...

في الإمبراطوريات العظيمة، نادراً ما تبدأ الأزمات بطلقة رصاص، بل تبدأ غالباً بصمت؛ ذلك الصمت الثقيل، اللزج، الملموس جسدياً تقريباً، عندما يستمر جميع أركان النظام في ترديد الكلمات القديمة، واقتباس الصيغ المعهودة، والولاء الأعمى للعهود السابقة، لكنهم لم يعودوا يدركون من يصدر الأوامر فعلياً.

هذا الصمت بالذات يخيم اليوم على المسار العراقي في السياسة الإيرانية. للوهلة الأولى، يبدو الهيكل الخارجي مستقراً؛ فلا يزال هناك مرشد أعلى في طهران، ولا يزال الحرس الثوري يهيمن على العمق الاستراتيجي، كما أن شبكة الفصائل المسلحة في العراق لا تزال تمتلك الأموال، السلاح، الكتل السياسية، النواب، القنوات الوزارية، الأصول الاقتصادية، المنصات الإعلامية، والخطاب الديني. على الورق، يبدو كل شيء مألوفاً.

لكن في أرض الواقع، لم تعد هذه الآلة كما كانت.

إن وفاة علي خامنئي وصعود ابنه مجتبى لم يكن مجرد تغيير لشخصية على قمة الجمهورية الإسلامية، بل كان تحولاً من ثيوقراطية ثورية كاريزمية إلى نظام بقيت قشرته المقدسة، بينما انتقل مركز الثقل الحقيقي فيه نهائياً إلى الجنرالات. وإذا كانت الدولة في عهد روح الله الخميني ثيوقراطية ثورية يقودها زعيم واحد، وفي عهد علي خامنئي توازناً معقداً بين رجال الدين والأجهزة الأمنية والحرس الثوري، فإن إيران في عهد مجتبى خامنئي أصبحت تشبه بشكل متزايد زمرة عسكرية دينية بواجهة دينية تغطي سلطة الجهاز الأمني والعسكري.

هذا التحول هو ما يغير كل شيء في العراق.

عاشت الفصائل الشيعية العراقية لعقود في نظام لم تكن فيه طهران مجرد ممول، بل كانت حكماً يفصل في النزاعات، يوزع الأدوار، يحدد مستويات العنف المقبولة، يعين الوسطاء السياسيين، وينظم التنافس بين المجموعات المسلحة ومؤسسات الدولة. لم يكن قاسم سليماني مجرد قائد لفيلق القدس، بل كان مهندس عالم سياسي خاص، حيث يمكن للميليشيا أن تكون حزباً، والحزب وزوارة، والوزارة عملاً تجارياً، والعمل التجاري ممولاً لجناح مسلح.

بعد اغتيال سليماني، تلقت هذه المنظومة ضربتها الأولى، لكن علي خامنئي ظل المرجعية الأخيرة، وبقيت لكلمته قوة مقدسة. كانت سيرته السياسية تجمع الثورة الإسلامية عام 1979، الحرب العراقية الإيرانية، مواجهة الولايات المتحدة، التصدي لإسرائيل، الملف اللبناني، الحملة السورية، التعبئة العراقية، وفكرة "محور المقاومة" في خط تاريخي واحد. وبالنسبة للفصائل العراقية المرتبطة بقم، لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان مصدراً للشرعية الدينية.

أما مجتبى خامنئي، فلا يمثل هذا المصدر.

إنه لم يتسلم السلطة كزعيم ثوري، ولا كمرجعية دينية بحجم والده، ولا كرجل خاض الحروب وأزمات الدولة، بل صعد كتسوية ضمنها المؤسسة العسكرية والأمنية. لذلك، تبدو سلطته منذ اليوم الأول ليست سلطة فوق الجنرالات، بل سلطة منحتها إياه أيدي الجنرالات.

