...

ذكر جنوب سوريا الشرق الأوسط مجدداً بأن سقوط نظام بشار الأسد لم يؤدِ إلى تدمير إمبراطوريته الموازية. فقد اخترقت مقاتلات إف-16 الأردنية الأجواء السورية وشنت غارات على ستة مواقع على الأقل في محافظة السويداء. ورغم أن العملية صيغت رسمياً كخطوة أخرى في إطار مكافحة المخدرات، إلا أنها حملت في جوهرها رسالة عسكرية موجهة إلى أطراف متعددة في آن واحد: الفصائل الدرزية المسلحة، وشبكات الأسد القديمة، والمهربين اللبنانيين، وحزب الله، ودمشق، وإسرائيل.

أطلق الجيش الأردني على هذه العملية اسم "الردع الأردني"، مشيراً إلى أن الأهداف شملت "مصانع ومنشآت ومستودعات" تستخدمها شبكات التهريب كمنصات انطلاق لنقل المواد المخدرة إلى الأردن. لكن هذه الصياغة الجافة لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة؛ فالأمر لا يتعلق بمجرد مجموعات إجرامية معزولة على أطراف دولة محطمة، بل يتمثل في أن السويداء، التي ظلت لفترة طويلة ممرًا من ممرات اقتصاد المخدرات السوري، قد تحولت بعد سقوط الأسد إلى مركز إقليمي جديد لتجارة الكبتاجون. وتُظهر البيانات التحقيقية أنه بعد انتقال معظم أجزاء المحافظة إلى سيطرة كيانات درزية مدعومة من إسرائيل، قفزت معدلات تهريب المخدرات من هذه المنطقة نحو الأردن بنسبة تتجاوز 325 بالمئة، حيث ارتفعت العمليات المحبطة من 21 محاولة في الفترة الممتدة بين يناير ويوليو 2025، إلى 128 محاولة إحباط بين يوليو 2025 وأبريل 2026.

جبهة المخدرات: لماذا أصبحت السويداء معضلة تتجاوز الحدود السورية

لا تمثل السويداء مجرد محافظة تقع في جنوب سوريا، بل هي منطقة جبلية ذات طبيعة اجتماعية مغلقة وخصوصية تاريخية، تسكنها أغلبية درزية وتتحكم فيها روابط قبلية وثقافة متجذرة من الحكم الذاتي المحلي ومسالك تهريب قديمة. وفي أوقات السلم، تعيش مثل هذه المناطق على توازن دقيق بين السلطة المركزية والنخب المحلية، أما في مراحل تفكك الدولة، فإنها تتحول إلى بيئة مثالية لظهور سلطات موازية.

وبعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، تسلمت السلطة الجديدة في دمشق البلاد دون أن تفرض سيطرة كاملة على كافة أجزائها. ففي الشمال، بقيت الهياكل الكردية قائمة، وفي الغرب استمرت بقايا الشبكات الأمنية القديمة، وعلى الحدود اللبنانية ترسخت بنية تحتية جنائية سياسية مرتبطة بحزب الله والفرقة الرابعة السابقة التي كان يقودها ماهر الأسد. وفي الجنوب، برزت السويداء حيث تحول جزء من الفصائل الدرزية المسلحة سريعاً من قوى دفاع ذاتي محلية إلى منظومة سياسية عسكرية تمتلك مصادر دخلها الخاصة، وأجهزتها القمعية، وجهة راعية خارجية.

وفي هذا الفضاء تحديداً، تقاطعت ثلاث مسارات: مسار تجارة المخدرات، ومسار الاستراتيجية الإسرائيلية لردع سوريا، ومسار التعبئة الدرزية المحلية ضد دمشق. ونتيجة لذلك، لم تعد السويداء مجرد تحدٍ للسيادة السورية، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأمن القومي الأردني.

