...

يطرح العالم بإصرار سؤالا خاطئا على إيران. فمنذ ما يقرب من نصف قرن، تحاول العواصم الغربية ومراكز الفكر والأجهزة الأمنية والدبلوماسيون والصحفيون فهم شيء واحد: ماذا تريد الجمهورية الإسلامية؟ يبدو السؤال منطقيا، لكن في هذا المنطق بالذات يكمن الخطأ الأكبر. فالجمهورية الإسلامية هي شكل سياسي نشأ بعد ثورة عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين، أما إيران فهي حضارة دولية وذاكرة استراتيجية وجسد جيوسياسي قائم في تشكيله السياسي المعاصر منذ نحو خمسة قرون.

عندما تخلط واشنطن أو لندن أو باريس أو تل أبيب بين هذين المستويين، فإنها تحصد النتيجة نفسها مرارا وتكرارا: حسابات فاشلة، وصفقات مجهضة، وتصعيدا، وعقوبات بلا أثر نهائي، وحروبا تبدأ كعمليات ضغط وتنتهي بأزمات عالمية.

لا يمكن فهم إيران من خلال عدسة رجال الدين أو الحرس الثوري الإسلامي أو أجهزة الطرد المركزي النووية أو الوكلاء الشيعة أو الشعارات المناهضة للولايات المتحدة فحسب. كل هذه الأمور مهمة، لكنها ثانوية. الشفرة الرئيسية لإيران أقدم من النظام الحالي؛ إذ لم تولد عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين، بل ولدت من الجغرافيا، ومن صدمات القرن التاسع عشر، ومن ذاكرة الإذلال الإمبراطوري، ومن النضال من أجل السيطرة على الموارد الذاتية، ومن تجربة الضغوط الخارجية، ومن القناعة بأن الضعف في هذه المنطقة لا يبقى أبدا شأنا داخليا، بل يتحول على الفور إلى دعوة مفتوحة لجيش غريب، وسفير أجنبي، واستخبارات خارجية، وإملاءات غريبة.

إيران ليست نظاما بل هي غريزة بقاء

كانت الدولة الصفوية والقاجارية والبهلوية والجمهورية الإسلامية أنظمة سياسية مختلفة. لقد تحدثت بلغات شرعية متباينة، واستندت إلى نخب مختلفة، ونظرت بطرق متغايرة إلى الدين والغرب والجيش والتحديث. لكن من منظور السياسة الخارجية، هناك استمرارية صارمة بينها. تغير الحكام وبقي المنطق ثابتا.

هذا المنطق بسيط: لا يمكن حماية الفضاء الداخلي لإيران من داخل حدودها فحسب. فالهضبة الإيرانية محاطة بجبال زاگروس في الغرب والبرز في الشمال، وتتاخم الصحاري، وتنفتح على آسيا الوسطى وجنوب آسيا والقوقاز وبلاد الرافدين والخليج العربي. هذه ليست قلعة وطنية مريحة، بل هي مفترق طرق للمسارات الإمبراطورية. وكل قوة برية كبرى تحركت عبر أوراسيا اصطدمت بإيران، وكل قوة بحرية طمحت إلى النفوذ في المحيط الهندي والخليج العربي اضطرت إلى مراعاة هرمز.

ومن هنا ينبع الدرس الأساسي للاستراتيجية الإيرانية: من يكتفي بالجلوس فوق الهضبة يخسر عاجلا أم آجلا جزءا منها، ومن ينقل خط الدفاع إلى الخارج يحظى بفرصة للبقاء. لذلك، لم تسع السياسة الخارجية الإيرانية تقريباً إلى العزلة، بل إلى العمق؛ إلى المناطق العازلة، والحلفاء، والجماعات التابعة، والقنوات السياسية، والشبكات الدينية، وطرق التجارة، وروافد الطاقة، والقدرات العسكرية خارج حدودها.

هرمز ليس مضيقا بل هو زر في لوحة تحكم الاقتصاد العالمي

يتجلى هذا المنطق اليوم بوضوح تام في مضيق هرمز. فحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة، كان يتدفق عبر هرمز في عام ألفين وخمسة وعشرين نحو عشرين مليون برميل من النفط والمشتقات النفطية يوميا، أي ما يعادل ربع تجارة النفط البحرية العالمية تقريبا؛ علاوة على ذلك، يمر عبر هذا المسار جزء حيوي من إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات.

