...

في الأول من يونيو، تم التوصل في بروكسل إلى اتفاق مبدئي بين المفاوضين من البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي بشأن واحدة من أصرم وثائق الهجرة في التاريخ الحديث للاتحاد الأوروبي، وهي اللائحة الجديدة المتعلقة بإعادة المهاجرين المقيمين بشكل غير قانوني في أراضي الكتلة.

من الناحية الرسمية، يدور الحديث حول تحديث تقني لسياسة الهجرة. أما في الواقع، فالأمر يتعلق ببناء هيكلية إكراه جديدة تحاول أوروبا من خلالها تصدير العمل القذر خارج حدودها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على لغة حقوق الإنسان، والإنسانية، وسيادة القانون.

لم يعد هذا مجرد خلاف حول الهجرة، بل هو خلاف حول ما يؤول إليه الاتحاد الأوروبي نفسه: هل هو مجتمع قانوني مبني على المعايير، أم آلة سياسية مستعدة، تحت ضغط الشعبوية اليمينية، لإنشاء مناطق خارج نطاق القضاء يتحول فيها الإنسان إلى مجرد مشكلة إدارية.

أوروبا صفقت عندما فتحت الباب أمام الظلام القانوني

في السادس والعشرين من مارس، صوت البرلمان الأوروبي في جلسته العامة في ستراسبورغ لصالح المضي قدماً في اللائحة الجديدة المتعلقة بالإعادة. وكانت النتيجة حاسمة: 389 صوتاً مؤيداً، و206 أصوات معارضة، مع امتناع 32 عضواً عن التصويت. لكن الرمز الرئيسي لذلك اليوم لم يكن الأرقام، بل كان التصفيق الحار.

فقد وقف النواب اليمينيون يصفقون. ولم يكن هذا بالنسبة لحزب الشعب الأوروبي وحلفائه من اليمين ومجموعات اليمين المتطرف مجرد انتصار إجرائي عادي، بل كان اختراقاً سياسياً. لقد حققوا ما كان يُعد حتى وقت قريب فكرة هامشية: نقل احتجاز المهاجرين إلى خارج حدود الاتحاد الأوروبي، وإنشاء معسكرات ترحيل خارجية في واقع الأمر.

ستسمح اللائحة الجديدة للدول الأعضاء بإنشاء ما يسمى بمراكز الإعادة خارج الاتحاد الأوروبي. وتبدو هذه التسمية محايدة في المصطلحات الرسمية، لكنها في الواقع تشير إلى مراكز احتجاز داخل أراضي دول أجنبية، حيث يمكن وضع الأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم، بانتظار ترحيلهم أو البت في طعونهم أو في قرارات بيروقراطية أخرى.

هذا ليس مجرد إصلاح إداري، بل هو نقل للمسؤولية. إذ تريد بروكسل الاحتفاظ بالسيطرة على مصير الإنسان، ولكن مع إخراج الإنسان نفسه خارج منطقتها القانونية. وهنا تحديداً يبرز المفهوم المحوري لهذه القصة بأكملها: الثقوب السوداء لحقوق الإنسان.

هكذا وصفها مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا، مايكل أوفلاهيرتي. ولا يبدو تحذيره مجرد استعارة مجازية، بل هو تشخيص قانوني. فعندما تنقل الدولة الاحتجاز إلى خارج حدودها، فإنها تخلق مساحة لا يلغي فيها أحد الحقوق رسمياً، ولكن لا أحد قادر عملياً على ضمانها.

"الإعادة" كاسم مستعار للنفي

تعمل كلمة "الإعادة" في الوثيقة الأوروبية كتمويه سياسي. فهي تبدو أخف وطأة من كلمة "ترحيل"، وأكثر إنسانية من "طرد"، وأكثر تحضراً من "نفي". غير أن مضمون الوثيقة يظهر أن الأمر يتعلق تحديداً بتوسيع نطاق جهاز الإكراه بشكل حاد.

تتضمن اللائحة عدة محاور رئيسية.

المحور الأول هو إنشاء مراكز إعادة في دول ثالثة، بل وحتى في تلك الدول التي لا تربط الشخص المرحل بها أي صلة شخصية، أو عائلية، أو مواطنة، أو ثقافية. ويعد هذا تراجعاً جذرياً عن المنطق السابق للقانون الأوروبي.

