تمتلك الحرب الحديثة سمة مزعجة للغاية: إنها تبدأ قبل وقت طويل من إطلاق الرصاصة الأولى، بل وأحيانا لا تحتاج إلى رصاصة على الإطلاق. تبدأ العملية أولا ببث الشك، ثم تظهر تسريبات، تليها قناة مجهولة تنشر وثيقة ما. وفي غضون ساعات قليلة، تعيد عشرات الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي نشرها، لينبري بعد ذلك خبير لا يبحث في مدى صحة الحقيقة، بل يشرع في شرح الاتجاه العام. وفي اليوم التالي، تتحول هذه المعلومات المضللة إلى حجة سياسية، وبعد أسبوع تصبح جزءا من الضغط الدبلوماسي، وبعد شهر تتحول إلى عنصر في تقرير دولي، لتصبح بعد عام جزءا من التاريخ تقريبا.
هكذا تعمل البنية التحتية الجديدة للنفوذ الخارجي الخبيث. إنها لا تشبه الدعاية الكلاسيكية للقرن العشرين التي كانت تعتمد على مكبرات الصوت، وافتتاحيات الصحف، والشعارات الفجة، بل هي أكثر دقة، وأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية، وأكثر مرونة. لا تكمن مهمتها دائما في إقناع المجتمع بكذبة واحدة كبيرة، بل غالبا ما يكون الهدف مغايرا تماما: تدمير الثقة في الحقائق كذاتها، وجعل الدولة ضعيفة أمام الضوضاء الداخلية، وتحويل النقاش العام إلى مستنقع يغدو فيه من المستحيل التمييز بين الوثيقة الحقيقية والمزيفة، وبين الصحافة وعمليات التوجيه والنفوذ، وبين الانتقاد والهجوم الممنهج الموجه، وبين النشاط المدني والأجندات السياسية الخارجية المدفوعة.
بالنسبة لأذربيجان، تجاوز هذا الموضوع منذ فترة طويلة حدود الثقافة الإعلامية البسيطة. المسألة لا تتعلق بنشر شخص ما لخبر غير دقيق، أو الخلط في تاريخ معين، أو ترجمة تصريح بشكل خاطئ. إننا نتحدث عن صراع منهجي من أجل صياغة التصور الذهني والوعي العام حول أذربيجان، سواء داخل البلاد، أو في المنطقة، أو في العواصم الغربية، أو في المنظمات الدولية، وفي أوساط الخبراء، وعلى المنصات الرقمية التي لا تشكل الرأي العام اليوم فحسب، بل تصنع الضغط السياسي أيضا.
بعد استعادة أذربيجان لوحدة أراضيها، دخلت البلاد في دورة تاريخية جديدة تماما. لقد كفت باكو عن كونها دولة مضطرة لقضاء عقود في شرح البديهيات للعالم، مثل الاحتلال، والتهجير، والمدن المدمرة، والحق في السيادة. وانتقلت أذربيجان إلى مرحلة التخطيط الإقليمي وصياغة المشروعات، بما يشمل خطوط الاتصال، وممرات النقل، والطاقة، وآسيا الوسطى، وبحر قزوين، والممر الأوسط، والأطر الأمنية الجديدة، والكيان الدبلوماسي المستقل. وفي هذه اللحظة بالذات، لم تضعف الهجمات الإعلامية، بل أصبحت أكثر خبثا ودهاء. وهذا أمر طبيعي، فكلما قويت سيادية الدولة واستقلاليتها، ارتفع ثمن محاولات تشويه سمعتها.
الهدف الرئيسي ليس الخبر بل العصب الحيوي للدولة
غثا إعلاميا أو مجرد نفايات رقمية. ولكن في الواقع، يتم تنظيم حملات التضليل الاحترافية بطريقة مغايرة تماما، إذ إنها لا تضرب حقيقة بعينها، بل تستهدف الجهاز العصبي للدولة.
وتقوم هذه الحملات على عدة مستويات:
المستوى الأول عاطفي: يهدف إلى إثارة القلق، والغضب، والشعور بالإهانة، أو الإحساس بالظلم والخوف. وتبرز الحاجة إلى العاطفة كعامل تسريع للنشر، فالإنسان يشارك المحتوى الذي يثير حفيظته وغضبه بشكل أسرع.
المستوى الثاني معرفي وإدراكي: يهدف إلى إحداث البلبلة والخلط. وليس من الضروري إثبات الكذب، بل يكفي جعل الجمهور يفقد القدرة على معرفة من يصدق.
المستوى الثالث مؤسسي: يهدف إلى تقويض الثقة في الهياكل الحكومية، والجيش، والدبلوماسية، والأجهزة الأمنية، ووسائل الإعلام، ومجتمع الخبراء.
المستوى الرابع دولي: يهدف إلى تحويل الضوضاء الداخلية إلى حجة للضغط الخارجي، من خلال ترويج مقولات مثل البلاد في أزمة، والمجتمع منقسم، والسلطة تخفي شيئا ما، وأذربيجان تتصرف بعدوانية، والاستقرار الإقليمي في خطر.
المستوى الخامس استراتيجي: يهدف إلى إجبار الدولة على التفاعل مع أجندات الآخرين، وهدر طاقاتها في دحض الاتهامات المفروضة عليها، والتموقع في موقف الدفاع بدلا من المضي قدما في بناء هيكلها السياسي الخارجي الخاص.
وبهذا المعنى، فإن النفوذ الخارجي الخبيث ليس مجرد مجموعة من المنشورات، بل هو تكنولوجيا سياسية تعمل فيها وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، وأشباه الخبراء، والهياكل غير الحكومية، والإشارات الدبلوماسية، والتسريبات، والحوادث السيبرانية، والحملات العاطفية كأجزاء من آلية واحدة متكاملة.

أذربيجان كهدف بعد النصر
إن تأثر أذربيجان بمثل هذه العمليات لا يفسر بضعفها، بل بأهميتها وثقلها. فالبلدان التي لا يعتمد عليها شيء نادرا ما تصبح هدفا لحملات إعلامية معقدة، ولا تهدر عليها الموارد والشبكات والسرديات ورأس المال السياسي.
وتكتسب أذربيجان أهمية قصوى لعدة أسباب مجتمعة:
فهي تقع في نقطة التقاء جنوب القوقاز، وبحر قزوين، وآسيا الوسطى، وتركيا، وروسيا، وإيران، وأوروبا. وتتحكم في الرابط الجغرافي الحيوي بين الشرق والغرب، وتعد شريكا في مجال الطاقة لأوروبا، ومركزا للنقل في الممر الأوسط، وجسرا طبيعيا نحو آسيا الوسطى، وحليفا استراتيجيا لتركيا. وبعد عام ألفين وعشرين، وخاصة بعد الاستعادة الكاملة للسيادة في عام ألفين وثلاثة وعشرين، غيرت أذربيجان ميزان القوى في المنطقة بشكل جذري.