المظلة الإسرائيلية: كيف تحولت حماية الدروز إلى أداة ضغط على دمشق

لا يقتصر الاهتمام الإسرائيلي بالسويداء على الشعارات الإنسانية المتعلقة بحماية الأقلية الدرزية. ورغم وجود طائفة درزية مؤثرة داخل إسرائيل يخدم أفرادها في الجيش ويشغلون مناصب بارزة في الأجهزة الأمنية، مما يجعل لعامل التضامن الطائفي وزناً فعلياً، إلا أن الحسابات الجيوسياسية تظل المحرك الأساسي.

فمنذ الأيام الأولى لسقوط الأسد، تبنت إسرائيل موقفاً مناهضاً للحكومة السورية الجديدة. ووفقاً لبيانات تشارلز ليستر، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات إسقاط جوي للأسلحة والذخائر لصالح الفصائل الدرزية، ووسعت وجودها العسكري داخل الأراضي السورية، ووجهت ضربات جوية ومدفعية مكثفة ضد أهداف سورية، فضلاً عن القيام بتوغلات برية. وضمن هذه المعادلة، تحولت السويداء بالنسبة لإسرائيل إلى منطقة عازلة ومريحة، وأداة للضغط على دمشق، وبؤرة محتملة لعدم استقرار دائم ومسيطر عليه.

وتستند الرؤية الإسرائيلية إلى معادلة بسيطة: إن وجود سوريا قوية ومركزية وتستعيد عافيتها يعد سيناريو غير مرغوب فيه، في حين أن سوريا المجزأة، التي تضطر حكومتها المركزية إلى استنزاف طاقاتها في التعامل مع الانقسامات الداخلية، تمثل واقعاً أكثر ملاءمة. ومن ثم، فإن السويداء المدعومة إسرائيلياً تعمل موضوعياً كصمام أمان جنوبي يمنع تماسك الدولة السورية وتوحيدها.

لكن هذا "الصمام" نفسه بدأ يتحول إلى ممر رئيسي لتهريب المخدرات.

يوليو 2025: أسبوع الدم الذي أخرج السويداء عن سلطة الدولة

وقعت النقطة المفصلية الحاسمة في يوليو 2025، عندما تطور نزاع محلي بين مجموعات درزية مسلحة وعشائر بدوية إلى موجة عنف واسعة النطاق. وتدخلت القوات الحكومية في هذا النزاع، مما فجر سلسلة من العمليات العقابية، والتصفيات المتبادلة، والانتقام الطائفي، تزامناً مع غارات جوية إسرائيلية. وبحسب تحقيقات منظمة الأمم المتحدة، أسفر أسبوع العنف في محافظة السويداء عن مقتل أكثر من 1700 شخص ونزوح زهاء 200 ألف آخرين، وصُنفت ممارسات القوات الحكومية السورية ومقاتلي العشائر والمجموعات الدرزية المسلحة على أنها قد ترقى إلى جرائم حرب.

وتكمن الأهمية الخاصة لتقرير الأمم المتحدة في أنه لم يصف النزاع كمجزرة من طرف واحد، بل كارثة مرت بثلاث مراحل: بدأت بهجوم القوات الحكومية والمقاتلين الموالين لها على السكان الدروز، تبعته هجمات انتقامية شنتها المجموعات الدرزية ضد المجتمعات البدوية، وانتهت بدخول آلاف المقاتلين القبليين إلى السويداء، حيث ارتكبوا عمليات قتل ونهب وإحراق للمنازل. إن مثل هذه التجربة لا تترك جرحاً نفسياً عميقاً فحسب، بل إنها تقوض الثقة في الدولة، وتدفع النخب المحلية نحو التشدد، وتمنح الكيانات المسلحة المبرر المثالي لترديد مقولة: "دمشق لم تحمنا، ولذلك سندير شؤوننا بأنفسنا".

