلومتراً، وعزل توكماك خلال أسبوع، ثم التقدم بعد ذلك نحو ميليتوبول.

ولم تُنفذ تلك الخطة؛ إذ كانت المساعدات الغربية تصل ببطء وبكميات أقل مما هو مطلوب، ولم تتمكن العديد من الوحدات الأوكرانية من استيعاب المعدات الجديدة بشكل كامل. كما وزعت القوات على عدة اتجاهات بدلاً من تركيزها في ضربة رئيسية واحدة. وفي المقابل، كان الجيش الروسي قد أعد مسبقاً دفاعاً عميقاً ومتعدد الخطوط، وتمتع بتفوق عددي في القطاع المحوري، وكان يتفهم جيداً الاتجاه المحتمل للهجوم الأوكراني.

ولعبت المسيرات الروسية من طراز "إف بي في" دوراً كبيراً أيضاً. وبعد الإخفاقات الأولى، فقدت أوكرانيا الزخم العملياتي، وتمكنت روسيا من نقل الاحتياطيات وإحباط محاولة الاختراق نحو بحر آزوف.

وفي عام 2026، تعمل أوكرانيا بطريقة مغايرة؛ فهي لم تعد تحاول بالضرورة اختراق الممر بقوة المدرعات، بل تحاول جعل الممر نفسه غير صالح للإمداد الطبيعي.

تراجع بنسبة 71% في حركة الشحن: الأرقام المجردة للحرب الجديدة

قبل بدء الحملة الحالية، كان متوسط الحركة اليومية على الطريق السريع "آر-280" في جنوب أوكرانيا يبلغ نحو 11 ألف مركبة، بما في ذلك 3800 شاحنة. وبحلول بداية شهر يونيو، انخفضت هذه المؤشرات إلى 6500 مركبة و1100 شاحنة.

وهذا يعني تراجعاً في حركة الشحن بنسبة تقارب 71%.

ويمثل هذا مؤشراً كارثياً لأي لوجستيات عسكرية. وحتى لو تحول جزء من الشحنات إلى مسارات بديلة، فإن مجرد الحاجة إلى تغيير المسارات تعني بالفعل خسارة الوقت، وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع العبء على السائقين، وخدمات الصيانة، وحماية الأرتال.

وتدريجياً، اتسعت الجغرافيا المستهدفة بالضربات، حيث تعرضت للاستهداف طرق في مقاطعات دونيتسك، ولوهانسك، وخيرسون، وزابوروجيا، بالإضافة إلى الجسور، وخطوط السكك الحديدية، والأرتال، وصهاريج الوقود، والعقد النقلية التي يستخدمها الجيش الروسي بانتظام لنقل الشحنات العسكرية.

ومنذ منتصف شهر مايو، تضاعف عدد التقارير حول ظهور الطائرات المسيرة على طرق الأراضي المحتلة بنحو 10 مرات. ولا تكتفي الطائرات المسيرة الأوكرانية بمهاجمة وسائل النقل، بل تقوم أيضاً بتلغيم الطرق عن بعد. وتُستخدم لهذا الغرض، على وجه الخصوص، المسيرات الثقيلة ومسيرات "إف بي-2" التي تسقط الألغام على قارعة الطريق وجوانبه.

وفي 29 مايو، تسبب هذا التلغيم في إغلاق قطاع من طريق "نوفوروسيا" السريع في المنطقة الحدودية بين مقاطعتي خيرسون وزابوروجيا طوال اليوم تقريباً. وهذه تفصيلة هامة: فالطائرة المسيرة الانتحارية تدمر مركبة واحدة، بينما يمكن للتلغيم عن بعد أن يشل حركة قطاع كامل من الطريق.

عندما يخرج 26 فصيلاً إلى الصيد

لم تكن الكثافة العالية للضربات ممكنة بفضل الطائرات المسيرة الجديدة فحسب، بل وأيضاً بسبب زيادة عدد الوحدات المشاركة في الحملة. فبينما كانت هذه العمليات تُنفذ في السابق بواسطة هياكل متخصصة بشكل أساسي، يشارك فيها الآن ما لا يقل عن 26 وحدة وفصيلاً.

