...

في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حانت لحظة غريبة ومؤلمة. فاللغة السياسية تتغير أسرع من الواقع نفسه. في قاعات الجامعات، وفي المدن الأمريكية، وفي الأوساط الحقوقية، وفي الشتات اليهودي، وفي الكونغرس الأمريكي، بل حتى داخل البنى الحكومية الغربية، لم يعد ممكنا الحديث عن فلسطين باللغة التي كانت تعد شبه إلزامية قبل عشر أو خمس عشرة سنة. الصيغ القديمة لم تعد تعمل. الدعم التلقائي لإسرائيل لم يعد رد فعل سياسي لا يقبل النقاش. وقضية حقوق الفلسطينيين خرجت من الهامش لتصبح جزءا من النقاش المركزي حول القانون الدولي، والمسؤولية الإنسانية، ومستقبل الدبلوماسية الأمريكية.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في أمر آخر. الرأي العام يتغير، والصيغ الدبلوماسية تتصدع، والعواصم الغربية تتحدث على نحو متزايد عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، غير أن حياة الفلسطيني العادي على الأرض لا تتحسن تقريبا. بل إنها، في كثير من الأماكن، تزداد صعوبة. أظهر استطلاع كوينيبياك في أغسطس عام ألفين وخمسة وعشرين أن نصف الناخبين المسجلين في الولايات المتحدة يعتبرون ما تفعله إسرائيل في غزة إبادة جماعية؛ وكان هذا المؤشر أعلى بين الديمقراطيين. وفي أبريل عام ألفين وستة وعشرين، صوت أربعون من أصل سبعة وأربعين سيناتورا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح منع نقل جرافات عسكرية إلى إسرائيل - وهو أمر كان يبدو، قبل فترة قريبة جدا، ضربا من الخيال السياسي.

ومع ذلك، فإن التحول السياسي في واشنطن لم يتحول بعد إلى حرية حركة للفلسطيني في الضفة الغربية. ولم يتحول إلى بيت أعيد بناؤه في غزة. ولم يصبح ضمانة بألا يتم احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية أو تقليصها أو تحويلها إلى أداة ضغط. ولم يتحول إلى فرصة للمجتمع الفلسطيني كي ينتخب قيادة شرعية. ولم يصبح سيادة دولية حقيقية.

في غزة، يسري وقف لإطلاق النار من الناحية الشكلية، لكنه يبقى هشا إلى أقصى حد. فقد حذرت الأمم المتحدة في نهاية أبريل عام ألفين وستة وعشرين بوضوح من أن وقف إطلاق النار بات "أكثر هشاشة" بسبب الضربات الإسرائيلية وأفعال الجماعات المسلحة. وذكرت وكالة رويترز أنه بعد إقرار الهدنة المدعومة من الولايات المتحدة في أكتوبر عام ألفين وخمسة وعشرين، قتل في غزة نحو ثمانمائة وخمسين فلسطينيا وأربعة جنود إسرائيليين.

وفي الضفة الغربية، تستمر في الوقت نفسه حرب أخرى - أقل ظهورا على شاشات العالم، لكنها ليست أقل تدميرا. إنها حرب ضغط استيطاني، وحواجز عسكرية، وبؤر استيطانية، وحظر إداري، وهدم منازل، وخنق مالي، وإزاحة تدريجية للفلسطينيين من فضاء الحياة الطبيعية. ووفقا لمعطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، شهد عام ألفين وستة وعشرين في الضفة الغربية أعلى معدل شهري للنزوح بسبب هدم المنازل خلال أكثر من سبعة عشر عاما من الرصد.

لذلك لم يعد السؤال هو ما إذا كان ينبغي التعاطف مع الفلسطينيين. السؤال هو: ما الآليات المحددة القادرة على تغيير الوضع على الأرض؟ ليس في القرارات. وليس في الشعارات. وليس في عبارة جميلة جديدة عن "حل الدولتين". بل في خطوات قانونية ومؤسسية وسياسية حقيقية.

وهناك ثلاثة خطوات على الأقل.

