...

لم تكن الحرب الأمريكية ضد إيران بالنسبة لدول الخليج مجرد أزمة عسكرية أخرى، أو موجة جديدة من الاضطرابات الشرق أوسطية، أو اختبارا صعبا لأسواق النفط. لقد كانت لحظة استبصار سياسي. تلك اللحظة التي أدركت فيها الملكيات الثرية في المنطقة نهائيا أن الضمانات الأمنية الأمريكية لم تعد عقدا مقدسا محفورا في الحجر، بل أصبحت موضوعا للمساومة، والمزاجية، والحسابات السياسية الداخلية، والأسلوب الشخصي للرئيس الأمريكي ترامب.

طوال سبعة عقود، عاشت دول الخليج وفق منطق صفقة بسيطة للغاية. كانت تضمن استقرار سوق الطاقة، وتحافظ على الارتباط بنظام الدولار، وتشتري الأسلحة الأمريكية، وتستضيف القواعد الأمريكية، وتراعي المصالح الأمريكية. وفي المقابل، ضمنت الولايات المتحدة الحماية من التهديدات الخارجية. ربما كانت هذه الصيغة نفعية، غير متكافئة، أو قاسية، لكنها كانت واضحة. وفي عالم ظل فيه النفط شريان الاقتصاد العالمي، ومضيق هرمز شريان هذا الاقتصاد، كان الوضوح أغلى من العواطف السياسية.

الآن، لم يعد هناك وضوح.

ففي البداية، لم يحذر واشنطن شركاءها العرب من عملية واسعة النطاق ضد إيران، ثم بدأت تلمح فعليا إلى ضرورة تحملهم جزءا من تكاليف الحرب. وفي ربيع عام ألفين وستة وعشرين، أوضح البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي ترامب مهتم بأن تدفع الدول العربية جزءا كبيرا من النفقات العسكرية الأمريكية المتعلقة بالعمليات ضد إيران. بالنسبة للرياض وأبو ظبي والدوحة والكويت والمنامة، لم يبدُ هذا طلبا من حليف، بل فاتورة من حارس لم يحذر صاحب المنزل من الحريق أولا، ثم طالبه بثمن دلاء الماء.

هنا بدأ التشوه الرئيسي. ليس في ساحة المعركة، ولا في المضيق، ولا في مقرات البنتاغون، بل في وعي النخب الشرق أوسطية. لقد رأوا أن الولايات المتحدة تظل أقوى لاعب عسكري في المنطقة، لكنها لم تعد تبدو ضامنا مطلقا. وهذان أمران مختلفان. فالقوة بلا موثوقية تتحول من ركيزة إلى مخاطرة.

تغريدة واحدة كلفت أمريكا الثقة

ظهر الشرخ الرمزي منذ سبتمبر عام ألفين وتسعة عشر، عندما تعرضت البنية التحتية النفطية السعودية لضربة غير مسبوقة. حينها كتب دونالد ترامب، الذي كان في منتصف ولايته الرئاسية الأولى، أن الولايات المتحدة في حالة تأهب قصوى، لكنها تنتظر من المملكة العربية السعودية إجابة حول من تعتقد أنه المسؤول وبأي شروط يجب أن تتحرك واشنطن.

بالنسبة لمراقب خارجي، قد يبدو هذا حذرا دبلوماسيا معتادا. أما بالنسبة للرياض، فقد كان شيئا أكبر بكثير. كان انهيارا للغة التي تحدثت بها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية منذ عام ألفين وتسعمائة وخمسة وأربعين.

منذ اللقاء التاريخي بين فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز على متن مدمرة أمريكية، سادت صيغة غير معلنة بين البلدين: النفط مقابل الأمن. تضمن السعودية استقرار الإمدادات، وتضمن الولايات المتحدة حماية المملكة وبشكل أوسع حماية هيكلية استقرار الطاقة. لاحقا، أصبحت هذه الصيغة جزءا من استراتيجية أمريكية أوسع في الخليج عُرفت باسم "عقيدة كارتر". كان معناها حاسما: أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستُعتبر تهديدا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة.