من الثورة إلى الثكنة: كيف أصبح الحرس الثوري حزب السلطة الحقيقي؟

لفهم الأزمة الراهنة، يجب العودة إلى خطأ أساسي في التحليلات الغربية والإقليمية، حيث وُصفت إيران غالباً بأنها ثيوقراطية تقليدية. هذا الوصف مريح لكنه غير دقيق؛ فالجمهورية الإسلامية لم تكن يوماً سلطة رجال دين فحسب، بل كانت هجيناً: حزباً ثورياً بلا اسم رسمي، ودولة دينية، وآلة استخباراتية، ومؤسسة عسكرية، ومشروعاً لتصدير الأيديولوجيا، ومجموعة اقتصادية خفية.

في السنوات الأولى للثورة، كان المركز في يد الخميني تماًماً، وكانت سلطته مطلقة تقريباً. لقد امتلك ما لا يمكن صناعته إدارياً: أسطورة التأسيس. كان الرجل الذي هزم الشاه رمزياً، وأذل نظام النفوذ الأمريكي، ومنح الثورة لغتها، وحوّل اللاهوت السياسي الشيعي إلى أداة لإدارة الدولة.

أما علي خامنئي، الذي تولى السلطة عام 1989، فلم يكن يمتلك تلك المكانة، لكنه امتلك مورداً آخر: الوقت. سبعة وثلاثون عاماً في السلطة مكنته من بناء شبكة من التبعية الشخصية، والخوف البيروقراطي، والالتزامات الأيديولوجية، والتوازن المؤسسي. لم يكن الخميني، لكنه أصبح موزعاً للنظام؛ عرف كيف يضرب مراكز القوة ببعضها دون تدمير الدولة، وسمح للحرس الثوري بالاغتناء لكنه منعه من إزاحة رجال الدين تماماً، كما ترك للعسكريين رسم السياسة الإقليمية محتفظاً لنفسه بالكلمة الأخيرة.

في عهده، تحول الحرس الثوري من حرس ثوري إلى دولة داخل الدولة؛ وتغلغلت هياكله في الطاقة، البناء، الاتصالات، النقل، المخططات المصرفية، قطاع البتروكيماويات، التجارة الموازية، والعمليات الخارجية. ووفقاً لتقديرات عديدة، أصبح حجم النفوذ الاقتصادي للحرس الثوري يضاهي السيطرة على جزء هائل من الاقتصاد الوطني. لم يعد مجرد جيش، بل حضارة مالية وعسكرية داخل الجمهورية الإسلامية.

وكان عام 2021 محطة رمزية بالغة الأهمية، عندما حاول عشرات المسؤولين السابقين من الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية خوض السباق الرئاسي أو طُرحوا كشخصيات سياسية فيه. أظهر ذلك أن العسكريين لم يعودوا يكتفون بدور حراس الثورة، بل يريدون أن يكونوا إدارييها، منظريها، دبلوماسييها، محافظيها، وورثتها.

في عهد علي خامنئي، كانت هذه العسكرة تُكبح بفضل نفوذه، أما في عهد مجتبى، فقد حظيت بفرصة تاريخية.

يمكن وصف إيران الحالية بأنها نظام يحتفظ فيه المرشد الأعلى بختم الشرعية، لكن القرار الاستراتيجي يتشكل بشكل متزايد في دائرة ضيقة من الجنرالات، ومخضرمي الحرب مع العراق، وقادة الأجهزة الاستخباراتية، ومديري الدوائر الخارجية، وأشخاص لا يرون الأمن وظيفة للدولة، بل جوهراً لوجودها. لم تعد هذه جمهورية إسلامية كلاسيكية، بل قلعة محاصرة أصبحت فيها المفردات الفقهية لغة للتعبئة، بينما تقع مفاتيح البوابات في أيدي العسكريين.

العراق كمرآة للضعف: لماذا كانت بغداد أول من شعر بالتحول الجيولوجي؟

لم يكن العراق بالنسبة لإيران مجرد دولة جارة؛ بل كان عمقاً استراتيجياً، وجرحاً في الذاكرة، وساحة للانتقام في آن واحد.

في ثمانينيات القرن الماضي، شق صدام حسين حربه ضد الجمهورية الإسلامية من الأراضي العراقية. بالنسبة لجيل من الجنرالات الإيرانيين، لم يكن العراق يوماً ملفاً خارجياً، بل كان امتداداً لسيرهم الذاتية؛ هناك سقط رفاقهم، وهناك تشكل منطق التهديد لديهم، وهناك وُلد الاعتقاد بأن أمن إيران لا يمكن أن ينتهي عند حدودها الجغرافية.

