يطرح النص الأصلي سؤالاً صحيحاً: ليس لماذا تتعثر خطة الرئيس الأمريكي ترامب بشأن غزة، بل لماذا توقع جميع المشاركين في العملية تقريباً وفاتها السياسية منذ البداية. المشكلة لا تكمن فقط في حماس، ولا في إسرائيل وحدها، ولا في نتنياهو بمفرده، ولا في عجز واشنطن عن إجبار الأطراف على الوفاء بالالتزامات التي تعهدوا بها.
المشكلة الرئيسية تكمن في عمق أكبر: لقد صُممت الخطة لتكون واجهة دبلوماسية وليست آلية عمل لتسوية النزاع. لقد رُسمت من أجل التأثير التلفزيوني، والتوقيع، والصورة الفوتوغرافية، وصيغة "صفقة القرن"، وليس من أجل الواقع القذر والقاسي والمتعدد المستويات في غزة.
خطة سلام ولدت كمسرحية سياسية
في أكتوبر من عام 2025، ساعد الرئيس الأمريكي ترامب في الضغط من أجل فرض وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس وقدم خطة مكونة من 20 نقطة كخارطة طريق لإنهاء الحرب في غزة. على الورق، بدا كل شيء ضخماً: وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى "الخط الأصفر"، ونزع السلاح من القطاع، وإنشاء مجلس السلام، والضمانات الدولية، وإعادة الإعمار، والإدارة المؤقتة، وقوات الاستقرار الدولية، وفي النهاية، أفق غامض لتقرير المصير الفلسطيني. ولكن منذ ذلك الحين، كان من الواضح أن الأطراف لم يوقعوا على الوثيقة نفسها، بل على تفسيرات مختلفة لنص واحد.
رأت إسرائيل في الخطة بالدرجة الأولى أداة لنزع سلاح حماس قسراً والحفاظ على السيطرة العسكرية على جزء كبير من غزة إلى أن يتم الاعتراف بالقضاء على التهديد. أما حماس فقد رأت فيها هدنة في الحرب، وقناة لتخفيف العبء الإنساني، وفرصة لتحويل مسألة السلاح إلى مساومة سياسية، ولكن فقط بعد تحرك مضمون نحو إقامة الدولة الفلسطينية. وكان هناك خط فاصل عميق يمتد بين هذين المنطقين، وفي هذه الهاوية تحديداً يسقط المشروع بأكمله اليوم.
رسمياً، نصت الخطة على نزع سلاح غزة تحت إشراف مراقبين مستقلين، وإخراج الأسلحة من الاستخدام، وبرنامج ممول دولياً لشراء الأسلحة وإعادة دمج المقاتلين، فضلاً عن إنشاء قوات استقرار دولية مؤقتة كان ينبغي لها أن تدخل غزة بسرعة وتساعد في تشكيل شرطة فلسطينية معتمدة. كما زعمت الوثيقة أن إسرائيل لن تحتل غزة أو تضمها، وأن الجيش الإسرائيلي يجب أن ينقل الأراضي الخاضعة لسيطرته تدريجياً إلى القوات الدولية والإدارة الانتقالية. ولكن في الواقع، ظلت الأسئلة الرئيسية بلا إجابات: من الذي ينزع سلاح حماس تحديداً، وبأي تسلسل، وتحت ضمانات من، وبأي دعم عسكري، وفي ظل أي وضع للقوات الإسرائيلية، وماذا سيحدث إذا قرر أحد الأطراف أن الطرف الآخر يخرّب العملية.
الصفقة بلا تسلسل ليست صفقة بل فخ
أي آلية سلام جادة تقوم على التسلسل. أولاً وقف إطلاق النار، ثم السيطرة على خط التماس، ثم وصول المساعدات الإنسانية، ثم هيئة إدارة سياسية، ثم الأمن، ثم إعادة الإعمار، ثم الوضع الطويل الأجل. وفي خطة ترامب، استُبدل هذا السلم بمصعد سياسي كان من المفترض أن يرفع الجميع دفعة واحدة إلى الطابق العلوي. لكن المصعد علق بين الطوابق.
