نادراً ما تموت الاتفاقيات في الشرق الأوسط بضربة واحدة- بل تبدأ عادة في الموت لحظة ولادتها- بسبب عدم الثقة، والتحفظات الخفية، وعدم تطابق الخرائط التي تقرأ من خلالها العواصم المختلفة الواقع نفسه. وهذا هو بالضبط ما حدث لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.
بالنسبة لواشنطن، تبدو المذكرة بمثابة هدنة دبلوماسية بعد حرب منهكة، وفرصة لفتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغط على الأسواق، وإعادة الحديث عن البرنامج النووي إلى قاعة المفاوضات، وبيع صيغة للناخب الأمريكي مفادها: الرئيس الأمريكي ترامب أوقف الحرب دون جر البلاد إلى حملة أخرى لا نهاية لها في الشرق الأوسط.
بالنسبة لطهران، يبدو هذا بمثابة بقاء. فلم تستسلم إيران، ولم تتخل عن بنيتها الإقليمية، ولم تفكك برنامجها الصاروخي، ولم تسلم شبكات وكلائها، بل حصلت على ما ناضلت من أجله لسنوات: نافذة لرفع العقوبات، والوصول إلى الأموال، ومقعد مشروع على الطاولة، والاعتراف بأنه لا يمكن الاتفاق على الأمن من الخليج العربي إلى لبنان دونها.
بالنسبة لإسرائيل، يبدو الأمر مختلفاً. ليس سلاماً. وليس خفضاً للتصعيد. وليس نجاحاً دبلوماسياً. بل قرأت القدس ذلك على أنه تراجع استراتيجي لأمريكا وهدية خطيرة لإيران.
لم يكن الرد الإسرائيلي حاداً لأن السياسيين الإسرائيليين يكرهون أي دبلوماسية من حيث المبدأ. فقد أبرمت إسرائيل مراراً وتكراراً صفقات مع الأعداء، وقدمت تنازلات مؤلمة، واستبدلت الأرض بالأمن، وقبلت الضغوط الأمريكية، وشهدت تحولات دبلوماسية جذرية. ولكن هناك فئة خاصة من الاتفاقيات التي لا تُعتبر في إسرائيل بمثابة حل وسط، بل كتهديد لمبدأ البقاء الوطني نفسه. والاتفاق مع إيران يقع في هذه الفئة بالضبط.
لأن الأمر لا يتعلق بوثيقة واحدة، بل يتعلق بالبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، و"حزب الله"، وحماس، والحوثيين، ولبنان، ومضيق هرمز، والعقوبات، والأموال، ومكانة الولايات المتحدة، والبنية النفسية الكاملة للأمن الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر.
تنظر إسرائيل إلى هذه المذكرة ولا ترى ما هو مكتوب فيها، بل ترى ما ليس فيها.
كابوس إسرائيل الأكبر: إيران حصلت على هدنة مؤقتة ولم تنل الهزيمة
بدأ يوم الخميس العد التنازلي لمدة 60 يوماً للمفاوضات بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني والقضايا الحاسمة الأخرى. ورسمياً، لا يعد هذا اتفاقاً نهائياً، بل مذكرة تفاهم. وفي هذا الوضع الانتقالي تكمن المشكلة الأولى تحديداً.
بالنسبة لواشنطن، فإن الستين يوماً هي نافذة للدبلوماسية- وبالنسبة لإسرائيل، فهي نافذة لإعادة بناء إيران لقوتها.
لقد علقت الولايات المتحدة فعلياً جزءاً من ضغوط العقوبات، مما فتح المجال للعمليات المتعلقة بالنفط الإيراني، والمشتقات النفطية، والشحن، والتأمين، والخدمات المصرفية، والتسويات المالية. وفي التفسير السياسي، يعني هذا: إيران تحصل على الأكسجين- ليس رمزياً، بل مالياً. فبعد سنوات من العقوبات والحرب والضربات على البنية التحتية والضغط على الاقتصاد، تتاح لطهران الفرصة لتحويل النفط إلى أموال مجدداً، والأموال إلى استقرار للنظام، والاستقرار إلى تشدد في المفاوضات.
ويرى المنتقدون الإسرائيليون للصفقة هذا الأمر بالتحديد: طهران لم تُركع على ركبتيها، بل أُعيدت إلى اللعبة.
وصف رئيس تحرير صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" ديفيد هورويتز ما يحدث بأنه "استسلام كارثي". ووصف نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق تشاك فريليش المذكرة بأنها "انتصار إيراني على الولايات المتحدة وإسرائيل". وقال مستشار الأمن القومي السابق يعقوب عميدرور بعبارة أشد قسوة: هذا اتفاق سيئ يدفع فيه الأمريكيون نقداً، ولا يحصلون في أفضل الأحوال إلا على خطاب نوايا.
هذه التقييمات ليست مهمة فقط كمجرد عواطف، بل تظهر الخوف العميق لدى المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة: لقد نجت إيران من الحرب، وحافظت على نظامها، ولم تتخل عن أدوات قوتها الأساسية، وحصلت الآن على ممر دبلوماسي لإعادة البناء.
في الثقافة الاستراتيجية الإسرائيلية، لا يبدو هذا بمثابة حل وسط، بل كفشل لمنطق الردع. فالردع يقوم على فكرة بسيطة: يجب على المعتدي أن يفهم أن ثمن أفعاله سيكون أعلى من العوائد. وترى إسرائيل أن المذكرة تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فقد هددت إيران مضيق هرمز وحصلت على مفاوضات- وحافظت إيران على ترسانتها الصاروخية وحصلت على تخفيف للعقوبات- واحتفظت إيران بشبكات وكلائها وحصلت على اعتراف دولي بدورها في البنية الإقليمية.