وهذا ما يمنح الحملة طابع الاستدامة؛ إذ يمكن تحمل ضربة واحدة، ويمكن محاولة تحييد مجموعة واحدة من مشغلي المسيرات، ولكن عندما تعمل شبكة موزعة من الوحدات على استهداف اللوجستيات، فإن نظام الإمداد الروسي لا يواجه تهديداً منفصلاً، بل يتعامل مع بيئة خطر دائمة.

وفي بداية شهر يونيو، عرضت إحدى الوحدات الأوكرانية مقطعاً يوثق 40 ضربة على أهداف متعددة في العمق العملياتي. ولم تقتصر اللقطات على الشاحنات فحسب، بل شملت أيضاً وسائل نقل غير مدرعة تُستخدم لتزويد الخطوط الأمامية بالإمدادات، كما رُصدت إصابات في صفوف العسكريين الروس.

وثمة مفارقة عسكرية هامة هنا: فوسائل النقل غير المدرعة غالباً ما تكون لا تقل أهمية للجيش عن المدرعات؛ فهي التي تنقل يومياً الذخيرة، والمياه، والطعام، والمولدات، والبطاريات، وقطع الغيار، والأفراد. وقد تتحمل المدرعات المقاومة للألغام والكمائن الضربات بشكل أفضل، لكن الشاحنة العادية هي التي تؤدي العمل الروتيني اليومي للحرب، والحرب تقوم بالأساس على هذا الروتين.

لوهانسك، هورليفكا، دونيتسك، ماريوبول: خارطة الخنق

تعتمد الإمدادات الروسية في الأراضي المحتلة على عدة ممرات لوجستية رئيسية، تتدفق عبرها الذخيرة، والوقود، والمعدات، والتعزيزات إلى الخطوط الأمامية.

وتظل لوهانسك واحدة من أهم العقد، حيث يمر عبرها جزء كبير من الشحنات الموجهة للقوات الروسية التي تعمل في اتجاه سلافيانسك، وكراماتورسك، وكوستيانتينيفكا، بما في ذلك عبر باخموت. وتؤدي الضربات على المنشآت في لوهانسك وفي منطقة إيزفارينو إلى تعقيد إمدادات المجموعة التي تنشط في اتجاه ليمان، حيث تحاول القيادة الروسية خلق تهديد لسلافيانسك من الشمال.

ويلعب الطريق السريع "أم-4" دوراً خاصاً، وهو أحد الشرايين اللوجستية الرئيسية للجيش الروسي، إذ يربط موسكو بروستوف على نهر الدون والقوقاز، ويمتد بمحاذاة الحدود مع مقاطعتي لوهانسك ودونيتسك، وله تفرعات عديدة نحو الأراضي المحتلة في دونباس. وبالقرب منه، يوجد خط السكك الحديدية، وجسر السيارات، وجسر السكك الحديدية فوق نهر سيفيرسكي دونيتس في منطقة كامينسك-شاختينسكي.

ويمر مسار إمداد آخر بالغ الأهمية عبر ييناكيفه، وهورليفكا، ومن ثم نحو توريتسك، وهو مسار حيوي للعملية الروسية ضد كوستيانتينيفكا، حيث تكتسب عقدة هورليفكا أهمية خاصة هنا.

وفي شهر يونيو، أعلن اللواء الأوكراني العشرين للأنظمة المسيرة "كي-2" عن تدمير وإصابة 216 وحدة من المركبات الخفيفة والثقيلة خلال 10 أيام. وللمقارنة، تم استهداف 344 وحدة طوال شهر مايو بأكمله. إن إغلاق الطريق القادم من هورليفكا أو إضعافه بشكل كبير يقلل الضغط على كوستيانتينيفكا من الجنوب، ويمنح القوات الأوكرانية الفرصة لإعادة توجيه اهتمامها إلى اتجاهات أخرى.

