...

في السياسة الكبرى لا تنفجر الصواريخ دائما، ولا خطوط الغاز، ولا المعابر الحدودية. احيانا ينفجر الرمز. هذا ما حدث مع وسام النسر الابيض، اعلى جائزة رسمية في بولندا، والذي منحه البولنديون للرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي عام ٢٠٢٣ بوصفه اعترافا بالمقاومة الاوكرانية للعدوان الروسي. بعد ثلاثة اعوام، تحول الوسام نفسه من علامة ثقة الى موضوع اهانة علنية، واتهام تاريخي، وقطيعة دبلوماسية.

في ١٩ يونيو ٢٠٢٦ اعلن الرئيس البولندي كارول نافروتسكي انه يجرد زيلينسكي من وسام النسر الابيض. الذريعة الرسمية كانت قرار الرئيس الاوكراني منح احدى وحدات قوات العمليات الخاصة التابعة للقوات المسلحة الاوكرانية اسما شرفيا هو «ابطال جيش المتمردين الاوكراني». بالنسبة الى كييف كان ذلك جزءا من سياسة استعادة التقاليد العسكرية الوطنية. اما بالنسبة الى وارسو فكان ضربة مؤلمة للذاكرة التاريخية المرتبطة بمأساة فولينيا وبالقتل الجماعي للبولنديين خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.

غير ان الحجم الحقيقي للازمة لم يتضح لحظة تصريح نافروتسكي، بل في اليوم التالي، حين لم يدخل زيلينسكي في جدل، ولم يقدم تبريرات، ولم ينخرط في مراسلات قانونية. لقد اعاد الوسام ببساطة عبر اكبر شركة لوجستية خاصة في اوكرانيا، ونشر صورة للجائزة مع ايصال الشحن البريدي.

كان ذلك فعلا سياسيا باردا، محسوبا، وقاسيا للغاية. قال زيلينسكي لوارسو عمليا: اذا كانت اعلى جائزة بولندية تستطيع ان تبقى في الصف التاريخي نفسه مع كاترينا الثانية، وبينيتو موسوليني، وغيرد شرودر، لكنها لا تستطيع ان تبقى لدى رئيس دولة تصد الجيش الروسي، فلن تتمسك اوكرانيا بها.

في تلك اللحظة تحديدا، لم يعد الخلاف خلافا حول وسام. صار خلافا حول من يملك حق املاء الذاكرة التاريخية على اوكرانيا، واين تنتهي الامتنان للحليف واين يبدأ الضغط السياسي، وما الثمن الذي تستعد اوروبا الشرقية لدفعه كي ينتصر الماضي من جديد على الحاضر.

لماذا رد زيلينسكي بطرد بريدي لا بالكلمات

في الثقافة السياسية الاوكرانية، تكون الاشارة احيانا اهم من البيان. زيلينسكي يفهم ذلك افضل من كثيرين. رده على نافروتسكي لم يكن نوبة انفعال، بل مشهدا سياسيا مركبا بعناية.

العنصر الاول كان ارسال الوسام نفسه. لم ينتظر زيلينسكي انتهاء الاجراءات القانونية البولندية، ولا نشر القرار في الجريدة الرسمية البولندية، ولا توقيع رئيس الوزراء دونالد توسك اذا كان ذلك مطلوبا. لقد انتزع المبادرة. كان نافروتسكي يريد سحب الجائزة علنا، فرد زيلينسكي باعادتها علنا بنفسه.

العنصر الثاني كان الصياغة. اكد الرئيس الاوكراني ان الوسام عام ٢٠٢٣ لم يكن، كما قيل في حينه، موجها اليه شخصيا فقط، بل الى الشعب الاوكراني والجيش الاوكراني. وبالتالي، حسب منطقه، لم يوجه قرار نافروتسكي الضربة الى سياسي واحد، بل الى المكانة الرمزية لدولة تقاتل كلها.

العنصر الثالث كان الامتنان للشعب البولندي. لم تكن هذه مجاملة دبلوماسية عابرة. في المجتمع البولندي يتزايد منذ سنوات التذمر من اللاجئين الاوكرانيين، ومن نزاعات الحبوب، ومن المنافسة في سوق العمل، ومن الشعور بان كييف لا تظهر ما يكفي من الامتنان لوارسو. اغلق زيلينسكي هذه الجبهة مباشرة: اوكرانيا تتذكر التضامن البولندي، لكنها لا تقبل الاهانة.