لم تكن هذه العقيدة إعلانا أخلاقيا جميلا، بل كانت حسابا إمبراطوريا باردا. لكنها كانت تعمل. فقد ضمن الأسطول الأمريكي الملاحة في مضيق هرمز خلال الحرب الإيرانية العراقية. وأخرجت الولايات المتحدة العراق من الكويت عام ألفين وتسعمائة وواحد وتسعين، ليس فقط لاستعادة القانون الدولي، بل لمنع الابتزاز النفطي. ربما أخطأت واشنطن، أو تصرفت بخشونة، أو أخلت بالتوازن، لكن شركاءها كانوا يدركون: إذا مس التهديد النفط والحلفاء الاستراتيجيين، فسيكون الرد الأمريكي سريعا.

في عام ألفين وتسعة عشر، كان الرد مختلفا. لم يضرب ترامب على الفور، ولم يستعد منطق الردع القديم، ولم يمنح الرياض ذلك الشعور بالحماية الفورية الذي قام عليه الأساس النفسي للتحالف بالكامل. عززت الولايات المتحدة تواجدها لاحقا، وأرسلت وسائل مراقبة ودفاع جوي إضافية، لكن اللحظة كانت قد ضاعت. في سياسة الشرق الأوسط، أحيانا يكون الأهم ليس ما فعلته بعد أسبوعين، بل ما لم تفعله في الساعات الأولى.

عقيدة كارتر ماتت في الرياض وليس في طهران

بالنسبة للسعودية، لم تكن الضربة على المنشآت النفطية مجرد هجوم على البنية التحتية، بل هجوم على قلب الدولة. تبني المملكة الحديثة رؤية طموحة لعام ألفين وثلاثين، وتستثمر في مدن المستقبل والسياحة والتكنولوجيا والرياضة والخدمات اللوجستية، لكن كل هذه الواجهة لا تزال تقوم على أساس القوة الطاقية. إذا استطاع العدو ضرب هذا الأساس، ورد الحليف الأكبر بسؤال "ماذا أنتم مستعدون لتقديمه في المقابل؟"، فهذا يعني أن العقد القديم لم يعد مطلقا.

منذ تلك اللحظة، بدأ التفكير في الرياض يتغير. ليس بقطع التحالف مع الولايات المتحدة، فهذا سيكون انتحارا. فالجيش السعودي، وسلاح الجو، وأنظمة الدفاع الجوي، والمدرعات، وجزء هائل من البنية التحتية العسكرية مرتبطة بالتوريدات الأمريكية، والصيانة، وقطع الغيار، والبرمجيات، والتدريب. من المستحيل التخلي عن الولايات المتحدة سريعا، لكن من الممكن البدء في بناء دوائر أمنية ثانية وثالثة ورابعة.

هكذا ظهر منطق جديد: تظل أمريكا الشريك الرئيسي، لكنها لم تعد الوحيدة. يظل السلاح الأمريكي مهما، لكن لا ينبغي أن يكون احتكاريا. تظل القاعدة الأمريكية عامل ردع، لكنها لم تعد تغني عن استراتيجية بقاء وطنية.

لهذا السبب، لم يكن الميثاق الدفاعي السعودي الباكستاني، الموقع في السابع عشر من سبتمبر عام ألفين وخمسة وعشرين، مجرد قصة ثنائية خاصة، بل كان إشارة جيوسياسية. وثقت الوثيقة مبدأ أن العدوان على أحد الطرفين يعتبر عدوانا على كليهما. باكستان قوة نووية. حتى لو ظل نشر "المظلة النووية" المباشرة على السعودية موضوعا للتأويلات والغموض السياسي، فإن مجرد وجود مثل هذا الاتفاق يغير النفسية الإقليمية.

أرسلت الرياض لواشنطن رسالة واضحة تماما: نحن لا نرحل عنكم، لكننا لم نعد ننوي العيش تحت سقفكم فقط.

ترامب أراد إظهار القوة فأظهر حدود السيطرة الأمريكية

الحرب ضد إيران، التي صُممت كعرض للعزيمة الأمريكية، أنتجت أثرا عكسيا. لقد أظهرت ليس فقط قدرة الولايات المتحدة على توجيه الضربات، بل وعجزها عن إبقاء الحلفاء في حالة التبعية السابقة.

عندما لا تحذر واشنطن شركاءها، الذين تستضيف أراضيهم قواعد أمريكية، ومراكز بيانات، وعقدا لوجستية، وبنية تحتية للطاقة، فإنها تحولهم فعليا من حلفاء إلى ديكور لعمليتها الخاصة. وعندما تطالب بعد ذلك بالمال مقابل الحرب، فإنها تحول الشراكة الاستراتيجية إلى عقد تجاري بنكهة غير مستساغة.