هذا هو السبب في أن إيران، حتى دون أن تضاهي الولايات المتحدة في القوة العسكرية التقليدية، قادرة على التأثير في سلوك الأسواق العالمية. قد تخسر في سلاح الجو، وتتراجع في الأسطول المحيطي، ولا تملك شبكة عالمية من القواعد، ومع ذلك تظل ممسكة برافعة تثير ردود فعل عصبية في طوكيو وبكين ونيودلهي وسنغافورة ولندن وواشنطن. الجغرافيا في هذه الحالة أقوى من الإحصاءات المجردة للميزانيات العسكرية.

وفي مايو من عام ألفين وستة وعشرين، سجلت رويترز أنه على خلفية الحرب مع إيران، استقر خام برنت فوق مائة وعشرة دولارات للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط فوق مائة وثلاثة دولارات، بينما ظل تحرك ناقلات النفط عبر هرمز أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب. هذه هي السلطة الحقيقية للجغرافيا: قد لا تسيطر طهران على العالم، لكنها قادرة على جعل العالم يشعر بثمن الضغط على إيران.

مخاوف ثلاثة تحرك طهران بقوة تفوق الأيديولوجيا

تمر عبر التاريخ الإيراني ثلاث قناعات راسخة.

الأولى: الضعف يستدعي التدخل. لقد جردت معاهدة جولستان عام ألف وثمانمائة وثلاثة عشر ومعاهدة تركمانجاي عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين إيران من أراض قوقازية شاسعة. كما قسم الاتفاق الأنجلو الروسي عام ألف وتسعمائة وسبعة البلاد إلى مناطق نفوذ دون أي اعتبار حقيقي لإرادة طهران. بالنسبة للذاكرة السياسية الإيرانية، ليست هذه التواريخ مجرد أحداث متحفية، بل هي دليل على قاعدة بسيطة: إذا لم تملك الدولة القدرة على الردع، يبدأ الآخرون في التصرف بسيادتها.

الثانية: السيادة لا تباع كسلعة في السوق الدبلوماسية. إن ثورة التبغ في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، والنضال من أجل تأميم شركة النفط الأنجلو إيرانية عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين، ومقاومة السيطرة الخارجية على البرنامج النووي في عهد الشاه وبعد الثورة، كلها محطات مختلفة لرد فعل غريزي واحد. يمكن لإيران أن تساوم على التفاصيل، لكنها تتحسس بشكل مؤلم للغاية من أي مطلب يبدو كمطالبة بالقبول بوضع التبعية.

الثالثة: لا ترى إيران نفسها مجرد قوة إقليمية. هذه نقطة جوهرية. غالبا ما يحلل الغرب إيران باعتبارها مشكلة في الشرق الأوسط، لكن إيران نفسها ترى ذاتها قوة تقع عند ملتقى أقاليم: القوقاز، وآسيا الوسطى، والخليج العربي، وجنوب آسيا، والمشرق العربي، والطاقة العالمية. لم تكن ثورة عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين حدثا شرق أوسطي فحسب، بل غيرت توازن الحرب الباردة، والسياسة الداخلية الأمريكية، والحركات الإسلامية، وأمن النفط، ومنطق الوجود الأمريكي في المنطقة، وبنية العلاقات بأكملها بين الغرب والإسلام السياسي.

اختلف الشاه والآيات حول الله لكنهما فكرا في الشيء نفسه

قد يبدو للمراقب الخارجي أن إيران الشاه وإيران الجمهورية الإسلامية عالمان متناقضان. هذا صحيح من الناحية الثقافية والأيديولوجية والرمزية. لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن الفجوة أصغر بكثير مما تبدو عليه.