العنصر الرابع كان شركة البريد الجديدة. للوهلة الاولى تبدو هذه تفصيلا يوميا عاديا. لكنها في الحقيقة رمز سياسي قوي. في ظروف الحرب اصبحت اللوجستيات الاوكرانية جزءا من الصمود الوطني. هذه الشركة لا تنقل الطرود فقط، بل تنقل الحياة اليومية الطبيعية لبلد يعيش تحت الضربات. والهجمات الروسية على مراكزها اللوجستية ترسخت في الوعي الاوكراني منذ زمن بوصفها ضربات لا على شركة تجارية، بل على الجهاز العصبي للمجتمع. بارساله الوسام البولندي عبر هذه البنية التحتية تحديدا، حول زيلينسكي اعادة الجائزة الى عرض للقوة الداخلية الاوكرانية: حتى اهانة الحليف تعالجها اوكرانيا من خلال مؤخرة عسكرية عاملة.

نافروتسكي ضغط على اكثر ازرار السياسة البولندية ايلاما

لم يتحرك كارول نافروتسكي في فراغ. السياسة البولندية تنزاح نحو اليمين منذ زمن، والموضوع الاوكراني يتحول تدريجيا من اجماع اخلاقي نشأ عام ٢٠٢٢ الى حقل سام في الصراع الداخلي.

في الاشهر الاولى من العدوان الروسي الواسع على اوكرانيا، لم تكن بولندا مجرد حليف لكييف. لقد صارت عمقا خلفيا، وممرا انسانيا، وعقدة عبور عسكري، ومحاميا سياسيا داخل اوروبا. عبر بولندا مر اللاجئون، والعتاد، والذخائر، والدعم الدبلوماسي. ارادت وارسو ان تكون الخبير الاوروبي الاول في اوكرانيا، وقائدة اوروبا الوسطى.

لكن الذاكرة التاريخية لم تختف قط من السياسة البولندية. تبقى مأساة فولينيا واحدة من اثقل الملفات في العلاقات البولندية الاوكرانية. بالنسبة الى قسم كبير من المجتمع البولندي، لا يمثل جيش المتمردين الاوكراني تنظيما سريا مناهضا للسوفييت ولا رمزا للكفاح من اجل الاستقلال، بل بنية مرتبطة بعنف جماعي ضد السكان البولنديين. وبالنسبة الى قسم كبير من المجتمع الاوكراني، يمثل ذلك الجيش جزءا من تقليد مناهض للامبراطورية، ومناهض للسوفييت، ومرتبط بالتحرر الوطني. هاتان الذاكرتان لا تختلفان فقط. انهما غير قابلتين للتوفيق على مستوى الشفرة العاطفية.

حين منح زيلينسكي احدى الوحدات الاوكرانية اسم «ابطال جيش المتمردين الاوكراني»، اتخذ خطوة كان يمكن ان تراها كييف عملا داخليا في رمزية الحرب. اما في وارسو فقد قرئت كتحد. لم يكن نافروتسكي قادرا على ترك هذا التحدي بلا رد، خصوصا في ظرف دخلت فيه السياسة الداخلية البولندية طور الاستعداد للانتخابات البرلمانية عام ٢٠٢٧.

في النتيجة اختار الرئيس البولندي لا قناة دبلوماسية، ولا حوارا مغلقا، ولا محاولة للبحث عن صيغة تسوية تاريخية. اختار عقوبة علنية: سحب اعلى جائزة. كانت خطوة موجهة الى الجمهور البولندي. لكن عواقبها خرجت فورا الى ما هو ابعد بكثير من حدود بولندا.

توسك وقع في فخ بناه له نافروتسكي

الموقع الاكثر تعقيدا في هذه الازمة ليس موقع زيلينسكي، ولا حتى موقع نافروتسكي. الموقع الاصعب هو موقع رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك.