وعقب هذه الأحداث مباشرة، اندمج ما يقارب 40 فصيلاً درزياً مسلحاً تحت مظلة كيان عسكري عُرف باسم "الحرس الوطني"، وهو فصيل يدين بالولاء لحكمت الهجري، الذي يعد من أبرز القيادات الدينية الدرزية المؤثرة في المنطقة. وتمكن هذا الكيان، تحت الرعاية الإسرائيلية، من فرض سيطرته الفعلية على أجزاء واسعة من المحافظة.

إمبراطورية الكبتاجون التابعة للأسد لم تمت بالكامل بل غيرت مقراتها

لفهم الأسباب التي جعلت السويداء عاصمة المخدرات في سوريا الجديدة، يتعين النظر في واقع سوريا القديمة تحت حكم الأسد. ففي ظل النظام السابق، لم يكن الكبتاجون مجرد نشاط إجرامي هامشي، بل شكل ركيزة من ركائز اقتصاد الحرب. وتحولت سوريا إلى مركز الإنتاج الأساسي لهذا المنشط الاصطناعي الرخيص، الذي كان يشحن عبر الأردن ولبنان إلى دول الخليج. ورغم تباين التقديرات الدولية لحجم هذه التجارة، إلا أن الأرقام تشير في الغالب إلى مليارات الدولارات سنوياً؛ حيث نقلت وكالتا أسوشيتد برس ورويترز في وقت سابق تقديرات تدور حول 10 مليارات دولار كحجم تداول عالمي، منها نحو 2.4 مليار دولار كانت تذهب كعوائد للمحيطين بالأسد والكيانات المرتبطة بهم.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، بعد تغيير النظام في سوريا، بأن عمليات إنتاج الكبتاجون واسعة النطاق قد تعرضت لضربة قوية، حيث فككت السلطات السورية الجديدة 15 مختبراً صناعياً و13 منشأة تخزين. ومع ذلك، حذرت المنظمة بوضوح من أن مخزونات الإنتاج السابق والشبكات المتبقية قادرة على تأمين الإمدادات لفترة طويلة، وأشارت إلى احتمالية استمرار عمليات التصنيع في المنطقة.

وبعبارة أخرى، لم يعنِ سقوط الأسد اختفاء هذه السوق، بل أدى إلى إعادة توزيعها. فبينما أغلقت المصانع في مواقع معينة، فتحت ممرات جديدة في مواقع أخرى. ولم يتلاشَ الضباط القدامى والمهربون والوسطاء ومشغلو المستودعات والكيميائيون والناقلون وأصحاب "الحماية" الأمنية، بل بحثوا عن مناطق جديدة يضعف فيها الرقابة الحكومية، وكانت السويداء إحدى هذه المناطق.

ضباط قدامى ورايات جديدة: من يقف وراء "الحرس الوطني"

تتمثل الخصائص الأكثر خطورة في السويداء اليوم في أن بنيتها الأمنية الحالية ليست نتاجاً لواقع "جديد" تماماً. فإن قسماً كبيراً من القيادات العسكرية في "الحرس الوطني" هم رجال ينتمون للنظام القديم أو شبكات إجرامية كانت مرتبطة به. وتشير البيانات الأساسية إلى ضباط سابقين في الفرقة الرابعة، من بينهم العميد جهاد الغوطاني والمقدم طلال عامر، بالإضافة إلى المسؤوليّن الأمنيّين السابقيّن شكيب نصر وأنور رضوان. كما تضم القائمة ممثلين عن الجريمة المنظمة كانوا مرتبطين سابقاً بشعبة المخابرات العسكرية التابعة للأسد، مثل ناصر السعدي، وباسل الطويل، وحيدر أريج، ومهند مظهر، وفواز أبو سرحان، وراجي فلهوط المرتبط بحزب الله والمدرج على قوائم العقوبات.