ولهذا السبب تحديدا، أصبح الصراع حول صورتها شرسا للغاية. فالأطراف الخارجية لا يسهل عليها دائما مجادلة الواقع بلغة القانون، مثل الحدود المعترف بها دوليا، والسيادة، وسلامة الأراضي، وتنفيذ القرارات الدولية، واستعادة السيطرة على أراضيها. لذلك، يجدون أنه من الأكثر ملاءمة نقل الصراع إلى مساحة العواطف، والمواعظ الأخلاقية، والسرديات الموجهة والمتحكم بها.
ومن هنا تولد التكنولوجيا النمطية: إذا كان من المستحيل التشكيك في الحق السيادي للدولة، فيجب مهاجمة سمعتها. وإذا كان من المستحيل إعادة الوضع الراهن القديم على الأرض، فيجب خلق وضع راهن جديد في التصور الدولي. وإذا كان من المستحيل إيقاف أذربيجان بالوسائل العسكرية، فيمكن محاولة تقييدها دبلوماسيا، وإعلاميا، وقانونيا، ونفسيا.
مصنع الصور: كيف يتم خلق صورة أذربيجان الخطيرة
نادرا ما يتحدث النفوذ الخارجي الخبيث بلغة مباشرة، بل يعمل من خلال الصور والأنماط الذهنية. فهم يحاولون تقديم أذربيجان تارة كتهديد للمنطقة، وتارة كجهة تمارس الابتزاز بالطاقة، وتارة كاستثناء غير ديمقراطي، وتارة كلاعب مستقل أكثر من اللازم، وتارة أخرى كمشكلة للسياسة الأوروبية. ولكل صورة من هذه الصور جمهورها المستهدف.
فبالنسبة للشريحة الليبرالية الغربية، يتم استخدام لغة حقوق الإنسان والحريات الإعلامية. ولصالح الشتات الأرمني، تستخدم لغة الصدمة التاريخية والانتقام. ولبعض المنصات الروسية، تستخدم لغة التوجس من العامل التركي والنفوذ الغربي. وللاتجاه الإيراني، يتم اللعب على وتر الخوف من الهوية الأذربيجانية، والتحالف التركي الأذربيجاني، والتغيير المحتمل في التوازن الإقليمي. أما بالنسبة للبيروقراطية الأوروبية، فالحديث يدور حول مخاطر التصعيد، حيث يتم وضع ضحية الاحتلال الذي استمر لسنوات طويلة والطرف الذي استعاد سيادته، بشكل مصطنع، في كفة واحدة مع القوى التي دعمت الوضع الراهن غير القانوني لعقود.
ويكمن خطر هذا النهج في أنه يقنع المصالح السياسية بغطاء من الأخلاق الكونية. وفي الواقع، يقف وراء الكثير من مظاهر القلق رغبة في الحفاظ على أدوات النفوذ، وليس الحرص على السلام. لقد كانت قضية قره باغ القديمة أداة ضغط مريحة على باكو، وعندما اختفت هذه الأداة، بدأ الصراع من أجل إيجاد آليات جديدة، مثل المسألة الدستورية في أرمينيا، وقضية خطوط الاتصال، وبعثات المراقبة، والحملات الإعلامية، والاتهامات، والتقارير، والهجمات الشبكية، والفصائح المصطنعة.
المشكلة لا تكمن في الانتقاد بحد ذاته، فالانتقاد ضروري لأي دولة، بل تبدأ المشكلة عندما يتحول الانتقاد إلى تكنولوجيا للإدارة والتحكم الخارجي، حيث يتم تجميع الحقائق واختيارها ليس بغرض التحليل، بل لخدمة قرار اتهام مكتوب مسبقا.
التضليل كامتداد للدبلوماسية بوسائل أخرى
كتب كلاوزفيتز عن الحرب باعتبارها امتدادا للسياسة بوسائل أخرى. وفي القرن الحادي والعشرين، أصبح التضليل امتدادا للدبلوماسية بوسائل أخرى، لا سيما في الحالات التي يبدو فيها الضغط المباشر فجا للغاية، أو عندما تكون العقوبات أو الأدوات العسكرية مستحيلة أو غير مرغوب فيها.
واليوم، يمكن مهاجمة الدولة دون إعلان عن أزمة، إذ يكفي خلق موجة إعلامية في اللحظة المناسبة: قبل المفاوضات، أو قبل منتدى دولي، أو قبل الانتخابات في دولة مجاورة، أو قبل توقيع اتفاقية، أو قبل مناقشة مسار للنقل، أو قبل زيارة زعيم ما، أو قبل صدور تقرير من منظمة دولية.
وبهذا المعنى، فإن توقيت النشر غالبا ما يكون أكثر أهمية من المضمون نفسه. فالخبر الزائف ليس مجرد كذبة، بل هو كذبة يتم نشرها في التوقيت الصحيح تماما.
عندما يتم نشر أنباء عن إمدادات أسلحة سرية مزعومة، أو اتفاقيات سرية، أو الإعداد لاستفزازات، أو اضطهاد، أو تهديدات، أو تصعيد جديد، لا ينبغي النظر إلى النص الفعلي فحسب، بل يجب النظر إلى التقويم الزمني. ماذا يحدث في الساحة الدبلوماسية؟ ما هي المفاوضات الجارية؟ ما هي الوثيقة التي يتم مناقشتها؟ من المستفيد من الإفشال؟ ما هو الجمهور المطلوب تخويفه؟ وما هي العاصمة التي يجب أن تحصل على ذريعة لممارسة الضغط؟
هكذا بالضبط يتحول التضليل إلى أداة للقصف المدفعي التمهيدي للمساحة السياسية.
الفضاء السيبراني: خط جبهة جديد بلا خارطة
لم تعد مشكلة الأخبار الزائفة منفصلة عن الأمن السيبراني. في السابق، كان بإمكاننا الحديث بشكل منفصل قائلين: هنا الصحافة، وهنا السياسة الإعلامية، وهنا شبكات الكمبيوتر. أما الآن، فقد تلاشت هذه الحدود تماما.