كان الشاه محمد رضا بهلوي حليفا للولايات المتحدة، ويشتري الأسلحة الغربية، ويبني علاقات مع إسرائيل، ويتحدث بلغة التحديث ومحاربة الشيوعية. لكن عندما كان الأمر يتعلق بالبرنامج النووي، والاستقلال العسكري، ومكانة إيران، كان يظهر الحساسية نفسها تجاه الرقابة الخارجية التي تبديها طهران الحالية. بالنسبة للشاه، لم تكن الطاقة النووية والسيادة التكنولوجية مجرد مسألة تنمية، بل كانت رمزا للمكانة. لم تكن إيران تريد أن تبدو كدولة من الدرجة الثانية، يسمح لها بشراء المفاعلات ويحظر عليها السيطرة الكاملة على السلسلة التكنولوجية.

وتظهر الأرشيفات الوطنية الأمريكية والدراسات المتعلقة بالسياسة النووية في السبعينيات أنه حتى في عهد الشاه، قاومت طهران الشروط الأمريكية التي اعتبرتها تقييدا للسيادة ومحاولة لوضع إيران في موقف تابع.

أي أن الخلاف لم يكن محصورا في الإسلام أو الثورة أو مناهضة أمريكا، بل كان خلافا على المكانة. والمكانة بالنسبة لإيران ليست رفاهية دبلوماسية، بل هي وسيلة بقاء.

سوريا ولبنان والعراق: لماذا تحارب إيران بعيدا عن ديارها

لم تكن استراتيجية الدفاع الأمامي الإيرانية من اختراع الحرس الثوري الإسلامي. فمنذ عهد الشاه، كانت الاستخبارات الإيرانية تعمل مع القوى السياسية في لبنان، محاولة كبح الناصرية والقومية العربية بعيدا عن حدودها. وتورد الدراسات المتعلقة بدور جهاز السافاك في لبنان صيغة معبرة لضابط إيراني يقول فيها: يجب كبح التهديد على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط لكي لا تسيل الدماء على الأرض الإيرانية.

وبعد عقود، قال آية الله علي خامنئي لعائلات القتلى في سوريا والعراق الشيء نفسه تقريباً: لو لم يقاتل الإيرانيون هناك، لاضطروا لمقاتلة العدو في كرمنشاه وهمدان.

هذه هي الاستمراريتة الحقيقية؛ نظام كان ملكيا وغربيا وعلمانيا، ونظام آخر ثوري وإسلامي ومناهض لأمريكا، لكن عبارتهما الاستراتيجية واحدة: إذا لم توقف التهديد بعيدا، فسوف يأتي إلى بيتك.

البرنامج النووي ليس مجرد قنبلة بل هو لغة مكانة

غالبا ما ينظر الغرب إلى برنامج إيران النووي باعتباره قضية منفصلة من قضايا حظر الانتشار. هذا صحيح تقنيا، لكنه ناقص استراتيجيا. فبالنسبة لإيران، ليس البرنامج النووي مجرد مجموعة من أجهزة الطرد المركزي ومخزونات اليورانيوم والمنشآت في نطنز أو فردو أو أصفهان، بل هو أداة ردع، ورمز للسيادة التكنولوجية، واختبار سياسي: هل يعترف العالم الخارجي بإيران كفاعل أم يتعامل معها كموضوع للرقابة.

وقدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقريرها الصادر في مايو من عام ألفين وخمسة وعشرين إجمالي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنحو تسعة آلاف ومائتين وسبعة وأربعين فاصل ستة كيلوغراما، بما في ذلك أربعمائة وثمانية فاصل ستة كيلوغراما من اليورانيوم في شكل سداسي فلوريد اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى ستين بالمائة. وأشار خبراء مركز مراقبة الأسلحة ومنع الانتشار إلى أن هذا المخزون من اليورانيوم المخصب بنسبة ستين بالمائة يحمل بالفعل أهمية استراتيجية، ويمكن عند تخصيبه أكثر أن يوفر مادة لصنع عدة شحنات نووية.

لكن هنا تحديدا يبدأ الخطأ الأكبر للضغوط. فعندما يطالب العالم إيران بالتخلي الكامل عن بنية الردع، لا يفهم ذلك كطلب لإبداء الاعتدال، بل يفسر كمطالبة بالعودة إلى حالة الانكشاف والضعف. وفي الذاكرة التاريخية الإيرانية، ينتهي الانكشاف دائما بإملاءات الآخرين.