ويعد هذا التفصيل جوهرياً؛ فالسويداء لم تتحول إلى مركز للمخدرات بمحض الصدفة، بل ورثت البنية التحتية، والكوادر، والآليات، والمسارات، والعقلية المالية لمنظومة الأسد. وفي ظل النظام السابق، كانت الشبكات الدرزية والبدوية المحلية مدمجة في مخطط تشرف عليه المخابرات العسكرية والفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد. ووفقاً للتحقيقات، كان يوجد في السويداء وحدها ما لا يقل عن 12 موقعاً رئيسياً لإنتاج الكبتاجون.

وبعد انهيار النظام القديم، لم يختفِ هؤلاء الأشخاص، بل غيروا ولاءاتهم السياسية وتكيفوا مع الواقع الجديد، وحصلوا على العنصر الأكثر أهمية لتجارة المخدرات: مساحة جغرافية تقف فيها الحكومة المركزية عاجزة تقريباً.

الأثر اللبناني: لماذا يظل حزب الله في ظلال هذه القصة

يعد المسار اللبناني المفتاح الثاني لفهم أبعاد المشهد الحاضر. فبعد سقوط الأسد، انتقل جزء من شبكاته إلى لبنان، حيث توجد منذ عقود بيئة خصبة للوجاهات العشائرية الإجرامية، ومسالك التهريب، والرعاية السياسية، والنفوذ المسلح لحزب الله. وأشار معهد كارنيغي للسلام الدولي إلى أن الكبتاجون تحول بعد الحرب السورية إلى مصدر دخل رئيسي لنظام الأسد ولجهات مسلحة مختلفة، مما أدى إلى بروز جيل جديد من بارونات المخدرات على طول الحدود السورية اللبنانية، باتوا أكثر نفوذاً من مهربي القبائل التقليديين.

كما أوضح مركز سوفان أن جزءاً من الفاعلين في اقتصاد الكبتاجون السابق قد يكونون قد انتقلوا بعد سقوط الأسد إلى لبنان والعراق وروسيا ودول غرب إفريقيا، مستغلين ضعف آليات الرقابة والشبكات الإجرامية القائمة. وجرى التأكيد بشكل خاص على مخاطر تنامي دور لبنان كمركز جديد لمنظومة الكبتاجون في مرحلة ما بعد الأسد.

ويفسر هذا الأمر سبب الكشف المستمر للعمليات الأمنية السورية في الأشهر الأخيرة عن المصدر اللبناني لشحنات المخدرات. ففي يناير 2026، أحبطت إدارة مكافحة المخدرات السورية شحنة ضخمة قادمة من لبنان احتوت على 650 ألف حبوبة كبتاجون، ونحو 230 رطلاً من الحشيش، و226 منطاداً ثقيلاً جديداً. وتعد هذه المناطيد البصمة التكنولوجية الحديثة لمهربي المخدرات.

المناطيد بدلاً من القوافل: كيف خدع مهربو المخدرات الحدود

حتى سنوات قليلة مضت، ارتبطت تجارة المخدرات عبر الحدود السورية الأردنية بالتحركات الليلية، والمجموعات المسلحة، وسيارات الدفع الرباعي، والأدلاء من البدو، والاشتباكات المسلحة على الحدود. أما اليوم، فقد تغيرت الصورة تماماً؛ إذ استخدم المهربون في البداية الطائرات المسيرة الرباعية، لكنها تبينت أنها مكلفة ومحدودة الحمولة. ومن هنا ظهرت تكتيكات جديدة تعتمد على مناطيد كبيرة الحجم مملوءة بغاز الهيليوم، ومزودة بأنظمة الملاحة وتحديد المواقع، ومؤقتات زمنية، وآليات لإسقاط الشحنات عن بُعد.

ولم يعد هذا النشاط مجرد تهريب بدائي، بل تحول إلى مخطط هجين يدمج بين الجريمة والهندسة واللوجستيات العسكرية. وينطلق المنطاد من الأراضي السورية ويعبر الحدود، ثم يتم إسقاط الحمولة في نقطة محددة مسبقاً ليتسلمها مشغلون على الجانب الأردني. وتساهم هذه الطريقة في تقليص مخاطر المواجهة المباشرة مع حرس الحدود، وتتيح نقل شحنات ضخمة دون الحاجة لإرسال أفراد عبر الحدود.