يمكن أن تشمل عملية النفوذ الحديثة اختراق البريد الإلكتروني، وتسريب وثائق أصلية، وإضافة ملفات مزيفة، وإنشاء حسابات وهمية، والنشر المكثف عبر الحسابات الآلية، ومقاطع الفيديو المفبركة، والتزييف العميق، وتغيير السياق، ورسائل التصيد الاحتيالي، ومن ثم نشر تحقيق على منصة ذات مصلحة سياسية. ولا ينشأ الضعف فقط عندما تكون الكذبة مختلقة بالكامل، بل إن العمليات الأكثر خطورة تبنى غالبا على مزيج من الحقيقة، وأنصاف الحقائق، والتزوير.
وتظهر الإحصاءات العالمية حجم التهديد. ووفقا لتقديرات خبراء السيبرانية الدوليين، فإن الخسائر العالمية الناجمة عن الجرائم السيبرانية بحلول منتصف العقد تقدر بترليونات الدولارات سنويا. وأشار المنتدى الاقتصادي العالمي في استعراضه للمخاطر السيبرانية إلى أن معظم المؤسسات تسجل نموا في التهديدات السيبرانية، وأن التصيد الاحتيالي والهندسة الاجتماعية أصبحا من أكثر مسارات الهجوم شيوعا. وقد أدى الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى خفض تكلفة إنتاج المحتوى المزيف بشكل حاد، حيث يمكن الآن إنشاء نص عالي الجودة، أو تقليد صوتي، أو صورة أو مقطع فيديو مزيف بواسطة مجموعة صغيرة من المشغلين، دون الحاجة إلى استوديو متخصص.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة لأذربيجان، فالدولة تتجه نحو التحول الرقمي بنشاط كبير. إن الخدمات الحكومية الإلكترونية، والخدمات المصرفية، وشبكات الاتصالات، والبنية التحتية للطاقة، وأنظمة النقل، ووسائل الإعلام، والمنصات التعليمية، كلها عوامل توفر الراحة والتسهيل، ولكنها في الوقت نفسه توضح وتوسع مساحة الهجوم. وكلما أصبحت الدولة أكثر حداثة، زادت أبوابها الرقمية. وتكمن مهمة الخصم في العثور على شق غير مرئي، وليس على البوابة الرئيسية.
وتعمل أذربيجان بالفعل على بناء رد مؤسسي. وقد شكلت استراتيجية الأمن الإعلامي والأمن السيبراني للأعوام من ألفين وثلاثة وعشرين إلى ألفين وسبعة وعشرين، والتي تم إقرارها في عام ألفين وثلاثة وعشرين، وثيقة مهمة تحديدا لأنها اعترفت بأن الأمن الإعلامي ليس مجالا تقنيا ثانويا، بل هو جزء من الصمود الوطني. وقبل ذلك، تم اتخاذ قرارات لحماية البنية التحتية المعلوماتية الحيوية، وفي عام ألفين وثلاثة وعشرين تم اعتماد القواعد المتعلقة بأمنها. ووضع مركز الأمن السيبراني الأذربيجاني، الذي تم افتتاحه في عام ألفين وثلاثة وعشرين، هدفا يتمثل في إعداد وتدريب أكثر من ألف متخصص خلال ثلاث سنوات. وهذا ليس رقما شكليا، بل هو مؤشر على أن البلاد تدرك الطبيعة البشرية للتهديد. ففي مجال الأمن السيبراني، تعد التقنية مهمة، ولكن الكوادر البشرية هي التي تحسم النتيجة.

أرخص صاروخ هو الخبر الزائف
تمتلك المعلومات المضللة ميزة أساسية كبرى: إنها رخيصة التكلفة، في حين أن الضرر الذي يمكن أن تحدثه قد يكون هائلا وعظيما. فخبر زائف واحد يتم إطلاقه بعناية فائقة كفيل بأن يثير أزمة دبلوماسية، أو يضرب الأسواق المالية، أو يزرع الذعر والخوف، أو يجهض المفاوضات، أو يشوه سمعة مؤسسة ما، أو يثير صراعا مجتمعيا، أو يخلق ذريعة لتدخل خارجي سافر.
وبالنسبة لمجموعة صغيرة من المشغلين، يعد هذا السلاح هو السلاح المثالي؛ إذ لا يتطلب الأمر صيانة جيش، ولا يقتضي عبور الحدود، ولا يستلزم ترك بصمات أصابع. كل ما يحتاجونه هو خوادم، وحسابات، ولغة، وفهم عميق للاضطرابات والصدمات المحلية، واختيار التوقيت الصحيح تماما.
إن المجتمع الأذربيجاني، كأي مجتمع آخر، لديه ملفات وموضوعات حساسة تثير العواطف: الحرب، والشهداء، والنزاع الأرمني الأذربيجاني، وأمن الحدود، والعلاقات مع تركيا، وروسيا، وإيران، والغرب، والدين، والمشكلات الاجتماعية، والأسعار، والفساد، والهجرة، والجيش، ومصير الأراضي المحررة. وكل موضوع من هذه الموضوعات يمكن تحويله إلى نقطة ضغط مستهدفة. ولا يشترط في المشغل الخارجي أن يعرف البلاد بعمق، بل يكفي أن يعرف أين تكمن مواضع الألم.
هكذا يتم تشكيل التخريب المعلوماتي. وتكمن غايته في إجبار المجتمع على الجدال حول الخوف المفروض عليه بدلا من النقاش حول المستقبل. وفي الوقت الذي تبني فيه الدولة الطرق، وتعيد الحياة إلى الأراضي المحررة، وتوسع الممرات الاقتصادية، وتبرم الاتفاقيات، يجري العمل على جرها إلى دفاع مستمر لا ينتهي ضد الشائعات، والاستفزازات، والأزمات المصطنعة.
شبكات التواصل الاجتماعي كسوق للثقة السامة
تتمثل المفارقة الكبرى للعصر الرقمي في أن الناس باتوا أقل ثقة في المصادر الرسمية، لكنهم في كثير من الأحيان يثقون بشكل أعمى وبلا دفاع في القنوات المجهولة. ويُنظر إلى المجهولية على أنها شجاعة، وإلى المعلومات المسربة على أنها الحقيقة المطلقة، وإلى النبرة العاطفية على أنها دليل على الصدق والإخلاص. وعلى هذا الأساس تحديدًا، يقوم اقتصاد الأخبار الزائفة.
ولم تعد شبكات التواصل الاجتماعي منصة محايدة؛ فالخوارزميات تشجع الصراع، والسرعة، والاستياء، والخوف، والسطحية. وفي المقابل، ينتشر التحليل العميق والمعقد ببطء، بينما ينتشر الخبر الزائف بسرعة البرق. وتتطلب الوثيقة القراءة والفحص، بينما لا يتطلب العنوان المثيل للجدل سوى رد فعل عاطفي سريع. وتخسر الخبرة الهادئة أمام الصراخ العالي إذا لم يبتكر الدولة والمجتمع ثقافة التحقق والتدقيق.