وقد أشارت الخبيرة القانونية ماريا تيريزا جيل بازو في تحليل لها لصالح منصة "ذا كونفيرسيشن" إلى أنه كان بمقدور دول الاتحاد الأوروبي، حتى الآن، احتجاز المهاجرين الموجودين في البلاد بشكل غير قانوني في حالات الملاذ الأخير فقط وضمن ظروف محددة. أما المقاربة الجديدة فتقلب هذا المنطق رأساً على عقب، ليتحول الاحتجاز من استثناء إلى أداة إدارية.

المحور الثاني يتمثل في تمديد فترات الاحتجاز لتصل إلى 24 شهراً. وتقيد التشريعات الحالية للاتحاد الأوروبي هذه المدة بـ 18 شهراً، وكان ذلك يُعد بالفعل إجراءً أقصى. أما الآن، فالحديث يدور عن عامين كاملين، وقد يقع تحت طائلة هذا المعيار ليس البالغون فحسب، بل والعائلات المصحوبة بأطفال أيضاً.

ويشير المدافعون عن حقوق الإنسان إلى مشكلة واضحة: فلا توجد في الأدبيات العلمية أدلة مقنعة تفيد بأن الاحتجاز لفترات أطول يرفع من كفاءة عمليات الإعادة. وفي المقابل، هناك كم هائل من البيانات حول أمر آخر: الأثر النفسي المدمر للعزل الطويل، لا سيما على الأطفال.

المحور الثالث هو الالتزام بـ "التعاون" مع السلطات. ويبدو هذا في الظاهر مجرد إجراء بيروقراطي شكلي، حيث يتعين على الشخص تقديم المعلومات، وحضور الاجتماعات، والامتثال للإجراءات. ولكن هنا تحديداً تكمن واحدة من أخطر المصائد القانونية.

لقد صيغت معايير رفض التعاون بشكل فضفاض. وهذا يعني إمكانية تطبيق العقوبات حتى على الأشخاص الذين يستحيل ترحيلهم بموجب القانون، سواء بسبب خطر الاضطهاد، أو الحالة الصحية الحرجة، أو رفض بلد المنشأ استقبالهم مجدداً. ويشير تحليل مركز دراسات السياسات الأوروبية صراحة إلى أن هؤلاء الأشخاص قد يُعاقبون بسبب عدم قدرتهم على المساعدة في عملية إبعاد لا يمكن أن تتم قانوناً.

وبعبارة أبسط، سيكون بالإمكان معاقبة الشخص لأنه لا يساعد الدولة في فعل ما لا تملك الدولة الحق في فعله به.

تفتيش المنازل: أوروبا تنظر إلى وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية وتنسخ الأسوأ

يعد الجزء الأكثر إثارة للجدل في الحزمة المناقشة هو إمكانية تفتيش المنازل. فقد تضمنت إحدى صيغ النص حق السلطات في إجراء عمليات تفتيش في "أماكن الإقامة أو الأماكن الأخرى ذات الصلة" حيث يمكن أن يتواجد الشخص الخاضع للإبعاد.

وقد حُذف هذا البند مؤقتاً من النص الذي اعتمده البرلمان الأوروبي، لكنه لا يزال حاضراً في المفاوضات. وهذا تحديداً ما أثار قلق أكثر من مائة منظمة غير حكومية، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، وأطباء العالم، والشبكة الدولية للتعاون بشأن المهاجرين غير النظاميين، وكاريتاس أوروبا. وشبهت هذه المنظمات في رسالة مشتركة النظام الآخذ في التشكل بوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية.

ولم يكن هذا التشبيه وليد الصدفة. فخلال السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الوثيقة في أوروبا رمزاً لسياسة هجرة فجة وعسكرية وبوليسية. وكان السياسيون الأوروبيون يبدون امتعاضهم الشديد من ممارسات الوكالة الأمريكية. وعندما أُرسل عملاء الوكالة لتأمين الأمريكيين في الألعاب الأولمبية الشتوية في ميلانو وكورتينا في مطلع عام 2026، خرجت تظاهرات في شمال إيطاليا، وتحدث برلمانيون أوروبيون عن عدم قبول مثل هذا التواجد.

لكن المفارقة تكمن في أنه في الوقت نفسه، كان يجري صياغة وثيقة في لجان وأروقة البرلمان الأوروبي تستورد عملياً منطق تلك الوكالة الأمريكية إلى القانون الأوروبي.

وقد صاغت مديرة الشبكة الدولية للتعاون بشأن المهاجرين غير النظاميين، ميشيل ليفوي، الأمر بدقة متناهية: لا يمكن الاستياء من ممارسات وكالة إنفاذ القوانين في الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه نسخ هذه الممارسة في أوروبا.