وحتى لو تمكنت القوات الروسية من دخول كوستيانتينيفكا، فإن المنطق الأوكراني قد يظل كما هو: ليس من الضروري استعادة كل حي بالقوة المباشرة، إذا كان بالإمكان عزل المجموعة داخل المدينة وحرمانها من الإمدادات المنتظمة. وفي هذه الحالة، تتحول المدينة ليس فقط إلى هدف، بل إلى مصيدة محتملة.

بوكروفسك، كوراخوفه، هوليايبوله: الجبهة الجنوبية تعتمد على الطرق

ويمتد مسار بديل لإمداد المجموعة التي تتقدم نحو كوستيانتينيفكا من جهة دونيتسك. ومن هناك أيضاً، توجه الإمدادات نحو بوكروفسك، حيث تحاول القوات الروسية تطوير هجومها نحو دوبروبيليا وفي عمق مقاطعة دنيبروبتروفسك.

وعبر دونيتسك وكوراخوفه، يمكن الوصول إلى قطاع من الجبهة عند ملتقى مقاطعتي دونيتسك ودنيبروبتروفسك، حيث حررت القوات الأوكرانية في مايو نحو 46 كيلومتراً مربعاً من الأراضي. ومن شأن الضربات على الطريق الدائري لدونيتسك أن تساعدها في تعزيز هذا النجاح، أو على الأقل، تقليص القدرة الروسية على نقل القوات بسرعة.

وهناك مسار آخر يمتد من الحدود الروسية إلى ماريوبول، ثم إلى الطريق السريع الرابط بين ماريوبول ودونيتسك. وفي مايو 2026، ظهرت الطائرات المسيرة الأوكرانية في سماء ماريوبول، ورُصدت ضربات استهدفت الشاحنات الروسية على الطريق السريع بين ماريوبول ودونيتسك.

ويمكن استخدام الطريق نفسه للتحرك باتجاه بوكروفسكه، حيث تشن القوات الأوكرانية هجمات مضادة عند ملتقى مقاطعتي دنيبروبتروفسك وزابوروجيا، أو باتجاه هوليايبوله، حيث تدور إحدى العمليات الهجومية الروسية الرئيسية.

وفي محيط هوليايبوله، تحاول القوات الروسية التقدم إلى الشمال الشرقي من أوريخيف، والالتفاف على مالا توكماتشكا، والسيطرة على أوريخيف لتطوير الهجوم نحو زابوروجيا. وبما أن مجموعة قوات "دنيبر" تعثرت بالقرب من أوريخيف، بل وتتراجع بالقرب من ستيبنوهيرسك، فإن القيادة الروسية تراهن على مجموعة قوات "فوستوك" التي تتقدم من جهة هوليايبوله وتصد في الوقت نفسه الهجمات الأوكرانية المضادة في الشمال.

وترتبط لوجستيات هذه المجموعة ببلدة فيليكا نوفوسيلكا، ويمر جزء من الطريق المؤدي إليها عبر الطريق السريع بين دونيتسك وماريوبول. وكلما اقتربت المسافة من الجبهة، سهل على الطائرات المسيرة الأوكرانية استهداف وسائل النقل، وكلما ابتعدت عن الجبهة، زادت قيمة كل مركبة يتم تدميرها.

وإذا استمرت الهجمات على هذه الطرق أو تكثفت، فقد تواجه القوات الروسية على الخطوط الأمامية بحلول نهاية الصيف أزمة إمداد حادة تشمل الذخيرة، والوقود، والمواد الغذائية، والأدوية، ووسائل الاتصال.

"الحمار الوحشي" الروسي في مواجهة الرؤية الآلية الأوكرانية

تحاول روسيا الرد على التهديد الجديد بكل الوسائل المتاحة، حيث تُستخدم الطائرات المسيرة الاعتراضية، وأجهزة التشويش, والمجموعات الدفاعية المتنقلة الإضافية، ومرافقة صهاريج الوقود، ونصب الكمائن على مسارات تحليق المسيرات الأوكرانية.