تطالب إسرائيل بنزع سلاح حماس كشرط مسبق. وتطالب حماس بضمانات سياسية وانسحاب إسرائيل كشرط مسبق. ولا تريد الدول العربية إرسال جنودها إلى غزة ليتحولوا إلى مشاة في صراع غريب عنها. ولا تريد الدول الأوروبية تحمل المسؤولية عن فشل المشروع الأمريكي. وتخشى مصر دفع الفلسطينيين نحو سيناء. وتخشى الأردن موجة جديدة من الضغوط الديموغرافية. وتريد تركيا المشاركة في البنية السياسية، لكنها لا تريد أن تكون مجرد كومبارس تحت الإملاءات الإسرائيلية. ودول الخليج مستعدة للدفع، ولكنها غير مستعدة لتمويل إعادة إعمار لا نهاية لها لمنطقة قد تُقصف غداً مرة أخرى.
لذلك، تظل قوة الاستقرار الدولية، في جوهرها، مجرد اختصار بلا جنود على الأرض. هذا ليس جيشاً، وليست بعثة، وليس فيلقاً، وليس ضامناً للأمن. إنه حتى الآن وعد دبلوماسي لا يقف وراءه تفويض، ولا تشكيل، ولا قواعد لاستخدام القوة، ولا نظام قيادة واضح، ولا توافق سياسي من جانب المنطقة.
مجلس السلام: اسم رنان ومؤسسة ضعيفة
في يناير من عام 2026، أعلن البيت الأبيض عن تشكيل مجلس السلام والمجلس التنفيذي لغزة. وظهرت في هذه التركيبة شخصيات مثل ماركو روبيو، وستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوني بلير، وأجاي بانغا، وغيرهم، بينما أُسندت إلى نيكولاي ملادينوف مهمة الممثل السامي لغزة، أي حلقة الوصل بين مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة. وعُين الجنرال جاسبر جيفرز قائداً لقوات الاستقرار الدولية. على الورق، بدا الأمر وكأنه نموذج حكومي مشترك بين الشركات والدول لإدارة غزة ما بعد الحرب: الدبلوماسية، والتمويل، والأمن، والبنية التحتية، وإعادة الإعمار، والاستثمارات، والتنسيق الإنساني.
لكن غزة ليست محفظة استثمارية ولا مشروعاً تطويرياً. إنها منطقة مدمرة تضم أكثر من مليوني شخص مصابين بصدمات نفسية، وتحتوي على حركة سرية مسلحة، وجيش إسرائيلي على الأرض، ولاعبين إقليميين وراء الكواليس، وانهيار في البنية التحتية، ومعابر مغلقة، ونقص في المياه والطبابة والسكن والشرعية السياسية. هناك لا يمكن إدارة الواقع عبر مجلس إدارة. لا يمكن استبدال السيادة بلجنة. لا يمكن استبدال الثقة ببيان صحفي. لا يمكن استبدال الأمن بصيغة "سلموا السلاح أولاً، ثم نتحدث".
وقد سجلت التحليلات البرلمانية البريطانية ذلك مباشرة: بحلول بداية عام 2026، أُعلنت المرحلة الثانية، لكن القضايا الأساسية ظلت دون حل وهي نزع سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتشكيل إدارة غزة، ودور اللجنة المؤقتة، والوصول الإنساني، والمسار السياسي المستقبلي. وأشير هناك أيضاً إلى أن اللجنة الفلسطينية تتخذ من مصر مقراً لها ولم تدخل غزة. وهذا هو العَرَض الرئيسي: "حكومة" المنطقة توجد خارج المنطقة التي يُفترض أن تديرها.
غزة بلا حكومة ولكن مع عدة أسياد
أُسست اللجنة الوطنية لإدارة غزة لتكون هيئة تكنوقراطية تدير الخدمات اليومية والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار. لكنها وجدت نفسها في فراغ سياسي. بالنسبة لإسرائيل، هي مفيدة فقط بالقدر الذي تمنع فيه حماس من استعادة السيطرة الإدارية. بالنسبة لحماس، هي مثيرة للشبهات كأداة للإملاءات الخارجية. بالنسبة للسلطة الفلسطينية، هي خطيرة كبنية منافسة يمكن أن تتجاوز رام الله نهائياً. بالنسبة لمصر، هي مريحة كعازل للمفاوضات، ولكن ليس كمصدر لقرار استراتيجي.