كل ضربة توجه إلى إيران تجعلها أكثر إيرانية

تم استخدام كل أدوات الإكراه تقريبا ضد طهران خلال العقود الأخيرة: العقوبات، الحصار المالي، الهجمات السيبرانية، اغتيال العلماء والقادة، دعم معارضي النظام، العزلة الدبلوماسية، ضرب الحلفاء، التهديد بالحرب المباشرة، والضغط العسكري المباشر. المشكلة تكمن في أن كل هذا لم يدمر الاستراتيجية الإيرانية، بل إنه في كثير من الحالات أدى إلى تسريعها.

كان من المفترض أن تجبر العقوبات طهران على التراجع، لكنها دفعتها نحو قنوات مالية بديلة، وتجارة ظل، واكتفاء ذاتي تكنولوجي، وتنسيق أكثر عمقا مع مراكز القوة غير الغربية. وكان من المفترض أن تحد الضربات من الشبكة الإقليمية، لكنها أقنعت النخب الإيرانية بأن البلاد ستجد نفسها وجها لوجه مع الآلة العسكرية الأمريكية دون هذه الشبكة. وكان من المفترض أن يؤدي الضغط على البرنامج النووي إلى وقف التخصيب، لكنه تحول إلى مبرر لتسريع تراكم القدرات.

يمتلك النظام الإيراني قدرة على تحويل الضغط الخارجي إلى دليل داخلي على صحة موقفه. هذا لا يعني أنه منيع؛ فالنظام هش اقتصاديا واجتماعيا وتكنولوجيا وسياسيا، لكن هشاشته لا تتحول تلقائيا إلى تقديم تنازلات. أحيانا تنتج هذه الهشاشة نتيجة عكسية تماما تتمثل في التماسك والتعبئة ورفض المساومة.

"محور الشر" - الخطاب الذي قبر نافذة الفرص

يعد خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش عن "محور الشر" عام ألفين واثنين أحد أكثر المحطات دلالة. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تعاونت إيران في ملف أفغانستان، وشاركت في عملية بون، وساهمت في تشكيل البنية السياسية لمرحلة ما بعد طالبان، وأرسلت إشارات تفيد بإمكانية بناء تفاعل محدود مع واشنطن. وكان معسكر الإصلاحيين بقيادة الرئيس محمد خاتمي يقدم على مخاطرات داخلية لأنه كان يؤمن بأن التعاون قد يلقى ردا بالمثل.

جاء الرد بإدراج إيران علنا ضمن الأعداء. كانت هذه العبارة بالنسبة لواشنطن صيغة أيديولوجية، أما بالنسبة لطهران فكانت تأكيدا لشكوك قديمة: الولايات المتحدة لا تريد صيغة للتعايش بل تريد الاستسلام أو تغيير النظام. تقلصت مساحة البراغماتيين بعد ذلك، وأصبحت حجج الأمنيين أكثر إقناعا، وكان بإمكانهم القول: لقد حذرناكم من قبل.

هذه المحطة ليست مهمة بصفته عتبة تاريخية بل بصفتها نموذجا؛ ففي كل مرة تخطو فيها إيران خطوة محدودة إلى الأمام وتتلقى في المقابل توسيعا للضغوط، يقوى داخل النظام المعسكر الذي يقول إن الاتفاق مع الولايات المتحدة هو فخ، وفي كل مرة تفاجأ واشنطن لكون الموقف الإيراني يصبح أكثر صلابة.

ترامب يريد صفقة وإيران تريد شروطا لا تجعل الصفقة تبدو استسلاما

تظهر الأزمة الحالية في عام ألفين وستة وعشرين الفخ نفسه مجددا؛ إذ تحاول إدارة الرئيس الأمريكي ترامب الجمع بين الضغط العسكري والتهديد بضربات جديدة والحديث عن صفقة. وقد سجلت رويترز أن ترامب تحدث عن إمكانية إنهاء الحرب سريعا، لكنه حذر في الوقت نفسه من ضربات جديدة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

تعد هذه التكتيكات من وجهة نظر واشنطن أدوات إكراه، أما من وجهة نظر طهران فهي محاولة لإجبار إيران على توقيع وثيقة تحت تهديد السلاح، والوثائق من هذا القبيل هي الأسوأ قبولا في الثقافة السياسية الإيرانية. يمكن لإيران أن تقبل بالمساومة إذا بدت تبادلا للمصالح، لكنها غير قادرة تقريباً على قبول اتفاق يفسر داخليا على أنه اعتراف بالهزيمة.