دول الخليج ليست ساذجة. لقد لعبت لعقود في لعبة بالغة التعقيد بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا وإيران وتركيا والهند والتناقضات العربية الداخلية. لكن حتى بالنسبة لهم، كان سلوك واشنطن إشارة حادة للغاية. لقد رأوا أن السياسة الأمريكية قد لا تكون قاسية فحسب، بل غير متوقعة. وعدم التوقع بالنسبة للدول الصغيرة والمتوسطة أخطر من العداء. فمع العدو يمكن بناء خط دفاع، أما مع حليف غير متوقع، فيجب التحوط في جميع الاتجاهات في آن واحد.

أدت الأزمة في مضيق هرمز إلى تعزيز هذا الشعور. ووفقا لتقارير رويترز، أصر البنتاغون في بداية مايو ألفين وستة وعشرين على أن وقف إطلاق النار مع إيران لا يزال قائما رسميا، رغم تبادل الولايات المتحدة وإيران الضربات حول السيطرة على مضيق هرمز، وتهدف العملية الأمريكية إلى استعادة الملاحة. بالتوازي، قدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يهدد بفرض عقوبات على إيران إذا لم تتوقف عن الضغط على الملاحة في المضيق. هذه ليست الصورة المعتادة للهيمنة الأمريكية الهادئة، بل صورة لإدارة أزمة ثقيلة يبحث فيها كل مشارك عن مخرج طوارئ.

الصين تدخل الخليج بالصبر لا بحاملات الطائرات

الرابح الأكبر من التوتر الأمريكي هو الصين. فهي تعمل في المنطقة منذ فترة طويلة بشكل مختلف عن الولايات المتحدة. تأتي واشنطن بالقواعد، والعقوبات، والطائرات، والمطالب السياسية، والمحاضرات حول السلوك الصحيح. أما بكين فتأتي بالموانئ، والكابلات، والخدمات السحابية، والقروض، والمناطق الصناعية، ومشتريات النفط، والابتسامة الهادئة لدولة لا تستعجل شيئا.

لا تعرض الصين على دول الخليج استبدال الولايات المتحدة بالكامل. ليس لديها بنية تحتية عسكرية مماثلة في المنطقة، ولا خبرة في عرض القوة، ولا شبكة عالمية من القواعد. لكن بكين لا تعد بأن تصبح أمريكا الجديدة على الفور. إنها تعرض شيئا آخر: تقليل التبعية لواشنطن قطعة بقطعة.

في مجال الطاقة، أصبحت الصين بالنسبة للخليج أكثر من مجرد مشترٍ، بل سوقا رئيسية. وفي التكنولوجيا، تعرض بديلا للبنية التحتية الرقمية الأمريكية. وفي الدبلوماسية، تتحدث مع إيران دون تشنج، ومع الملكيات العربية دون إعطاء مواعظ أخلاقية. وفي التمويل، تعزز التسويات باليوان ومسارات دفع جديدة. وفي الأمن، لا تستبدل البنتاغون، لكنها تتسلل تدريجيا إلى قطاعات كانت فيها الهيمنة الأمريكية تبدو بديهية: الطائرات المسيرة، والرادارات، وأنظمة الليزر، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات، والحوسبة السحابية.

أصبحت الجبهة التكنولوجية مؤلمة بشكل خاص للولايات المتحدة. فبعد الضربات على المنشآت السحابية الأمريكية في المنطقة، لم يعد موضوع موثوقية مراكز البيانات مجردا. فقد ذكرت رويترز وقوع أضرار في منشآت تابعة لشركة أمازون في الإمارات والبحرين خلال الهجمات الإيرانية، مما تسبب في انقطاعات خطيرة في الخدمات السحابية. بالنسبة لدول الخليج التي تستثمر المليارات في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والمنصات المالية، كانت هذه إشارة مقلقة: البنية التحتية الرقمية الأمريكية قد تصبح هي الأخرى هدفا عسكريا.

تحصل الشركات الصينية، بما في ذلك هواوي، هنا على نافذة فرص. فهي لا تبيع المعدات فحسب، بل تبيع وعدا سياسيا: أنظمتنا أقل عرضة للضربات لأننا لا نحارب إيران. هذا بالطبع ليس ضمانا أمنيا، لكن في منطقة يمكن أن يصبح فيها كل مبنى هدفا بسبب علم المالك، تتحول حتى هذه المسافة النسبية إلى ميزة تنافسية.

