...

باعت إسرائيل للعالم طويلاً صورة الدولة التي يتعايش فيها الاستنفار العسكري مع المنافسة البرلمانية، والأمن الصارم مع الصحافة الحيوية، والصدمة الوطنية مع السجال العلني. كان هذا النموذج عنصراً حيوياً في شرعيتها الدولية. لكن الحرب في غزة، والمواجهة مع إيران، والضغط على القنوات التلفزيونية المحلية، ومنع الصحفيين الأجانب من الوصول المستقل إلى مناطق القتال، كشفت عن واقع آخر: الدولة تحارب بشكل متزايد ليس الأعداء فحسب، بل وأيضاً مجرد إمكانية وجود شهادة مستقلة.

تشير الوقائع الأصلية إلى تحول جوهري: ففي ظل الحرب، تضيق السلطات الإسرائيلية مجال الصحافة على عدة مستويات في آن واحد، بدءاً من الرقابة العسكرية والقيود على نشر بيانات الهجمات الصاروخية، وصولاً إلى الهجوم التشريعي على هيئات البث، ومقاطعة صحيفة هآرتس، وتهديد هيئة البث العامة "كان"، ومحاولة إغلاق إذاعة الجيش "جالاتز".

في آخر مؤشر لحرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود، احتلت إسرائيل المرتبة 116 من بين 180 دولة. بالنسبة لبلد ظل لعقود يدعي مكانة الديمقراطية الكاملة الوحيدة في الشرق الأوسط، فإن هذا ليس مجرد سطر مزعج في تصنيف دولي، بل هو تشخيص لنظام أصبحت فيه الحرب نظاماً دائماً لإدارة المعلومات وليس استثناءً مؤقتاً. وتربط منظمة مراسلون بلا حدود بشكل مباشر تدهور المؤشر القانوني في عدة دول، بما فيها إسرائيل، بتجريم الصحافة، واستخدام قوانين الطوارئ، وتآكل الضمانات القانونية للصحافة.

دولة تخشى المراسل أكثر من الصاروخ

إن لب الأزمة الحالية ليس في فرض إسرائيل قيوداً أثناء الحرب، فكل دولة في ظروف الهجمات الصاروخية وعمليات الأجهزة الأمنية والتهديدات الإرهابية العالية تحاول السيطرة على المعلومات التي قد تكشف عن المواقع العسكرية أو مسارات الإخلاء أو الثغرات الدفاعية. لكن السؤال يكمن في مكان آخر: أين ينتهي السر العسكري المشروع وتبدأ التصفية السياسية للفضاء العام؟

في الحالة الإسرائيلية، تصبح هذه الحدود غامضة بشكل متزايد. عندما يُمنع الصحفي من نشر الموقع الدقيق لسقوط صاروخ، يمكن تفسير ذلك بالأمن. ولكن عندما يُمنع من إظهار الحجم الحقيقي للضرر، يصبح الأمر متعلقاً بحق الجمهور في المعرفة. وعندما تُجبر هيئات التحرير على تنسيق المواد المتعلقة بالتبعات العسكرية، ثم تُحرم حتى من الإشارة إلى أن النص قد مر عبر الرقابة، يجد المجتمع نفسه في وضع المشاهد الذي لا تُعرض عليه الحرب، بل نسخة محررة منها رسمياً.

وفقاً لمجلة +972، حظر الرقيب العسكري الإسرائيلي تماماً في عام 2024 نشر 1635 مادة، وعدل جزئياً 6265 مادة أخرى. وهذا يعني نحو 21 تدخلاً في عمل وسائل الإعلام يومياً، وهو أكثر من ضعف الذروة السابقة المسجلة خلال عملية غزة عام 2014. في المجمل، قدمت هيئات التحرير 20770 مادة للفحص، وتدخل الرقيب في 38 بالمائة من الحالات.

هذه الأرقام ليست مهمة في حد ذاتها فقط، بل تظهر التطبيع المؤسسي للرقابة غير المرئية. يرى الجمهور الصحيفة أو الموقع أو التقرير التلفزيوني، لكنه لا يرى آثار المشرط. لا يعرف القارئ ما الذي حُذف، ولا يدرك المشاهد الحقائق التي اختفت قبل البث. ويحصل المراقب الدولي على صورة تبدو فيها الرواية الرسمية وكأنها الواقع الوحيد المتاح، وليس مجرد رواية من الروايات.