بعد عام 2003، حطم الغزو الأمريكي الجدار الأساسي المناهض لإيران في العالم العربي. والإطاحة بصدام لم تفتح الباب لدولة عراقية ليبرالية، بل لمنظومة معقدة تبين أن طهران كانت مستعدة لها أفضل من واشنطن. كان الأمريكيون يمتلكون الدبابات، الطائرات، الميزانيات، والإدارة العسكرية، بينما كانت إيران تمتلك العنصر البشري، الأحزاب، الروابط الدينية، ذاكرة النفي، الصلات مع المعارضة الشيعية، الكوادر العسكرية، والقدرة على العمل لأجل عقود قادمة لا لأجل مؤتمر صحفي عابر.

منذ تشكيل أول مجلس حكم عراقي بعد الغزو، ظهر عمق التغلغل الإيراني؛ إذ كان جزء كبير من أعضائه قد عاش سابقاً في إيران، أو تعاون مع طهران، أو انتمى لأحزاب تحظى بالدعم الإيراني. بالنسبة لواشنطن، بدا هذا كأثر جانبي لسياسات ما بعد صدام، أما بالنسبة لطهران، فكان انتقاماً تاريخياً.

بعد ذلك، جرى تفعيل استراتيجية مزدوجة.

من جهة، دعمت إيران "القوة الصلبة": التشكيلات المسلحة، شبكات القتال، قنوات الإمداد، التدريب، الاستخبارات، وقدرات الصواريخ والطائرات المسيرة. ولم يكن فيلق "بدر" القديم، المرتبط بإيران قبل 2003، سوى القطعة الكبرى الأولى في فسيفساء أوسع. ولاحقاً، ظهرت وتعاظمت هياكل لم تعد تعمل كمجموعات قتالية مؤقتة، بل كشركات سياسية عسكرية مستقلة تمتلك الأيديولوجيا، المال، النواب، المصالح الوزارية، والتغطية الإعلامية.

ومن جهة أخرى، استثمرت إيران في "القوة الناعمة": المؤسسات الدينية، مسارات الحج والمزارات، المراكز الثقافية، الروابط الجامعية، التجارة، الطاقة، القنوات المصرفية، والنفوذ في تعيين رؤساء الوزراء والوزراء ورؤساء البرلمان وقادة الأجهزة الأمنية.

إن المزج بين هاتين القوتين هو ما جعل النموذج الإيراني في العراق فعالاً للغاية. لم تحاول طهران غزو بغداد بشكل مباشر، بل تغلغلت في جهازها العصبي.

سليماني كرئيس وزراء غير مرئي: كيف كان جنرال واحد يمسك بخناق النظام العراقي؟

تميز قاسم سليماني ليس لأنه كان يقود قوة عسكرية فحسب، بل لأن تميزه كان يكمن في فهمه للسياسة كامتداد لحرب سرية، وللحرب السرية كامتداد لمهمة دينية.

في العراق، كان دبلوماسياً، ومسؤولاً، وحكماً، وقائداً عسكرياً، ومبعوثاً للمرشد الأعلى، والرجل الذي يمكنه دخول غرفة يختصم فيها القادة العراقيون ليجبرهم على اتخاذ القرار. لم تكن قوته نابعة من التهديد فقط، بل من معرفة الجميع بأن علي خامنئي يقف خلفه.

كان هذا الأمر جوهرياً. قد تختلف الفصائل العراقية فيما بينها، وتتنافس على الأموال والوزارات والعقود ومناطق النفوذ، لكنها كانت تعرف التراتبية: علي خامنئي في القمة، وسليماني في الميدان العملياتي، وداخل العراق أبو مهدي المهندس وشبكة من القادة الذين يفهمون لغة الحرس الثوري ولغة السياسة البغدادية معاً.

بعد اغتيال سليماني والمهندس في يناير 2020، لم تفقد المنظومة مجرد شخصين، بل فقدت آلية التنسيق والضبط. ورغم أن إسماعيل قاآني شغل المنصب نفسه، إلا أنه لم يستطع تعويض السيرة الذاتية ذاتها، ولا النفوذ الشخصي، ولا القدرة على الحديث مع القادة العرب كشركاء في مشروع تاريخي مشترك.