هواوي أصبحت قطعة حمراء أمام واشنطن

لطالما أثارت قصة هواوي غضب الأمريكيين. ففي واشنطن، لا يُنظر إلى الشركة الصينية كمنافس تكنولوجي فحسب، بل كأداة محتملة للدولة الصينية. بالنسبة للولايات المتحدة، فإن وجودها في شبكات اتصالات دول الخليج يمثل خطرا يتمثل في تسريب البيانات، واختراق البنية التحتية العسكرية، والوصول إلى التكنولوجيات الحساسة، وخاصة الخطر على تشغيل أحدث أنظمة الأسلحة الأمريكية.

بهذا فُسرت المخاوف الأمريكية حول بيع طائرات إف خمسة وثلاثين للإمارات العربية المتحدة. ففي عام ألفين وواحد وعشرين، أبلغت أبو ظبي الولايات المتحدة بتعليق المفاوضات بشأن شراء الطائرات، وكان موضوع التواجد التكنولوجي الصيني أحد خلفيات هذه القصة. لاحقا، نشأت نقاشات مماثلة حول توريدات محتملة للطائرة نفسها للسعودية، حيث ارتبطت المخاوف الأمريكية أيضا بتزايد النفوذ الصيني والمخاطر على التقنيات المتقدمة.

مشكلة الولايات المتحدة تكمن في أنها غالبا ما تقدم للحلفاء خيارا بصيغة الإنذار النهائي: إما طائراتنا أو الشبكات الصينية. لكن دول الخليج لم تعد ترغب في الاختيار بمنطق الحرب الباردة. إنها تريد الطائرات الأمريكية، والشبكات الصينية، والمسيرات التركية، والصواريخ الكورية الجنوبية، والمسيرات الاعتراضية الأوكرانية. لا تريد أن تكون شركاء صغارا، بل مشترين ومستثمرين ومهندسين مستقلين لأمنها الخاص.

يمكن لواشنطن أن تنزعج قدر ما تشاء، لكن سوق الأمن في الخليج أصبح متعدد الأقطاب قبل أن يعترف السياسة العالمية نفسها نهائيا بتعدد القطبية.

تركيا تدخل حيث تركت أمريكا الفراغ

الرابح الأكبر الثاني هو تركيا. لا تملك أنقرة موارد الولايات المتحدة ولا يمكنها استبدال المظلة العسكرية الأمريكية، لكنها تملك ما تحتاجه دول الخليج اليوم بشدة: خبرة حقيقية في الإنتاج الدفاعي، مدرسة متطورة في الطائرات المسيرة، مرونة في نقل التكنولوجيا، وإرادة سياسية لتحويل عقود السلاح إلى علاقات استراتيجية.

لقد قطع قطاع الدفاع التركي في السنوات الأخيرة طريقا من الطموح الإقليمي إلى العلامة التجارية العالمية. لم يعد "بيرقدار" مجرد اسم لطائرة مسيرة، بل أصبح رمزا لقدرة قوة متوسطة على صنع سلاح يغير التوازنات في ميدان المعركة. وقد أبرمت المملكة العربية السعودية في عام ألفين وثلاثة وعشرين عقدا ضخما مع شركة "بايكار" التركية للطائرات المسيرة من طراز "أكينجي"، والذي وُصف بأنه أكبر اتفاقية تصدير دفاعي في تاريخ تركيا. وفي عام ألفين وستة وعشرين، ناقشت أنقرة والرياض تعميق التعاون الدفاعي والمشاركة المشتركة المحتملة في مشروع المقاتلة التركية "كآن".

بالنسبة لدول الخليج، يعد الاتجاه التركي قيما لعدة أسباب. أولا، تركيا لا تبيع المنتجات الجاهزة فحسب، بل تناقش برغبة توطين الصناعة والإنتاج المشترك والتدريب وتكامل الأنظمة. ثانيا، منتجاتها أرخص من الأمريكية وغالبا ما تتوفر بشكل أسرع. ثالثا، أنقرة نفسها عضو في حلف الناتو، مما يعني أن التعاون معها يصعب تصويره كتحول معاد للولايات المتحدة. إنها ليست الصين التي يمكن لواشنطن أن تهددها بالعقوبات، بل هي حليف في الحلف، وإن كان مزعجا ومستقلا ويتصرف بشكل متزايد وفق قواعده الخاصة.