ونتيجة لذلك، تعيش غزة فعلياً في ظل نظام سلطات متعددة. ففي جزء من الأراضي، يستمر نفوذ حماس. وعلى جزء كبير من الأرض، يسود التحكم العسكري الإسرائيلي. وفي القاهرة، تجلس لجنة تكنوقراطية يجب أن تدير ولكنها لا تدير. وفي واشنطن، يجتمع مجلس السلام الذي يجب أن ينسق ولكنه لا يسيطر. ويعد المانحون بالمال، لكنهم لا يتعجلون بالدفع. ويبقى السكان بين الخطوط، والخرائط، ونقاط التفتيش، والخيام، والأنقاض.
هذا ليس نظاماً انتقالياً. هذا شلل مُدار.
الخط الأصفر أصبح منطقة برتقالية: كيف يتحول وقف إطلاق النار إلى احتلال زاحف
وفقاً لشروط وقف إطلاق النار في أكتوبر، كان ينبغي لإسرائيل أن تحتفظ بحوالي 53 بالمئة من مساحة غزة خلف ما يُسمى "الخط الأصفر". ولكن بحلول مايو من عام 2026، ووفقاً لبيانات رويترز، توسعت منطقة السيطرة الإسرائيلية إلى حوالي 64 بالمئة بسبب مناطق محدودة جديدة تم تحديدها على الخرائط للمنظمات الإنسانية. بعد ذلك، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن نيته رفع نسبة السيطرة إلى 70 بالمئة من أراضي غزة.
هذا يغير طبيعة الاتفاق نفسها. إذا كان خط وقف إطلاق النار يتحرك باستمرار، فإن هذا لم يعد هدنة، بل إدارة عسكرية للمساحة. وإذا كانت المنطقة العازلة تتوسع دون موافقة سياسية من الطرف الثاني ودون آلية رقابة دولية، فإنها تكف عن كونها إجراء أمنياً مؤقتاً وتتحول إلى أداة للضغط الإقليمي.
وفي غزة، يعتبر هذا المنطق قابلاً للانفجار بشكل خاص. إنها واحدة من أكثر المناطق كثافة في العالم، حيث لا يملك أكثر من مليوني شخص مساحة طبيعية للعيش. عندما تتوسع منطقة السيطرة الإسرائيلية من 53 إلى 64 بالمئة، ثم يُسمع بعد ذلك هدف الـ 70 بالمئة، فإن هذا لا يعني مجرد خريطة عسكرية. هذا يعني تضييق الخناق على الناس، والخيام، والمستشفيات، والمستودعات، ومسارات المساعدات، ونقاط المياه، والمقابر، والأنقاض، وما تبقى من البنية التحتية الحضرية. وفي مثل هذه الجغرافيا، فإن كل نسبة مئوية من الأرض ليست إحصاءً مجرداً، بل هي أنفاس ومياه وطعام وإجلاء طبي وفرصة للبقاء على قيد الحياة.
نتنياهو لا يلعب في غزة فحسب بل داخل إسرائيل أيضاً
يتصرف نتنياهو بالمنطق الكلاسيكي للزعيم الذي لا يستطيع بعد حرب طويلة إظهار نصر استراتيجي، ولكن يجب عليه استعراض السيطرة. لقد شنت إسرائيل حملة واسعة النطاق في غزة، وقادت عمليات ضد حزب الله، وشاركت في مواجهة إقليمية حول إيران، وواجهت ضغوطاً دبلوماسية واستياءً داخلياً. ومع ذلك، لم تُغلق أي من القضايا الرئيسية نهائياً: لم يتم القضاء على حماس كبنية سياسية وعسكرية، والاتجاه الشمالي يظل خطيراً، وإيران لم تختفِ كعامل مؤثِر، وسمعة إسرائيل الدولية تضررت بشكل خطير، وقضية الرهائن والأمن أصبحت جزءاً من صدمة داخلية.
وفي ظل هذه الظروف، يتحول توسيع منطقة السيطرة في غزة إلى رسالة سياسية للجمهور الداخلي. يظهر نتنياهو أن الجيش يتقدم، والأمن يملي الشروط، وحماس لا تحصل على التقاط أنفاس، وإسرائيل لا تتراجع. ولكن هذه التكتيكات قد تعطي تأثيراً انتخابياً قصير المدى وفي الوقت نفسه تدمر الغلاف الأخير للاتفاق. وقد أشارت رويترز صراحة إلى أن التحرك نحو 70 بالمئة أثار قلق الدول الأوروبية ورد فعل حاداً من حماس، التي وصفت ذلك بأنه تصعيد خطير ومحاولة للتهجير القسري للفلسطينيين.