ووفقاً للبيانات الواردة في التحقيقات والدراسات الأمريكية، لقي 32 شخصاً حتفهم على أيدي الوكالة في عام 2025. وفي يناير 2026، قتل ضباط الهجرة الفيدراليون في مينيابوليس رينيه نيكول غود وأليكس بريتي. وأظهر تحليل لإذاعة إن بي آر أن عمليات الترحيل الجماعي كلفت المدن الأمريكية ملايين الدولارات واستنزفت موارد دوائر الشرطة.

ولكن الأهم من ذلك هو الأثر الاجتماعي طويل المدى. إذ تظهر الأبحاث في مجال الصحة العامة أنه عندما ينشط عمل الوكالة في منطقة ما، يتوقف الناس عن مراجعة الأطباء، ويتجنبون برامج المساعدات الغذائية، ولا يرسلون أطفالهم إلى المدارس، ويخشون الشكوى من الاستغلال، وسرقة الأجور، وظروف العمل غير الآمنة، والاتجار بالبشر. وتتحول شرطة الهجرة من مجرد أداة للترحيل إلى عامل لهدم الثقة في الدولة.

وتخاطر أوروبا بإعادة إنتاج الآلية نفسها.

السرية الطبية تحت التهديد: عندما تصبح زيارة الطبيب طريقاً للترحيل

تحتل مسألة البيانات الطبية مكانة خاصة في اللائحة. فقد كشف تحليل مشترك للشبكة الدولية للتعاون بشأن المهاجرين غير النظاميين ومنظمة "أطباء العالم" عن بند يسمح بمشاركة المعلومات الطبية مع الأجهزة الأمنية ودول ثالثة لأغراض الترحيل.

ويمثل هذا ضربة لعدة ركائز في القانون الأوروبي دفعة واحدة. أولاً، ينشأ تعارض مع اللائحة العامة لحماية البيانات، إذ تصنف المعلومات الطبية ضمن الفئات الأكثر حساسية للبيانات الشخصية. وتحويلها لأغراض الطرد يحول الطبيب إلى عنصر من عناصر مراقبة الهجرة.

ثانياً، يشكل هذا تهديداً مباشراً للصحة العامة. فعندما يخشى الشخص أن تؤدي زيارته للمستشفى إلى ترحيله، فإنه سيمتنع ببساطة عن الذهاب إلى الطبيب. والعواقب متوقعة: أمراض مزمنة تخرج عن السيطرة، وتشخيص متأخر للأمراض المعدية، وزيادة في الوفيات التي يمكن الوقاية منها، وتدهور الوضع الصحي في المجتمعات الهشة.

وهكذا تبدأ سياسة الهجرة في الإضرار ليس بالمهاجرين فحسب، بل إنها تقوض البنية التحتية الأساسية لصحة المجتمع بأسره.

ألبانيا كحقل تجارب: فشل مكلف يريد الاتحاد الأوروبي تحويله إلى نموذج

قبل ظهور اللائحة الأوروبية العامة، كانت هناك بالفعل تجربة أظهرت كيف يعمل هذا النظام في الممارسة العملية، وهي الاتفاقية الموقع عليها بين إيطاليا وألبانيا.

في عام 2023، وقعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني ورئيس الوزراء الألباني إيدي راما اتفاقية لإنشاء مراكز للمهجرين على الأراضي الألبانية. وقُدم المشروع على أنه ثورة في سياسة الهجرة الأوروبية، وكان هدفه يتلخص في التسريع من معالجة طلبات الأشخاص القادمين مما يسمى "الدول الآمنة"، ثم إعادة المتقدمين الذين رُفضت طلباتهم لاحقاً.

وأنشئ مرفقان: مركز معالجة في شينغجين ومركز احتجاز في غيادر. ومن الناحية الرسمية، كانا يقعان على أراضي ألبانيا ولكن تحت الولاية القضائية الإيطالية. وقُدرت تكلفة المشروع بنحو 830 مليون يورو على مدى خمس سنوات.

ووصف رئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين هذا المخطط بأنه نموذج لـ "التفكير خارج الصندوق". ولكن سرعان ما تبين أن التفكير خارج الصندوق في هذه الحالة لا يعني الكفاءة، بل الصدام مع الواقع القانوني.