وأفادت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات بأن الأردن أحبط منذ مطلع عام 2026 ما لا يقل عن 60 محاولة لتهريب المخدرات عبر الحدود من سوريا، حيث اعتمدت معظمها على المناطيد. وفي 14 مايو 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن ضبط 142 ألف حبوبة كبتاجون مع مناطيد وأجهزة تحديد مواقع وأنظمة تحكم عن بُعد كانت معدة للتهريب إلى الأردن. وفي 19 مايو، نقلت وكالة الأنباء الأردنية (بترا) أنباء عن إحباط محاولة تهريب جديدة للمخدرات باستخدام مناطيد يتم التحكم بها إلكترونياً.

ووفقاً لبيانات تشارلز ليستر، ضبط الجيش الأردني منذ يوليو 2025 ما لا يقل عن 46 مليون حبوبة كبتاجون، نُقل القسم الأكبر منها بواسطة هذه المناطيد المتطورة.

لماذا بدأ عمان بالضرب أولاً

لا تمثل هذه المسألة بالنسبة للأردن مجرد مشكلة مجردة تعاني منها دولة مجاورة؛ فقد تحول الأردن إلى ممر عبور بين المنتجين السوريين والأسواق الاستهلاكية ذات القدرة الشرائية العالية في دول الخليج. ومع مرور الوقت، يتحول أي ممر ترانزيت حتماً إلى سوق للاستهلاك، وبؤرة للفساد، وتهديد مباشر للأمن الداخلي. إن المخدرات، والأسلحة، والمتفجرات، والميثامفيتامين، والحشيش، لا تمر "عبر" الأردن فحسب، بل بدأت تتدفق "إلى" الداخل الأردني أيضاً.

بناءً على ذلك، انتقلت عمان من استراتيجية الدفاع إلى استراتيجية المبادرة والخطوات الاستباقية. وطالما أن المختبرات والمستودعات ومنصات الإطلاق تقع في الجانب السوري من الحدود، في وقت تعجز فيه دمشق عن دخول السويداء، فإن الأردن يوجه ضرباته بنفسه. وهذا ما يفسر تكرار العمليات العسكرية الأردنية؛ إذ شكلت ضربة الثالث من مايو العملية الخامسة منذ سقوط الأسد، والثالثة منذ تصاعد نفوذ تنظيم "الحرس الوطني" الدرزي في السويداء.

وذكرت شبكة الجزيرة أن الضربات التي تستهدف السويداء تعكس بلورة تنسيق سوري أردني جديد يستهدف البنية التحتية للمخدرات، مشيرة إلى أن الأهداف المرصودة كانت مرتبطة بمجموعات موالية لحكمت الهجري. ولا يتحرك الأردن في هذا المضمار بمعزل عن التفاهمات الإقليمية؛ ففي يناير 2025، اتفقت عمان ودمشق على إنشاء آلية مشتركة لمكافحة تهريب المخدرات، وتهريب الأسلحة، ومخاطر إحياء تنظيم داعش.

السويداء كاقتصاد حصار: الإجرام بديلاً عن الدولة

لا تقتصر معضلة السويداء على ملف المخدرات فحسب، بل تكمن المشكلة الأساسية في تحول تجارة المخدرات إلى جزء لا يتجزأ من الاقتصاد السياسي المحلي. فعندما تغيب المنطقة عن مظلة مؤسسات الدولة، وتتعطل الوزارات عن أداء مهامها الطبيعية، وتصبح البنوك والمدارس والمستشفيات ودوائر السجل المدني وشبكات المياه والكهرباء خاضعة لموافقة المجموعات المسلحة، فإن الجريمة المنظمة تتحول حتماً إلى مصدر للسلطة والقرار.