حماس تنتظر أيضاً موت الخطة
من الخطأ تصوير حماس كطرف سلبي يكتفي بردة الفعل تجاه إسرائيل. حماس أيضاً تقوم بحساباتها. هي تفهم أن تسليم السلاح دون ضمانة سياسية واضحة لن يعني إصلاحاً، بل نزع سلاح ذاتي أمام الخصم. وهي ترى أن القوات الإسرائيلية لا تنسحب، بل توسع منطقة السيطرة. وتلاحظ أن قوات الاستقرار الدولية لم تأتِ بعد. وترى أن الدولة الفلسطينية تظل صيغة للمستقبل. وتلمس أن المانحين يتباطؤون. وترى أن انتباه الرئيس الأمريكي ترامب يتوزع بين إيران ولبنان والسياسة الداخلية الأمريكية والأزمات الأخرى.
بالنسبة لحماس، هذا يعني أنه يمكن المماطلة في الوقت. يمكن الحديث عن "تجميد" السلاح، وعن تخزينه، وعن الانسحاب التدريجي للأسلحة الثقيلة، وعن الضمانات، وعن التوافق الفلسطيني. ولكن ليس عن الاستسلام الكامل. لأن السلاح في منطق حماس ليس مجرد مورد عسكري، بل هو رأسمال سياسي، وتأمين ضد المنافسين، وأداة للسيطرة على الساحة الداخلية، والحجة الرئيسية في المفاوضات.
وهنا يبرز المأزق الرئيسي. تطالب إسرائيل حماس بما تعتبره حماس انتحاراً. وتطالب حماس إسرائيل بما يعتبره النظام السياسي الإسرائيلي الحالي استسلاماً. وكان من المفترض أن يكسر مجلس السلام هذه الحلقة، لكنه وجد نفسه داخلها.
الكارثة الإنسانية كرهينة لمنطق القوة
الأمر الأكثر رعباً في هذه البنية هو أن السكان المدنيين يستمرون في العيش بين الحسابات الاستراتيجية للأطراف. ووفقاً لبيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، أبلغت وزارة الصحة في غزة، في الفترة من 12 إلى 20 مايو من عام 2026 وحدها، عن 24 قتيلاً، وخمس جثث جرى انتشالها، وحالتي وفاة متأثرتين بالجراح، و159 جريحاً. ومنذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر من عام 2025، سُجل وفقاً لهذه البيانات 881 قتيلاً و2621 جريحاً.
هذا هو الجوهر الفظيع لـ "الهدنة" في غزة: رسمياً، عُلقت الحرب الكبرى، لكن الناس يستمرون في الموت. رسمياً، توجد خطة سلام، لكن إعادة الإعمار لم تبدأ تقريباً. رسمياً، هناك وصول للمساعدات الإنسانية، لكنه يظل مقنناً سياسياً. رسمياً، توجد إدارة، لكنها لا تقع في غزة. رسمياً، هناك ضمانات دولية، ولكن لا أحد مستعد ليكون ضامناً حقيقياً.
الوضع الغذائي يظل أيضاً قادماً على صعوبة بالغة. وكان التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي قد قدر في ديسمبر من عام 2025 أنه في الفترة بين 1 ديسمبر 2025 و15 أبريل 2026، سيكون هناك حوالي 1.6 مليون شخص في غزة في حالة انعدام أمن غذائي حاد من مستوى الأزمة وما فوق، بما في ذلك 571 ألف شخص في حالة الطوارئ وحوالي 1900 شخص في حالة الكارثة. نعم، مقارنة بمراحل ذروة المجاعة، قد يكون الوضع قد تحسن جزئياً بعد توسيع نطاق وصول المساعدات، لكن النظام يظل هشاً للغاية: أي إغلاق، أو عملية جديدة، أو إغلاق معبر، أو تعطل للإمدادات يدفع بغزة مجدداً نحو المجاعة.