فمنذ أكتوبر 2024 وحتى يناير 2025، نُقلت ثلاث مجموعات من المهاجرين إلى المراكز الألبانية، وبلغ عددهم الإجمالي 73 شخصاً. وفي غضون أيام قليلة، قضت المحاكم الإيطالية بإعادتهم جميعاً إلى إيطاليا.

وكان السبب جوهرياً، حيث أشارت محكمة العدل الأوروبية في عام 2025 إلى أنه لا يمكن اعتبار الدولة آمنة لأغراض اللجوء إلا إذا كانت آمنة للجميع بلا استثناء. واستناداً إلى هذا المنطق، لم يعترف القضاة الإيطاليون بشرعية احتجاز معظم الأشخاص في ألبانيا.

وجاءت الحصيلة المالية تبدو عبثية، حيث أظهرت دراسة أجرتها جامعة إيطالية أن تكلفة السرير الواحد في ألبانيا كلفت إيطاليا أكثر من 153 ألف يورو، في حين أن تكلفة السرير المماثل في مركز داخل الأراضي الإيطالية تبلغ حوالي 21 ألف يورو. وبقيت المراكز، التي صُممت لمعالجة طلبات 3 آلاف مهاجر شهرياً، فارغة في معظمها.

وحذر مجلس أوروبا، عبر لجنته لمنع التعذيب، من أن نموذج معالجة طلبات المهاجرين خارج البلاد يثير شكوكاً جادة. وكانت الظروف في المراكز، على الرغم من النفقات الطائلة، بعيدة كل البعد عن المقبولة.

لكن الاستنتاج السياسي جاء غريباً. فبدلاً من التخلي عن النموذج الفاشل، بدأ السياسيون الأوروبيون ينظرون إليه كنموذج أولي. وفي نوفمبر 2025، زارت وفود من ألمانيا وهولندا مركز غيادر لدراسة إمكانية إنشاء مرافق مماثلة. ووفقاً للبيانات التي نقلتها مؤسسة هاينريش بيل، أبدت بعض الوفود اهتماماً حتى باستئجار أجزاء من المعسكر.

وهنا تحديداً تصبح اللائحة الجديدة خطيرة للغاية، إذ يمكنها أن تمنح هذا المخطط بأكمله أساساً قانونياً على مستوى الاتحاد الأوروبي. وما كانت المحاكم الإيطالية تحظره باعتباره ممارسة مشبوهة، قد يتم إضفاء الشرعية عليه على مستوى الاتحاد الأوروبي.

الرقم الرئيسي للائحة: كيف جرى تحويل نسبة الـ 20% إلى سلاح سياسي

بُني الهيكل الكامل للوثيقة الجديدة حول رقم واحد، وهو الزعم بأن نحو 20% فقط من المهاجرين الذين صدرت بحقهم أوامر ترحيل يتم إبعادهم فعلياً من أراضي الاتحاد الأوروبي. وقد تكرر هذا الرقم في الخطابات، والبيانات الصحفية، والمواد التوضيحية كدليل على فشل المنظومة.

إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن هذا الرقم نفسه لا يعكس الواقع.

إذ يذكر مركز دراسات السياسات الأوروبية أن المهاجرين غالباً ما يتم احتسابهم عدة مرات في دول أعضاء مختلفة: عند الدخول، وعند الانتقال، وعند تغيير الوضع القانوني، وعند التسجيل في أنظمة إدارية مختلفة. ويؤدي هذا إلى تضخيم المؤشر العام وخلق انطباع زائف بالامتناع التام عن تنفيذ القرارات.

والأهم من ذلك هو أن العديد من أوامر الإعادة تصدر في حالات يكون فيها الترحيل مستحيلاً أو غير قانوني منذ البداية. على سبيل المثال، إذا كان الشخص مهدداً بالاضطهاد، أو إذا كان بلد المنشأ يرفض استقباله مجدداً، أو في حال وجود مانع طبي أو حظر بموجب القانون الدولي.

وبعبارة أخرى، فإن النسبة المنخفضة لعمليات الإعادة تعكس في كثير من الأحيان وجود قيود قانونية لا يمكن إلغاؤها بمجرد تشديد اللائحة، وليس ضعف الدولة.

وقد توصل مشروع "فاير" التابع لجامعة إيراسموس روتردام والممول من الاتحاد الأوروبي، والذي درس إدارة هجرة الإعادة، إلى استنتاج مماثل. فالإجراءات السياسية، مثل اتفاقيات الاتحاد الأوروبي، والقرارات المعجلة، والضغوط الإدارية، لها تأثير محدود نسبياً على النتائج الفعلية للترحيل. فمصير الإنسان غالباً ما يتوقف على السن، والوضع الأمني في بلد المنشأ، والظروف الاقتصادية، والروابط الأسرية، والاستراتيجية الشخصية للبقاء.