ولهذا السبب كتب السناتور الجمهوري بيل كاسيدي أن هذا هو "أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عقود". وتعد صيغته دلالة واضحة بشكل خاص: لم يتم تقييد طموحات إيران النووية، واستوعبت طهران أن التهديد لمضيق هرمز يؤتي ثماره. وهذه ليست انتقادات أمريكية فحسب، بل هو تطابق شبه حرفي مع التشخيص الإسرائيلي.
صفقة بلا صواريخ: لماذا ترى إسرائيل المذكرة مليئة بالثغرات
تبدأ التحفظات الإسرائيلية على الاتفاق من الأمر الأكثر وضوحاً: فهو لا يفرض قيوداً على برنامج الصواريخ الإيراني.
هذه ليست تفصيلاً فنياً. فبالنسبة لإسرائيل، لا تشكل الصواريخ الإيرانية ملحقاً بالقضية النووية، بل نصفها الآخر. فالمواد النووية دون وسائل إيصال تمثل خطراً من نوع معين، أما القدرة النووية المدمجة مع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وشبكة من الجماعات المسلحة الحليفة، فهي تمثل بالفعل منظومة استراتيجية كاملة.
لقد أنشأت إيران على مدى العقود الماضية الترسانة الصاروخية الأكبر والأكثر تنوعاً في الشرق الأوسط. ومنطقها في ذلك بسيط: نظراً لأن الطيران التقليدي لإيران يتراجع أمام القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية والعربية، فقد راهنت طهران على الصواريخ والطائرات المسيرة، والاستراتيجيات غير المتماثلة، وإغراق العدو بوسائل تدمير رخيصة ومتعددة ويصعب اعتراضها بالكامل.
ولم تر إسرائيل هذا على الورق فحسب، بل شهدته عياناً في شكل ضربات، وصافرات إنذار، واعتراضات، ودمار، وليالٍ في الملاجئ، ومليارات من النفقات على الدفاع الصاروخي. لقد شكلت منظومات "القبة الحديدية" و"مقلاع داوود" و"آرو" والدعم الأمريكي درعاً دفاعياً فريداً، ولكن أي درع له حد أقصى للاستيعاب والإغراق. وينطلق الفكر العسكري الإسرائيلي من أنه لا يمكن الاستمرار في اللعب على جبهة الدفاع وحدها إلى ما لا نهاية إذا احتفظ العدو بالقدرة على إنتاج الصواريخ وتكديسها ونقلها.
لذلك، فإن غياب البند الصاروخي في الاتفاق لا يعتبر بالنسبة لإسرائيل مجرد نقص، بل هو ثقب في هيكل السفينة.
وعلى النقيض من ذلك، تحاول واشنطن تقديم هذا البند على أنه واقعية. حيث صرح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بأن هناك حاجة إلى "التكافؤ"، متحدثاً عن حق طهران في الدفاع عن النفس. وبالنسبة للدبلوماسية الأمريكية، يبدو هذا كصيغة للتوازن، أما بالنسبة لإسرائيل، فهو عبارة عن عبث استراتيجي.
لأن إسرائيل لا يعتبر برنامج الصواريخ الإيراني برنامجاً دفاعياً، بل ترى فيه أداة هجومية للضغط الإقليمي. فصواريخ إيران ليست مجرد حماية للأراضي الإيرانية، بل هي وسيلة للضغط على إسرائيل، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والقواعد الأمريكية، والممرات البحرية، ومسارات الطاقة، والإرادة السياسية للعواصم الغربية.
وفي هذا يكمن الخلاف الجوهري بين واشنطن والقدس. فالولايات المتحدة ترى في إيران دولة يمكن مناقشة قواعد السلوك معها، بينما ترى إسرائيل في إيران نظاماً ثورياً يستخدم المفاوضات كهدنة مؤقتة بين مراحل الضغط.
إمبراطورية وكلاء طهران: لماذا تعد حماس و"حزب الله" والحوثيون أهم من التوقيعات
والتحفظ الإسرائيلي الثاني أكثر خطورة: الاتفاق لا يفكك شبكة الجماعات الوكيلة لإيران.
بالنسبة للمراقب الخارجي، قد تبدو هذه جبهات منفصلة: غزة، ولبنان، واليمن، وسوريا، والعراق. أما بالنسبة لإسرائيل، فهذا مسرح عمليات واحد. ويُطلق عليه مسميات مختلفة- "محور المقاومة"، "طوق النار الإيراني"، شبكة المواقع الأمامية لطهران. لكن المعنى واحد: لقد تعلمت إيران منذ فترة طويلة محاربة إسرائيل ليس بأيديها فقط.
فحماس في غزة، و"حزب الله" في لبنان، والحوثيون في اليمن، والفصائل الشيعية في العراق، والبنية التحتية في سوريا- كلها عناصر ضغط تسمح لطهران بتوزيع المخاطر. فعندما تأتي الضربة من لبنان، لا تكون إيران في حالة حرب رسمياً. وعندما تنطلق الصواريخ من اليمن، يمكن لطهران إنكار المشاركة المباشرة. وعندما تقع الهجمات عبر الفصائل الفلسطينية، تحصل إيران على تأثير استراتيجي دون تحمل المسؤولية الكاملة كدولة.
لقد جعلت الصدمة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر هذا الموضوع ليس مجرد مسألة عسكرية، بل قضية وجودية. وأي اتفاق لا يمس شبكات وكلاء إيران يُنظر إليه في إسرائيل على أنه وثيقة تعالج الأعراض الخارجية وتتجاهل المرض نفسه.