إعادة الإعمار التي لا توجد إلا في الوعود
يتمثل الفشل الاقتصادي الرئيسي للخطة في إعادة الإعمار. إذ لا يمكن نزع السلاح من منطقة ما دون إبراز مستقبل واضح لسكانها، ولا يمكن إقصاء بنية مسلحة من النسيج الاجتماعي بينما تظل المدارس، والمستشفيات، والمنازل، وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء ركاماً، كما لا يمكن بناء شرعية سياسية جديدة على وعود جوفاء.
وصفت صحيفة ذا غارديان في مايو من عام 2026 غزة بأنها مساحة من "البرزخ الكئيب"، حيث مر أكثر من سبعة أشهر على الاتفاق دون أن تبدأ إعادة الإعمار، في حين يواجه مجلس السلام مشكلات تمويلية، ويبقى التكنوقراط الفلسطينيون المعينون لإدارة القطاع في مصر. ووفقاً للبيانات الواردة في هذه المادة، وعدت تسع دول بتقديم 7 مليارات دولار ضمن حزمة مساعدات لغزة، لكن العائدات الفعلية جاءت ضئيلة للغاية ولا تتناسب مع الحاجة، إذ اقتصرت على 23 مليون دولار للمصاريف التشغيلية و100 مليون لشرطة فلسطينية مستقبلية، في حين تُقدر الأمم المتحدة التكلفة الإجمالية لإعادة إعمار غزة بأكثر من 70 مليار دولار تمتد على مدى عقود.
هذا الرقم يمثل حكماً بالإعدام على الهيكل بأكمله. إن الوعود بـ 7 مليارات دولار تبدو مؤثرة في القمم، لكن الـ 70 مليار دولار المطلوبة لإعادة الإعمار الفعلي تبدو مخيفة في الحسابات الدفترية، أما وجود 123 مليون دولار من الأموال الفعلية في ظل دمار شامل فلا يعد إعماراً، بل محاكاة زائفة لإطلاق العملية.
المانحون لا يريدون دفع ثمن حرب جديدة
لماذا لا تتدفق الأموال؟ الإجابة بسيطة: المانحون لا يؤمنون بالاستقرار السياسي لهذه الصيغة. لقد رأت دول الخليج بالفعل كيف استُثمرت مليارات الدولارات في البنية التحتية الفلسطينية التي رُحّل تدميرها لاحقاً في دورة حرب أخرى. والأوروبيون لا يريدون تمويل مشروع تتخذ واشنطن قراره الرئيسي، وتسيطر إسرائيل على أمنه، بينما تدفع أوروبا الثمن السياسي. ومصر تريد الاستقرار على حدودها ولكنها لا تريد التحول إلى مستودع للأزمة الفلسطينية. وتركيا تريد المشاركة، لكنها لا تنوي تسديد فواتير النموذج الأمريكي الإسرائيلي دون منح وضع سياسي للفلسطينيين.
بالنسبة للمستثمر، حتى الحكومي منه، يطرح السؤال نفسه بصرامة: من يضمن أن المستشفى الذي سيُبنى لن يُدمر بعد ستة أشهر؟ من يضمن أن جهاز الشرطة الجديد لن يجد نفسه حائراً بين حماس وإسرائيل والعشائر والمجموعات المسلحة المحلية والأجهزة الأمنية الخارجية؟ من يضمن ألا تتبدد الأموال في الفساد واللوجستيات العسكرية والسوق السوداء والتخريب السياسي؟ وطالما لا توجد إجابات، سيستمر المانحون في إطلاق الوعود دون دفع الأموال.
خطة سلام بلا فلسطين كطرف فاعل
تكمن مشكلة جوهرية أخرى في غياب طرف فلسطيني سياسي فاعل بكامل الصلاحية. فالسلطة الفلسطينية في رام الله ضعيفة، وفاقدة للمصداقية، وطاعنة في السن، ومثقلة بالبيروقراطية، ولا تحظى بثقة حقيقية في غزة. وحماس مسلحة، لكنها منبوذة بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة وبعض الأنظمة العربية. واللجنة التكنوقراطية قد تكون مريحة للاعبين الخارجيين، لكنها تفتقر إلى شرعية عضوية. ونتيجة لذلك، يجد المجتمع الفلسطيني نفسه مرة أخرى مجرد موضوع للإدارة وليس طرفاً في اتخاذ القرار.