وقد صاغ الباحث أرين ليركيس هذا الأمر بشكل صارم، مشيراً إلى أنه حتى في السيناريوهات المواتية، فإن غالبية الأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم إما يبقون أو يواصلون الهجرة إلى أماكن أخرى.

سياسة الهجرة بلا حقائق: لماذا يؤدي التشديد غالباً إلى نتائج عكسية

أمضى البروفيسور هاين دي هاس من جامعة أمستردام، وهو أحد أبرز باحثي الهجرة في أوروبا، سنوات طويلة في دراسة ما يسميه الطابع المستقل لسياسة الهجرة عن الحقائق. وقد أنشأ مشروعه "ديميج"، الممول من مجلس البحوث الأوروبي، واحدة من أكبر قواعد البيانات المتعلقة بعمليات الهجرة.

وجاء استنتاج دي هاس غير مريح بالمرة للسياسيين، حيث أكد أن سياسة الهجرة غالباً ما تُبنى على الرغبة في الظهور بمظهر الحسم أمام الناخبين، وليس على البيانات.

فالإجراءات التقييدية قد تقلص التدفقات الجديدة بالفعل، ولكنها في الوقت نفسه تحد من الهجرة العكسية. وكلما أصبح وصول الشخص إلى أوروبا أكثر صعوبة، قلّت رغبته في المغادرة، حتى وإن كان يرغب في العودة إلى دياره مؤقتاً أو نهائياً. فالخوف من فقدان فرصة العودة يجعل الإقامة أكثر ديمومة.

ويُعرف هذا بأثر الاستبدال للتدفقات العكسية. فالسياسة التي تعلن محاربة الهجرة غير النظامية قد تؤدي في الممارسة العملية إلى تثبيت الأشخاص في وضع غير نظامي.

وهناك جانب آخر للمشكلة يصفه مشروع "آي كليم" الممول من الاتحاد الأوروبي. إذ يظهر المشروع أن الهجرة غير النظامية غالباً ما تنشأ عن طبيعة سوق العمل الأوروبي نفسه، وليس بسبب "ضعف الحدود". فالتصريح المرتبط بصاحب عمل واحد يفقد صلاحيته بانتهاء العمل، وقد يفقد المهاجر وضعه القانوني إذا لم يصل إلى الحد المطلوب من الدخل، كما قد يفقد أحد أفراد الأسرة أساس إقامته بعد الطلاق أو انفصام الرابطة الأسرية.

وهكذا يتبين أن الوضع غير القانوني ليس غزواً خارجياً، بل هو منتج داخلي للمنظومة نفسها.

وفي بعض القطاعات، تحول التصاريح المرتبطة بصاحب العمل مراقبة الهجرة إلى أداة لضبط العمالة. فالعامل الذي يخشى فقدان وضعه القانوني لا يشتكي من سرقة الأجور، ولا يطالب بظروف عمل آمنة، ولا ينضم إلى النقابات، ولا يغير صاحب العمل. ويصبح التهديد بالترحيل وسيلة للاحتفاظ بعمالة رخيصة ومحرومة من الحقوق.

ولا تقدم اللائحة الجديدة حلاً لهذه المشكلة، بل إنها لا تنظر في الأسباب على الإطلاق، وتقتصر على الاستجابة للمرحلة النهائية فقط، وهي وجود شخص بلا وثائق. إنها سياسة تخمد الدخان وتتجاهل الحريق.

الذعر بدلاً من الإحصاءات: أوروبا لا تخاف من المهاجرين بل من صورتهم

لقدانفصلت الهستيريا السياسية المحيطة بالهجرة عن الحقائق منذ زمن طويل.

فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "يوغوف" في ألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، والدنمارك، وبولندا في مطلع عام 2026، أن الأوروبيين يبالغون بشكل كبير في تقدير أعداد المهاجرين غير النظاميين في بلدانهم، ويعتقد الكثيرون أن عدد المهاجرين غير النظاميين يفوق عدد النظاميين، وهو ما يتناقض تماماً مع الواقع. وفي فرنسا، على سبيل المثال، بالغ المشاركون في تقدير العدد بنحو 13 ضعفاً.