ولكن تظهر أيضاً أساليب أكثر غرابة؛ إذ يقوم العسكريون الروس بطلاء الشاحنات بخطوط بيضاء وسوداء في محاولة لخدع نظام الرؤية الآلية للطائرات المسيرة، وقد أُطلق على هذه المركبات بالفعل اسم "شاحنات الحمار الوحشي". كما تُغطى صهاريج الوقود بالألواح الخشبية، وتُموه شاحنات "أورال" العسكرية لتبدو كمركبات مدنية، وأحياناً تُستخدم وسائل النقل المدنية لنقل الوقود إلى العسكريين.

وتظل فعالية هذه الإجراءات موضع شك؛ ففي الليل تظهر وسائل النقل بوضوح عبر كاميرات التصوير الحراري، ولا تجدي خطوط "الحمار الوحشي" نفعاً إذا كان التحكم في المسيرة يتم عبر المشغل. وغالباً ما ينكشف التمويه بمركبات مدنية بسبب تفاصيل صغيرة، مثل اللوحات المعدنية العسكرية، كما تكتشف الاستخبارات الطرق البديلة بسرعة.

وفي الوقت نفسه، تخلق الطرق البديلة بحد ذاتها مشكلة جديدة، إذ يزداد المسار اللوجستي بمقدار 1.7 إلى 2.1 مرة. وهذا يعني قضاء وقت أطول في الطريق، وزيادة استهلاك الوقود، وتآكل المعدات، وارتفاع هشاشة الأرتال، وتراجع القدرة على التنبؤ بمواعيد وصول الإمدادات.

إن الجيش الروسي لا يبحث فقط عن طرق جديدة، بل يجد نفسه يدفع مقابل كل طريق جديد وقتاً إضافياً، ووقوداً، ومخاطر أكبر.

شبه جزيرة كينبورن: العارض الأول لشح الإمدادات

بدأت تداعيات الضربات على اللوجستيات تظهر بالفعل في بعض القطاعات. ووفقاً للمعلومات المتاحة، بدأت وحدات من الفوج 337 لإنزال المظلات التابع لمجموعة قوات "دنيبر" الروسية بالإخلاء من شبه جزيرة كينبورن بسبب انقطاع الإمدادات.

ولم يؤكد الجانب الأوكراني أو ينفِ هذه البيانات بشكل مباشر، لكنه صرح بأن القوات الروسية في شبه الجزيرة تعاني بالفعل من انقطاعات في إمدادات الوقود والمولدات.

هذا الحدث يعد مؤشراً دالاً؛ فالمولد ليس دباباً ولا مدفع هاوتزر ولا مدرعة، ولكن بدون المولد لا يمكن شحن بطاريات مسيرات "إف بي في"، ويتعطل جزء من الاتصالات، وتتدهور ظروف المراقبة والإدارة. إن نقص الوقود لا يضرب الشاحنات فحسب، بل يضرب الجهاز العصبي بأكمله للجيش الحديث.

وتدريجيير صهريج وقود واحد ليس مجرد خسارة لمركبة واحدة، بل يعني إعادة توزيع العجز بين الوحدات: لمن تُعطى الأولوية في الوقود؟ لمركبة الإخلاء، أم للمولد، أم لمجموعة نقل الذخيرة، أم لمجموعة الدفاع الجوي المتنقلة، أم لرتل النقل؟ وعندما تزداد مثل هذه القرارات عن الحد، يفقد الجيش زخمه وتيرته.

القرم: شبه الجزيرة تتحول إلى جزيرة لوجستية

ويظل القطاع الأكثر إيلاماً في الحملة بأكملها هو القرم.

وتحمل الضربات على الممر اللوجستي المؤدي إلى القرم أهمية مزدوجة؛ فمن ناحية، تمثل رمزاً سياسياً لشبه الجزيرة التي حولتها روسيا إلى رأس جسر عسكري وهي تصبح مجدداً عرضة للاستهداف، ومن ناحية أخرى، تعد مهمة عسكرية عملية للحد من إمدادات المجموعات الروسية في جنوب أوكرانيا.

وهناك طريقتان رئيسيتان لإدخال الوقود إلى القرم: إما عبر العبارات، أو عبر الأراضي المحتلة عبر طريق "نوفوروسيا" السريع وخط السكك الحديدية الذي تمت إعادة تأهيله من تاغانروغ إلى شبه الجزيرة. ووفقاً للمزاعم الروسية، لا تمر صهاريج الوقود عبر جسر القرم لأسباب أمنية.