ولهذا السبب، لا يبدي الهجري والمحيطون به اهتماماً بالوصول إلى تسوية، بل يسعون جاهدين للحفاظ على "المنطقة الرمادية" القائمة. إن إعادة دمج السويداء بشكل كامل في الدولة السورية تعني دخول وحدات مكافحة المخدرات، وإجراء تدقيق شامل للاقتصاد المحلي، وإعادة تفعيل الهيكل الإداري للوزارات، وفرض الرقابة على المستودعات والطرق والحدود ووسائل الاتصال. وفي حين أن هذا المسار قد يضمن للسكان العودة إلى الحياة الطبيعية، فإنه يعني للمجموعات المسلحة خسارة احتكارها للنفوذ والمال.

وهنا تتجلى مأساة السويداء؛ إذ تحول شعار حماية الطائفة تدريجياً إلى غطاء لمنظومة تجعل من الطائفة نفسها رهينة لمصالحها.

عين الصقر: الخوف كوسيلة للإدارة الداخلية

تتطلب أي سلطة موازية وجود جهاز قمعي لفرض السيطرة. وتفيد المصادر بأن هذا الدور في السويداء يقع على عاتق جهاز أمني يُعرف باسم "عين الصقر". ويُوصف هذا الجهاز بأنه منظومة للمراقبة، والاستخبارات، والتتبع، وتنفيذ عمليات الاحتجاز والإخفاء القسري لكل من يوجه انتقادات لـ "الحرس الوطني" أو للنهج الذي يتبعه الهجري. وتؤكد المعطيات أن هذا الجهاز أُسس بدعم إسرائيلي ليكون بمثابة العين والأذن للهيكل العسكري المحلي.

والمشهد الأكثر مأساوية في هذا السياق يتمثل في المحاولة التي جرت لفتح قنوات حوار مغلقة بين دمشق ووجهاء من العشائر البدوية وممثلين عن الدروز. ففي نهاية نوفمبر 2025، بدا أن الأردن نجح في إقناع مجموعة من الشخصيات الدرزية بالتوجه إلى عمان. لكن الأنباء تسربت، وسارع عناصر "الحرس الوطني" إلى اعتقال المشاركين المحتملين، بمن فيهم رجال الدين رائد المتني، وعاصم أبو فخر، وماهر فلهوط. وتشير البيانات إلى أن الثلاثة تعرضوا للتعذيب حتى الموت، وقُذفت جثامينهم لاحقاً أمام المستشفى الوطني في السويداء.

لم يعد هذا السلوك مجرد خلاف سياسي، بل هو نهج إرهابي يعتمد على الترويع الداخلي؛ حيث يُفسر أي تواصل مع دمشق على أنه خيانة، ويُصنف أي حوار على أنه جريمة، ويُجابه أي بديل لسلطة الهجري بالتصفية الجسدية المباشرة.

التعليم والامتحانات والمحافظون والجوازات: كيف تتفكك تفاصيل الحياة اليومية

غالباً ما تحاط السلطات الموازية بهالة من الرومانسية من بعيد، لكنها سرعان ما تتحول في الداخل إلى فوضى عارمة. وقد واجهت السويداء هذا الواقع في شتى مجالات الحياة اليومية: التعليم، الإدارة البلدية، الأحوال المدنية، الرعاية الصحية، المعاملات المصرفية، الشؤون الجامعية، وإمدادات المياه والكهرباء.

ويعد ما جرى في مديرية تربية السويداء نموذجاً صارخاً على هذا التدهور؛ ففي أبريل، اقتحم مسلحون دروز مبنى المديرية واختطفوا مديرها الأكاديمي صفوان بلان، الذي أعلن لاحقاً استقالته "تنفيذاً لقرار حكمت الهجري". وعقب ذلك، حذر المعلمون من أن الفراغ الإداري سيؤدي إلى إنهاء الموسم الامتحاني، إلا أن الهجري لم يتراجع، بل هدد عبر مصادره باعتقال المعلمين الذين يتخلفون عن الحضور.