البنية الدستورية البولندية تجعل الوضع ملتبسا قانونيا. الرئيس البولندي يمنح الاوسمة، لكن مسألة سحب اعلى وسام تصطدم بالاجراءات. يشير بعض رجال القانون البولنديين الى ان اعمال الرئيس تحتاج الى توقيع مضاد من رئيس الوزراء اذا لم تكن ضمن قائمة الاستثناءات. منح الاوسمة يدخل في هذه القائمة، اما سحب الوسام فلا يدخل فيها. في المقابل، يستند اخرون الى قانون الجوائز الذي يسمح للرئيس بتجريد شخص من الوسام اذا ارتكب المكرم فعلا يجعله غير جدير بالجائزة.

بعبارة اخرى، اطلق نافروتسكي موقفا سياسيا، لكن المصير القانوني النهائي للقرار ما زال مرتبطا بآلية الدولة البولندية. وما دام القرار لم ينشر في الجريدة الرسمية البولندية، يبقى وضع زيلينسكي كحامل لوسام النسر الابيض مفتوحا.

بالنسبة الى توسك، هذا وضع بلا مخرج مريح. اذا عرقل قرار نافروتسكي، فسيتهمه خصومه بالاستخفاف بالذاكرة التاريخية البولندية وبالتنازل لكييف. في المناخ البولندي الراهن، لم تعد صفة «السياسي المؤيد لاوكرانيا» تبدو دائما كمديح. بالنسبة الى الناخب اليميني، تتحول هذه الصفة على نحو متزايد الى اتهام.

اما اذا مرر توسك القرار، فسيعترف بالنصر السياسي لنافروتسكي، وسينضم فعليا الى منطق الضغط على كييف. سيؤدي ذلك الى تدهور العلاقات مع اوكرانيا، وسيضرب الطموحات البولندية في السياسة الاوروبية، وسيمنح برلين وباريس ولندن حجة اضافية لابعاد وارسو عن صيغ التفاوض المستقبلية.

حاول رئيس الوزراء ان يتخذ موقع الرجل العاقل في الغرفة. كتب ان الصراع بين بولندا واوكرانيا يفرح بوتين ويصدم الحلفاء، وان مهمة رئيسي البلدين هي خفض حرارة الانفعالات لا تأجيج التوتر. لكن هذه العبارة لا تحل السؤال الرئيسي: هل سيوقع توسك على خط نافروتسكي السياسي ام سيوقفه.

كان من المفترض ان تصبح غدانسك واجهة لاعادة اعمار اوكرانيا لكنها الان تخاطر بان تتحول الى ديكور للازمة

ما يجعل هذه الفضيحة خطيرة على نحو خاص هو التوقيت. فبعد ايام قليلة من قرار نافروتسكي، في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من يونيو ٢٠٢٦، من المقرر ان تستضيف غدانسك مؤتمرا دوليا كبيرا مخصصا لاعادة اعمار اوكرانيا.

بالنسبة الى كييف، لهذا الحدث اهمية استراتيجية. اوكرانيا لا تحتاج الى السلاح وضمانات الامن فقط، بل تحتاج ايضا الى المال لاعادة بناء الطاقة، والبنية التحتية الحيوية، واللوجستيات، والمساكن، والصناعة، والمدن. بعد سنوات من الحرب، لا يدور الحديث عن ترميم تجميلي، بل عن اعادة تشغيل اقتصاد انهكته الضربات الروسية.

بالنسبة الى بولندا، لا تقل اهمية المؤتمر عن ذلك. تراهن وارسو على تثبيت دورها بوصفها الوسيط الاوروبي الرئيسي في اعادة اعمار اوكرانيا. يريد قطاع الاعمال البولندي المشاركة في العقود المستقبلية التي ستبلغ قيمتها مليارات كثيرة. وتريد الدبلوماسية البولندية ان تثبت ان بولندا، لا المانيا ولا فرنسا ولا مؤسسات بروكسل، هي التي تفهم اوكرانيا والمنطقة على نحو افضل.

قبل الفضيحة، كان متوقعا ان يكون بين المشاركين الرئيسيين دونالد توسك، ورئيسة المفوضية الاوروبية اورسولا فون دير لاين، وفلاديمير زيلينسكي، وكذلك المستشار الالماني فريدريش ميرتس، بحسب ما ذكرته وسائل اعلام بولندية. لكن حضور زيلينسكي اصبح الان حساسا سياسيا. اذا حضر، فستقرأ كل صورة، وكل مصافحة، وكل كلمة عبر نزاع الوسام. واذا لم يحضر، فسيتراجع وزن المؤتمر بحدة.