ومع ذلك، وطالما كان علي خامنئي حياً، لم تنهر التراتبية تماماً؛ إذ كان اسمه كفيلاً بترميم الشروخ، وسمحت مكانته الدينية للوكلاء العراقيين بتبرير المواقف لأنصارهم وشرح لماذا يجب الصبر، أو الانتظار، أو الهجوم، أو الصمت، أو الدخول في الحكومة، أو النزول إلى الشارع.

أما الآن، فقد تضررت هذه الآلية.

لا يمتلك مجتبى خامنئي هالة والده، ولا الذاكرة الثورية للخميني، ولا الأسطورة العملياتية لسليماني. وبالنسبة للفصائل العراقية، فهو شخصية صعدت من كواليس الإدارة البيروقراطية. قد يكون رمزاً للاستمرارية، لكنه ليس مصدراً للطاعة المطلقة. وإذا لم يكن المرشد الأعلى مصدراً للطاعة، فمن الذي يتخذ القرارات النهائية؟

الجواب بسيط وخطير: الجنرالات.

معسكرات الميليشيات الأربعة: من سيسلم السلاح، من سيفاوض، ومن سيتجه للمواجهة؟

تواجه المجموعات المسلحة العراقية اليوم الخيار الأصعب منذ إضفاء الطابع المؤسسي عليها بعد الحرب ضد تنظيم داعش. لم يعد السؤال ما إذا كانت ستصبح جزءاً من النظام السياسي، فقد صارت جزءاً منه منذ زمن؛ بل السؤال هو: هل ستتمكن من الحفاظ على السلاح كمصدر مستقل للسلطة؟

تزايدت الضغوط الأمريكية على بغداد بشكل حاد؛ إذ تطالب واشنطن بتقويض أو تفكيك الهياكل المسلحة المرتبطة بإيران، لا سيما تلك التي تحتفظ بالقدرة على مهاجمة المنشآت الأمريكية، وتهديد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وتقويض سيادة الحكومة العراقية. ووجد رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي نفسه في موقف يتعين عليه فيه تجنب إشعال صراع أهلي، وعدم خسارة دعم الكتلة السياسية الشيعية، وتفادي القطيعة النهائية مع واشنطن، وتجنب الارتهان للفصائل الأكثر راديكالية في آن واحد.

هذه مهمة شبه مستحيلة.

حالياً، تتشكل في الساحة المسلحة الموالية لإيران أو القريبة منها أربعة معسكرات رئيسية:

المعسكر الأول: براغماتيو الاندماج. وهي فصائل وهياكل سياسية تغلغلت عميقاً في الدولة والاقتصاد لدرجة تمنعها من المخاطرة بكل شيء لأجل مقاومة رمزية. يمتلك قادتها مكاتب سياسية، وعلاقات برلمانية، ومصالح تجارية، وعقوداً، وقدرة على الوصول إلى التدفقات المالية والموازنات والوسطاء الإقليميين. السلاح مهم بالنسبة لهم، لكن الحفاظ على الأصول أكثر أهمية. وهم مستعدون لنقاش تسليم السلاح الثقيل للدولة، والاندماج الشكلي، والتقنين القانوني، وتبني "نموذج سيادي" تحت إشراف بغداد. منطقهم بسيط: أن نكون جزءاً من الدولة خير من أن نُقصف خارجها.

المعسكر الثاني: المنتظرون تكتيكياً. لا يريدون أن يكونوا أول من يسلم السلاح، ولا أول من يتلقى الضربات. تنتظر هذه القوى ما ستؤول إليه المساومات بين بغداد وواشنطن وطهران، وستدعم أي صيغة تضمن حفظ ماء الوجه والاحتفاظ بجزء من النفوذ العسكري. سيتغير موقفهم بناءً على الطرف الذي يبدو أقوى.