هذا خلل استعماري قديم في الدبلوماسية الشرق أوسطية، حيث تخطط القوى الخارجية لمؤسسات فوق منطقة ما دون حل مسألة التمثيل السياسي للشعب. يمكن إنشاء لجنة، وتعيين منسق، واعتماد مجلس، وابتكار صندوق لإعادة الإعمار، ولكن إذا رأى الفلسطينيون في ذلك شكلاً جديداً من الإدارة الخارجية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وليس مساراً نحو الحرية، فإن هذه الصيغة لن تكون قابلة للاستمرار.
الأمن الإسرائيلي مقابل الدولة الفلسطينية: مفترق طرق زائف
يؤكد الجانب الإسرائيلي أن نزع سلاح حماس أمر ضروري لضمان عدم تكرار أحداث 7 أكتوبر 2023. هذه ليست تفصيلاً بلاغياً، بل صدمة حقيقية للمجتمع الإسرائيلي وعامل فعلي في الأمن القومي، إذ لن توافق أي دولة على العيش بجوار قوة مسلحة نفذت بالفعل هجوماً واسع النطاق على مواطنيها، ولا يمكن ببساطة تجاهل هذا الطرح.
لكن الجانب الآخر من المسألة يبدو واضحاً بالقدر نفسه: إذا كان أمن إسرائيل يعني تفتيتاً عسكرياً بلا نهاية لقطاع غزة، وغياب الأفق السياسي، وتوسيع المناطق العازلة، وفرض قيود على عودة السكان، وعرقلة إعادة الإعمار الشاملة، فإن هذا الأمن نفسه ينتج حرباً جديدة. لا يمكن القضاء على حماس مع الإبقاء على كافة الظروف التي تتيح لها الادعاء بأن السلاح وحده هو ما يحمي الفلسطينيين.
ومن دون أفق سياسي، يبدو نزع السلاح للفلسطينيين تجريداً من القوة أمام الاحتلال وليس إنهاءً للمظاهر العسكرية، ومن دون إنهاء المظاهر العسكرية، يبدو الأفق السياسي لإسرائيل بمثابة مكافأة على الإرهاب. هكذا يعود الصراع مجدداً إلى معضلته الأساسية: كل طرف يطالب الآخر بخطوة أولى يراها الطرف المقابل خطراً مميتاً.
لماذا لا تريد الدول العربية أن تتحول إلى شرطة لغزة
جرى الحديث كثيراً عن إمكانية إرسال الدول العربية قوات إلى غزة. وعملياً، يبدو هذا الأمر مستحيلاً تقريباً دون تفويض سياسي واضح. فالقوات العسكرية المصرية، أو الأردنية، أو الإماراتية، أو السعودية، أو غيرها، لا تريد أن تجد نفسها في وضع تضطر فيه لقمع حماس خدمة للمصالح الإسرائيلية، مما يشكل انتحاراً سياسياً لأي حكومة عربية.
إذا أطلق جندي عربي النار على فلسطيني في غزة، حتى وإن كان مسلحاً، فإن الشارع الإقليمي سينظر إلى ذلك على أنه خدمة للاحتلال الإسرائيلي. وإذا لم تطلق القوة العربية النار، ستصفها إسرائيل بأنها عديمة الفائدة. وإذا وقفت بين إسرائيل وحماس، ستصبح هدفاً لكلا الطرفين. لذلك، فإن قوة الاستقرار الدولية دون تفويض فلسطيني واضح، ودون قرار من مجلس الأمن الدولي، ودون موافقة اللاعبين الإقليميين الرئيسيين والعملية السياسية الحقيقية، محكوم عليها بأن تظل شبحاً.
العامل الإيراني: ظل حرب كبرى فوق غزة
لا يمكن تحليل غزة بمعزل عن القوس الإقليمي الممتد من إيران والعراق وسوريا واليابان وصولاً إلى اليمن والخليج العربي. بالنسبة لإسرائيل، لا تمثل حماس منظمة فلسطينية فحسب، بل جزءاً من منظومة تهديدات أوسع ترتبط بالاستراتيجية الإيرانية للضغط غير المتماثل. وبالنسبة لإيران، يعد المسار الفلسطيني أداة للشرعية، والضغط على إسرائيل، وتعبئة الشارع الإقليمي. وبالنسبة للولايات المتحدة، تحولت غزة إلى جبهة من جبهات العبء الشرق أوسطي الزائد العام.