الخطوة الأولى: كسر القفص القانوني الأمريكي

تحب واشنطن الحديث عن دورها كوسيط. لكن الوسيط الذي لا يستطيع أن يتحدث بصورة طبيعية مع أحد طرفي الصراع لم يعد وسيطا. إنه إما مراقب، وإما محام للطرف الآخر. وفي حالة العلاقات الأمريكية الفلسطينية، لا تكمن المشكلة في الإرادة السياسية وحدها. المشكلة في البنية التشريعية التي بنتها الولايات المتحدة بنفسها خلال العقود الماضية.

لقد صيغت التشريعات الأمريكية المتعلقة بمنظمة التحرير الفلسطينية تحت شعار مكافحة الإرهاب. والهدف ذاته، أي مكافحة العنف، مشروع وضروري. غير أن المشكلة تكمن في أن هذه القواعد تحولت مع مرور الوقت من أداة أمنية إلى أداة بتر دبلوماسي ذاتي. فقانون مكافحة الإرهاب لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين يحظر عمليا على منظمة التحرير الفلسطينية الاحتفاظ بمكاتب وممارسة نشاطها في الولايات المتحدة. كما أشارت المواقف القانونية الرسمية لوزارة العدل الأمريكية إلى أن القيود ذات الصلة تمنع عمل مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

ومن هنا يبدأ العبث. فالولايات المتحدة تريد التأثير في السياسة الفلسطينية، لكنها في الوقت ذاته تقيد قدرتها هي نفسها على إجراء حوار طبيعي مع التمثيل السياسي الفلسطيني. تريد واشنطن إصلاح السلطة الفلسطينية، لكنها لا تنشئ قناة دبلوماسية مستقرة. تتحدث الولايات المتحدة عن ضرورة وجود قيادة فلسطينية معتدلة، لكنها تعمل منذ عقود كما لو أن الكيان السياسي الفلسطيني لا يجوز أن يوجد إلا عبر مرشح الأجندة الإسرائيلية.

لم يكن إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن عام ألفين وثمانية عشر مجرد إجراء إداري. لقد كان ضربة رمزية لفكرة القناة الدبلوماسية الأمريكية الفلسطينية ذاتها. وفي عام ألفين وخمسة وعشرين، ذهبت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى أبعد من ذلك، حين دمجت مكتب الشؤون الفلسطينية بالسفارة الأمريكية في إسرائيل، ما أدى فعليا إلى تصفية خط الاتصال المستقل بين واشنطن والفلسطينيين.

هذه ليست قوة. إنها عمى استراتيجي.

إذا كانت الولايات المتحدة تريد التأثير الحقيقي في الوضع، فعلى الكونغرس أن يعيد النظر في القيود القانونية التي تعرقل علاقات دبلوماسية طبيعية مع القيادة الفلسطينية. لا يدور الحديث هنا عن تلميع صورة منظمة التحرير الفلسطينية، أو السلطة الفلسطينية، أو أي بنية أخرى. بل يدور حول منطق دبلوماسي أساسي: يجب أن توجد قناة اتصال مباشرة مع كيان سياسي تتوقف على قراراته الحرب والسلام والأمن والإصلاحات وحياة ملايين البشر.

أول ما ينبغي لواشنطن فعله هو إعادة إمكانية وجود تمثيل فلسطيني في الولايات المتحدة. والثاني هو استعادة قناة دبلوماسية أمريكية مستقلة في الملف الفلسطيني، لا تخضع لمنطق السفارة الأمريكية في إسرائيل. والثالث هو إنشاء آلية قانونية تسمح بالعمل اليومي مع المؤسسات الفلسطينية من دون التهديد الدائم بالشلل التشريعي.

كما أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لم يعد قابلا للتعامل معه بوصفه فكرة غرائبية. فبعد أن اعترفت بفلسطين في عامي ألفين وأربعة وعشرين وألفين وخمسة وعشرين دول أوروبية وغربية جديدة، بينها أيرلندا وإسبانيا والنرويج وسلوفينيا وفرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، بات الموقف الأمريكي يبدو لا كحذر دبلوماسي، بل كتأخر دبلوماسي.