المعسكر الثالث: العقائديون المتشددون. بالنسبة لهؤلاء، لا يعني نزع السلاح إصلاحاً بل استسلاماً. يرون السلاح واجباً دينياً وسياسياً واستراتيجياً، ويتمحور منطقهم حول مقاومة الولايات المتحدة وإسرائيل و"الإملاءات الخارجية". ستطالب هذه المجموعات أولاً بانسحاب القوات الأمريكية، ووقف الضغوط، والاعتراف بدورها كجزء من "المقاومة الوطنية". قد يقبلون بالتنسيق مع الدولة، لكنهم يرفضون خسارة استقلاليتهم.

المعسكر الرابع: الفصائل الصامتة والشبكات الخفية. لا يتخذ هؤلاء مواقف علنية متشددة لأن قوتهم الحقيقية لا تكمن دائماً في الألوية الرسمية؛ بل هم الأفراد، والأموال، والمستودعات، وطرق التهريب، وقنوات الاتصال، والخلايا الاستخباراتية، والقادة المحليون، والصلات العشائرية، والواجهات الاقتصادية. وحتى لو بدأت الفصائل الكبرى بتسليم سلاحها شكلياً، فإن هذه البنية التحتية الخفية قد تظل قائمة.

هنا يكمن الخطر الأكبر؛ إذ قد يتبين أن نزع السلاح في العراق ليس تفكيكاً للقوة، بل إعادة توزيع لها من شكلها الظاهر إلى شكلها غير المرئي.

واشنطن تضغط، وطهران تصمت بصوت أعلى من المعتاد

تقوم الاستراتيجية الأمريكية في العراق اليوم على مزيج نادر من التهديد والفرص. التهديد واضح: العقوبات، الضربات، تجميد المساعدات، الضغط على القادة السياسيين، استهداف القطاع المصرفي، تقييد الوصول إلى قنوات الدولار، والتحذير من العواقب لكل من يستمر في الهجمات. والفرصة واضحة أيضاً: إذا أظهرت بغداد قدرة على استعادة احتكار الدولة للسلاح، فستحصل على مساحة أكبر للعلاقات مع الولايات المتحدة، ودول الخليج، والأردن، والمؤسسات المالية الدولية.

لكن الولايات المتحدة تواجه مشكلة قديمة: لا يمكن الضغط على العراق ببساطة للحصول على نتيجة فورية؛ فهذه الدولة لا تعيش بمنطق الأمر، بل بمنطق توازن المخاوف. وأي رئيس وزراء في بغداد مضطر ليتساءل ليس فقط عما تريده واشنطن، بل عما يمكن أن تفعله هذه المجموعة المسلحة أو تلك في البصرة، بغداد، النجف، كربلاء، ديالى، أو على الحدود مع سوريا.

بالنسبة لعلي الزيدي، يبدو الخطر محدقاً؛ فإذا تحرك بسرعة كبيرة، سيُتهم بخدمة الأجندة الأمريكية، وإذا تحرك ببطء شديد، ستعتبره واشنطن ضعيفاً أو خاضعاً للميليشيات. وإذا حاول نزع سلاح جزء من المجموعات فقط، ستصف البقية ذلك بالحرب الانتقائية، وإذا أعلن عن عملية شاملة ولم يتمكن من إتمامها، ستبدو الدولة أكثر ضعفاً.

وفي المقابل، وجدت طهران نفسها في وضع غير مألوف. في السابق، كانت قادرة على إدارة التصعيد عبر تراتبية واضحة، أما اليوم، فقد أصبحت رسالتها أقل تماسكاً. لا يمتلك المرشد الأعلى الجديد القوة السابقة، ويريد الحرس الثوري الحفاظ على أوراق ضغطه، بينما ترزح الدولة الإيرانية تحت وطأة الحرب، والعقوبات، والرقابة الداخلية، والحاجة لإظهار التماسك. بناءً على ذلك، لا تتلقى الفصائل العراقية أمراً واحداً حاسماً، بل مجموعة من الإشارات المتناقضة: عدم التنازل عن المواقع الاستراتيجية، وتجنب استدراج ضربة كارثية، والحفاظ على المكتسبات السياسية، ومنع الولايات المتحدة من تحقيق نصر، وفي الوقت نفسه عدم جر إيران إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.

هذه هي أزمة إمبراطورية الوكلاء بدقة: المركز لم يعد يتحدث بصوت واحد.