ولم تختف هذه الديناميكية بعد انتقال السلطة العليا إلى مجتبى خامنئي، وهو ما أفادت به الجزيرة في مارس من عام ألفين وستة وعشرين. بل على العكس، جعل السياق العسكري هذه الرؤية أكثر حدة؛ فالقائد الجديد لا يمكنه بدء عهده بتنازل يسجل كإذلال تاريخي.

لماذا تكسب واشنطن المعارك لكنها لا تحصل على النهاية

إن القوة الأمريكية هائلة؛ فالولايات المتحدة قادرة على توجيه الضربات، وتجميد القنوات المالية، وحشد التحالفات، وتدمير المنشآت، والضغط على حلفاء إيران، وإدارة نظام العقوبات العالمي. لكن مشكلة واشنطن تكمن في أنها تخلط غالبا بين النجاح التكتيكي والنتيجة الاستراتيجية.

تدمير منشأة لا يعني تدمير البرنامج، وتصفية قائد لا تعني تصفية الشبكة، وتدمير مستودع لا يعني تدمير الدافع، وإسقاط العملة لا يعني الحصول على استسلام سياسي. يكتسي هذا الأمر أهمية خاصة في حالة إيران؛ فالبلاد اعتادت التفكير في دورات زمنية طويلة، وتحمل الضغوط، ودفع أثمان باهظة، والمراهنة على تعب الخصم.

وهنا يصح القياس على تجربة فيتنام؛ إذ انطلق هنري كيسنجر والاستراتيجيون الأمريكيون لفترة طويلة من فرضية أن تصعيد الألم سيجبر فيتنام الشمالية على قبول المفهوم الأمريكي للنصر. لكن هانوي حاربت بطريقة أخرى؛ راهنت على الوقت والتحمل واستنزاف الإرادة السياسية للولايات المتحدة. وتتصرف إيران بطريقة مشابهة؛ فهي ليست ملزمة بهزيمة الولايات المتحدة بالمفهوم الكلاسيكي، بل يكفيها ألا تخسر حتى اللحظة التي تحتاج فيها واشنطن إلى مخرج.

الشبكة الإيرانية ليست نسيجا من المتشددين بل هي نظام تأمين

غالبا ما توصف شبكة إيران الإقليمية بأنها "محور مقاومة" أيديولوجي. هذا صحيح لكنه غير كاف؛ فالشبكة بالنسبة لطهران ليست أيديولوجيا فحسب، بل هي حزام أمان. لبنان، العراق، سوريا، اليمن، الفصائل الفلسطينية، الروافع البحرية، القدرات السيبرانية، والقوة الصاروخية، كلها عناصر لمنظومة ردع موزعة.

الهدف من هذه البنية هو ألا تكون أي ضربة توجه إلى إيران حدثا موضعيا، بل مشكلة للمنطقة بأسرها وللاقتصاد العالمي، وهنا تكمن فاعليتها. تريد الولايات المتحدة عزل مسرح الصراع، بينما تعمل إيران على توسيعه. تريد الولايات المتحدة الحديث عن المنشآت النووية، فتنقل إيران الحديث إلى هرمز والنفط وناقلات النفط وتكلفة التأمين والقواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن والكلفة الداخلية للتصعيد على الأسواق العالمية.

لذلك يبدو مطلب تفكيك هذه البنية لطهران كمطلب لنزع حزام الأمان قبل وقوع الحادث. قد يرى الغرب في هذه المنظومة مصدرا للتهديد، وهو محق في الكثير من جوانب ذلك، لكن إيران تراها حماية من الفناء. ودون الاعتراف بهذا التباين، تتحول الدبلوماسية إلى مسرح لسوء الفهم المتبادل.