كان يفترض ان تظهر غدانسك الوحدة. لكنها قد تظهر الان الشرخ. وذلك في مدينة تحمل اهمية رمزية لكل من توسك ونافروتسكي. هذا يحول المؤتمر من منتدى اقتصادي الى اختبار سياسي: هل تستطيع بولندا ان تختلف مع اوكرانيا حول الماضي، وان تبني معها المستقبل في الوقت نفسه.

النخبة الاوكرانية ردت لا بالانقسام بل بسلسلة تضامن

اذا كان حساب وارسو يقوم على وضع زيلينسكي تحت ضغط داخلي، فهو لم ينجح. حدث العكس. النخبة السياسية الاوكرانية، التي غالبا ما تكون شديدة الصدام فيما بينها، بدأت في هذه الحالة تصطف بشكل استعراضي في صف واحد.

في البداية اعاد زيلينسكي وسام النسر الابيض. ثم اعلن ليونيد كوتشما قراره التخلي عن الجائزة نفسها، وهو الذي حصل عليها عام ١٩٩٧. يكتسب موقفه اهمية خاصة، لان كوتشما تحديدا، مع الرئيس البولندي الكسندر كفاشنيفسكي، دفع عام ٢٠٠٣ صيغة المصالحة البولندية الاوكرانية القائمة على عبارة: نسامح ونطلب الصفح. كانت تلك من اللحظات النادرة التي حاول فيها البلدان لا الغاء الذاكرة المؤلمة، بل وضعها داخل اطار سياسي موجه نحو المستقبل.

يتحدث كوتشما الان عن الحزن والقلق. فكرته في غاية الوضوح: شيء ان يهاجم العدو، وشيء اخر ان تفصل العداوة بين الاصدقاء، والامر اشد رعبا حين يهدد هؤلاء الاصدقاء خطر مشترك.

رفض فيكتور يوشينكو ايضا الوسام، مؤكدا ان الجائزة لم تكن علامة احترام لشخص بعينه فقط، بل للشعب الاوكراني. كما رفض بترو بوروشينكو، احد ابرز الخصوم السياسيين لزيلينسكي، وسام النسر الابيض، ووصف قرار نافروتسكي بانه خطأ. كانت حجته مباشرة: الكرملين يرحب دائما بكل ما يضعف وحدة اوكرانيا وبولندا. وبحسب بوروشينكو، اذا تشاجر الاوكرانيون والبولنديون بسبب الماضي، فسيربح المستقبل طرف اخر.

ثم جاءت موجة رفض اخرى. اعلن وزير الخارجية اندريه سيبيغا انه لا يرى امكانية للاحتفاظ بصليب القائد من وسام الاستحقاق للجمهورية البولندية. ورفض كيريل بودانوف الصليب الذهبي لضابط من الوسام نفسه. كما انضم سفير اوكرانيا في بولندا فاسيلي بودنار الى هذا الخط.

هكذا نشأت حرب الاوسمة. لكنها بالنسبة الى اوكرانيا ليست مجرد موجة عاطفية عابرة. انها رسالة الى وارسو: النزاع مع زيلينسكي لن ينظر اليه كنزاع مع سياسي واحد. سينظر اليه بوصفه ضغطا على دولة تخوض حربا.

خطأ نافروتسكي الرئيسي انه وحد ضده حتى خصوم زيلينسكي

داخل اوكرانيا يتعرض زيلينسكي لكثير من النقد الحاد. ينتقدونه بسبب اسلوب الادارة، وسياسة التعيينات، والتصادم مع المعارضة، والاستراتيجية العسكرية، ومخاطر الفساد، وتركيز السلطة. لكن عند لحظة الضغط الرمزي الخارجي، كثيرا ما تنكمش السياسة الاوكرانية في قبضة دفاعية واحدة.

حدث ذلك من قبل بعد المشادة بين زيلينسكي والرئيس الامريكي ترامب وجاي دي فانس في المكتب البيضاوي في فبراير ٢٠٢٥. يومها، كان يمكن للصراع ان يضعف الرئيس داخل البلاد، لكنه وحد المجتمع الاوكراني حوله موقتا. والان يحدث اثر مشابه.