وتتفاقم المشكلة لأن الهجمات الإعلامية أصبحت عابرة للمنصات ومتعددة الأوجه؛ إذ يمكن أن تظهر السردية نفسها أولا في تلغرام، ثم في إكس، وبعد ذلك في تيك توك، ثم في فيسبوك، تليها يوتيوب، لتستقر أخيرًا في التعليقات أسفل منشورات وسائل الإعلام الدولية. وبعد مرور أربع وعشرين ساعة، يخيل للمرء أن الجميع يتحدثون عن هذا الأمر، بينما في الواقع، هناك شبكة واحدة فقط تتحدث، لكنها تضاعفت وتكررت عبر المنصات المختلفة.
هكذا يتشكل وهم الإجماع المجتمعي؛ حيث يرى الفرد الطرح نفسه في أماكن مختلفة ويخلص إلى نتيجة مفادها: بما أنه موجود في كل مكان، فلا بد أن فيه شيئا من الحقيقة. وهذه هي آليات صناعة الظهور الموجه والمتحكم فيه.
التزييف العميق: اللحظة التي تكف فيها العيون عن الشهادة
يعد التزييف العميق الجزء الأكثر إثارة للقلق في الحرب المعلوماتية الجديدة. ففي السابق، كانت الصورة تعد دليلا دامغا، ثم اعتاد الناس على التعديل الصوري. وحافظ الفيديو لفترة طويلة على مكانته كدليل لا يقبل الجدل تقريبا، أما الآن، فقد تحطمت هذه المكانة تماما.
ولم تعد خطابات الفيديو المفبركة، والأصوات المصنوعة اصطناعيا، والتصريحات الزائفة للسياسيين، ومحاكاة المحادثات الهاتفية، واستبدال الوجوه في اللقطات الحقيقية ضربا من الخيال العلمي، بل أصبحت من أدوات العمليات السياسية. وتكتسب تقنيات التزييف العميق خطورة بالغة في ساعات الأزمات: أثناء الاشتباكات العسكرية، والفعاليات الجماهيرية، والتصعيد الدبلوماسي، والحوادث، والعمليات الإرهابية، والانتخابات، وحالات الذعر المصرفي.
وبالنسبة لأذربيجان، تبدو المخاطر واضحة وجلية. فلنتخيل فيديو مفبركا يتضمن تصريحا مزعوما لزعيم الدولة، أو القيادة العسكرية، أو دبلوماسي، أو ممثل لجهاز أمني، أو شريك خارجي. وحتى لو ظهر النفي الرسمي بعد ساعة واحدة، فإن الضربة الأولى تكون قد أصابت هدفها بالفعل؛ إذ قد تكون الأسواق، والسفارات، وهيئات التحرير، والمواطنون، والمراقبون الدوليون قد سارعوا باتخاذ ردود أفعال. وفي البيئة الرقمية، غالبا ما تسبق السرعة الحقيقة.
لذا، يجب أن تكون الاتصالات الحكومية دقيقة وسريعة في آن واحد. وفي عصر التزييف العميق، يعد الصمت رفاهية لا تملكها الدول؛ لأن الكذب يسارع بملء الفراغ.

من يتحرك خلف الكواليس
تعمل مجموعات مصالح مختلفة حول أذربيجان، ومن السطحية بمكان إرجاع كل شيء إلى مركز واحد، فالنفوذ الخارجي الخبيث يتسم دائما بتعدد طبقاته.
وتتمثل المجموعة الأولى في الأوساط الأرمنية الانتقامية وهياكل الشتات المرتبطة بها. وتبدو مهمتها واضحة: منع العالم من القبول النهائي بالواقع الجديد في جنوب القوقاز. وتتحول الحرب المعلوماتية بالنسبة لهم إلى وسيلة لمواصلة الاستراتيجية السياسية والعسكرية التي خسروها على الأرض. وتبنى السردية حول أفكار عدم الاكتمال، والظلم، والتهديد، وضرورة التدخل الدولي. وكلما ترسخت أجندة السلام، زادت الرغبة في إفشالها عبر الحملات العاطفية.
أما المجموعة الثانية، فتضم اللاعبين الخارجيين الذين لا يصب التميز والسيادة الكاملة لأذربيجان في مصلحتهم. فبالنسبة للبعض، تبدو باكو قريبة جدا من تركيا، وبالنسبة لآخرين، تبدو مستقلة أكثر من اللازم في مجال الطاقة، ولدى البعض الآخر، تبدو نشطة للغاية في آسيا الوسطى، بينما يرى قطاع آخر أنها نجحت بامتياز في تدمير المخططات القديمة للضغط الإقليمي. ولا تعمل هذه القوى دائما بشكل علني، بل تفضل غالبا التحرك عبر شبكات الخبراء، وهياكل المنح، والمنصات الإعلامية، والتقريرات، والإشارات الدبلوماسية.
وتشمل المجموعة الثالثة الهياكل التجارية والإجرامية؛ إذ يمكن استخدام التضليل ليس في السياسة فحسب، بل في مجالات الأعمال أيضا، مثل الهجمات على البنوك، وقطاع الاتصالات، والخدمات اللوجستية، ومشروعات الطاقة، والمشتريات الحكومية، والمناخ الاستثماري. فالضربة الموجهة لسمعة البلاد يمكن أن تحمل أبعادا اقتصادية مباشرة.
وتأتي المجموعة الرابعة لتمثل الناقلين الداخليين للأجندة الخارجية، وهي الفئة الأكثر تعقيدا وصعوبة. ولا يمكن القول إن كل منتقد هو عميل نفوذ، ولا ينبغي للدولة أن تستبدل التحليل بالتشكيك والريبة. ولكن هناك مشكلة حقيقية عندما يتحول جزء من الشخصيات العامة، أو وسائل الإعلام، أو النشطاء الشبكيين، وعيا أو دون وعي، إلى أبواق تردد الخط الاستراتيجي للغير؛ وتتنوع الدوافع وراء ذلك بين المنطلقات الأيديولوجية، أو الضغائن الشخصية، أو التبعية المالية، أو الرغبة في الحصول على شرعية خارجية.
ولهذا السبب تحديدا، لا ينبغي أن تتحول اليقظة إلى حالة من الهستيريا. فالدولة القوية تميز النفوذ الخبيث عن النقد الطبيعي البناء، أما الدولة الضعيفة فغالبا ما تخلط بينهما. وتحتاج أذربيجان إلى أن تكون قوية بهذا المعنى بالتحديد: حازمة وصارمة في مواجهة عمليات التفوذ، وواثقة بما يكفي كي لا تخشى الخبرة والتحليلات النزيهة.