النجف ضد قم: خط الصدع الديني الذي يخشى الجميع نقاشه علناً

لم يكن العالم الشيعي العراقي يوماً كتلة واحدة صلبة؛ إذ غالباً ما يكتفي المراقب الخارجي بلفظة "الشيعة" ليعكس النموذج الإيراني تلقائياً على العراق، وهذا خطأ فادح.

إن النجف وقم يمثلان كونين سياسيين ودينيين مختلفين؛ فالتقليد النجفي، المرتبط بمرجعية آية الله العظمى علي السيستاني، يتعامل تاريخياً بحذر شديد مع فكرة الحكم المباشر لرجال الدين، ويركز على الإرشاد الديني، والدور الاجتماعي للسلطة الروحية، والتدخل المحدود في إدارة الدولة. وفي المقابل، يقوم نموذج قم، المجسد في الجمهورية الإسلامية، على مبدأ "ولاية الفقيه"؛ أي سيادة الفقيه الإسلامي كحاكم سياسي مطلق.

لطالما شكل هذا الاختلاف معضلة استراتيجية لإيران، فلم تكن طهران قادرة على إخضاع النجف ببساطة؛ نظراً للمكانة الهائلة التي يتمتع بها السيستاني، ونفوذه العميق بين شيعة العراق وخارجه، فضلاً عن خطه السياسي الحذر الذي مثل دائماً بديلاً لسياسات تصدير الثورة التي تنتهجها قم.

وقد عملت الفصائل العراقية الموالية لإيران على حل هذه المعضلة عبر معادلة "الشرعية المزدوجة"؛ ففي أوساط المجتمع العراقي، تحدثت هذه الفصائل بلغة المقاومة الوطنية والدفاع عن البلاد، بينما ارتبطت داخل التراتبية الأيديولوجية بقم والمرشد الأعلى لإيران. وفي عهد علي خامنئي، نجحت هذه الصيغة لأنه كان يمثل قطباً معترفاً به للشيعية الثورية.

أما في عهد مجتبى خامنئي، فقد بدأت هذه الصيغة تضعف؛ إذ لا يضاهي وزنه الديني مكانة المراجع الكبار، وتعتمد مكانته السياسية على المؤسسة العسكرية، وتتشكل شرعيته العلنية في ظروف أزمة لا في ظل إجماع تاريخي. يمنح هذا التحول النجف والمعسكر الحكومي العراقي مساحة معنوية أكبر لترسيخ فكرة بسيطة: السلاح يجب أن يكون بيد الدولة، لا بيد مجموعات تخضع لتراتبية دينية عسكرية خارجية.

ومع ذلك، لا يوجد حل سهل؛ فالنجف لا يريد حرباً أهلية، ولطالما تحرك السيستاني بحذر لإدراكه الكلفة الباهظة لأي انقسام شيعي داخلي. لذلك، من المرجح أن يكون الضغط الديني على الميليشيات غير مباشر، وعبر لغة السيادة، والقانون، ونظام الدولة، ومنع الفوضى.

أموال المقاومة: لماذا يمثل السلاح وجهاً آخر للاقتصاد؟

غالباً ما يأخذ النقاش حول نزع سلاح الفصائل العراقية طابعاً عسكرياً بحتاً، بينما السلاح في الواقع ليس سوى الجزء الظاهر من منظومة أضخم؛ فخلف البندقية تقبع موازنة، وخلف الصاروخ يمتد طريق تهريب، وخلف اللواء القتالي توجد حصة سياسية، وخلف الأيديولوجيا تكمن مصلحة اقتصادية.

لقد تحولت العديد من الهياكل المسلحة في السنوات الأخيرة إلى جهات فاعلة في اقتصاد موازٍ هائل؛ وشكلت المعابر الحدودية، والمخططات الجمركية، وعقود البناء، وخدمات الحراسة، وإمدادات الطاقة، والمشتريات الحكومية، والعمليات المصرفية، والمؤسسات الخيرية، والأصول العقارية، طبقة من المنتفعين الذين باتت "المقاومة" بالنسبة لهم فكرة ونموذج عمل تجاري في آن واحد.