تمنح تركيا الملكيات العربية بالضبط ما ينقصها في العلاقات مع الولايات المتحدة: مساحة للمناورة. فهي لا تطلب ولاء أيديولوجيا، ولا تربط كل عقد بحزمة سياسية كبرى، ولا تتصرف كحكم إمبراطوري. أنقرة تساوم بصلابة لكن ببراغماتية، وهذا تنسيق جذاب للرياض وأبو ظبي.

أوكرانيا لا تبيع للخليج سلاحا بل خبرة في البقاء

الخط الثالث غير المتوقع هو أوكرانيا. للوهلة الأولى، تبدو كييف بعيدة عن الخليج العربي، لكن الحرب تغير جغرافيا الكفاءات. أصبحت أوكرانيا دولة تواجه يوميا هجمات مكثفة من الطائرات المسيرة الروسية والإيرانية، والصواريخ الجوالة، والوسائل البالستية، وطائرات "كاميكازي" الرخيصة، والضربات المشتركة. هذه الخبرة لا يمكن شراؤها من كتاب، بل يمكن الحصول عليها فقط تحت النيران.

بالنسبة لدول الخليج، تعد الكفاءة الأوكرانية قيمة بشكل خاص في قطاع الطائرات المسيرة الاعتراضية وأنظمة مواجهة الأجهزة الشبيهة بـ"شاهد". فمدرسة المسيرات الإيرانية أصبحت منذ فترة طويلة تهديدا ليس لأوكرانيا فحسب، بل للشرق الأوسط أيضا. تستخدم روسيا منذ سنوات المسيرات الإيرانية ضد المدن الأوكرانية، بينما تتعلم إيران بدورها من الحرب الروسية، وتكيف تكتيكاتها، وتحصل على بيانات جديدة، وتوسع التبادل العسكري التقني مع موسكو وفقا لتقارير الاستخبارات الغربية.

على هذا الخلفية، تبدو الاتفاقيات الأوكرانية مع السعودية والإمارات وقطر منطقية تماما. ذكرت رويترز أن أوكرانيا أبرمت اتفاقيات دفاعية مع الإمارات وقطر تركز على مواجهة تهديدات الصواريخ والمسيرات، كما تطور روابط مماثلة مع السعودية. لاحقا، تحدث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن "صفقة مسيرات" مع السعودية وقطر والإمارات، تشمل مسيرات منخفضة التكلفة وخطوط إنتاج مشتركة.

بالنسبة لكييف، هذا يعني أموالا، وقدرات إنتاجية، واعترافا سياسيا، وأسواقا جديدة. بالنسبة لدول الخليج، هو وصول إلى خبرة قتالية لا تملكها الكثير من الجيوش الثرية في العالم. وبالنسبة لواشنطن، هي إشارة مزعجة: أوكرانيا، التي حاول الرئيس ترامب حصرها في أطر تبعية صارمة، بدأت تدير سياسة مستقلة في واحد من أكثر الاتجاهات حساسية للولايات المتحدة.

روسيا نفسها تدفع العواصم العربية نحو كييف

يعمل العامل الروسي هنا ضد موسكو. يمكن للكرملين أن يتحدث عن الصداقة مع العالم العربي، وعن تعدد القطبية، وعن الصراع ضد الهيمنة الغربية، لكن في حرب ملموسة حول إيران، تُقرأ تعاطفاته بوضوح. موسكو أقرب إلى طهران منها إلى الرياض أو أبو ظبي أو الدوحة، والنخب العربية ترى ذلك.

بالنسبة لدول الخليج، من المزعج بشكل خاص أن التقارب العسكري بين روسيا وإيران أصبح جزءا من حرب حقيقية. المسيرات الإيرانية استخدمتها روسيا ضد أوكرانيا، وفي المقابل، قد تزود روسيا إيران بالتكنولوجيا، وقدرات الاستطلاع، وخبرة الالتفاف على العقوبات، وعناصر التسلح، والغطاء السياسي. حتى لو بقيت بعض الاتهامات المحددة غير معلنة أو مثيرة للجدل، فإن التوجه العام واضح: أصبح التقارب الروسي الإيراني عامل تهديد للملكيات العربية.