اقتصاد الخبر الزائف: من يدفع ثمن الفوضى
تقف الموارد المادية وراء أي حملة معلوماتية مستدامة؛ فالحسابات تتطلب إنشاء، والمحتوى يحتاج إلى إنتاج، والترجمات يجب أن تنجز، والخبراء يقتضي إشراكهم، والإعلانات تلزم لشرائها، والمنصات تطلب تمويلا للاستمرار، والحماية القانونية تستدعي تأمينا، والعلاقات مع هيئات التحرير تستوجب حفاظا عليها. وحتى الغضب المجتمعي العفوي غالبا ما يمتلك ميزانية مخصصة.
ويمكن للأموال أن تتدفق عبر المؤسسات، ومنظمات الشتات، ووكالات العلاقات العامة، ومراكز الأبحاث، والمشروعات الإعلامية، والشركات الاستشارية، والمتبرعين الخصوصيين، والمجموعات التجارية، وقنوات العملات الرقمية المشفرة. ونادرا ما تبدو عملية النفوذ الحديثة في شكل أمر مباشر، بل تظهر كمنظومة بيئية متكاملة؛ حيث يكتب أحدهم تقريرا، ويقدم آخر تعليقا، وينشر ثالث مقالا عاطفيا، ويعمل رابع على تصدير الموضوع إلى شبكات التواصل الاجتماعي، ويرسل خامس طلبا إلى هيكل دولي، ويطالب سادس بفرض عقوبات، ويقول سابع: انظروا، لقد أصبحت هذه مشكلة دولية.
هكذا يتم خلق شرعية مصطنعة.
وفي هذا الصدد، يجب على أذربيجان ألا تكتفي بتعزيز الدفاع السيبراني فحسب، بل يتوجب عليها تقوية الرصد والتحليل المالي للحملات الإعلامية. ولا تكمن المسألة في تكميم أفواه المعارضين، بل في تحقيق الشفافية حول أصل هذا النفوذ ومصدره. من يمول المنصة؟ من يدفع ثمن البحث؟ من يروج للمنشور؟ من يرتبط بأي هياكل سياسية؟ ما هي الشبكات التي تكرر الطروحات نفسها؟ وأين يقع مركز التنسيق والمزامنة؟
وبدون الإجابة على هذه الأسئلة، تتحول مكافحة الأخبار الزائفة إلى عملية إطفاء حرائق لا تنتهي.
المفارقة الغربية: محاربة التضليل في الداخل والتسامح معه ضد الآخرين
هناك نقطة أخرى بالغ الأهمية؛ فالمنظومات الغربية تنظر منذ فترة طويلة إلى التضليل كتهديد للأمن القومي. وتشير هيئة العمل الخارجي الأوروبي في تقاريرها حول التلاعب بالمعلومات إلى الأبعاد العالمية للمشكلة، وإلى أن مثل هذه العمليات تمس عشرات بل وأكثر من مئة دولة. وفرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، ودول البلطيق، والاتحاد الأوروبي، كلها هياكل تؤسس كيانات لمواجهة التدخل الأجنبي، وترصد المنصات، وتحقق في شبكات النفوذ، وتقيد قنوات معينة، وتفرض شروط الشفافية.
ولكن بمجرد أن تطرح أذربيجان الموضوع نفسه، يغير جزء من الخطاب الغربي نبرته تماما. فما يسمى في باريس، أو برلين، أو واشنطن حماية للديمقراطية من التدخل الأجنبي، يحاول البعض تصويره تجاه باكو على أنه تضييق على حرية التعبير. وهذا كيل بمكيالين لا يمكن تجاهله.
وبالطبع، لا ينبغي لمكافحة الأخبار الزائفة أن تصبح مبررا للتعسف، ولكن في المقابل، لا ينبغي لحرية التعبير أن تتحول إلى صك غفران للعمليات الخارجية. فالمجتمعات الديمقراطية نفسها تقر بوجود التدخل المعلوماتي الأجنبي، وبخطورته، وبأنه يتطلب ردا مؤسسيا حاسما. وبناء على ذلك، تملك أذربيجان الحق نفسه في حماية فضائها المعلوماتي تماما كما تفعل فرنسا، أو الولايات المتحدة، أو ألمانيا.
ويكمن الفارق الوحيد في أن أذربيجان توجد في بيئة جيوسياسية أكثر قسوة وصعوبة؛ إذ تحدها مناطق عدم استقرار، وعاشت عقودا من الصراع، وعانت من الاحتلال، وتمتلك محيطا إقليميا معقدا، وتعد هدفا للمصالح المتنافسة للقوى الكبرى. وبالنسبة لدولة كهذه، لا يعد التهاون المعلوماتي ليبرالية، بل هو رفاهية قد تدفع ثمنها من أمنها واستقرارها.
وسائل الإعلام كبنية تحتية دفاعية
عادة ما يتم تصور البنية التحتية الدفاعية في شكل رادارات، وتحصينات، وقواعد عسكرية، وأنظمة اتصالات، وطائرات مسيرة، ودفاع جوي. ولكن في القرن الحادي والعشرين، تعد وسائل الإعلام الوطنية عالية الجودة بمثابة بنية تحتية دفاعية أيضا، وليس لأنها يجب أن تكون بوقا للدولة، بل على العكس تماما؛ فالدعاية الضعيفة لا تحمي، بل تشوه السمعة، وتصنع وسائل الإعلام القوية الحماية للبلاد من خلال بناء الثقة.
ولا يمكن بناء الثقة عبر الشعارات، بل تبنى فقط من خلال الدقة، والسرعة، والمهنية، والانفتاح على الأسئلة المعقدة، واحترام الجمهور، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء. وإذا كانت الاتصالات الرسمية بطيئة، وجافة، وبيروقراطية، فإن تلغرام يسارع لملء هذا الفراغ. وإذا كانت التحليلات الوطنية بدائية وسياحية، يتجه الجمهور نحو المفسرين الخارجيين. وإذا كانت الصحافة لا تشرح العمليات المعقدة، يصبح المجتمع فريسة سهلة للمتلاعبين بالعواطف.