نعم، الاعتراف لا ينشئ الدولة بجرة قلم. ولا يزيل الاحتلال. ولا يعيد إعمار غزة. ولا يلغي البنية الاستيطانية. لكنه يغير وضعية الحديث. فهو يسمح للولايات المتحدة بتعيين سفير في فلسطين، ويسمح للفلسطينيين بامتلاك ممثل كامل الصلاحية في واشنطن. وحتى إذا لم تفتح السفارات ماديا على الفور، فسيكون بوسع الفرق الدبلوماسية العمل بصيغة انتقالية. وهذا لن يكون محاكاة، بل بداية لتطبيع الذاتية السياسية الفلسطينية.

من دون ذلك، ستبقى كل أحاديث "عملية السلام" مسرحا. لا يمكن بناء السلام مع إنكار الوجود السياسي لأحد الشعبين في الوقت نفسه.

الخطوة الثانية: تفكيك فخ أوسلو

دخلت أوسلو التاريخ بوصفها رمزا للأمل. ففي عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين، بدت المصافحة على عشب البيت الأبيض وكأنها بداية عصر جديد. لكن بعد ثلاثة عقود، صار واضحا أن البنية المؤقتة تحولت إلى نظام دائم من التبعية. وما قدم بوصفه آلية انتقالية نحو الدولة، تحول في الممارسة إلى آلية لحرية مقيدة ومدارة.

كان العيب الأساسي في أوسلو أنها لم تزل اختلال ميزان القوة، بل منحته صيغة قانونية. حصل الطرف الفلسطيني على حكم ذاتي محدود، لكنه لم يحصل على سيطرة حقيقية على الأرض، والحدود، والموارد، والضرائب، والسياسة الاقتصادية، والأمن، وحركة الناس. واحتفظت إسرائيل بأدوات السيطرة التي تتيح لها في أي لحظة التأثير في قابلية المؤسسات الفلسطينية للحياة.

أصبح بروتوكول باريس لعام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، الذي ينظم العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والفلسطينيين، أحد المفاصل الرئيسية في هذه المنظومة. فبموجبه، يمر جزء كبير من ضرائب الاستيراد والرسوم الفلسطينية عبر آلية المقاصة الإسرائيلية. شكليا، تبدو هذه آلية تقنية. أما فعليا، فهي رافعة ضغط سياسي. وقد أشار البنك الدولي إلى أن إيرادات المقاصة تبقى المصدر الأساسي لأموال السلطة الفلسطينية، وأن إسرائيل واصلت في النصف الأول من عام ألفين وخمسة وعشرين إجراء اقتطاعات كبيرة من هذه الإيرادات.

حين يسيطر طرف على أموال طرف آخر، فهذه ليست شراكة. إنها تبعية.

وحين يسيطر طرف على المعابر الخارجية التي يخرج عبرها الطرف الآخر إلى العالم، فهذه ليست عملية سلام. إنها فضاء مدار.

وحين يسيطر طرف على الترددات والمعدات وبنية الاتصالات والتطور التكنولوجي للطرف الآخر، فليس هذا نظاما مؤقتا. إنه إخضاع بنيوي. لقد تحولت القيود الرقمية والاتصالية الفلسطينية، المثبتة في نظام ما بعد أوسلو، منذ زمن طويل إلى عامل مستقل في كبح الاقتصاد.

لذلك ينبغي أن تتجه الخطوة الثانية لا إلى تجميل أوسلو، بل إلى مراجعتها العميقة. لا يمكن للاقتصاد الفلسطيني أن يتطور إذا كان نظامه الضريبي يعتمد على قرار سياسي للحكومة الإسرائيلية. ولا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تصبح نواة دولة فعالة إذا كان من الممكن في أي لحظة اقتطاع ميزانيتها. ولا يمكن للمجتمع الفلسطيني أن يؤمن بالدبلوماسية إذا كانت الدبلوماسية تعيد إنتاج نموذج التبعية على مدى عقود.

ما الذي يجب فعله؟

أولا، يجب إعادة النظر في بروتوكول باريس بحيث يحصل الفلسطينيون على آلية مباشرة لتحصيل ضرائب الاستيراد والإيرادات الجمركية. وحتى إذا تطلب ذلك رقابة دولية، وفترة انتقالية، ومرافقة تقنية، فيجب أن يكون المبدأ واضحا: الأموال الفلسطينية لا يجوز أن تبقى رهينة للتقويم السياسي الإسرائيلي.