ويظل الجعر نفسه، بعد سلسلة من الهجمات، ذا أهمية رمزية كبيرة لكن وظائفه باتت محدودة. ورغم صموده أمام الضربات، إلا أن هيكله تعرض على الأرجح لأضرار تؤثر على الحمولة المسموح بها. وحالياً، يُسمح عبره فقط بمرور السيارات السياحية والشاحنات التي لا يتجاوز وزنها 1.5 طن، في حين تعمل حركة السكك الحديدية بقيود.

وهذا يعني أن اللوجستيات العسكرية الثقيلة مجبرة على الاعتماد على مسارات أخرى: العبارات، والطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية، والمعابر المؤقتة، والجسور العائمة، والتي أصبحت الآن هي الأهداف المستهدفة.

العبارات، والجسور، والجسور العائمة: روسيا تبني لوجستيات مؤقتة تحت وابل الضربات

تظل معبر كيرتش المائي للعبارات المسار البحري المنتظم الوحيد ذي الأهمية للوجستيات الشحن، ومع ذلك، فإنه يعمل بقيود ويقتصر نشاطه أساساً على ساعات النهار، كما يظل رهناً بالظروف الجوية والأوضاع الأمنية.

وقد بدأت محاولات عرقلة عمل هذا المعبر منذ عام 2024، حين تسببت الضربات الصاروخية في إلحاق أضرار بعبّارتي الشحن "أفانغارد" و"سلافيانين"، وفي أغسطس من العام نفسه، تم إغراق عبّارة الشحن "كونرو تريدر رورو" أثناء نقلها لـ 30 صهريج وقود. وبسبب خضوع العبّارتين المتبقيتين للإصلاح، توقفت حركة الشحن المنتظمة عبر المعبر فعلياً.

وفي ربيع عام 2026، تجددت الهجمات؛ ففي مارس، ألحقت الطائرات المسيرة الأوكرانية أضراراً مجدداً بعبّارتي "أفانغارد" و"سلافيانين". وفي أبريل، تلت ذلك ضربة جديدة استهدفت "سلافيانين"، التي كانت تمثل حينها عبّارة الشحن الوحيدة العاملة على الخط. وعقب الضربات التي نُفذت في ليلة 21 يونيو، أعلنت السلطات عن تعليق مؤقت لجميع خدمات النقل بالعبارات عبر معبر كيرتش، ونصحت سائقي شاحنات الشحن باستخدام المسار المار عبر روستوف على نهر الدون، وتاغانروغ، وماريوبول، وميليتوبول، وسيمفروبول.

بيد أن هذا المسار نفسه بات يقع تحت وطأة الضغط الأوكراني.

ففي ليلة 11 يونيو، استهدفت القوات الأوكرانية بالقرب من أرميانسك رتلاً يضم 50 شاحنة روسية كانت تنقل الوقود والذخيرة. وقبل ذلك، تعرض جسر تشونغار والجسر الرابط بين هينيشيسك ولسان أرابات المائي في مقاطعة خيرسون لأضرار، مما دفع العسكريين الروس إلى حشد عدد كبير من الشاحنات على قطاع الطريق المار عبر أرميانسك، ليتحول الرتل إلى هدف سهل للاستهداف.

ومنذ بداية يونيو، تتعرض الجسور الرابطة بين القرم ومقاطعة خيرسون لضربات منتظمة؛ فبعضها تضرر بشكل جسيم، والبعض الآخر تعرض لثقوب نافذة متعددة وصغيرة لا تسمح بنقل الشحنات الثقيلة بأمان.

وبحلول منتصف يونيو 2026، تعرضت المسارات الثلاثة الرئيسية بين القرم والجزء المحتل من مقاطعة خيرسون (عبر أرميانسك، وهينيشيسك، وتشونغار) لأضرار بالغة. وعلى الجسر المار فوق قناة شمال القرم في منطقة أرميانسك، والذي تعرض لأربع إصابات، تم إنشاء معبر ترابي مؤقت. كما فُرضت قيود على الحركة فوق جسري هينيشيسك وتشونغار مع إغلاق بعض المسارات لأغراض الإصلاح، ونُقلت لوجستيات الشحن الرئيسية إلى الجسور العائمة، بالتوازي مع بناء مسارات ترابية إضافية في المحيط.