عندما ينصرف انتباه واشنطن نحو إيران وهرمز ولبنان وسوق الطاقة والانتخابات الأمريكية الداخلية، تنال غزة طاقة دبلوماسية أقل. وفي مثل هذه الصراعات، يمتلئ الفراغ سريعاً بالقوة؛ فتوسع إسرائيل سيطرتها، وتماطل حماس في الوقت، وينتظر المانحون، وتكبح مصر المخاطر، وتعرب أوروبا عن قلقها، ويدفع السكان الثمن.
أشارت رويترز في 4 يونيو من عام 2026 صراحة إلى أن عمليات وقف إطلاق النار التي يروج لها الرئيس الأمريكي ترامب في الشرق الأوسط لم تؤدِ إلى إنهاء كامل للعنف، إذ تستمر الضربات في غزة مع جمود حول نزع سلاح حماس، وتتواصل الاشتباكات في لبنان مع حزب الله، بينما يظل الخط الأمريكي الإيراني هشاً. يوضح هذا مشكلة هيكلية: واشنطن تجيد إعلان وقف إطلاق النار، لكنها لا تنجح دائماً في تحويله إلى تسوية سياسية.
غزة تحولت إلى سوق للوقت السياسي
تشتري جميع الأطراف اليوم الوقت. إسرائيل تشتري الوقت عبر توسيع السيطرة وانتظار ضعف حماس. وحماس تشتري الوقت بالاحتفاظ بالسلاح وانتظار تشتت الضغط الإسرائيلي والأمريكي. والدول العربية تشتري الوقت بعدم دخول غزة دون ضمانات. والمانحون يشترون الوقت بعدم تحويل المبالغ الكبيرة. وأوروبا تشتري الوقت بالبيانات، والولايات المتحدة بالصيغ الدبلوماسية.
لكن الوقت في غزة ليس محايداً، بل يعمل ضد السكان المدنيين. فكل شهر يمر دون إعادة إعمار يعزز السوق السوداء، والشبكات المسلحة، والصدمات النفسية، والتطرف، وتجريم اللوجستيات الإنسانية، واعتماد الناس على من يسيطر على معابر الغذاء والمياه والأمن. وفي بيئة كهذه، لا تولد سياسة معتدلة، بل تولد حرب جديدة.
خطأ ترامب الرئيسي: خلط بين الصفقة والتسوية
يصيغ الرئيس الأمريكي ترامب السياسة الخارجية كصفقة: جمع الأطراف، وخلق الضغط، وإعلان الإطار، وتعيين الأشخاص، واستعراض النتيجة. وتنجح هذه التكتيكات أحياناً في المفاوضات التجارية أو في الأزمات الدبلوماسية المحدودة. لكن غزة ليست صفقة عقارية ولا اندماجاً بين شركات، بل هي صراع هوية، وأرض، وأمن، واحتلال، ولاجئين، ودين، وصدمات نفسية، وقانون دولي، وتوازن قوى إقليمي.
هنا لا يمكن القول ببساطة: "ستسلم حماس سلاحها، وتنسحب إسرائيل، ويقدم العرب الجنود، ويمنح المانحون الأموال، ويحصل الفلسطينيون على إدارة، وبعد ذلك نتحدث عن الدولة". فكل بند يعتمد على الآخر، وكل بند يعطل الآخر، وكل لاعب يخشى أن يصبح التنازل لا رجعة فيه، بينما لا يحدث التنازل المقابل أبداً.
لهذا السبب تحديداً، لا تموت الخطة فجأة، بل ببطء، ليس عبر فشل مدوٍ، بل من خلال التآكل. في البداية لا تأتي القوة الدولية، ثم لا تدخل اللجنة، وبعد ذلك لا تتدفق الأموال، ثم تتسع المنطقة الإسرائيلية، وتتصاعد الاتهامات بالانتهاكات، ليتحول وقف إطلاق النار لاحقاً إلى نظام حرب منخفضة الكثافة، ويبدأ الجميع في التظاهر بأن الخطة ما زالت حية، رغم أنها لم تعد تعمل على الأرض.