ثانيا، يجب إنشاء آلية مضمونة دوليا لحماية الإيرادات الفلسطينية. فإذا كانت الأموال تعود إلى السلطة الفلسطينية، فلا يجوز احتجازها كأداة ضغط. يجب أن تحل النزاعات عبر التحكيم، لا عبر الخنق المالي الأحادي.

ثالثا، يجب منح الفلسطينيين قدرا أكبر من الاستقلالية في إدارة أنظمة الدفع، والبنية الرقمية، والقنوات المصرفية، والقطاع التكنولوجي. قد يبدو النقاش حول العملة الرقمية الفلسطينية أو دائرة الدفع الرقمية مسألة تقنية، لكنه في جوهره نقاش حول السيادة. في العالم الحديث لا تبدأ الدولة من العلم والنشيد فقط. إنها تبدأ من السيطرة على البيانات، والمدفوعات، والضرائب، والسجلات، والاتصالات، والبنية التحتية.

رابعا، يجب استعادة حرية الحركة باعتبارها فئة سياسية واقتصادية وإنسانية. يجب أن يتمكن الفلسطينيون من التنقل داخل الضفة الغربية، وبين الضفة الغربية وغزة، وإلى العالم الخارجي من دون نظام دائم من الإذلال وانعدام القدرة على التنبؤ. من دون حركة لا يوجد اقتصاد. ومن دون اقتصاد لا توجد كرامة. ومن دون كرامة لا يوجد سلام مستدام.

كانت أكبر كذبة في العقود الأخيرة هي الادعاء بأنه يمكن مطالبة المؤسسات الفلسطينية بالكفاءة، في الوقت نفسه الذي تحرم فيه من أدوات الإدارة الأساسية. لا يمكن مطالبة إدارة ما بأن تكون دولة، إذا كانت لا تمنح السمات الرئيسية للدولة. ولا يمكن مطالبة مجتمع بالاعتدال، إذا كان الاعتدال يبدو كل يوم كاستسلام بلا نتيجة.

الخطوة الثالثة: إعادة حق الفلسطينيين في اختيار سلطتهم

تمر السياسة الفلسطينية بأزمة شرعية. هذا ليس سرا ولا أطروحة دعائية. إنها المشكلة المركزية في النظام السياسي الفلسطيني نفسه. فمن دون تفويض متجدد، ومن دون انتخابات، ومن دون تمثيل، ومن دون مساءلة، تتحول أي قيادة تدريجيا إلى إدارة للبقاء، لا إلى مركز سياسي وطني.

يحتاج الفلسطينيون إلى انتخابات وطنية عامة - رئاسية وبرلمانية. لا انتخابات رمزية. ولا جزئية. ولا تزيينية. بل انتخابات تمنح المجتمع فرصة أن يحدد من جديد من يتحدث باسمه، وما المسار السياسي الذي يريده، وكيف يجب إصلاح المؤسسات.

في أبريل عام ٢٠٢٦ جرت في الضفة الغربية وفي إحدى مناطق غزة انتخابات بلدية - وهي أول انتخابات على أي مستوى في غزة منذ قرابة عقدين. وأكدت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية نتائج الانتخابات المحلية لعام ٢٠٢٦، كما أشار المراقبون الدوليون إلى تنظيم التصويت في ظروف صعبة. وهذا يثبت أمرا مهما: القدرة التقنية على إجراء الانتخابات موجودة. المشكلة ليست في أوراق الاقتراع. المشكلة في الإذن السياسي.

يجب على الولايات المتحدة أن تكف عن التعامل مع الانتخابات الفلسطينية كتهديد من الأفضل تجنبه. ويجب على إسرائيل أن تكف عن النظر إلى التصويت الفلسطيني كإجراء لا يسمح به إلا إذا كانت نتيجته مريحة مسبقا. ويجب على النخب الفلسطينية أن تكف عن الخوف من مجتمعها.