بناءً على ذلك، لا يمكن أن يقتصر تفكيك الميليشيات على مسألة تسليم السلاح؛ بل هو قضية إعادة توزيع للثروة. وعندما تطالب الدولة هذه المجموعات بالتخلي عن استقلاليتها العسكرية، فهي تطالبها فعلياً بالتخلي عن جزء من إيراداتها، ومكانتها، وحصانتها.

يدرك القادة البراغماتيون هذا الأمر؛ ولذا سيسعون خلف صفقة تتضمن تقنين الأصول مقابل الخضوع الشكلي، وضمان الأمن السياسي مقابل خفض النشاط العسكري، والاحتفاظ بجزء من الكوادر داخل الأجهزة الأمنية مقابل تسليم السلاح الثقيل.

كما يدرك المتشددون ذلك أيضاً؛ فنزع السلاح يشكل خطراً عليهم ليس من الناحية الأيديولوجية فحسب، بل من الناحية المادية أيضاً؛ إذ بدون السلاح يتحولون إلى لاعبين سياسيين عاديين. واللاعب السياسي العادي في العراق يصبح عرضة للتحقيقات، والمنافسة، والملاحقة القضائية، وفقدان احتكار لغة التخويف.

الإقليم ينظر إلى بغداد: الخليج والأردن يطالبان بإنهاء المنطقة الرمادية

لم تعد الفصائل العراقية بالنسبة لدول الخليج والأردن شأناً عراقياً داخلياً منذ زمن؛ إذ يُنظر إلى قدراتها الصاروخية وبطائراتها المسيرة وإمكاناتها السياسية كجزء من الضغط الإيراني على المحيط العربي. وأي هجوم يستهدف منشأة أمريكية، أو أي تهديد للمسار الأردني، أو أي تحرك للمجموعات المرتبطة بإيران، يحول العراق فوراً إلى مصدر خطر إقليمي.

لهذا السبب، ستدعم العواصم العربية توجه بغداد نحو استعادة احتكار الدولة لأدوات العنف، لكنها ستتحرك بحذر أيضاً؛ فلا أحد يرغب في انهيار العراق. وبالنسبة لدول الخليج، تبدو بغداد المستقرة أكثر نفعاً من تحولها إلى ساحة معركة بين الولايات المتحدة وإيران والميليشيات. يمكن للعراق أن يكون شريكاً في الطاقة، وجسراً تجارياً، وسوقاً، ومركزاً للنقل، ومصدراً للتوازن، ولكن فقط إذا لم يتحول إلى أراضٍ تُتخذ فيها قرارات الحرب والسلم من قِبل قادة المجموعات المسلحة بدلاً من رئيس الوزراء والبرلمان.

ولا يبدو هذا السياق بعيداً عن أذربيجان؛ فمنطقة جنوب القرم، وبحر قزوين، وإيران، وتركيا، والعراق، وسوريا، والخليج، باتت تتشابك بشكل وثيق. وأي إضعاف لإيران أو عسكرة لها ينعكس على خطوط الاتصال، والطاقة، ومسارات النقل، والأمن الإقليمي، وسلوك شبكات الوكلاء. وتكمن مصلحة أذربيجان في وجود إيران يمكن التنبؤ بسياساتها، وعراق مستقر، ونظام إقليمي تكون فيه سيادة الدولة أقوى من الشبكات المسلحة الأيديولوجية.

ثلاثة سيناريوهات: الصفقة، الانقسام، أو الحرب

تلوح الآن أمام العراق وشبكة النفوذ الإيراني ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: الصفقة الموجهة. تنجح بغداد، بدعم من الولايات المتحدة ودول الخليج وجزء من النخبة السياسية الشيعية، في نقل المجموعات المسلحة تدريجياً لتدخل تحت سيطرة الدولة؛ حيث يُسلم جزء من السلاح، ويحصل جزء من القادة على ضمانات، وتندمج بعض الهياكل في الأجهزة الأمنية الرسمية، وتُعزل العناصر الراديكالية. يمثل هذا السيناريو المسار الأفضل، لكنه يتطلب توافقاً نادراً للشروط: ضغط واشنطن، وحذر طهران، وانضباط بغداد، وجاهزية الفصائل البراغماتية للتضحية باستقلاليتها لأجل البقاء.