ولا يعني هذا قطع الممر البري بالكامل، لكن قدرته الاستيعابية آخذة في الانخفاض، كما أن البنية التحتية المؤقتة بحد ذاتها تتحول إلى هدف جديد.

فالجسور العائمة ليست كالعادية؛ إذ تتباطأ الحركة فوقها، وتتشكل أمامها الاختناقات المرورية، وتنتظر الأرتال لفترات أطول، وتتكدس الشاحنات في مكان واحد، وهو ما يمثل وضعاً مثالياً للطائرات المسيرة.

السكك الحديدية لم تعد في مأمن أيضاً

تتعرض خطوط السكك الحديدية التي تربط القرم بروسيا لضربات أوكرانية أيضاً. وعقب الهجوم الذي استهدف قاطرة قطار موسكو - سيمفروبول في 8 يونيو، فُرض حظر في القرم على حركة قطارات الركاب ليلاً، ولاحقاً ظهرت قيود مماثلة في الأراضي المحتلة الأخرى.

ومنذ مارس وحتى نهاية مايو 2026، تم تسجيل 28 ضربة استهدفت القاطرات وقطارات الشحن في الأراضي المحتلة؛ حيث وقعت 8 منها في القرم، و11 في الجزء المحتل من مقاطعة لوهانسك، و6 في الجزء المحتل من مقاطعة دونيتسك، و5 في الأراضي المحتلة من مقاطعة زابوروجيا، و5 في المناطق الحدودية لروسيا (ثلاث في مقاطعة بريانسك واثنتان في مقاطعة كورسك).

وفي مايو، توقفت حركة السكك الحديدية مؤقتاً جراء الهجمات على القطاع الواصل بين دونيتسك وياسينوفاتا، مما تسبب في انقطاعات على اتجاهات ديبالتسيفه، وإيلوفايسك، وماريوبول.

ولطالما عُدت السكك الحديدية الجزء الأكثر استقراراً في اللوجستيات الروسية، لقدرتها على نقل كميات ضخمة من الشحنات، وقلة اعتمادها على حالة الطرق البرية، فضلاً عن تنظيمها الأفضل عادةً. ولكن في ظل الضربات المنتظمة التي تستهدف القاطرات، والعقد، وقطاعات الخطوط، تتحول السكك الحديدية من ميزة إلى شبكة أخرى مكشوفة ومعرضة للخطر.

أزمة الوقود تخرج من النطاق العسكري إلى الحياة المدنية

تظهر التداعيات الأكثر وضوحاً للحملة الأوكرانية في مناطق المؤخرة حتى الآن؛ إذ فُرضت قيود ونظام البطاقات لشراء البنزين في الأراضي المحتلة، وكذلك في مقاطعتي بيلغورود وكورسك الروسيتين. وفي إقليم كراسنودار، عُلق بيع الوقود مؤقتاً في 15 محطة تعبئة، وفي منتصف يونيو أُفيد بنفاد البنزين من محطات التعبئة في دونيتسك.

وتبدو الأوضاع أكثر حدة في القرم.

فمنذ بداية يونيو، فُرضت هناك بانتظام حدود صارمة على بيع البنزين، حيث لم يكن يُسمح في معظم المحطات بشراء أكثر من 20 لتراً للشخص الواحد، كما استُحدث نظام البطاقات وقُيد البيع نقداً. وعقب الضربات الجديدة، توقفت مبيعات البنزين للمدنيين تماماً في بعض الأماكن.

ولم يقتصر النقص على الوقود فحسب، بل شمل شبكات المواد الغذائية حيث طالت القيود سلعاً مثل السكر، والدقيق، والحبوب، والزيت. ورغم أن السلطات الروسية أرجعت ذلك إلى تهافت المستهلكين، إلا أنها وجدت نفسها مضطرة للتدخل يدوياً لتأمين الوقود للشركات المعنية بتوصيل الأغذية والأدوية.