ويبدو هذا الأمر مؤلماً بشكل خاص في السياق اللبناني. فالمذكرة تتضمن وقفاً لإطلاق النار في لبنان، على الرغم من أن إسرائيل ليست طرفاً في الاتفاق. ومن وجهة نظر واشنطن، يعد هذا محاولة لتوسيع نطاق خفض التصعيد ليشمل المنطقة بأكملها. أما من وجهة نظر إسرائيل، فهذا يكاد يكون إكراهاً دبلوماسياً: حيث تناقش الولايات المتحدة وإيران الترتيبات الأمنية على الحدود الشمالية لإسرائيل دون سيطرة إسرائيلية كاملة على العملية.
وقد أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالفعل أن إسرائيل لا تنوي قبول مثل هذه التركيبة تلقائياً. وحذر قائلاً: "النضال لم ينته بعد، وأمامنا تحديات جديدة". وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة الحماية الحازمة للمصالح الأمنية لإسرائيل، بما في ذلك وجود القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
هذه ليست مجرد بلاغة سياسية. فجنوب لبنان بالنسبة لإسرائيل ليس أرضاً مجردة، بل هو ذاكرة حربي عامي 1982 و2006، والانسحاب عام 2000، ونمو "حزب الله"، وعشرات الآلاف من الصواريخ المكدسة قرب الحدود، والبلدات في شمال إسرائيل التي تعيش تحت خطر الإخلاء والقصف المستمر.
وعندما تسمع إسرائيل صيغة "وقف إطلاق النار في لبنان"، فإنها تطرح سؤالاً عسكرياً لا دبلوماسياً: من سيقود نزع سلاح "حزب الله"؟ ومن يضمن عدم عودة بنيته التحتية إلى الحدود؟ ومن سيفحص الأنفاق والمستودعات ومنصات الإطلاق ونقاط المراقبة؟ وماذا سيحدث إذا كان الرد مجدداً هو الصمت؟
الفخ اللبناني: سلام قد يكبل يدي إسرائيل
أصبح البند اللبناني في الاتفاق أحد أكثر النقاط إثارة للاستياء في إسرائيل. وليس السبب في ذلك أن إسرائيل لا تريد الهدوء على جبهتها الشمالية، بل إنها تريده أكثر من أي طرف آخر؛ لكن الهدوء دون تفكيك التهديد- وفق المفهوم الإسرائيلي- لا يعني الأمن، بل هو مجرد تأجيل للحرب القادمة.
لقد لقن التاريخ إسرائيل مثل هذه الدروس من قبل. فبعد الانسحاب من جنوب لبنان في عام 2000، اعتقد الكثيرون أن السبب الرئيسي للنزاع قد زال، غير أن "حزب الله" لم يختفِ، بل تحول من تنظيم فدائي إلى جيش سياسي وعسكري داخل الدولة اللبنانية. وبعد حرب عام 2006، كان من المفترض أن تؤدي القرارات الدولية والضمانات الخارجية ووجود قوات حفظ السلام إلى الحد من تسلحه جنوب نهر الليطاني، لكن هذه المنظومة- في التقييم الإسرائيلي- لم تعمل بالشكل المطلوب.
لذا، يُنظر إلى مذكرة التفاهم الحالية في القدس على أنها تكرار لخطأ قديم: فالضمانات الدولية تبدو براقة على الورق، حتى تبدأ الصواريخ في الظهور على أرض الواقع.
إن المخاوف الإسرائيلية بسيطة ومباشرة: فالولايات المتحدة تريد تحقيق استقرار إقليمي سريع، لأن السياسة الأمريكية تحكمها الدورات الانتخابية، وأسعار النفط، والإنهاك من الحروب، والتنافس مع الصين. أما إسرائيل، فتعيش في واقع تقاس فيه المسافات بعشرات الكيلومترات فقط. وبالنسبة لواشنطن، يعد "حزب الله" مجرد عنصر في حزمة إقليمية متكاملة، أما بالنسبة لإسرائيل، فهو قوة مسلحة جاثمة عند عتبة بيتها.
لهذا السبب تحديداً، يصر نتنياهو على الاحتفاظ بحرية الحركة؛ فإسرائيل لا تريد أن تجد نفسها في موقف تُتهم فيه بأني أي تحرك تقوم به في لبنان يشكل خرقاً للمذكرة الأمريكية الإيرانية. وبعبارة أخرى، تخشى القدس أن تؤدي الصفقة ليس فقط إلى فرض نظام لوقف إطلاق النار، بل إلى بناء قفص سياسي يقيد تحركات الجيش الإسرائيلي.
الأموال الموجهة لإيران: لماذا تبدو 300 مليار دولار في إسرائيل كفاتورة لحرب قادمة
يعد ملف الأموال أحد أكثر العناصر سمية في هذه الصفقة؛ حيث يشير النص الذي أثار انتقادات واسعة إلى تقديم تسهيلات في العقوبات، وإتاحة الوصول إلى الأصول المجمدة، وتقديم مساعدات لإعادة الإعمار، وإنشاء صندوق للتنمية الاقتصادية بقيمة 300 مليار دولار.
وتحاول إدارة ترامب التخفيف من حدة هذا البند؛ إذ صرح جي دي فانس بأن هذا التمويل لن يكون متاحاً إلا في حال الوفاء بشروط الصفقة، وجاءت صيغته حازمة: "الكلمات لا قيمة لها، نحن نتحدث عن التحقق والرقابة".
لكن إسرائيل تتعامل مع مثل هذه الضمانات بتشكك بارد؛ فهي تتذكر جيداً السجال الذي دار حول الاتفاق النووي عام 2015. حينها، زعم مؤيدو خطة العمل الشاملة المشتركة أن رفع العقوبات سيكون مرتبطاً بالرقابة، وأن إيران ستصبح أكثر عقلانية، وأن التكامل الاقتصادي سيضعف الأجنحة الراديكالية في النظام. وكان الانتقاد الإسرائيلي مغايراً تماماً: فالأموال التي تُحرر من العقوبات لا تختفي في الدفاتر المحاسبية، بل تعزز قوة الدولة التي تمول أعداء إسرائيل.