ودخلت المنطقة بعد ذلك في حالة من العبث الإداري؛ إذ عرضت دمشق إرسال ممثلين عن وزارة التربية للإشراف على الامتحانات، وهو ما رفضه الهجري. وقدم الأخير مقترحاً بديلاً يقضي بالسماح للموظفات النساء فقط من غير المسلمات السُنّيات بالدخول، وهو شرط رفضته دمشق. وجرى لاحقاً نقاش حول إمكانية مرافقة الهلال الأحمر العربي السوري لموظفي الوزارة، لكن هذا المقترح قوبل بالرفض أيضاً. وفي نهاية المطاف، طُلب من طلاب السويداء تقديم امتحاناتهم في دمشق أو ريفها، مما فجر موجة جديدة من التهديدات والعمليات المسلحة.

هذا المشهد لا يمثل حكماً ذاتياً، بل هو انتحار إداري ذاتي.

لماذا يصب هذا المأزق في مصلحة الهجري

لطالما رفض حكمت الهجري تقديم تنازلات أو الدخول في مفاوضات مع دمشق، وتُنقل عنه تصريحات واضحة يقول فيها: "لا يمكن إبرام أي صفقة مع الإرهابيين في دمشق" و"المفاوضات لا تستحق إضاعة وقتي". وخلال ربيع وصيف 2025، رفض كافة الصيغ التوافقية التي ناقشها ممثلون عسكريون وسياسيون ودينيون ومدنيون من السويداء مع الحكومة المركزية.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه في مطلع عام 2026، انخرطت قوات سوريا الديمقراطية الكردية، عقب تعرضها لهزيمة عسكرية، في عملية اندماج ضمن الدولة السورية، وفق شروط تشابهت إلى حد كبير مع تلك التي طُرحت سابقاً على السويداء. وجعل هذا التحول الهجري يقف وحيداً تقريباً بين القوى السورية الداخلية المناهضة لدمشق. وبدلاً من تليين مواقفه، يبدو أنه اختار التصعيد والتشدد.

والسبب في ذلك يعود إلى أن التسوية السلمية تدمر نموذجه السياسي من الأساس؛ فالتسوية تعني عودة الوزارات والقوانين والرقابة والمحاسبة والمسؤولية إلى السويداء، وتقود إلى إضعاف "الحرس الوطني". كما أن التوافق سيفتح ملفات حساسة ومساءلة حتمية: من الذي اختطف المدنيين؟ ومن الذي عذب رجال الدين؟ ومن الذي أمن الغطاء لشبكات التهريب؟ ومن الذي أدار المناطيد وحقق أرباحاً هائلة من تجارة الكبتاجون؟

إن بقاء الوضع الراهن يمثل خطراً جسيماً على السكان، لكنه يشكل صمام أمان لاستمرار سلطة الهجري.

الخلاصة الرئيسية: السويداء لم تكن السبب بل هي عرض من أعراض التفكك

لم تظهر معضلة السويداء من فراغ، بل هي عرض لمرض أكثر عمقاً يعاني منه واقع سوريا في مرحلة ما بعد الأسد. فقد أنشأ النظام القديم دولة مخدرات تداخلت فيها الأجهزة الأمنية، والوحدات العسكرية، والعشائر الإجرامية، والجهات الراعية الخارجية في آلية واحدة. وتحاول دمشق الجديدة اليوم تفكيك هذه الآلية، لكنها لا تمتلك القدرة على الوصول إلى كافة المناطق. وحيثما تعجز الدولة عن الدخول، تحل الكارتيلات الإجرامية، وحيثما تجد الكارتيلات غطاءً مسلحاً، يبرز الاقتصاد الموازي، وحيثما يحظى الاقتصاد الموازي برعاية خارجية، تولد المشكلة الجيوسياسية.

وهذا هو التوصيف الدقيق لما شهدته السويداء.