ولهذا الغرض، أُنشئت آلية تنسيق خاصة؛ إذ يقدم الموزعون بيانات حول مركباتهم واحتياجاتهم من الوقود، ليتولى المسؤولون تنسيق عملية تزويدها بالوقود مع محطات التعبئة. ويمثل هذا مؤشراً مباشراً على أزمة مدارة؛ فعندما تتدخل السلطة الإقليمية يدوياً لتوزيع الوقود المخصص لتوصيل الطعام والدواء، فهذا يعني أن السوق واللوجستيات الاعتيادية لم تعد قادرة على التكيف.

السياحة في القرم تتلقى الضربة قبل الجبهة

أصابت الأزمة اللوجستية القطاع السياحي في القرم أيضاً، والذي يشكل ركيزة هامة للاقتصاد المحلي. ووفقاً لمعطيات أنظمة الحجز، تراجع عدد الحجوزات الجديدة في فنادق القرم بنحو الثلث منذ أواخر مايو وحتى أوائل يونيو، بينما أُلغيت نسب تصل إلى 80% من الرحلات المدفوعة مسبقاً.

ومنذ 24 مايو وحتى 6 يونيو، انخفض عدد الحجوزات الفندقية في القرم بنسبة 31% على أساس سنوي، وفي سيفاستوبول بنسبة 40%. وخلال الفترة نفسها، أُلغيت 79% من الحجوزات في القرم، و71% في سيفاستوبول.

ولعدم إثارة ذعر من تبقى من السياح، غيرت السلطات في سيفاستوبول نظام إطلاق صافرات الإنذار من الغارات الجوية لتصبح ثلاث دقات قصيرة، بينما اكتفت السلطات في القرم بالإشعارات عبر الرسائل النصية القصيرة فحسب.

وتبدو هذه الخطوات كمحاولة لإدارة انطباع التهديد بدلاً من إدارة التهديد نفسه. لكن سوق السياحة يتفاعل مع توفر البنزين، والإنذارات، والضربات، والمعابر المغلقة، وأنباء الانقطاعات، وليس مع صياغات المسؤولين.

وعندما تتحول شبه الجزيرة إلى عقدة لوجستية عسكرية، فإنها تفقد حتماً طابعها كمنتجع طبيعي.

لماذا قد يغير هذا مجريات الحملة الصيفية؟

السؤال الجوهري الآن لا يكمن في مدى قدرة أوكرانيا على قطع الممر البري إلى القرم بالكامل؛ فالممر لم يُقطع كلياً حتى هذه اللحظة، وتستمر الإمدادات بفضل البنية التحتية المؤقتة، والجسور العائمة، والمعابر الترابية، والالتفافات، والسكك الحديدية، والإدارة اليدوية للتدفقات.

ولكن السؤال يكمن في أمر آخر: كم من الوقت يمكن لهذا النظام أن يصمد؟

اللوجستيات لا تنهار في لحظة واحدة، بل تتدهور تدريجياً؛ في البداية تتأخر الشحنة لساعتين، ثم لست ساعات، ثم يزداد طول المسار إلى الضعف تقريباً، ثم تتطلب صهاريج الوقود مرافقة أمنية، ثم يُغلق الجسر للإصلاح، ثم يتسبب الجسر العائم في اختناق مروري، ثم تستهدف طائرة مسيرة هذا الاختناق، ثم يُصبح الوقود خاضعاً للتوزيع اليدوي، ثم تفرض المحطات المدنية حدوداً للشراء، ثم يبدأ العسكريون في ترشيد استهلاك المولدات، ثم ينخفض عدد المسيرات في الأجواء، ثم يستلم القائد على الخط الأمامي الذخيرة غداً وليس اليوم، ثم تؤجل العمليات الهجومية، وفي النهاية يفقد الهجوم زخمه.

هكذا يبدو الاستنزاف الحديث تماماً.