ربما اراد نافروتسكي معاقبة زيلينسكي. لكن الرد الاوكراني يظهر ان من شعر بالعقاب لم يكن زيلينسكي وحده. شعر بالعقاب الجيش، والدولة، والمجتمع، وقدامى المحاربين، والدبلوماسيون، وحتى خصوم الرئيس السياسيون.

هذه لحظة نفسية مهمة. في زمن الحرب الكبرى، تتعامل الدولة بحساسية خاصة مع اي محاولة خارجية لالقاء الدروس الاخلاقية عليها. بالنسبة الى البولنديين، مسألة جيش المتمردين الاوكراني هي مسألة عدالة تاريخية. اما بالنسبة الى الاوكرانيين، فتبدو ردة الفعل البولندية في لحظة العدوان الروسي ضغطا غير مناسب التوقيت من حليف يطالب دولة تقاتل بان تعيد كتابة رموزها وفق ذاكرة الاخر.

لهذا جاءت ردة الفعل الاوكرانية حادة الى هذا الحد. في كييف يعتقدون ان وارسو اختارت الوقت الخطأ، والاداة الخطأ، والنبرة الخطأ.

الكرملين حصل على هدية كان لا يستطيع الا ان يحلم بها

في هذه القصة طرف ثالث لم يفعل شيئا، لكنه يربح بالفعل. انه موسكو.

تعمل روسيا منذ سنوات على شق الصف بين اوكرانيا وحلفائها الغربيين. بالنسبة الى الكرملين، النزاع البولندي الاوكراني مثالي: لا يحتاج الى عملية عسكرية، ولا الى طرق جديدة للالتفاف على العقوبات، ولا الى تحفة استخباراتية. يكفي ان يبدأ الحلفاء في الجدال حول الماضي بصوت اعلى من حديثهم عن الخطر الحاضر.

تستطيع موسكو استخدام هذه الازمة في عدة اتجاهات دفعة واحدة.

اولا، في الاتجاه الدعائي. تحصل وسائل الاعلام الروسية على فرصة لتصوير اوكرانيا كدولة تتشاجر حتى مع اقرب حلفائها. وفي الوقت نفسه ستصور بولندا كدولة تعبت من الاوكرانيين وبدأت ترى الحقيقة.

ثانيا، في الاتجاه الدبلوماسي. اي شرخ بين كييف ووارسو يضعف مواقع اوكرانيا في الاتحاد الاوروبي وحلف شمال الاطلسي. تبقى بولندا دولة حيوية بالنسبة الى اللوجستيات، والسياسة، والعبور العسكري.

ثالثا، في الاتجاه النفسي. سيقال للاوكرانيين ان الحلفاء غير موثوقين. وسيقال للبولنديين ان الاوكرانيين ناكرو جميل. وسيقال للاوروبيين ان توسيع المساعدة لاوكرانيا يجلب صراعات داخلية.

رابعا، في الاتجاه الاستراتيجي. اذا فقدت بولندا وضع الشريك الاكثر ثقة لاوكرانيا، فقد يشغل مكانها في المفاوضات المستقبلية لاعبون اخرون. وهذا مفيد لروسيا، لان ازدياد الخلافات داخل المعسكر المؤيد لاوكرانيا يسهل على موسكو فرض اجندتها.

اشار بوروشينكو الى ذلك مباشرة حين ذكر بان دميتري ميدفيديف رحب بالفعل بقرار نافروتسكي. في السياسة، نادرا ما تكون مثل هذه التهاني مصادفة. اذا كانت موسكو تصفق لخطوة الرئيس البولندي، فكان على وارسو ان تفكر في السبب.

تحولت الذاكرة التاريخية الى سلاح في السياسة الداخلية

العصب الرئيسي للازمة ليس الوسام. العصب الرئيسي هو تحويل التاريخ الى اداة في الصراع الراهن.