وفي هذا النزاع، لا تكمن الأهمية في الضخامة الرقمية للمبلغ فحسب، بل في المنطق المحرك له.
فإذا حصلت إيران على مئات المليارات من الدولارات- حتى مع وجود قيود، وحتى عبر صناديق معينة وتحت المراقبة- فإن ذلك يغير من قدرتها على الصمود. وسيكون بمقدور النظام دفع رواتب الأجهزة الأمنية، ودعم السكان، وإعادة بناء البنية التحتية، وتمويل الحلفاء، وتطوير إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ، وشراء الوقت. وحتى لو تم توجيه جزء من الأموال رسمياً لإعادة الإعمار، فإن الأثر سيكون هيكلياً ونظامياً من خلال تحرير موارد أخرى.
ويدرك المحللون الإسرائيليون هذا الأمر تماماً؛ فالأموال نادراً ما تحمل علامات محددة لهويتها عندما تدخل في الجسد الاستراتيجي للدولة. فالدولار الواحد الموجه لإعادة بناء محطة كهرباء قد يحرر دولاراً آخر لصالح الحرس الثوري الإيراني. وعقد واحد للمواد الغذائية قد يخفف الضغط الداخلي ويمنح النظام مساحة أكبر للسياسة الخارجية. ووقفة واحدة للعقوبات قد تعيد لإيران الثقة بأنها صمدت أمام الضربة وانتزعت التنازلات.
لذلك، يُقرأ الشق المالي للمذكرة في إسرائيل على أنه دفعة مقدمة لتهديد قادم في المستقبل.
الذاكرة التاريخية لإسرائيل: من أوزيراك إلى إيران
لفهم رد الفعل الإسرائيلي، يجب الخروج من إطار الأخبار الحالية؛ فالرفض الإسرائيلي للاتفاق مع إيران لم يولد بالأمس، بل هو متجذر في عقيدة استراتيجية كاملة.
في عام 1981، شنت إسرائيل ضربة على المفاعل النووي العراقي "أوزيراك". حينها، صاغ رئيس الوزراء مناحيم بيغن مبدأً عُرف لاحقاً بـ"عقيدة بيغن"، ومفاده: أن إسرائيل لن تسمح لأي دولة معادية في المنطقة بالحصول على أسلحة دمار شامل. وقد صمد هذا المبدأ لعقود، وتجلى مجدداً في الضربة التي استهدفت المنشأة النووية السورية في عام 2007، وشكل الأساس نفسه للسياسة الإسرائيلية تجاه إيران.
إن معنى هذه العقيدة بسيط وصارم: فالدولة الصغيرة المحاطة بالأعداء لا تملك رفاهية الانتظار حتى يصبح التهديد غير قابل للاحتواء. وعندما يحصل العدو بالفعل على سلاح نووي، فإن الحرب الاستباقية تتحول إلى مخاطرة نووية؛ مما يعني أن التحرك يجب أن يكون في وقت مبكر.
وقد شكلت إيران الاختبار الأكثر تعقيداً لهذه العقيدة؛ فالمفاعل العراقي كان هدفاً نقطياً محركاً، والمنشأة السورية كانت كذلك، أما البرنامج الإيراني فهو عبارة عن شبكة ممتدة. فالمنشآت مشتتة، ومحمية، ومكررة، ومخفية تحت الأرض، ومرتبطة بقاعدة علمية، وصناعة، وكوادر، وأجهزة طرد مركزي، ويورانيوم، ولوجستيات، وإرادة سياسية. والضربة قد تؤخر البرنامج، لكنها قد لا تدمر المعرفة الكامنة وراءه دائماً.
لهذا السبب تحديداً، تتفاعل إسرائيل بحساسية مفرطة مع المفاوضات التي تترك لإيران البنية التحتية، والوقت، والحق في مزيد من المساومة. فوفق المنطق الإسرائيلي، لا تكون الدبلوماسية مقبولة إلا عندما تثبت الهزيمة الاستراتيجية للخيار النووي الإيراني؛ أما إذا كانت الدبلوماسية تثبت بقاء إيران كدولة على عتبة القدرة النووية، فإنها لا تعد دبلوماسية، بل تجميداً للمشكلة حتى الأزمة القادمة.
ومن هنا ينبع الانتقاد الإسرائيلي المستمر للاتفاقيات السابقة. ففي عام 2015، عارض نتنياهو الاتفاق النووي مع إيران، محذراً من أنه لا يلغي التهديد بل يؤجله فحسب. وفي عام 2018، انسحب الرئيس الأمريكي ترامب من ذلك الاتفاق، واعتبرت إسرائيل ذلك انتصاراً لوجهة نظرها. والآن، عندما يتجه ترامب نفسه إلى مذكرة جديدة مع طهران، فإن المنظومة الإسرائيلية لا تشعر بمجرد الاستياء، بل تشعر بخيانة استراتيجية للتوقعات.
نتنياهو بين الامتنان والمقاومة
يعد موقف نتنياهو معقداً للغاية؛ فهو لا يستطيع تحمل كلفة قطيعة علنية مع واشنطن، فالولايات المتحدة تظل الحليف العسكري والدبلوماسي والتكنولوجي الرئيسي لإسرائيل. والمساعدات الأمريكية، والذخائر، والدفاع الصاروخي، والغطاء الدبلوماسي، وحق الفيتو، والتنسيق الاستخباراتي- كلها أمور لا يمكن استبدالها بأي بدائل أخرى.
ولكن نتنياهو لا يمكنه أيضاً أن يبدو في مظهر الشخص الذي وافق على صفقة تهدد أمن إسرائيل.