كما أظهر مؤشر "يوروباروميتر" في خريف عام 2025 أن الهجرة تحتل المرتبة الثانية بين المشكلات الأكثر إلحاحاً في الاتحاد الأوروبي، حيث ذكرها 20% من المستطلعة آراؤهم. لكن هذا المؤشر لا يعبر عن الحجم الفعلي للهجرة بقدر ما يعبر عن الأهمية السياسية للموضوع.

وتظهر بيانات المسح الاجتماعي الأوروبي للفترة ما بين 2023 و2024، والتي حللها معهد برلين لأبحاث المستقبل، أن الشباب الأوروبيين ينظرون إلى الهجرة بشكل إيجابي مستقر مقارنة بالأجيال الأكبر سناً، كما أن الأشخاص الحاصلين على تعليم عالي يتبنون مواقف أكثر انفتاحاً في الغالب.

وتفسر كلير كومار من معهد التنمية الخارجية بأوروبا هذا التباين بمفهوم الأهمية النسبية. فمواقف الناس تجاه الهجرة تتشكل مبكراً وتتغير ببطء، غير أن إدراك الهجرة كالمشكلة الرئيسية يمكن أن يرتفع أو ينخفض بحدة تبعاً للتغطية الإعلامية والحملات السياسية.

ولم يحقق اليمين المتطرف النجاح بالضرورة لأنه أحدث تغييراً جذرياً في آراء المجتمع، بل نجح في إبقاء موضوع الهجرة في حالة طوارئ دائمة. وهكذا تبدأ السياسة في العمل في ظل حالة من القلق المصطنع، وفي حالة القلق، يتقبل المجتمع بسهولة إجراءات كانت ستواجه بالرفض في الظروف العادية.

الوسط يزحف نحو اليمين: كيف انتهى الطوق الصحي

لفهم كيف أصبحت هذه اللائحة ممكنة، لا بد من النظر إلى تغير ميزان القوى داخل البرلمان الأوروبي، وليس إلى الهجرة وحدها.

فالتحالف الذي دعم إعادة انتخاب أورسولا فون دير لاين في يوليو 2024 كان يتألف من حزب الشعب الأوروبي، والاشتراكيين والديمقراطيين، وتجديد أوروبا، وحزب الخضر. وكان هذا يمثل وسطاً مؤيداً لأوروبا من الناحية الرسمية، لكنه بدا هشاً منذ ذلك الحين، إذ انضم الخضر متأخرين وبتردد، وساور الشك الاشتراكيين، وانقسم حزب "تجديد أوروبا" داخلياً.

وقد وعدت فون دير لاين بالعمل فقط مع الأحزاب التي تقاسمها القيم الأوروبية، وسيادة القانون، والقانون الدولي، ودعم أوكرانيا، وأعلنت حينها أن "الوسط صامد".

ولكن في عامي 2024 و2025، بدأ حزب الشعب الأوروبي بقيادة مانفرد فيبر في تشكيل أغلبية بديلة بانتظام مع مجموعات تقع إلى يمينه، مثل المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، و"وطنيون من أجل أوروبا"، و"أوروبا الأمم السيادية". وبحلول مارس 2026، صوت حزب الشعب الأوروبي إلى جانب مجموعات اليمين المتطرف 19 مرة منذ عام 2024، وكان هناك ثلاث عمليات تصويت من هذا القبيل في مارس 2026 وحده.

وكانت اللائحة المتعلقة بالإعادة الحدث الأبرز في هذا الواقع البرلماني الجديد، ولكنه لم يكن الوحيد. ففي الشهر نفسه، استغل حزب الشعب الأوروبي التحالف اليميني لعرقلة تقرير حول تنفيذ ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، ولتبسيط القواعد المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

وكتب باحث الديمقراطية من جامعة هارفارد، ألبيرتو أليمانو، في تحليله للتصويت على حزمة "أومنيبوس" في نوفمبر 2025، أن الأحزاب التي أسست الاتحاد وأدارته منذ نشأته باتت تُهمش وتُدفع إلى المقاعد الخلفية للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي.

ومما أثار جدلاً واسعاً هو قيام نواب من حزب الشعب الأوروبي، قبيل التصويت على الهجرة، بتنسيق خطواتهم مع ممثلي اليمين المتطرف، بمن فيهم المشككون في الاتحاد الأوروبي وحزب "البديل من أجل ألمانيا"، عبر مجموعات دردشة على تطبيق "واتساب". وجرى هناك تبادل لمسودات النصوص واستراتيجيات التصويت، بعيداً عن مسار المفاوضات الرسمي مع الاشتراكيين والليبراليين.