فإسرائيل ترى في هذه المحافظة منطقة عازلة في مواجهة دمشق، بينما يرى فيها الهجري ركيزة أساسية لترسيخ سلطته الشخصية. وفي المقابل، تجد بقايا شبكات الأسد في السويداء ممراً آمناً جديداً، وينظر إليها حزب الله وشبكات التهريب اللبنانية كجزء من الاقتصاد الرمادي الإقليمي. وبينما يرى الأردن في هذا الواقع تهديداً مباشراً لأمنه القومي، لا يلمس سكان السويداء سوى تدهور سبل العيش، وتصاعد الخوف، والبطالة، وانهيار الخدمات، وآفاق قاتمة من العزلة المستمرة.

المخرج الوحيد: الابتعاد عن رومانسية الحكم الذاتي والذهاب نحو تسوية سياسية صارمة

لا يمكن حل أزمة السويداء عبر الضربات الجوية والحلول العسكرية المعزولة؛ إذ يمكن للغارات الأردنية أن تدمر المستودعات والمختبرات ومواضع الإطلاق، وأن ترفع من تكلفة تجارة المخدرات، وأن توضح أن عمان لن تتسامح مع تهديدات الكبتاجون على حدودها، لكن هذه الضربات لا يمكن أن تشكل بديلاً عن التسوية السياسية الشاملة.

وفي المقابل، يتعين على دمشق أن تقدم خطوات مقنعة لم تطرحها بشكل حاسم حتى الآن، وتتمثل في إظهار تحمل المسؤولية عن الانتهاكات التي ارتكبتها قواتها في يوليو 2025. فمن دون تحقيق العدالة، وتقديم التعويضات، وإجراء تحقيقات شفافة، وتوفير ضمانات حقيقية للسكان الدروز، فإن أي حديث عن إعادة الدمج سيُفسر على أنه محاولة للإكراه والفرض القسري. ومع ذلك، لا يمكن للسويداء أن تظل مساحة للفوضى المسلحة، وتجارة المخدرات، والارتهان للمشاريع الخارجية.

وتمتلك الولايات المتحدة والأردن القدرة على لعب دور الوسيط لإطلاق حوار جديد، ولكن هذا المسار يتطلب أولاً أن تتوقف إسرائيل عن تشجيع وهم إمكانية استمرار السويداء كجيب مسلح معزول تحت مظلة حماية خارجية. إن هذا النموذج لا يحمي الدروز، بل يحول منطقتهم إلى منطقة رمادية تضيع فيها القوانين لصالح الجريمة، وتصبح فيها تجارة المخدرات أكثر ربحية من المدارس والمستشفيات والاقتصاد الطبيعي المستدام.

إن السويداء اليوم تمثل إنذاراً حقيقياً للشرق الأوسط بأكمله؛ فبعد سقوط الديكتاتوريات، لا تختفي البنى الموازية والشبكات المظلمة تلقائياً، بل تغير لافتاتها، وحلفاءها، ومساراتها، واللغة التي تبرر بها وجودها. فبالأمس، كانت هذه المنظومة تمثل إمبراطورية الكبتاجون التابعة للأسد، واليوم تحولت إلى منطقة رمادية مدعومة إسرائيلياً في محافظة درزية، وغداً، إذا لم يتم إيقاف هذا التدهور، فقد تتحول إلى نموذج جديد لتفكك سوريا، ليس عبر جبهات الجيوش الكبرى، بل من خلال شبكة من الإمارت الإجرامية الصغيرة التي تتاجر بالمخدرات، والخوف، والخدمات الجيوسياسية.

ولذلك، لم يعد ملف السويداء شأناً سورياً داخلياً فحسب، بل بات سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت سوريا في مرحلة ما بعد الأسد ستنجح في بناء دولة حقيقية، أم أن أراضيها ستتقاسمها المناطق العازلة، والممرات، والجيوب، والأسواق الموازية.