ويحمل هذا الوضع خطورة بالغة لروسيا في الجنوب تحديداً؛ فأوريخيف، وهوليايبوله، وفيليكا نوفوسيلكا، وبوكروفسكه، وكوراخوفه، ودونيتسك، وماريوبول، وأرميانسك، وتشونغار، وهينيشيسك، ليست مجرد نقاط جغرافية، بل هي عقد في نظام واحد. وإذا تعرضت للضربات بالتزامن، تبدأ الجبهة في استشعار الضغط ليس في نقطة واحدة، بل على امتداد العمق اللوجستي بأكمله.

ولا يزال الجيش الروسي يحتفظ بالثقل العددي، والمدفعية، والموارد البشرية، والقدرة على الهجوم، لكن الاستراتيجية الأوكرانية تحاول ضرب قدرة هذا الحشد على التغذية، والتحرك، والاستمرار، وليس الحشد بحد ذاته.

ما القادم: أوكرانيا فتحت جبهة جديدة وروسيا لا تملك إغلاقها سريعاً

ستكشف الأشهر القليلة القادمة عن مدى عمق قدرة "الإغلاق اللوجستي" على تغيير مسار الحرب. وإذا استمرت كثافة الضربات أو تزايدت، ستجد روسيا نفسها مجبرة على حل عدة معضلات بالتزامن:

الأولى: حماية شبكة هائلة من الطرق، والجسور، وخطوط السكك الحديدية، والمستودعات، والمعابر، وهو ما يتطلب مزيداً من وسائل الحرب الإلكترونية، والمجموعات المتنقلة، والمسيرات الاعتراضية، والدفاع الجوي.

الثانية: إعادة بناء مسارات الإمداد، علماً بأن كل مسار جديد سيكون أطول، وأعلى تكلفة، وأبطأ، وأكثر عرضة للاستهداف بمجرد كشفه.

الثالثة: حماية بنية الحركة التحتية ذاتها وليس المنشآت العسكرية فحسب، بما يشمل الجسور العائمة، والسواتر الترابية، والمعابر المؤقتة، وفرق الإصلاح، وأرتال الوقود.

الرابعة: الحفاظ على الاستقرار المدني في المؤخرة، لا سيما في القرم، حيث بدأت الأزمة العسكرية تنعكس بالفعل على توفر البنزين، والمواد الغذائية، وحركة السياحة.

الخامسة: منع تحول الضغط اللوجستي إلى إخفاق عملياتي على خطوط الجبهة.

وفي المقابل، حصلت أوكرانيا على أداة لا تتطلب تحقيق اختراق بري ضخم وفوري؛ فهي تستطيع تجنب اقتحام الممر بالدبابات عبر جعله أقل صلاحية للعمليات العسكرية، ويمكنها تجنب تدمير المجموعة الروسية بأكملها من خلال حرمانها من الإمدادات المنتظمة، وتستطيع تفادي إغلاق القرم بالكامل عبر تحويلها إلى شبه جزيرة ترتبط بطريق يتواجد على الخارطة لكن كفاءته تتراجع في الواقع.

وفي هذا تحديداً يكمن جوهر المرحلة الجديدة من الحرب.

فالخط الأمامي لا يمر عبر الغابات والقرى المدمرة فحسب، بل يمر أيضاً عبر الجسور في تشونغار، وطريق "نوفوروسيا" السريع، وصهاريج الوقود بالقرب من أرميانسك، وعقد السكك الحديدية، والجسور العائمة، وطوابير محطات التعبئة، والأرتال الليلية، والمولدات التي لم تجد وقوداً كافياً لتشغيلها.

لقد اعتاد الجيش الروسي القتال بالاعتماد على الثقل العددي، بينما تحاول أوكرانيا جعل هذا الثقل يعلق على الطرق.

وإذا كُتب النجاح لهذه الاستراتيجية، فقد يدخل صيف عام 2026 التاريخ ليس كموسم للاختراقات الجبهوية الكبرى، بل كاللحظة التي بدأت فيها الحرب تُخسر من المؤخرة؛ شاحنة تلو أخرى، وجسراً تلو الآخر، وصهريجاً تلو الآخر.