ما الذي كان يمكن أن ينقذ الخطة وملاذا لا يحدث هذا تقريباً
نظرياً، كان لا يزال من الممكن إنعاش الخطة، غير أن ذلك يتطلب خمسة شروط صارمة.
الأول، خريطة ثابتة؛ إذ لا يمكن لـ "الخط الأصفر" أن يتحرك وفقاً لتقدير طرف واحد، ويجب أن تحظى أي تغييرات في منطقة السيطرة بموافقة آلية دولية.
الثاني، تفويض حقيقي لقوات الاستقرار؛ ليس مجرد بيان صحفي، بل تشكيل، وقيادة، وقواعد لاستخدام القوة، وتمويل، وقاعدة قانونية، ودعم سياسي إقليمي.
الثالث، حزمة من التسلسل المتبادل؛ ليس على قاعدة "تستسلم حماس أولاً بكل شيء" ولا "تنسحب إسرائيل أولاً بالكامل"، بل عبر مراحل متزامنة تشمل الانسحاب من قطاعات محددة، وتسليم الأسلحة الثقيلة، ودخول الشرطة، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتوسيع نطاق الوصول الإنساني، والرقابة الدولية.
الرابع، الشرعية الفلسطينية؛ فالتكنوقراط من دون قاعدة سياسية لن يتمكنوا من الحفاظ على غزة، وهناك حاجة لربطهم بإطار مؤسسي فلسطيني متجدد، وإلا ستظل اللجنة مجرد إدارة في المنفى.
الخامس، تقديم الأموال مسبقاً ولكن تحت رقابة صارمة؛ فمن دون إعادة إعمار فورية للبنية التحتية الخاصة بالمياه والطبابة والطاقة والإسكان، فإن أي حديث عن الاستقرار سيكون وهماً.
والمشكلة تكمن في أن جميع هذه الشروط تتطلب إرادة سياسية لا تبدو واضحة في الوقت الحالي. فإسرائيل تراهن على الضغط العسكري، وحماس تراهن على البقاء، والولايات المتحدة تراهن على الغموض المُدار، والدول العربية تراهن على الحذر، وأوروبا تراهن على البيانات. هذا ليس تحالفاً من أجل السلام، بل هو تحالف الانتظار.
الخلاصة: خطة ترامب لم تمت بل تتحول إلى ديكور
إن الأمر الأكثر خطورة في الوضع الحالي ليس فشل خطة ترامب، بل الأخطر من ذلك هو إمكانية استمرارها في الوجود كديكور دبلوماسي يغطي واقعاً جديداً على الأرض. فبينما تتحدث الوثائق عن آلية مؤقتة، تترسخ مناطق سيطرة جديدة على الأرض. وبينما تتحدث البيانات عن إعادة الإعمار، يعيش الناس وسط الأنقاض. وبينما تكتب البيانات الصحفية عن القوات الدولية، لا يوجد جندي حقيقي واحد من فيلق الاستقرار يغير ميزان الأمن. وبينما يجري الحديث عن تقرير المصير الفلسطيني مستقبلاً، يتفتت حاضر غزة إلى خطوط، ومناطق عازلة، وتصاريح، ومحظورات.
لقد عادت غزة مجدداً لتكون مكاناً تستعرض فيه القوى العظمى طموحاتها، ويؤمن فيه اللاعبون الإقليميون مخاطرهم، وتحتفظ فيه البنى المسلحة بأوراق الضغط، بينما يتحول السكان المدنيون إلى رهائن لحسابات الآخرين. وبهذا المعنى، فإن فشل خطة ترامب ليس مصادفة، بل هو النتيجة المنطقية لدبلوماسية حاولت استبدال الحل السياسي بخطة إدارية، والأمن بخريطة مناطق، وإقامة الدولة بوعد، والثقة بلجنة.
لهذا السبب تحديداً، لا يتوقع الكثيرون أن يبدأ مجلس السلام بالعمل، بل ينتظرون أن يختفي بهدوء من الأخبار، مخلفاً وراءه خريطة أخرى لسلام لم يتحقق. ولن يكون هذا الأمر سهلاً على غزة؛ لأن كل خطة سلام ميتة على هذه الأرض عادة ما تصبح مقدمة لحرب جديدة.