نعم، الانتخابات تحمل مخاطر. نعم، هناك مشكلة حماس. نعم، هناك سؤال الجماعات المسلحة، والتأثير الخارجي، والعنف السياسي، والانقسام بين غزة والضفة الغربية. لكن غياب الانتخابات يحمل خطرا أكبر. إنه يدمر الشرعية. ويجمد النخب القديمة. ويجعل الإصلاحات مستحيلة. ويدفع الطاقة السياسية في الشارع إلى من يتحدثون بلغة الغضب، لا بلغة البناء المؤسسي.

الحل ليس في تأجيل الانتخابات إلى ما لا نهاية. الحل في وضع قواعد واضحة للمشاركة. يجب أن تلتزم القوى السياسية والمرشحون برفض العنف المسلح داخل العملية السياسية، والاعتراف بالإجراءات الديمقراطية، واحترام الحقوق الأساسية، وعدم تحويل الانتخابات إلى جسر نحو الدكتاتورية. لقد بنت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية نموذجا لحماية "النظام الديمقراطي الحر الأساسي"، من خلال عدم السماح للقوى المناهضة للديمقراطية باستخدام الديمقراطية كسلم لمرة واحدة من أجل تدميرها. والنظام الفلسطيني يحتاج أيضا إلى منطق مشابه - لا كنسخة حرفية، بل كمبدأ.

لكن هذا المبدأ يجب ألا يطبق بصورة انتقائية. فإذا كان المطلوب من الأحزاب الفلسطينية رفض العنف والعنصرية، فيجب على إسرائيل أيضا أن تطبق قيودها الخاصة بصرامة أكبر ضد القوى السياسية التي تدعو علنا إلى التفوق العرقي، والطرد، والفصل، أو تدمير الذاتية الفلسطينية. لا يمكن طلب النقاء السياسي من طرف واحد فقط، بينما يشرعن الطرف الآخر التطرف تحت غطاء السياسة البرلمانية.

يجب أن تجرى الانتخابات في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية. وإذا فرضت إسرائيل قيودا على التصويت في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فيجب على الفلسطينيين رغم ذلك أن يمضوا قدما حيثما كان ذلك ممكنا، مع تسجيل كل عقبة كحقيقة سياسية. أحيانا تكون الانتخابات غير الكاملة أفضل من غياب الاختيار إلى ما لا نهاية. يجب أن تحصل الطاقة السياسية للمجتمع على منفذ مؤسسي.

لا يمكن أن تمنح الحرية الفلسطينية كهبة من الخارج. لكن اللاعبين الخارجيين يستطيعون إما أن يعرقلوها، وإما أن يتوقفوا عن منع تشكلها المؤسسي. بهذا المعنى، يجب على واشنطن أن تغير دورها. لا أن تملي على الفلسطينيين قيادتهم. ولا أن تعين ممثلين "مريحين". ولا أن تستبدل الشرعية الداخلية بالموافقة الخارجية. بل أن تخلق الظروف التي يستطيع فيها المجتمع الفلسطيني أن يجدد نظامه السياسي بنفسه.

لماذا هذا أهم من الإيماءات الصاخبة

هذه الخطوات الثلاث لا تبدو مثيرة. فهي لا تمنح صورة جميلة لقمة تلفزيونية. ولا تشبه مصافحة تاريخية يمكن وضعها على الصفحات الأولى. إصلاح التشريعات الأمريكية، ومراجعة البروتوكولات الاقتصادية، واستعادة الانتخابات الفلسطينية - كل ذلك يبدو جافا، بيروقراطيا، شبه ممل.

لكن القوة الحقيقية تختبئ تحديدا في مثل هذه التفاصيل.

نادرا ما تستمر النزاعات بالكراهية وحدها. إنها تستمر عبر أنظمة الوصول، والتصاريح، والميزانيات، والقوانين، والمعابر، وآليات الضرائب، والصلاحيات الشرطية، والخرائط، والسجلات، والترددات، والأختام، والبروتوكولات. وحيث يرى المراقب العادي "مأزقا سياسيا"، يرى المختص منظومة من القيود المحددة، لكل واحد منها صاحب، وصيغة قانونية، ومستفيد.