لذلك، تبنى خطابه توازناً دقيقاً؛ فمن ناحية، يعرب عن تقديره العميق للولايات المتحدة على الشراكة، ومن ناحية أخرى، يتحدث عن ضرورة الدفاع الحازم عن المصالح الأمنية الإسرائيلية. وهذا هو لغة الحليف الذي يستعد بالفعل للدخول في جدال مع حليفه.
وقد فهم فانس هذا الأمر تماماً بناءً على رده الحاد؛ حيث إن عبارته التي أشار فيها إلى أنه لو كان عضواً في الحكومة الإسرائيلية لما هاجم "الحليف القوي الوحيد" المتبقي لإسرائيل، لم تكن مجرد تعليق دبلوماسي عابر، بل كانت بمثابة تحذير مباشر.
لقد أفهمت الإدارة الأمريكية إسرائيل أن انتقاد الصفقة قد يكون له ثمن؛ فواشنطن لم تعد ترغب في أن تملي الحكومة الإسرائيلية علناً حدود السياسة الأمريكية تجاه إيران.
ويمثل هذا إشارة خطيرة لإسرائيل، ليس لأن الولايات المتحدة كفت عن كونها حليفاً، بل لأن السياسة الأمريكية تشهد تنامياً لفكرة أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتطابق دائماً. وبعد عقود من الارتباط التلقائي شبه المطلق، يبدو هذا بالنسبة للقدس بمثابة تحول جيوسياسي وتكتوني كبير.
واشنطن تعبت من الحرب، وإسرائيل تخشى سلاماً بشروط الآخرين
إن الخلاف الرئيسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم لا يكمن في الوقائع، بل في أفق المخاوف.
أمريكا تخشى حرباً كبرى جديدة، وإسرائيل تخشى سلاماً سيئاً.
فبالنسبة لإدارة ترامب، أصبحت الحرب مع إيران مكلفة ومحفوفة بالمخاطر وغير واضحة المعالم سياسياً. وحتى لو ألحقت الولايات المتحدة وإسرائيل أضراراً جسيمة بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية، فإن الأسئلة الرئيسية ظلت مفتوحة: فالقدرة النووية لم تختفِ تماماً، والصواريخ لم تُلغَ، وشبكات الوكلاء لم تُفكك، والنظام لم يسقط. وكان استمرار الحرب يهدد بضربات جديدة على القواعد الأمريكية، وصدمة نفطية، وإغلاق مضيق هرمز، وأزمة في الكونغرس، وإنهاك مجتمعي.
وفق هذا المنطق، تبدو الصفقة عقلانية: إيقاف النزيف، وتثبيت الهدنة، واختبار إيران، وإعادة المفتشين، وفتح المضيق، وخفض الأسعار، مع الاحتفاظ بإمكانية توجيه ضربة في حال حدوث أي خرق.
لكن إسرائيل ترى أن واشنطن تخلط بين التهدئة المؤقتة والحل الجذري. فبالنسبة للقدس، لا تكمن المشكلة في أن الحرب قد انتهت، بل في أنها انتهت دون تحقيق نتيجة استراتيجية واضحة.
وقد صاغ السناتور الديمقراطي كريس ميرفي هذا الأمر من منظور آخر، لكن بروح تقارب الرؤية الإسرائيلية؛ حيث أشار إلى أن الولايات المتحدة حاربت إيران لمدة 100 يوم، وفي النهاية لا تزال إيران تمتلك برنامجاً نووياً وصواريخ وطائرات مسيرة ودعماً للإرهاب. وتكتسب كلماته أهمية لأن انتقاد الصفقة لا يأتي فقط من الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل، بل هو أوسع نطاقاً؛ إذ يرى جزء من المؤسسة الحاكمة الأمريكية أيضاً عدم اتساق بين كلفة الحرب ومضمون المذكرة.
ومع ذلك، هناك أمريكا أخرى؛ فقد صرح السناتور الجمهوري روجر مارشال بأن الرئيس الأمريكي ترامب اختار الطريق نحو سلام دائم، بدلاً من حرب أبدية أخرى. وتكشف هذه العبارة عن الجاذبية السياسية للصفقة داخل الولايات المتحدة؛ إذ يمكن القول للناخب الأمريكي: نحن لم نستسلم، بل أوقفنا الحرب، وحمينا أمريكا، وخفضنا النفقات في الداخل.
أما الناخب الإسرائيلي، فلا يمكن بيع مثل هذه المعادلة له؛ فهو لن يسأل عن أسعار البنزين في الولايات المتحدة، بل سيسأل عن عدد الصواريخ التي ستبقى لدى "حزب الله"، وأين سيكون اليورانيوم، ومن سيفحص الأنفاق، وماذا سيحدث بعد 60 يوماً.
الخوف الإسرائيلي من "7 أكتوبر دبلوماسي"
شبه بعض المعلقين الإسرائيليين المذكرة بـ"7 أكتوبر دبلوماسي". والصيغة حادة للغاية وقد تكون مثيرة للجدل، لكنها تفسر العمق العاطفي لرد الفعل الإسرائيلي.
لقد شكل تاريخ 7 أكتوبر بالنسبة لإسرائيل ليس فقط مأساة، بل انهياراً لليقين والثقة؛ فالدولة التي بنيت لعقود على عقيدة التفوق الاستخباراتي والعسكري والتكنولوجي والتحكم الاستباقي، واجهت فجأة فشلاً في الإنذار والدفاع والاطمئنان السياسي. وبعد هذا الحدث، أصبح المجتمع الإسرائيلي أقل تسامحاً بكثير مع كلمات مثل "الضمانات"، و"الآليات"، و"المراقبة"، و"التحكم الدولي".