السيناريو الثاني: الانقسام الجزئي. تتجه بعض المجموعات نحو الصفقة، بينما تقاوم أخرى، وتفضل أطراف ثالثة الانزواء في الظل. تحقق الدولة نجاحاً ظاهرياً دون فرض سيطرة كاملة؛ وبينما تسير عملية نزع السلاح شكلياً، تظل شبكة المستودعات المخفية، والخلايا المستقلة، والابتزاز السياسي قائمة في الواقع. ويعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً، لكونه يتوافق مع الثقافة السياسية العراقية القائمة على التسويات دون حلول نهائية.

السيناريو الثالث: المواجهة العسكرية. إذا خلصت الولايات المتحدة إلى أن بغداد غير قادرة أو غير راغبة في التحرك، واستمرت المجموعات الراديكالية في هجماتها، فقد تشهد الساحة سلسلة من الضربات المستهدفة للبنية التحتية للميليشيات. قد يدفع هذا الأمر بالعراق نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الداخلي؛ وفي هذه الحالة، ستحاول المجموعات الموالية لإيران تقديم نفسها كحامية للسيادة، لتجد الحكومة نفسها بين مطرقة الضغط الأمريكي وسندان الشارع. ويمثل هذا السيناريو المسار الأكثر خطورة، لقدرته على تدمير هياكل الميليشيات والتوازن الهش للدولة العراقية معاً.

الاستنتاج الرئيسي: إمبراطورية الوكلاء لا تختفي، لكنها تفقد قائد الأوركسترا

لن ينهار النفوذ الإيراني في العراق في يوم واحد؛ فهو متغلغل بعمق في السياسة، والدين، والاقتصاد، والأمن، والنسيج الاجتماعي. ولا تزال طهران تمتلك الكوادر، والأموال، والروابط، وعنصر التخويف، والأيديولوجيا، والذاكرة التاريخية، لكن نموذج الإدارة السابق قد تضرر بالفعل.

لا ترتكز إمبراطوريات الوكلاء على السلاح فحسب، بل تقوم على الثقة في المركز، وعلى القناعة بأن المركز يعرف أكثر، ويرى أبعد، وسيحمي تابعه في اللحظة الحامسة. واليوم، تصدعت هذه القناعة.

قد يصبح مجتبى خامنئي رمزاً للاستمرارية، لكنه لم يتحول بعد إلى مصدر للسلطة بحجم والده. ويمكن للحرس الثوري أن يدير المعارك، لكن الجنرالات نادراً ما يكونون حكاماً بارعين في تفكيك الفسيفساء السياسية المعقدة؛ فهم يجيدون الإخضاع، لكنهم أقل قدرة على التوفيق، ويتقنون الضغط، لكنهم أقل كفاءة في الحفاظ على شبكة متعددة المستويات من الولاءات، حيث يتشابك الدين، والمال، والخوف، والقبيلة، والحزب، والدولة في عقدة واحدة.

تشعر الميليشيات العراقية بهذا التحول؛ ولذا لم تعد تتحرك كجسد واحد؛ فبعضها يبحث عن صفقة، وبعضها ينتظر، وبعضها يستعد للمقاومة، والبعض الآخر ينقل أصوله إلى الظل.

لا يعني هذا نهاية النفوذ الإيراني في العراق، بل يعني نهاية شكله السابق.

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة يتوقف فيها "محور المقاومة" القديم عن كونِهِ تراتبية عمودية صلبة، ليتحول إلى مجموعة من المصالح المسلحة المرتبطة بذاكرة مشتركة، ولكن دون أن تجمعها دائماً طاعة وانضباط مشترك. يمثل هذا الوضع فرصة لواشنطن، واختباراً لبغداد، وتهديداً لطهران بتفكك أطرافها. وللمنطقة، يمثل هذا التحول تحذيراً: عندما تفقد الإمبراطورية قائد الأوركسترا، لا تصمت الموسيقى، بل يبدأ كل عازف بنقر لحنه الخاص.

وفي تلك اللحظة بالذات، تبدأ الموسيقى الأكثر خطورة.