وقد انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس مانفرد فيبر علناً، على الرغم من نفي الأخير علمه بوجود تلك المحادثات.

كما لعب حزب "تجديد أوروبا"، وهو يمثل وسطاً ليبرالياً يرتبط بالمشروع السياسي لإيمانويل ماكرون، دوراً ملتبساً. فقد كان مقرر اللائحة هو الليبرالي الهولندي مالك أزماني، وجاءت صيغته أصرم بكثير من مقترح المفوضية الأوروبية. ثم قدم حزب الشعب الأوروبي بديلاً أكثر صرامة جرى تطويره بالتعاون مع اليمين المتطرف. ومع ذلك، وافق أزماني على قيادة فريق المفاوضات البرلماني، ودعم جزء من حزب "تجديد أوروبا" النص الجديد.

وهكذا، لم يكتف الوسط بالتنازل لليمين، بل بدأ يتحدث لغته أيضاً.

ما يجدي نفعاً حقاً: العودة الطوعية أقل تكلفة وأكثر إنسانية وكفاءة

تقدم الأدبيات العلمية المتعلقة بسياسة الهجرة بدائل منذ فترة طويلة، وهي بدائل قد لا تبدو مبهرة في المقاطع الدعائية للانتخابات، ولكنها تحقق نتائج ملموسة.

وتأتي برامج العودة الطوعية المصحوبة بدعم جاد لإعادة الاندماج كأداة رئيسية في هذا السياق.

ويظهر تحليل لمركز التنمية العالمية أن هذه البرامج تكلف في بريطانيا حوالي 1000 جنيه إسترليني للشخص الواحد، في حين تبلغ تكلفة الإبعاد القسري نحو 15 ألف جنيه إسترليني، أي بفارق يصل إلى 15 ضعفاً.

وقد قدم البرنامج الألماني "ستارت هيلفه بلس" دعماً مالياً ومهنياً لأكثر من 15 ألف شخص، وأظهرت استطلاعات الرأي اللاحقة أن 85% من العائدين كانوا راضين عن البرنامج، في حين أن 5% فقط كانوا يستعدون بنشاط للهجرة مجدداً.

ويمثل هذا مقاربة مختلفة تماماً، تنطلق من أن الإنسان يتخذ قراره بناءً على توفر آفاق حقيقية بعد عودته، وليس خوفاً من الشرطة. وإذا كانت العودة تعني الفقر، والتهديد، والبطالة، والانهيار الاجتماعي، فإن الشخص سيقاومها. أما إذا كانت مصحوبة بالمال، والعمل، والتدريب، وإعادة الاندماج، فإن فرص النجاح تكون أعلى.

وهناك مسار ثانٍ يتمثل في تقنين أوضاع أولئك الذين اندمجوا بالفعل في المجتمع والاقتصاد.

وقد أطلقت إسبانيا برنامجاً جديداً لتقنين أوضاع المهاجرين، واجهه اليمين في البرلمان الأوروبي بانتقادات حادة. غير أن هذا البرنامج تحديداً يمكنه تحقيق ما تعلنه اللائحة، وهو تقليص عدد الأشخاص الذين لا يحملون وضعاً قانونياً، وزيادة عدد المقيمين العاملين والدافعين للضرائب، وخفض نفقات إنفاذ القانون القسري.

وقد اتبعت حكومات يمين الوسط في اليونان والبرتغال مقاربات مماثلة. وتشير الدراسات إلى أن وضع برنامج دائم لتقنين الأوضاع على مستوى الاتحاد الأوروبي يمكن أن يكون إجراءً فعالاً.

لكن هذا الأمر يعد مرفوضاً من الناحية السياسية بالنسبة لليمين المتطرف، إذ إن تقنين الأوضاع يهدم أسطورتهم المحورية، وهي أسطورة أزمة الهجرة الأبدية التي يستغلونها كوقود للحشد الانتخابي.

إلى أين تتجه أوروبا: من اتحاد قانوني إلى اتحاد استثناءات

لا تمثل اللائحة المتعلقة بالإعادة سقطة منفردة، بل هي جزء من تحول أكير.

فبعد انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2024، تعززت قوة اليمين الراديكالي، وحصل حزب الشعب الأوروبي مع المجموعات التي تقع إلى يمينه على أكثر من 50% من المقاعد. وتظهر الدراسات الأكاديمية أن صعود اليمين الراديكالي يتزامن مع تراجع الالتزام بالقيم الليبرالية الديمقراطية، بما في ذلك استقلال القضاء.