وعندما تقول واشنطن الآن: إن إيران لن تحصل على الأموال إلا بعد التحقق، تسمع إسرائيل: مجرد ورق جديد بدلاً من الواقع الملموس. وعندما تتحدث الولايات المتحدة عن آلية لخفض التصعيد في لبنان، تسمع إسرائيل: وسطاء مجدداً بدلاً من نزع السلاح. وعندما يتحدث فانس عن التكافؤ، تسمع إسرائيل: مساواة أخلاقية مجدداً بين دولة تحمي مواطنيها ونظام يسلح أعداءها.
وبهذا المعنى، فإن رفض الصفقة ليس مجرد موقف سياسي لنتنياهو، بل هو رد فعل لمجتمع عاش كارثة تهاوي الثقة. وقد يختلف الإسرائيليون حول الحكومة، والحرب، وغزة، والإصلاح القضائي، ونتنياهو؛ لكن فيما يتعلق بإيران، هناك إجماع أوسع نطاقاً: التهديد النووي والصواريخ وشبكات الوكلاء أمور لا يجب تأجيل التعامل معها إلى وقت لاحق.
إيران كصاحبة نفس طويل في اللعبة استراتيجياً
وما يزيد من حدة القلق الإسرائيلي هو أن طهران تتقن اللعبة الطويلة؛ فلم تقم السياسة الخارجية الإيرانية منذ ثورة عام 1979 على الانتصارات السريعة، بل بنيت على الصبر، وشبكات الحلفاء، والتعبئة الأيديولوجية، ومسارات التهريب، والقنوات غير الرسمية، وإنكار المسؤولية المباشرة، والقدرة على تحمل العقوبات. وغالباً ما تقدم طهران تنازلات تكتيكية للحفاظ على النواة الاستراتيجية.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن مذكرة التفاهم الحالية تتناسب تماماً مع هذا النموذج؛ إذ توافق إيران على المفاوضات، وتسمح بالحديث عن عمليات التفتيش، وتمنح العالم الخارجي أملاً في الاستقرار، ولكنها لا تتخلى عن أصولها الرئيسية: النظام، والصواريخ، والوكلاء، والمعرفة النووية، والنفوذ الإقليمي.
علاوة على ذلك، تحصل إيران على جائزة سياسية كبرى: فالاعتراف بدورها في لبنان يصبح في الواقع جزءاً من المساومة الأمريكية الإيرانية. وإذا كانت الولايات المتحدة وإيران هما من يتحدثان عن وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، فهذا يعني أن طهران لا تظهر فقط كجزء من المشكلة، بل كوسيط في حل المشكلة التي دأبت هي نفسها على خلقها لعقود.
ويعد هذا أمراً خطيراً بشكل خاص على إسرائيل؛ فالاعتراف بدور إيران في التسوية الإقليمية قد يحولها مع مرور الوقت من هدف معزول إلى مشارك حتمي في بنية الأمن. وبعبارة أخرى، يتحول العدو من منبوذ إلى شريك في امتلاك المفاتيح.
لماذا لا تؤمن إسرائيل بجدوى الرقابة والتحقق
تراهن إدارة ترامب على التحقق؛ حيث قال فانس: "الكلمات لا تهم، المهم هو التحقق". وعلى الورق، يبدو هذا حجة قوية، لكن إسرائيل تطرح سؤالاً آخر: ما الذي يجب التحقق منه بالضبط إذا كان الاتفاق لا يغطي المجموعة الكاملة من التهديدات؟
يمكن التحقق من وصول المفتشين إلى منشأة ما، ولكن من الصعب جداً التحقق من المخزونات المخفية، والسلاسل الموازية، والأبحاث العسكرية، وإنتاج الصواريخ، ونقل التكنولوجيا إلى الجماعات الوكيلة، والتدفقات المالية عبر دول ثالثة، ودور الحرس الثوري الإيراني، والمستودعات السرية، والقرارات التي تُتخذ داخل النواة الأمنية للنظام وليس في الحكومة العلنية.
ويشير التاريخ الإسرائيلي إلى أن الرقابة تكون جيدة فقط عندما يتبع الخرق ثمن مباشر؛ أما إذا كان الخرق يؤدي إلى جولة أخرى من المفاوضات، فإن الرقابة تتحول إلى مجرد ديكور.
وفي هذا الصدد، تبدو مهلة الستين يوماً بمثابة مخاطرة وليست ضمانة. فبعد شهرين، يمكن للأطراف أن تعلن عن حدوث تقدم وتمدد العملية، ثم تنشئ لجان فنية، ثم تجادل حول التفاصيل، ثم تناقش الترتيب: هل ترفع العقوبات أولاً أم تجرى عمليات التفتيش أولاً، ثم تتجادل حول الصياغات. وهكذا تتحول الدبلوماسية إلى آلية لشراء الوقت.
وإيران قوية جداً في هذا النوع من الإدارة، وإسرائيل تدرك ذلك؛ لذا فإن رفضها للصفقة ليس مجرد نزوة، بل هو نتاج خبرة تاريخية من المفاوضات مع نظام غالباً ما حول الاتفاقيات المؤقتة إلى هدنة استراتيجية.
المعضلة الأمريكية: ترامب في مواجهة تحالفه الخاص
لم تفجر الصفقة مع إيران السياسة الإسرائيلية فحسب، بل قسمت أيضاً معسكر الدعم الأمريكي لترامب.
إذ يرى جزء من الجمهوريين في المذكرة تراجعاً عن الخط المتشدد؛ فبالنسبة لهم، لا تعد إيران شريكاً في الاستقرار، بل الراعي الرئيسي للعنف المناهض لأمريكا في الشرق الأوسط. ولا يفهمون كيف يمكن، بعد الحرب والتهديدات وضربات القوة وتصريحات الحزم، توقيع وثيقة تترك لإيران كل هذه المساحة.