هنا ينشأ تناقض. تحاول روسيا تقديم نفسها كمركز قوة بديل للدول التي سئمت من الولايات المتحدة، لكن تحالفها مع إيران يجعلها سامة لتلك الدول نفسها التي تعاني من الصواريخ والمسيرات والشبكات الوكيلة الإيرانية. وعلى العكس من ذلك، تبرز أوكرانيا كشريك طبيعي في المسار العملي: كيف تسقط، كيف تعترض، كيف تحمي المدن، وكيف تبني دفاعا متدرجا رخيصا ضد هجمات المسيرات الجماعية.

غالبا ما تخلق الحرب سمعة غير متوقعة. حصلت أوكرانيا على سمعة الدولة التي تعرف كيف تنجو تحت الضربات، وحصلت روسيا على سمعة الدولة التي تصادق من يوجهون هذه الضربات. وهذا له أهمية كبيرة في الخليج.

كوريا الجنوبية تأخذ السوق بهدوء بينما يتجادل الآخرون حول الهيمنة

لاعب آخر يربح من كسر الاحتكار الأمريكي القديم هو كوريا الجنوبية. دورها أقل ضجيجا من الدور الصيني أو التركي، لكنه ليس أقل دلالة. تقدم سيول للخليج ما يحتاجه عمليا الآن: أنظمة دفاع جوي، صواريخ، رادارات، توطين الإنتاج، وتعاونا صناعيا طويل الأمد.

لا تأتي كوريا الجنوبية إلى المنطقة بخطاب تبشيري، ولا تعد بإعادة تشكيل الشرق الأوسط. إنها تبيع أنظمة تعمل، وتبني مصانع، وتدرب الموظفين، وتنقل التكنولوجيا، وتندمج في برامج التوطين الوطنية. بالنسبة لملكيات الخليج التي لا تريد الشراء فحسب بل الإنتاج، يعد هذا جذابا للغاية.

أفادت رويترز أن كوريا الجنوبية والإمارات وقعتا مذكرة لتوسيع التعاون الدفاعي بقيمة تتجاوز خمسة وثلاثين مليار دولار، تغطي مجالات الدفاع الجوي والطيران والبحرية. سابقا، رسخت الأنظمة الكورية الجنوبية "تشيونغونغ الثاني" مكانتها في المنطقة عبر صفقات ضخمة مع الإمارات والسعودية. هذا ليس استبدالا لـ "باتريوت" أو "ثاد"، بل إضافة طبقات دفاعية جديدة. هكذا يفكر الخليج اليوم: ليس موردا واحدا بل بنية متعددة الطبقات، وليس مركزا واحدا للتبعية بل نظاما موزعا للبقاء.

يمكن للولايات المتحدة أن تسرع في الموافقة على توريدات أسلحة جديدة للحلفاء، كما حدث في مايو ألفين وستة وعشرين بحزم تتجاوز ثمانية فاصلة ستة مليار دولار للشركاء في الشرق الأوسط، لكن حتى هذه القرارات تبدو الآن ليست كاستعادة للاحتكار، بل كمحاولة للحفاظ على حصة في سوق أصبح تنافسيا.

الهند لن تشاهد بصمت

الميثاق الدفاعي السعودي الباكستاني يدخل الهند حتما في لعبة الشرق الأوسط. لا يمكن لنيودلهي أن تتقبل هدوءا في تعزيز قوة باكستان في منطقة تخرج فيها المصالح الهندية منذ زمن بعيد عن حدود شراء النفط. ملايين العمال الهنود يعيشون ويعملون في دول الخليج، والهند تعتمد على إمدادات الطاقة، وتطور ممرات لوجستية، وتبني روابط مع الإمارات والسعودية، وتنافس الصين، وتراقب بدقة أي تغير في التوازن لصالح إسلام آباد.

كان رد الفعل الهندي على الاتفاق السعودي الباكستاني متحفظا ولكنه قلق. ذكرت رويترز أن الهند صرحت بضرورة مراعاة مصالحها وحساسيتها بعد توقيع الميثاق. هذه صيغة دبلوماسية تخفي فكرة بسيطة: إذا حصلت باكستان على مكانة جديدة في أمن الخليج، فستبحث الهند عن آليات تعويض خاصة بها.