وما كان يُسمى سابقاً بالطوق الصحي يجري تفكيكه فعلياً، ليس بإعلان مدوٍ ولا بتحالف رسمي، بل بسلسلة من عمليات التصويت، ووثائق العمل، والتنازلات، ومجموعات الدردشة غير الرسمية.

وتحذر روزا بالفور من مؤسسة "كارنيغي أوروبا" من أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي قد تبدأ في غض الطرف عن تدهور المعايير الديمقراطية، إذا ما أصبح دعم اليمين المتطرف ضرورياً لاتخاذ القرارات. وحينها سيتم تقويض قدرة الاتحاد الأوروبي نفسه على ضمان الالتزام بآلياته القانونية الخاصة.

وفي عام 2025، صرحت فون دير لاين أمام البرلمان بأن الوحدة تكتسب أهمية حاسمة. وبعد عام، أصبحت هذه الوحدة أكثر وضوحاً بالفعل، لكنها باتت تتشكل بشكل متزايد حول القطب اليميني.

ولا تزال هناك أسئلة مهمة قائمة بشأن اللائحة. ومن المتوقع أن تمر المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس بسرعة، إذ إن الخلافات حول مراكز الإعادة، وفترات الاحتجاز، وحظر الدخول، والالتزامات بالتعاون تعد ضئيلة للغاية. وتظل النقطة الرئيسية العالقة هي ما إذا كانت صلاحيات تفتيش المنازل ستبقى في الصيغة النهائية.

وحتى بعد اعتماد اللائحة، سيتم تطبيقها في 27 دولة ذات قدرات إدارية، وأنظمة قضائية، وظروف سياسية متباينة. ومن المؤكد تقريباً أنه سيتم الطعن فيها أمام المحاكم الوطنية وأمام محكمة العدل الأوروبية. وقد أصدر خبراء قانونيون في الاتحاد الأوروبي بالفعل تحذيرات داخلية بشأن احتمال عدم توافق الوثيقة مع ميثاق الحقوق الأساسية والقانون الدولي.

ومع ذلك، فإن الآلة السياسية قد انطلقت بالفعل.

السؤال الرئيسي ليس عن المهاجرين، السؤال الرئيسي هو عن أوروبا

تبدأ هذه القصة بأكملها من الهجرة، لكنها تنتهي بسؤال حول طبيعة السلطة.

لقد بنت أوروبا مكانتها الدولية لعقود من الزمن على أساس أن القانون أسمى من الخوف، وأن الإنسان أهم من الفئة الإدارية، وأن القضاء أبقى من الذعر السياسي، وأن الكرامة أعلى من الحدود. والآن، تقوم هي نفسها بتصميم نظام يمكن فيه إخراج جزء من البشر خارج نطاق الرؤية.

إن مراكز الإعادة في دول ثالثة ليست مجرد أداة لإدارة الهجرة، بل هي تكنولوجيا للخداع السياسي الذاتي. فالمجتمع لا يرى المعسكرات، وبالتالي يمكنه ألا يرى المعاناة؛ والقضاء بعيد، وبالتالي تصبح المسؤولية مميعة؛ والإنسان خارج الحدود، وبالتالي تبدو المشكلة وكأنها اختفت.

ولكن المشكلة لا تختفي، بل تصبح فقط أقل وضوحاً.

فالثقوب السوداء لا تلغي الفيزياء، بل تحجب فقط ما تبتلعه. وبالمثل، فإن سياسة الهجرة الخارجية لن تلغي حقوق الإنسان، ولن تلغي الالتزامات الدولية، ولن تلغي الواقع الاجتماعي لأسواق العمل الأوروبية. إنها ستخلق فحسب مناطق يكون فيها الانتهاك أصعب في الرؤية، وأصعب في الإثبات، وأصعب في الإيقاف.

تقف أوروبا أمام خيار: إما أن تعترف بأن الهجرة تتطلب سياسة معقدة، وصادقة، ومبنية على الحقائق، تشمل تقنين الأوضاع، وإعادة الاندماج، وحماية العمل، والرعاية الصحية، والضمانات القضائية، والتعاون الدولي؛ أو أن تستمر في لعب دور الحسم، مستبدلة الإدارة بالخوف، والقانون بالقوة الإدارية.

إن الأمر الأكثر خطورة في اللائحة الجديدة ليس كونها قاسية، بل إن الأمر الأكثر خطورة هو أنها تحاول جعل القسوة هي المعيار السائد.