وتحتاج أذربيجان إلى ثقافة جديدة في مجال الاتصال الاستراتيجي؛ لا تقوم على النبرة السوفيتية القديمة، ولا البيانات الصحفية البيروقراطية الجافة، ولا التكرار اللانهائي للصيغ الجاهزة، بل تعتمد على منظومة حديثة ومتطورة لشرح الواقع. ويجب على الدولة أن تتحدث بسرعة، وبدقة، وبلغة إنسانية مفهومة، كما ينبغي لمجتمع الخبراء أن يمتلك القدرة على تفكيك العمليات المعقدة، وعلى وسائل الإعلام ألا تكتفي بنقل التصريحات، بل عليها إبراز السياق، والدوافع، والمصالح، والمخاطر.
وهنا تحديدا يمر خط الفاصل بين الدفاع المعلوماتي الصلب والضعف المعلوماتي.

لماذا لم يعد دحض الأخبار الزائف وكشفها كافيا
لقد قام الصراع الكلاسيكي ضد الأخبار الزائفة حول فكرة الدحض والنفي: تظهر كذبة ما فيتم كشفها وإبطالها، غير أن هذا الأسلوب لم يعد كافيا في عالم اليوم.
أولا: ينتشر الخبر الزائف بسرعة تفوق بكثير سرعة انتشار الدحض والنفي الرسمي. ثانيا: يرى جزء من الجمهور الكذبة لكنه لا يطلع على التوضيح والبيان اللاحق. ثالثا: يظل الأثر العاطفي والنفسي عالقا في الأذهان حتى بعد التصحيح العقلاني المبني على الحقائق. رابعا: يراهن منظمو هذه الحملات على هذا الأثر بالتحديد، إذ لا يهمهم إثبات التهمة بقدر ما يهمهم تشويه السمعة وتلطيخها.
بناء على ذلك، تحتاج أذربيجان إلى نموذج وقائي استباقي لا إلى نموذج ارتكاسي يقوم على مجرد رد الفعل.
ويجب أن يشمل هذا النموذج الكشف المبكر عن السرديات الموجهة، ورصد الظواهر غير الطبيعية والشاذة على الشبكات، وتحليل التنسيق بين الحسابات، والعمل المباشر مع المنصات الرقمية، وإعداد التوضيحات العامة والبيانات قبل أن تصل الأزمة إلى ذروتها، فضلا عن تعزيز الوعي الرقمي للمواطنين، وتدريب الصحفيين على طرق وأساليب التحقق والتدقيق، وتقوية آليات السلامة والثقافة السيبرانية في الهياكل الحكومية والقطاع الخاص على حد سواء.
ويكتسب العمل مع اللغات المختلفة أهمية بالغة وخصوصية قصوى، فالجمات الموجهة ضد أذربيجان لا تشن باللغتين الأذربيجانية والروسية فحسب، بل تدار أيضا باللغات الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والفارسية، والأرمنية، والتركية. فالعاملون على توجيه النفوذ الخارجي ينشطون حيثما يوجد الجمهور المستهدف، وهذا يعني بالضرورة أن الرد يجب أن يكون متعدد اللغات ومتحدثا بها جميعا. فلا يكفي دحض خبر زائف داخل البلاد إذا كان هدفه الرئيسي والأساسي هو موظف في بروكسل، أو رئيس تحرير في باريس، أو محلل سياسي في واشنطن.
المجتمع كأول مستشعر وجهاز إنذار للأمن
لا يمكن لأي جهاز أمني، أو مركز رصد، أو هيكل حكومي بمفرده أن يقف حائلا دون انتشار التضليل والمعلومات المغلوطة ما لم يمتلك المجتمع حصانة ذاتية. فالأمن الإعلامي لا يبدأ من غرف الخوادم الرقمية، بل ينبع أولا من وعي المواطن وعقله.
ويجب على الفرد أن يطرح أسئلة بسيطة وبديهية: من هو المصدر؟ لماذا نُشر هذا المحتوى في هذا التوقيت بالذات؟ أين هي الوثيقة الأصلية؟ من يؤكد هذا الكلام؟ ما هي مصلحة الكاتب أو الناشر؟ لماذا يثير النص هذه العاطفة الجياشة والقوية؟ لماذا تدفع كل الصياغات نحو رد فعل واحد محدد؟ لماذا يغيب الطرف الثاني والرأي الآخر؟ ولماذا تعرف قناة مجهولة أكثر مما تعرفه كل الهياكل الرسمية وهيئات التحرير المهنية؟
ولا ينبغي أن تكون المعرفة الرقمية مادة اختيارية أو تكميلية لطلبة المدارس، بل يجب أن تتحول إلى جزء لا يتجزأ من الصمود الوطني؛ ويتعين تدريسها في المدارس، والجامعات، والمؤسسات الحكومية، وهيئات التحرير، وقطاعات الأعمال، والجيش، والبلديات، ليس كمساق ممل حول الإنترنت الآمن، بل كمادة عملية وتطبيقية للبقاء على قيد الحياة في عصر التلاعب وصناعة العقول.
وتبرز فئات معينة كأكثر المجموعات عرضة للمخاطر، وهم كبار السن، والمراهقون، والأشخاص الذين يستقون الأخبار بشكل أساسي من مقاطع الفيديو القصيرة وتطبيقات المراسلة الفورية، حيث تنتشر الأخبار الزائفة هناك بسرعة فائقة وخاصة؛ إذ يعيد القريب إرسال الرسالة إلى قريبه، والجار إلى جاره، والصديق إلى صديقه. وتعتمد الثقة في هذه الحالة على طبيعة العلاقة الشخصية والصلة الاجتماعية لا على موثوقية المصدر. ويمثل هذا المناخ البيئة المثالية للمضلل، حيث تكتسب الكذبة وجها إنسانيا مألوفا.
يجب ألا تكون الدولة بطيئة
إن سرعة الاستجابة ورد الفعل هي مسألة هيبة وفرض سيادة. وفي الأزمات، لا ينتصر من يمتلك الحق والصواب فحسب، بل يسبق وينتصر من يمتلك زمام المبادرة ويكون الأول في تفسير وشرح ما يحدث. فإذا اختارت الدولة الصمت، تحدث الأعداء، والمنافسون، ومثيرو الذعر، والهواة بالنيابة عنها.
وتبرز الحاجة ملحة إلى بنية تحتية موحدة للاتصال في وقت الأزمات؛ لا تقوم على تصريحات عشوائية ومتضاربة من جهات ومؤسسات مختلفة، بل على منظومة منسقة ومتكاملة. وفي حال حدوث هجوم إعلامي كبير أو انتشار خبر زائف ضخم، يجب أن يكون معلوما وبوضوح من يتحدث أولا، ومن يقدم التفسير التقني، ومن يتعامل مع وسائل الإعلام الدولية، ومن يتواصل مع المنصات الرقمية، ومن يتولى إعداد المواد المرئية والمصورة، ومن يجيب باللغات الأجنبية، ومن يتتبع ويعاد رصد انتشار المحتوى وتكراره.