انعدام الحرية الفلسطينية ليس تجريدا. وليس الاحتلال مفهوما سياسيا فقط. إنه هندسة يومية للتبعية. من يسيطر على الضريبة؟ من يسيطر على الطريق؟ من يمنح التصريح؟ من يفتح المعبر؟ من يؤخر الشحنة؟ من يحدد ما إذا كان الإنسان يستطيع السفر إلى أقاربه، أو إلى الدراسة، أو إلى العلاج، أو إلى العمل؟ من يقرر ما إذا كانت الإدارة ستملك صندوقا لدفع الرواتب؟ من يتصرف بترددات الاتصال؟ من يعترف به شريكا، ومن يستبعد من المجال الدبلوماسي؟

الإجابات عن هذه الأسئلة هي الخريطة الحقيقية للصراع.

لهذا السبب لم تعد البيانات كافية. صيغة الدولتين من دون تفكيك آليات التبعية تتحول إلى تعويذة دبلوماسية. والاعتراف بفلسطين من دون سيادة مالية وإدارية يبقى مجرد لفتة. والحديث عن إصلاح السلطة الفلسطينية من دون انتخابات يصبح فارغا. والدعوات إلى السلام من دون حرية حركة تبدو ساخرة. أما مطالب الأمن من دون أفق سياسي، فتتحول إلى إدارة لا نهائية للأزمة.

على واشنطن أن تفهم أن الوضع القائم لم يعد استقرارا. إنه مصنع لانفجارات المستقبل. وكلما طال بقاء الفلسطينيين بلا تمثيل طبيعي، وبلا استقلال اقتصادي، وبلا حرية حركة، وبلا سلطة شرعية متجددة، تقلصت المساحة المتبقية للسياسة المعتدلة. فالتطرف لا يتغذى من الأيديولوجيا وحدها. إنه يتغذى من العجز.

على أمريكا أن تختار: الدبلوماسية أم خداع الذات

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أدوات تأثير. ليست مطلقة، لكنها كبيرة. فهي تبقى الشريك الخارجي الرئيسي لإسرائيل، والمانح العسكري الأساسي، والعضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، والدولة التي تبقى أي صيغة دبلوماسية كبرى في الشرق الأوسط ناقصة من دونها. لذلك لا تستطيع واشنطن أن تتظاهر بأنها مجرد معلق خارجي.

إذا كانت الولايات المتحدة تريد حلا عادلا ومستداما، فعليها أن تتوقف عن الحديث عن الفلسطينيين بوصفهم مشكلة أمنية، وأن تبدأ التعامل معهم كشعب سياسي. هذا لا يعني الموافقة على كل القادة الفلسطينيين. ولا يعني تجاهل أمن إسرائيل. ولا يعني تبرير العنف. بل يعني الاعتراف بالبديهي: لا يمكن بناء أمن إسرائيل على انعدام الحرية الدائم للفلسطينيين.

الخطوة الأولى - إصلاح القوانين الأمريكية التي تعرقل الحوار الطبيعي مع الفلسطينيين.

الخطوة الثانية - مراجعة منظومة ما بعد أوسلو، القائمة على التبعية الاقتصادية والإدارية.

الخطوة الثالثة - دعم انتخابات فلسطينية وطنية شاملة بوصفها آلية لتجديد الشرعية.

لن تجلب أي من هذه الخطوات الحرية بين ليلة وضحاها. ولن تحل أي منها فورا مشكلة غزة، والمستوطنين، والقدس، واللاجئين، والأمن، والحدود. لكن من دونها لن توجد حتى طريق نحو الحل. سيكون هناك فقط مسلسل جديد: حرب، هدنة، عرض دبلوماسي، خيبة أمل، انفجار جديد.

تبدأ الحرية الفلسطينية لا من بيان جميل، بل من تفكيك آليات محددة لانعدام الحرية. من قانون لم يعد يمنع الحوار. ومن بروتوكول لم يعد يحول الاقتصاد إلى رهينة. ومن انتخابات تعيد للمجتمع صوته. ومن اعتراف بأن السلام مستحيل حيث يمتلك شعب كل أدوات السلطة، ويضطر شعب آخر إلى طلب الإذن كي يعيش حياته.

لهذا السبب تحديدا، لا يحتاج اليوم إلى وعود مجردة، بل إلى ثلاث خطوات محددة. ومن دونها ستواصل واشنطن الحديث عن السلام، بينما تخدم في الوقت نفسه البنية التي تجعل هذا السلام مستحيلا.