أما الجزء الآخر من الجمهوريين فيدعم الرئيس تحديداً لأنه وعد بعدم جر الولايات المتحدة إلى حروب أبدية؛ فبالنسبة لهم، لا تعبر الصفقة عن ضعف، بل عن براغماتية. وأمريكا، وفق هذا المنطق، يجب أن تحمي مصالحها، لا أن تحارب إلى ما لا نهاية من أجل أهداف الآخرين القصوى.
وهنا يبرز سؤال صعب لإسرائيل: ماذا تفعل إذا كانت السياسة اليمينية الأمريكية الجديدة لم تعد تتطابق تلقائياً مع السياسة اليمينية الإسرائيلية؟ لسنوات عديدة، بدا أن أمريكا المحافظة والمعسكر اليميني الإسرائيلي يتحدثان لغة واحدة تقريباً: إيران هي العدو، والضغط هو الخيار الصحيح، والصفقات خطيرة، والقوة هي الحجة الأفضل.
أما الآن فالصورة أكثر تعقيداً؛ فقد تعاظم داخل اليمين الأمريكي الدافع الانعزالي والمناهض للتدخل العسكري. وقد يدعم هذا التيار إسرائيل عاطفياً، لكنه ليس مستعداً بالضرورة لدفع كلفة أي تصعيد إقليمي. وقد عبر فانس عن هذه القسوة الجديدة بالتحديد: يجب على إسرائيل أن تتذكر من هو حليفها، ولكن الحليف ليس ملزماً بقبول جميع المطالب الإسرائيلية.
ويمثل هذا استفاقة غير سارة للقدس؛ فأمريكا تظل لا غنى عنها، ولكنها لم تعد دائماً قابلة للتنبؤ.
نتنياهو يخسر اللحظة الدبلوماسية
وداخلياً في إسرائيل، تُعتبر الصفقة بمثابة ضربة لنتنياهو شخصياً؛ فهو قد بنى سيرته السياسية لعقود حول أطروحة واحدة: أنه الشخص الوحيد القادر على إقناع العالم بالتهديد الإيراني. وقد تحدث في الأمم المتحدة حاملاً رسومات للقنبلة، وجادل الرؤساء الأمريكيين، وخطب في الكونغرس الأمريكي، ودعم الخط المتشدد ضد طهران، وقدم نفسه كشخص يرى الخطر قبل الآخرين.
والآن، يقوم حليفه الرئيسي- الرئيس الأمريكي ترامب- بتوقيع مذكرة يعتبرها الكثيرون في إسرائيل تنازلاً لإيران.
ويخلق هذا لنتنياهو مفارقة سياسية مؤلمة؛ فإذا هاجم الصفقة بقسوة مفرطة، فإنه يخاطر بالعلاقات مع ترامب، وإذا قبلها بلين مفرط، فإنه يخاطر بصورته كحامٍ لإسرائيل. لذلك، يختار خطاً وسطاً: الإعراب عن الامتنان للولايات المتحدة مع رفض تكبيل يدي إسرائيل.
ولكن هذا الخط غير مستقر؛ فإذا حصلت إيران بعد 60 يوماً على تنازلات جديدة، ستزداد الانتقادات الإسرائيلية حدة. وإذا حافظ "حزب الله" على مواقعه، سيطالب حلفاء نتنياهو من اليمين بالتحرك. وإذا بدأت الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل بشأن لبنان، فقد تتحول الأزمة إلى مواجهة علنية. وإذا خرقت إيران الشروط، سيقول نتنياهو: "لقد حذرناكم".
وفي كل الأحوال، أصبحت المذكرة بالفعل ضربة لرأسماله السياسي الرئيسي- وهو القدرة على إدارة التوجه الأمريكي.
السؤال الأهم: هل هذا ميونخ، أم الاتفاق النووي، أم واقع جديد؟
لأي صفقة كبرى مع العدو ظلالها التاريخية؛ فالخصوم يتذكرون على الفور اتفاق ميونخ عام 1938: التنازلات للمعتدي لا تجلب السلام، بل تقرب الحرب فقط. أما المؤيدون فيتذكرون الحرب الباردة: حتى مع الأنظمة الخطيرة يجب التحدث، إذا كان البديل هو الكارثة. وفي حالة إيران، يتذكرون أيضاً الاتفاق النووي لعام 2015: فقد كان بالنسبة للبعض نموذجاً ناجحاً للرقابة، وللبعض الآخر تأجيلاً خطيراً.
وتقع مذكرة التفاهم الحالية بين هذه المقارنات، لكنها لا تتطابق تماماً مع أي منها؛ فهذا ليس سلاماً كاملاً، وليس استسلاماً لإيران، وليس تصفية للتهديد النووي، وليس تفكيكاً لشبكات الوكلاء، وليس صفقة نهائية. بل هي هدنة مؤقتة، غُلفت في إطار نجاح دبلوماسي.
والمشكلة هي أن الفترات الانتقالية والهدن في الشرق الأوسط غالباً ما تصبح جزءاً من الحرب؛ فالأطراف تستغلها ليس للمصالحة، بل لإعادة التموضع والترتيب. حيث تستعيد الدول اقتصادها، وتغير الهياكل العسكرية مساراتها، ويتوارى الوكلاء في الظل، وينشئ الدبلوماسيون اللجان، ويتعب المجتمع من المتابعة. ثم تعود الأزمة مجدداً- ولكن في ثوب جديد.
وهذا هو بالضبط ما تخشاه إسرائيل.
لماذا يمكن أن تفشل الصفقة
تمتلك مذكرة التفاهم عدة نقاط ضعف أساسية:
أولاً- عدم تماثل التوقعات: فالولايات المتحدة تريد اتفاقاً نهائياً خلال 60 يوماً، بينما تريد إيران تخفيفاً للعقوبات مع الحفاظ على أصولها الاستراتيجية، في حين تريد إسرائيل حرية الحركة وتفكيك التهديدات. وهذه الأهداف يصعب التوفيق بينها.