ويجب أن يكون الاتصال القوي متعدد المستويات؛ فالبيان الرسمي يخصص للبروتوكول والتوثيق، والتوضيح المقتضب يوجه لشبكات التواصل الاجتماعي، والرسوم التوضيحية والإنفوجرافيك تقدم للجمهور العام، والتحليل المفصل يرفع للخبراء، والنسخة الإنجليزية توجه للجمهور الخارجي، والتقرير الفني يرسل للمنصات والشركاء، والعمل مع قادة الرأي يخصص لضمان الانتشار الأوسع.
هكذا تتصرف الدولة الحديثة؛ لا بالصراخ والعشوائية، بل بالمنظومة والعمل المؤسسي.
الحد الفاصل بين الأمن والحرية
تتمثل المسألة الأكثر تعقيدا في تحديد أين يقع الحد الفاصل بين الحماية من النفوذ الخبيث والرقابة المفرطة والتحكم الزائد. ولا يمكن للبلدان التي تواجه تهديدات هجينة أن تتبنى إجابة بدائية أو سطحية لحل هذه المعضلة.
ومن الأهمية بمكان لأذربيجان تجنب الوقوع في خطأين رئيسيين:
الخطأ الأول هو السذاجة؛ والتظاهر بعدم وجود تدخل معلوماتي خارجي يعد تجاهلا صارخا للواقع. فالاستهداف موجود ومستمر، وموجه ضد سيادة البلاد، وسمعتها، واستقرارها الداخلي، وقدراتها في السياسة الخارجية.
الخطأ الثاني هو الفظاظة والغلظة؛ فرؤية النفوذ الخبيث والتدخل الأجنبي في كل انتقاد يوجه للدولة يؤدي إلى إضعاف المنظومة الفكرية والتحليلية للبلاد. فالمجتمع الذي يستحيل فيه نقاش المشكلات يصبح أقل صمودا وقدرة على المواجهة، لأن مواضع الضعف الحقيقية تتوارى حينها في الظل. والخصم الخارجي يستغل بالتحديد تلك الملفات والموضوعات المغلقة والمحظورة؛ فحيثما يغيب الحوار الصادق والشفاف، تنمو الشائعات وتترعرع بسهولة أكبر.
ويكمن النموذج الأمثل في الدقة البالغة؛ التصدي بكل حزم وصرامة للعمليات الخارجية المنسقة، وتقنيات التزييف العميق، والهجمات السيبرانية، والوثائق المفبركة، وشبكات النفوذ الممولة، والدعوات المحرضة على العنف، والحملات التلاعبية التي تخدم مصالح مراكز أجنبية. وفي الوقت نفسه، الحفاظ على مساحة للنقد المهني، والتحقيقات الصحفية، والنقاشات الفكرية بين الخبراء، والرقابة المجتمعية البناءة. وبدون ذلك، يتحول الأمن الإعلامي إلى دفاع مصمت يفتقر إلى الذكاء والفطنة.

جنوب القوقاز بعد النزاع القديم: لماذا ستتضاعف الأخبار الزائفة
تظل عملية السلام في جنوب القوقاز أحد المستهدفات الرئيسية والأساسية للعمليات المعلوماتية. وكلما اقتربت المنطقة من صياغة بنية تحتية هندسية جديدة للأمن والسلام، نشطت القوى والمراكز التي تصب حالة عدم اليقين والغموض في مصلحتها.
وستحاول الأوساط الانتقامية والثأرية إثبات أن السلام مستحيل أو محفوف بالمخاطر، وستسعى الأطراف الخارجية جاهدة للحفاظ على أدوات الضغط والنفوذ. وتروج بعض المراكز لفكرة الضمانات الدولية، والتي غالبا ما تخفي وراءها رغبة مبطنة في تقييد استقلالية دول المنطقة وسيادتها. ويعمل البعض الآخر على تضخيم المخاوف وافتعالها حول خطوط الاتصال، وترسيم الحدود، والتعديلات الدستورية، والتوازن العسكري، وعودة السكان والمهجرين، ومسارات النقل واللوجستيات.
وتبرز مسألة أرمينيا كعنصر بالغ الأهمية في هذا السياق؛ فطالما ظلت هناك عناصر ومكونات في فضائها القانوني والسياسي تتعارض مع منطق السلام النهائي والدائم، فإن الحرب المعلوماتية ستستمر بلا توقف. وبالنسبة لأذربيجان، يعد من قبيل الثوابت الاستراتيجية عدم السماح للقوى الخارجية باستبدال التسوية الحقيقية والواقعية على الأرض بصيغ وشعارات براقة وجذابة؛ فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يبنى على أساس الادعاءات والأطماع القديمة المختبئة تحت عباءة الخطاب الجديد.
وستلعب الأخبار الزائفة في هذه العملية دور الألغام الموقوتة، حيث سيتم زرعها تحت كل موضوع وحلف حساس؛ وتكمن الغاية من ذلك في خلق حالة من عدم الثقة، وإجهاض الاتفاقيات المبرمة، وإجبار الأطراف على العودة إلى لغة الاتهامات المتبادلة، ومنح الوسطاء الخارجيين الذريعة والمسوغ للتدخل في شؤون المنطقة.
الاستراتيجية الأذربيجانية: من الدفاع إلى المبادرة
إن رفع مستوى اليقظة لا يعني العيش في حالة من القلق والاضطراب الدائمين، بل على العكس؛ فالأمن الناضج واليقظة الواعية تمنح الدولة قدرة على التحرك بثقة أكبر. ولا تحتاج أذربيجان إلى التموقع في موقف القلعة المحاصرة، بل تحتاج إلى اتخاذ موقف الدولة القوية فكريا ومؤسسيا، والتي تفهم جيدا قواعد الحرب الجديدة وتجيد فرض أجندتها الخاصة.
ويجب أن تشمل هذه الاستراتيجية عدة مسارات أساسية:
المسار الأول تقني وتكنولوجي: ويتمثل في الدفاع السيبراني عن البنية التحتية الحيوية، والرصد والمراقبة المستمرة، وحماية الموارد الحكومية، وتدقيق الثغرات وفحصها، وإعداد الكوادر المؤهلة، والتعاون الوثيق مع المراكز الدولية، فضلا عن تطوير الخبرات الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتقنيات التزييف العميق، وتحليل الشبكات.