بالنسبة للملكيات العربية، يفتح هذا فرصا إضافية. يمكنهم الموازنة ليس فقط بين الولايات المتحدة والصين، بل وبين الهند وباكستان، وتركيا وإيران، وكوريا الجنوبية وأوروبا. كان النظام القديم أحادي القطب مريحا ببساطته، لكن التعقيد الجديد يمنح مساحة للمناورة. السؤال الوحيد هو ما إذا كانت دول الخليج تمتلك البراعة السياسية الكافية لعدم تحويل تعدد المسارات إلى فوضى.

إسرائيل تصبح ضرورة حتى لمن ليس مستعدا للاعتراف بذلك

هناك لاعب آخر سيتم الحديث عنه بحذر في العواصم العربية، ولكن سيتم التفكير فيه بشكل متزايد، وهو إسرائيل. أنظمة دفاعها الجوي، ومنصات الاستطلاع، والقدرات السيبرانية، وتكنولوجيا تحليل البيانات، وخبرة صد الهجمات الإيرانية تصبح أصلا عمليا لدول الخليج.

مفارقة المنطقة تكمن في أن إسرائيل تظل سياسيا موضوعا ساما للغاية لجزء كبير من المجتمع العربي، خاصة على خلفية الحرب في غزة. لكن من منظور أمني، تعد إسرائيل واحدة من الدول القليلة التي بنت لعقود ذلك النموذج الدفاعي الذي يحتاجه الخليج اليوم: دفاع جوي متدرج، معالجة سريعة لبيانات الاستخبارات، حماية المدن والبنية التحتية، تكامل الوسائل السيبرانية والحركية، والاستعداد الدائم لضربات من إيران وحلفائها.

لقد اعترفت الإمارات والبحرين بالفعل بإسرائيل ضمن اتفاقيات إبراهيم. تظل المملكة العربية السعودية رسميا خارج إطار التطبيع، وتربطه بالقضية الفلسطينية، لكن الأمن غالبا ما يتحرك أسرع من الدبلوماسية الرسمية. كلما هددت الضربات الإيرانية البنية التحتية في الخليج، زاد الاهتمام بالتكنولوجيا الإسرائيلية، حتى في الأماكن التي سيُنكر فيها ذلك سياسيا حتى اللحظة الأخيرة.

هذه ضربة أخرى للنموذج الأمريكي القديم. أرادت الولايات المتحدة أن تكون الوسيط الرئيسي والضامن الرئيسي والمهندس الرئيسي للتكامل الإقليمي، لكن إذا بدأت دول الخليج في بناء علاقات عملية مع إسرائيل وتركيا والصين وكوريا الجنوبية وأوكرانيا وباكستان في آن واحد، فلن يعود دور واشنطن دور المايسترو، بل سيصبح واحدا من أدوار كثيرة.

النفط لم يعد يشتري حماية مطلقة

الدرس الرئيسي للأزمة الحالية غير سار لجميع المشاركين. فالنفط لا يزال مهما، ومضيق هرمز لا يزال حرجا، والدولار لا يزال قويا، والأسطول الأمريكي لا يزال لا غنى عنه. لكن النفط لم يعد يشتري حماية مطلقة.

في القرن العشرين، كان بإمكان المملكة العربية السعودية وجيرانها الاعتقاد بأن دورهم الطاقي يجعل أمنهم تلقائيا مصلحة حيوية للولايات المتحدة. أما في القرن الحادي والعشرين، فلم يعد الأمر بهذا الوضوح. لقد أصبحت أمريكا أكبر منتج للنفط والغاز، ومجتمعها سئم الحروب الشرق أوسطية، وسياستها أصبحت أكثر حدة وأنانيّة ونفعيّة. وبات قادتها يتساءلون بشكل متزايد ليس "كيف نحافظ على النظام؟" بل "كم يكلف هذا ومن سيدفع الثمن؟".

لم يخترع الرئيس الأمريكي ترامب هذا التحول، لكنه وصل به إلى أقصى درجات الصراحة. لقد قال بصوت عال ما كان يختمر في السياسة الأمريكية منذ فترة طويلة: يجب على الحلفاء أن يدفعوا، والأمن يجب أن يكون مربحا، والقوة الأمريكية ليست خدمة مجانية. كان هذا صدمة لأوروبا بعد بدء الحرب الأوكرانية، وللخليج بعد الضربات على إيران والأزمة في هرمز.