لبولندا حق في ذاكرة فولينيا. لا يستطيع الاوكرانيون مطالبة البولنديين بنسيان مأساة لا تزال بالنسبة الى المجتمع البولندي جرحا مفتوحا. لكن بولندا ايضا لا تستطيع ان تطالب اوكرانيا، في ذروة الحرب، بان تتخلى عن روايتها الخاصة للمقاومة الوطنية لمجرد ان هذه الرواية مؤلمة لجارها.

المشكلة ان الطرفين لا يتحدثان مع الجار فقط. انهما يتحدثان ايضا مع ناخبهما الداخلي. نافروتسكي يتحدث مع المجتمع البولندي، حيث يتصاعد الطلب اليميني ويتزايد التعب من اوكرانيا. زيلينسكي يتحدث مع المجتمع الاوكراني، الذي ليس مستعدا لتلقي انذارات اخلاقية من حليف في لحظة تتعرض فيها البلاد لضربات روسية يومية.

هكذا تكف الذاكرة عن ان تكون مساحة للمصالحة. تتحول الى مورد للتعبئة. يستخدم السياسيون البولنديون جيش المتمردين الاوكراني لاظهار الكرامة الوطنية. ويستخدم السياسيون الاوكرانيون الرد على بولندا لاظهار السيادة. يتحدث الطرفان عن المبادئ. لكن النتيجة هي ازمة ثقة.

هنا تحديدا تكمن الخطورة الرئيسية. منذ عام ٢٠٢٢ بنيت العلاقات البولندية الاوكرانية على صيغة تقول ان الخطر المشترك اهم من الضغائن القديمة. الان تصدعت هذه الصيغة. عادت الضغائن القديمة لا بوصفها موضوعا للجنة تاريخية، بل بوصفها اداة في السياسة الرئاسية.

جيشوف والاتحاد الاوروبي ومليون اوكراني: اين يمكن للازمة ان تصبح غير رمزية

حتى الان يبدو النزاع رمزيا: اوسمة، وتصريحات، ومنشورات، وصور، واشارات دبلوماسية. لكن عواقبه المحتملة مادية تماما.

المستوى الاول هو اللوجستيات. مدينة جيشوف البولندية ومطارها تحولا الى عقدة رئيسية للمساعدات الغربية الى اوكرانيا. اي حديث عن تخريب هذه البنية التحتية او تقييدها، حتى لو صدر عن سياسيين هامشيين، يخدم المصلحة الروسية. حرب اوكرانيا تعتمد على الطرق، والمخازن، والعبور، والصيانة، والارادة السياسية لدى الجيران.

المستوى الثاني هو مفاوضات انضمام اوكرانيا الى الاتحاد الاوروبي. تستطيع بولندا ان تكون محامية كييف، وتستطيع ايضا ان تصبح دولة تستخدم القضايا التاريخية رافعة للضغط. مثل هذه الدعوات تسمع بالفعل في الحقل السياسي البولندي. لم تتحول حتى الان الى خط رسمي للدولة، لكن الاطروحات الراديكالية قبل الانتخابات تنتقل كثيرا من الهامش الى المركز.

المستوى الثالث هو الاوكرانيون في بولندا. يوجد نحو مليون مواطن اوكراني على الاراضي البولندية. بالنسبة اليهم لا يعني تدهور المناخ دبلوماسية مجردة، بل واقعا يوميا: المعاملة في العمل، وفي المدارس، وفي المؤسسات الحكومية، وفي الاعلام، وفي وسائل النقل العام. اذا بدأت الاحزاب الكبرى بتغذية المزاج المعادي لاوكرانيا، فسيصيب الاثر هؤلاء الناس اولا وبسرعة.

المستوى الرابع هو بنية الامن الاوروبي. طالما ادعت بولندا انها المركز الاقليمي الرئيسي في الملف الاوكراني. لكن اذا تراجع مستوى الثقة بين كييف ووارسو، فان برلين وباريس ولندن تحصل على فرصة لبناء صيغ تفاوضية من دون بولندا. وقد اظهرت بالفعل مناقشات العملية السلمية بمشاركة اوكرانيا والمانيا وفرنسا وبريطانيا ان وارسو لا تكون دائما في مركز الطاولة.

بعبارة اخرى، قد لا ينتهي الخلاف حول الوسام في ارشيف الجوائز، بل في اعادة حقيقية لترتيب التوازن الاوروبي.