المسار الثاني قانوني: ويتطلب صياغة تشريعات دقيقة، ومواكبة للعصر، على أن تطبق بمهنية عالية بعيدا عن الانتقائية. ويجب تحقيق الشفافية المطلقة حول التمويل الخارجي للنفوذ السياسي، وتصنيف عمليات التضليل والمعلومات المغلوطة قانونيا وجنائيا، دون أن يتحول القانون إلى سوط يشهر في وجه أي فكرة أو رأي مخالف.
المسار الثالث إعلامي: ويقتضي تأسيس هيئات تحرير قوية، وابتكار آليات سريعة للتحقق من الوقائع، وتدريب الصحفيين وتأهيلهم، ودعم مراكز الأبحاث، وإنتاج محتوى عالي الجودة باللغات الأجنبية. ويجب على أذربيجان أن تقدم نفسها وتشرح مواقفها للعالم بكفاءة لا تقل عن جهود خصومها المحمومة لتشويه صورتها.
المسار الرابع تعليمي وتربوي: ويشمل تعزيز الوعي الرقمي، والثقافة الإعلامية، والتفكير النقدي، وأسس الأمن السيبراني، وطرق التحقق من المصادر، بحيث تتحول هذه المفاهيم إلى مهارات جماعية مكتسبة لدى عموم المجتمع.
المسار الخامس دبلوماسي: ويتعين مواكبة كل هجوم إعلامي كبير يشن ضد أذربيجان برد سياسي ودبلوماسي خارجي يتجاوز مجرد الدحض والنفي الداخلي. ويجب تزويد السفارات، والمنظمات الدولية، والدول الشريكة، والمنصات الرقمية، والأوساط البحثية بالحقائق والأدلة الدامغة في التوقيت المناسب.
المسار السادس مجتمعي: فلا يمكن للدولة أن تظل المدافع الوحيد عن الحقيقة؛ إذ تتطلب المنظومة إشراك العلماء، والصحفيين، والمدونين، والمحاربين القدامى، والأساتذة، ورواد الأعمال، ورجال الدين، والشباب. فالصمود الوطني هو شبكة متكاملة من الثقة المتبادلة.
الكذبة الأكثر خطورة هي تلك التي تشبه الحقيقة
إن التحدي الأكبر الذي سيواجه البلاد في السنوات المقبلة لن يتمثل في الأخبار الزائفة الفجة؛ إذ يسهل كشفها وإبطالها نسبيًا، بل سيكمن الخطر الأكبر في المناورات والتلاعبات المعقدة، والتي يتم فيها دمج سبعين بالمئة من الحقيقة مع ثلاثين بالمئة من الكذب، لتغلف بعد ذلك في سردية أخلاقية مقنعة وجذابة.
وعلى سبيل المثال؛ يتم أخذ مشكلة حقيقية قائمة، ويضاف إليها سياق خاطئ وموجه، ثم يتم تضخيم أبعادها وحجمها بشكل مصطنع، ليخلصوا في النهاية إلى استنتاج سياسي يخدم مصلحة مركز خارجي محدد. وتعد هذه التكنولوجيا أقوى تأثيرا من الكذب المباشر لأنها تتغذى على حقائق واقعية.
ولهذا السبب تحديدا، لا يمكن أن يقتصر الرد على عبارة بسيطة مثل هذا خبر زائف، بل يتوجب تفكيك الآلية وشرحها للجمهور؛ أين تقع الحقيقة؟ وأين يكمن التأويل والتحريف؟ وأين جرى الاستبدال والخلط؟ وأين يتم التلاعب العاطفي؟ وما هي المصلحة الكامنة؟ ومن هو مصدر التمويل؟ وأين تقع نقاط التنسيق والمزامنة؟ وما هي السردية المتكررة؟
إن الصراع الحديث ضد التضليل لا يقتصر على مراجعة الفرضيات والتحقق من الوقائع، بل يتعداه إلى كشف البنية الهندسية للنفوذ والتحكم.

الخاتمة: السيادة تبدأ من الحق في صياغة الواقع الخاص
لقد دفعت أذربيجان ثمنا باهظا للغاية لاستعادة سيادتها الكاملة، ولن تسمح لأي طرف كان بسلبها حقها في صياغة واقعها الخاص وحمايته. وفي القرن الحادي والعشرين، لا تحمى الأراضي والحدود بالجيوش العسكرية فحسب، بل تصان أيضا بالذاكرة التاريخية، والوقائع، واللغة، والأنظمة الرقمية، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والدبلوماسية، والتحليلات الرصينة، والثقة المجتمعية.
ويكتسب النفوذ الخارجي الخبيث خطورته من كونه لا يأتي دائما في شكل هجوم صريح ومباشر، بل يتخفى أحيانا في ثوب حرص واهتمام، أو يظهر في شكل تحقيق صحفي، أو يتجسد في صورة رأي خبير، أو يتسلل عبر تسريب مجهول، أو يتبدى في مقطع فيديو يبدو حقيقيا وصادقا، أو يطل في شكل مواعظ أخلاقية من الغير تخفي وراءها مصالح سياسية محددة ودقيقة للغاية.
وتحتاج أذربيجان إلى يقظة باردة، مهنية، ومواكبة للعصر، لا إلى الخوف، ولا الانعزال، ولا اتخاذ التشكيك والريبة أسلوبًا للتفكير. والمطلوب هو امتلاك القدرة على رؤية الهيكل والمضمون وراء الضجيج، والمصلحة وراء الشعار، والعملية الموجهة وراء المنشور، والتكنولوجيا وراء العاطفة.
إن الحرب الجديدة من أجل أذربيجان لا تدار على الحدود البرية فحسب، بل تدور رحاها في شريط الأخبار، وفي الهواتف الذكية، وفي التقارير الدولية، وفي غرف التحرير، وفي منصات الخبراء، وفي خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي، وفي قواعد البيانات، وفي المراسلات، وفي مقاطع الفيديو المفبركة، وفي الكلمات التي تبدو عفوية وعشوائية في البداية قبل أن تتحول إلى أداة للضغط الممنهج.
إن الدولة السيادية ملزمة بحماية المعنى والمضمون تماما كإلزامها بحماية الأرض والتراب؛ لأنه في عالم الحروب الهجينة، فإن الطرف الذي يخسر الصراع على المعنى يجد نفسه عاجلا أم آجلا مضطرا للاعتذار والدفاع عن نفسه حتى وإن كان يمتلك الحق والصواب.
وقد أثبتت أذربيجان بالفعل قدرتها الفائقة على كسب الحروب على الأرض، ويبرز الآن الاختبار الأكبر والامتحان الرئيسي في تعلم كيفية كسب الحرب من أجل الحقيقة، وبشكل منهجي، حاسم، وذكي.