لكن الملكيات الثرية تملك ميزة: المال، والطاقة، والبنية التحتية، والرغبة في البقاء. لن ينتظروا حتى تغير واشنطن رأيها مرة أخرى؛ بل سيشترون أنظمة جديدة، ويبنون تحالفات جديدة، ويطورون مجمعهم الصناعي العسكري الخاص، ويجذبون المهندسين، وينشئون إنتاجا مشتركا، ويساومون الصين، ويستثمرون في تركيا، ويتحدثون مع باكستان، ويفتحون الأبواب لأوكرانيا، ويسرعون الصفقات مع كوريا الجنوبية، مع إبقاء خط الهاتف مع الولايات المتحدة مفتوحا.

هذا ليس تحولا معاديا لأمريكا، بل هو تأمين لما بعد أمريكا.

الهيمنة الأمريكية لم تنهَر لكنها تخضع لاختبار القوة

لا ينبغي الانغماس في دراما جميلة لكنها خاطئة: الولايات المتحدة لا ترحل عن الشرق الأوسط. قواعدها باقية، وأسطولها باق، وسلاحها باق. وتظل استخباراتها، وماليتها، وعقوباتها، ودبلوماسيتها، ونظام الدولار، وقوتها التكنولوجية أدوات نفوذ هائلة. لا الصين ولا تركيا ولا أوكرانيا ولا كوريا الجنوبية ولا باكستان قادرة بمفردها على استبدال الولايات المتحدة في الخليج العربي.

لكنهم ليسوا بحاجة لاستبدال الولايات المتحدة بالكامل؛ يكفي قضم أجزاء منها.

تأخذ الصين التكنولوجيا والطاقة والتسويات والقناة الدبلوماسية مع إيران. وتأخذ تركيا الطائرات المسيرة والتوطين والصناعة الدفاعية المرنة. وتأخذ أوكرانيا مكانة الخبرة القتالية ضد المسيرات الإيرانية. وتأخذ كوريا الجنوبية الدفاع الجوي والتعاون الصناعي. وتأخذ باكستان الردع الاستراتيجي. وستقاتل الهند من أجل توازنها الخاص. وستصبح إسرائيل شريكا تكنولوجيا أمنيا، سواء كان ذلك علنا أو خفية.

في المحصلة، هذا لا يدمر الهيمنة الأمريكية، لكنه يحولها من احتكار إلى واحد من محاور نظام معقد. وبالنسبة للإمبراطورية، فإن فقدان الاحتكار غالبا ما يكون أكثر إيلاما من فقدان الأرض.

ترامب فتح بابا يصعب إغلاقه الآن

ربما أراد الرئيس الأمريكي ترامب إظهار أن أمريكا عادت إلى سياسة القوة، لكن القوة بلا ثقة لا تولد الخضوع بل الخوف. والخوف لدى الدول الغنية والخبييرة والبراغماتية لا يولد الاستسلام بل التنويع.

لن تثور دول الخليج ضد الولايات المتحدة، فهم يدركون ثمن هذه الخطوة جيدا. لكنهم لن يتصرفوا بعد الآن وكأن الحماية الأمريكية هي الأكسجين الوحيد؛ لقد بدؤوا يتنفسون عبر أنابيب متعددة في آن واحد: أحدها يؤدي إلى واشنطن، والآخر إلى بكين، والثالث إلى أنقرة، والرابع إلى إسلام آباد، والخامس إلى سيول، والسادس إلى كييف، وربما سابع -بشكل غير رسمي- إلى تل أبيب.

هنا تكمن النتيجة الرئيسية للحرب ضد إيران. فهي لم تدمر المنشآت وتغير مسارات الناقلات وتخيف الأسواق فحسب، بل غيرت العادة السياسية للمنطقة. والعادات في الجيوسياسة تموت ببطء، لكنها إذا ماتت، فإنها لا تُبعث أبدا بشكلها القديم.

ستبقى الولايات المتحدة في الخليج، لكن الخليج لن يعود خليجا أمريكيا كما كان. إنه يتحول إلى سوق للضمانات المتنافسة، ومختبر للأمن متعدد الطبقات، وساحة لا يزال فيها المالك القديم قويا، لكنه بات مضطرا للالتفات نحو اللاعبين الجدد.

وربما هذا أكثر ما يزعج واشنطن: ليس أنه يتم إزاحتها -فهي لم تُزح بعد- بل ببساطة أنه لم يعد يُنظر إليها على أنها لا غنى عنها.