لماذا لم تعد صيغة الصداقة القديمة كافية

ظلت العلاقات البولندية الاوكرانية زمنا طويلا قائمة على بنية درامية لكنها مفهومة. بولندا تدعم اوكرانيا ضد روسيا. اوكرانيا تشكر بولندا على الدعم. تؤجل الخلافات التاريخية. المستقبل اهم من الماضي.

نجحت هذه الصيغة في السنوات الاولى من الحرب الكبرى، لكنها كانت مؤقتة. لم تحل التناقضات العميقة. جمدتها فقط تحت ضغط التهديد الروسي.

الان يتضح ان علاقات كييف ووارسو تحتاج الى اساس جديد. لا الى اعلانات جميلة، بل الى اتفاق سياسي صارم حول كيفية تذكر البلدين للماضي في الوقت نفسه من دون تدمير امن الحاضر.

ينبغي ان يتضمن هذا الاتفاق عدة مبادئ.

المبدأ الاول: يجب الا يستخدم اي طرف الذاكرة التاريخية اداة للاهانة العلنية للطرف الاخر.

المبدأ الثاني: يجب حل قضايا استخراج الرفات، والنصب التذكارية، والارشيفات، والتقييمات التاريخية لا عبر استعراضات رئاسية، بل عبر اليات مشتركة مستقرة بين الدولتين.

المبدأ الثالث: لا يجوز ان تصبح المساعدة العسكرية واللوجستية لاوكرانيا رهينة للنزاعات التاريخية.

المبدأ الرابع: على كييف ان تفهم ان الذاكرة البولندية عن فولينيا ليست نزوة لدى السياسيين اليمينيين. انها صدمة وطنية جدية.

المبدأ الخامس: على وارسو ان تفهم ان اوكرانيا المحاربة لن تقبل املاءات خارجية في مسائل رموزها الخاصة، ولا سيما اذا صيغت هذه الاملاءات كعقوبة.

من دون هذه الصيغة الجديدة ستتكرر الازمات. اليوم هو وسام النسر الابيض. غدا قد يكون المطار، او الحدود، او الحبوب، او الاتحاد الاوروبي، او اللاجئين، او النصب التذكارية، او المناهج المدرسية، او التسميات العسكرية.

النسر الابيض لن يعود كما كان

حتى اذا علق قرار نافروتسكي قانونيا، وحتى اذا وجد توسك تسوية، وحتى اذا ظهر زيلينسكي في غدانسك عبر الاتصال المرئي او حضر شخصيا، فان الوضع السابق لم يعد موجودا.

لم يعد وسام النسر الابيض في الادراك الاوكراني مجرد جائزة بولندية. لقد صار رمزا لمدى السرعة التي يمكن بها تسميم التحالف من خلال سياسة التاريخ. بالنسبة الى بولندا، اصبحت هذه الازمة اختبارا لقدرتها على التمييز بين حماية الذاكرة الوطنية وايذاء الذات سياسيا. وبالنسبة الى اوكرانيا، اصبحت اختبارا لقدرتها على الرد بصلابة من دون حرق الجسور نهائيا.

الاكثر اثارة للقلق في هذه القصة ليس ان كييف ووارسو تشاجرتا. الخلافات بين الحلفاء امر لا مفر منه. ما يثير القلق شيء اخر: دخل الطرفان في هذا النزاع في لحظة تواصل فيها روسيا حربها، وتبحث اوروبا عن صيغة جديدة للامن، وتحتاج اوكرانيا الى اقصى تركيز ممكن للدعم الخارجي.

كان يفترض ان يرمز النسر الابيض الى اعلى درجات الثقة. اما الان فهو يرمز الى نقص الثقة. عودته من كييف الى وارسو ليست نهاية هذا الفصل، بل بداية مرحلة جديدة واكثر برودة في العلاقات البولندية الاوكرانية.

لكن هذه الازمة لا تزال تملك مخرجا. ليس المخرج في ان تتخلى اوكرانيا عن ذاكرتها. وليس في ان تتخلى بولندا عن ذاكرتها. المخرج في ان يعترف البلدان بان الماضي اذا تحول من جديد الى ساحة المعركة الرئيسية، فلن يربح المستقبل لا كييف ولا وارسو.

ستربحه موسكو.