المفارقة الكبرى: كلما اشتد الضغط ضاقت مساحة التنازل

تنطلق الرؤية الغربية غالبا من مخطط بسيط: تكثيف الضغط، رفع كلفة المقاومة، وإجبار إيران على التنازل. لكن الضغط في الحالة الإيرانية ينتج أثرا مزدوجا؛ فهو يرفع بالفعل كلفة المقاومة، لكنه يرفع في الوقت نفسه الكلفة السياسية للتنازل.

إذا تنازلت طهران بعد التهديدات والضربات والحصار، فسيبدو ذلك داخليا كاستسلام. أما إذا تنازلت بعد مفاوضات تعترف بمصالحها الأمنية، فيمكن تسويق ذلك كحكمة دولة. الفارق جوهري هنا؛ ولهذا السبب فإن الاتفاق المبني على الإذلال يكون غير مستقر؛ قد يتم توقيعه لكنه لن يعيش، بل سيتم تخريبه أو الالتفاف عليه أو مراجعته أو انتظار لحظة الانتقام.

ما يمكن أن ينجح فعليا

يجب أن تبدأ السياسة الواقعية تجاه إيران ليس بالتعاطف مع طهران ولا بتبرير أفعالها. المسألة لا تتعلق برومانسية الجمهورية الإسلامية، بل بالواقعية؛ فالانتشار النووي أمر خطير، وشبكات إيران الإقليمية أنتجت العنف بالفعل، والبرنامج الصاروخي يغير ميزان القوى، والضغط على الملاحة عبر هرمز يضرب الاقتصاد العالمي. كل هذه مشكلات حقيقية.

لكن حل هذه المشكلات لا يمكن أن يتم إلا عبر فهم دوافع الطرف الآخر. الاتفاق الذي يطالب إيران بالتعري الاستراتيجي لن ينجح. أما الاتفاق الذي يتضمن ضمانات أمنية حقيقية، وآليات تحقق واضحة، ورفعا تدريجيا للعقوبات، واعترافا بمصالح إيران المشروعة، وتقييدا للعناصر الأكثر خطورة في برنامجها، فيملك فرصة للنجاح.

لن تتخلى إيران عن الردع، لكنها قد تقبل بصيغة للردع تكون أكثر شفافية وأكثر تيقيداً وأقل قابيلة للانفجار. هذه هي مساحة الدبلوماسية، وما عدا ذلك مجرد خطابات للمؤتمرات الصحفية.

النهاية التي لا تريد واشنطن الاعتراف بها

المشكلة الكبرى للولايات المتحدة لا تكمن في غياب المحاور في طهران؛ فالمحاور موجود. المشكلة هي أن واشنطن تطرح عليه غالبا السؤال الخطأ؛ تسأل: ماذا يريد النظام؟ بينما ينبغي لها أن تسأل: ماذا تريد إيران كدولة نالت من الإذلال الإمبراطوري، وتقاسم مناطق النفوذ، والانقلابات، والحروب، والعقوبات، والعزلة، والتهديد المستمر بالتدخل الخارجي؟

الجواب مزعج لكنه واضح؛ تريد إيران المكانة والعمق والردع وضمان ألا يقرر مصيرها دونها. ولن تختفي هذه الرغبة بتغير القائد الأعلى أو الرئيس أو الحكومة أو تشكيلة مجلس الأمن القومي. لم تولد هذه الرغبة مع الجمهورية الإسلامية ولن تموت معها.

وما لم يفهم الغرب ذلك، فسوف يستمر في الدخول من الباب نفسه مرارا وتكرارا: عقوبات، تهديدات، ضربات، تصعيد، صدمة نفطية، مفاوضات متوترة، صفقة مجهضة، ثم تصعيد جديد. وسوف يفاجأ في كل مرة لكون إيران لا تتصرف كنظام حوصر في الزاوية.

لأن إيران لا تفكر كنظام محاصر، بل تفكر كدولة عريقة مقتنعة بأنها إذا تنازلت عن المساحة اليوم، فسوف تجد جيشا غريبا عند بوابتها غدا.