ثانياً- العقدة اللبنانية: لا يمكن تحقيق الاستقرار في شمال إسرائيل دون حل مسألة "حزب الله"، ولا يمكن حل مسألة "حزب الله" دون المساس بإيران، ولا يمكن المساس بإيران إذا أصبحت إيران نفسها شريكاً في الاتفاق. إنها حلقة مفرغة.
ثالثاً- البرنامج الصاروخي: إذا بقي هذا البرنامج خارج الوثيقة، ستعتبر إسرائيل الصفقة ناقصة، وإذا أُدرج فيها، فقد تنسحب إيران من العملية. وتحاول واشنطن تأجيل المشكلة، لكن المشكلة المؤجلة لا تختفي.
رابعاً- الأموال: أي تخفيف مالي كبير لصالح إيران سيثير الشكوك في أن النظام لن يعيد بناء الطرق ومحطات الكهرباء فحسب، بل سيعيد بناء آلة نفوذه الإقليمية أيضاً.
خامساً- السياسة الداخلية: في الولايات المتحدة، تتعرض الصفقة لهجوم من كلا الجانبين. وفي إسرائيل، لا تحظى بقبول من جانب أجزاء واسعة من النخبة السياسية والخبراء. وفي إيران، يمكن للقوى المتشددة أيضاً استخدام المفاوضات كدليل على أن الضغط قد أتى بثماره.
مثل هذه الاتفاقيات لا يمكن أن تعيش إلا في ظل مستوى عالٍ من الثقة، وهنا يكاد يكون منعدماً.
ماذا ستفعل إسرائيل بعد ذلك
على الأرجح، لن تقطع إسرائيل علاقاتها مع واشنطن فوراً ولن تخرب المذكرة علناً، بل ستختار استراتيجية أكثر تعقيداً.
أولاً- ستطالب القدس بضمانات مكتوبة من الولايات المتحدة بشأن حرية الحركة ضد التهديدات المباشرة، لا سيما في لبنان وسوريا.
ثانياً- ستكثف إسرائيل الرقابة الاستخباراتية على البنية التحتية النووية الإيرانية، ونقل اليورانيوم، وعمل أجهزة الطرد المركزي، وإعادة بناء المنشآت.
ثالثاً- ستعمل الدبلوماسية الإسرائيلية مع الكونغرس، وخاصة مع الجمهوريين والديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل، للحد من حجم التنازلات المقدمة لإيران.
رابعاً- ستؤكد إسرائيل علناً وسراً أنها ليست طرفاً في الصفقة الأمريكية الإيرانية، ولا تعتبر نفسها ملزمة بالبنود التي تهدد أمنها.
خامساً- قد تلجأ إلى عمليات موجهة وضبط نقطي ضد البنية التحتية للوكلاء، إذا رأت إسرائيل أن إيران أو "حزب الله" يستغلان الهدنة المؤقتة لاستعادة القوى.
وهنا تحديداً يكمن خطر حدوث تصعيد جديد. فإذا اعتبرت الولايات المتحدة هذه الإجراءات تقويضاً للدبلوماسية، بينما تراها إسرائيل دفاعاً ضرورياً عن النفس، فسيدخل الحليفان في صراع ليس بسبب الهدف، بل بسبب الوسيلة.
الصفقة كمرآة للشرق الأوسط الجديد
الأمر الأكثر أهمية في هذه القصة ليس المذكرة نفسها، بل ما أظهرته وكشفته:
لقد أظهرت أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة للسير دون قيد أو شرط خلف الخط المتشدد لإسرائيل تجاه إيران.
وأظهرت أن إيران، حتى بعد الضربات والحرب، تحتفظ بالقدرة على المساومة من موقع الأهمية والتأثير.
وأظهرت أن مضيق هرمز يظل سلاحاً يمكنه تغيير قرارات الدول العظمى.
وأظهرت أن لبنان لم يعد قضية لبنانية فحسب، بل أصبح جزءاً من المساومة الأمريكية الإيرانية.
وأظهرت أن إسرائيل، بعد 7 أكتوبر، تعيش في حالة من عدم التسامح الاستراتيجي مع الغموض وعدم اليقين.
وأخيراً، أظهرت أن الصيغة السابقة المتمثلة في "أمريكا تحارب دبلوماسياً، وإسرائيل تحتفظ بالخيار العسكري" أصبحت تزداد صعوبة.
واشنطن تريد إنهاء الحرب، والقدس تريد إنهاء التهديد، وهذه مهام مختلفة.
نهاية بلا خاتمة
لم تتحول مذكرة التفاهم مع إيران إلى سلام بعد، لكنها أصبحت بالفعل أزمة ثقة. لم تحل المشكلة النووية، لكنها غيرت الأجواء الدبلوماسية. لم تنزع سلاح "حزب الله"، لكنها أدرجت لبنان في مساومة كبرى. لم تحسم ملف الصواريخ الإيرانية، لكنها منحت طهران الوقت. لم تقطع التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكنها كشفت عصب الحساسية فيه علناً ولأول مرة منذ فترة طويلة.
إن الرفض الإسرائيلي للصفقة لا يفسر بالهستيريا أو بالعادة في مجادلة العالم، بل يفسر بالحسابات الباردة لدولة ترى أن الصفقة السيئة مع إيران لا تمنع الحرب، بل تنقلها إلى توقيت أكثر خطورة.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الستين يوماً هي فرصة دبلوماسية.
بالنسبة لإيران، فإن الستين يوماً هي هدنة استراتيجية.
بالنسبة لإسرائيل، فإن الستين يوماً هي عد تنازلي.
ولهذا السبب تحديداً، لا يصفقون في القدس، بل يستمعون هناك ليس إلى خطابات الدبلوماسيين، بل إلى الصمت الذي يسبق صافرة الإنذار القادمة.