غزة كأرض بلا شاهد خارجي

المنطقة الأكثر صعوبة في هذه الحرب المعلوماتية هي غزة. فمنذ أكتوبر 2023، لا يملك الصحفيون الأجانب إمكانية الدخول المستقل إلى القطاع والعمل هناك دون مرافقة الهياكل العسكرية الإسرائيلية. هذه ليست صعوبة تقنية، ولا خللاً مؤقتاً، ولا مسألة اعتماد، بل هو حظر طويل الأمد منح فعلياً احتكار الشهادة الميدانية للصحفيين الفلسطينيين المحليين الذين يعملون تحت القصف والجوع وفقدان المنازل والعائلات.

في أبريل 2026، قدمت منظمات مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين ورابطة الصحافة الأجنبية واتحاد الصحفيين في إسرائيل التماساً عاجلاً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، مطالبة بتسريع النظر في قضية حظر دخول الصحفيين الأجانب المستقلين إلى غزة. وذكرت مراسلون بلا حدود أنه منذ تقديم الالتماس الأول في ديسمبر 2023، منح القضاة الحكومة عدة تأجيلات، وتم تمديد الموعد النهائي إلى 24 مايو 2026.

المفارقة قاسية: فبقدر ما تقول إسرائيل إن أفعالها تتفق مع القانون الدولي، بقدر ما تمنع المراقبين المستقلين من الوصول إلى المكان الذي يجب فيه التحقق من هذا القانون عبر الحقائق. وكلما طال أمد الحظر، زادت الشكوك في أن المشكلة الرئيسية ليست في سلامة الصحفيين، بل في الثمن السياسي لتقاريرهم.

أفادت وكالة أسوشيتد برس في نهاية أبريل 2026 أن رؤساء أكثر من عشرين منظمة إعلامية دولية كبرى، بما في ذلك بي بي سي وسي إن إن ورويترز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست، دعوا إسرائيل إلى رفع الحظر عن الدخول المستقل للصحفيين الأجانب إلى غزة. وتضمن بيان المحررين سؤالاً مباشراً: إذا كانت هناك آلية، وإن كانت صارمة، لدخول عمال الإغاثة الإنسانية، فلماذا لا توجد آلية للصحفيين؟ لا يوجد حتى الآن رد مقنع للمجتمع المهني، وغيابه أصبح حقيقة سياسية قائمة بذاتها.

235 قتيلاً من العاملين في الإعلام والجدال لم يعد حول السمعة

أصبحت أرقام القتلى من الصحفيين والعاملين في الإعلام واحدة من أكثر صفحات الحرب تدميراً. يجب توخي الدقة هنا: تستخدم المنظمات المختلفة منهجيات ومعايير فحص وفئات مختلفة، لكن التقييمات الحذرة ترسم صورة كارثية.

أفاد الاتحاد الدولي للصحفيين ونقابة الصحفيين الفلسطينيين أنه اعتباراً من 9 أبريل 2026، قُتل ما لا يقل عن 235 صحفياً وعاملاً في الإعلام الفلسطيني في غزة. وطالب الاتحاد الدولي للصحفيين بالتحقيق في هذه الوفيات وأكد أنه يتحقق من البيانات في الوقت الفعلي.

وصفت لجنة حماية الصحفيين في أبريل 2026 الوضع بأنه الفترة الأكثر دموية للصحفيين في تاريخ ملاحظاتها، فوفقاً لبياناتها، قُتل ما لا يقل عن 207 صحفيين وعاملين فلسطينيين في غزة، كما تم استهداف 32 شخصاً على الأقل عمداً فيما يتعلق بنشاطهم المهني. وأشارت اللجنة أيضاً إلى ممارسة وصم الصحفيين بلقب "إرهابي" دون أدلة كافية، واستخدام ضربات الطائرات بدون طيار في حالات قد تشير إلى الطبيعة المركزة للهجمات.

ذكرت رويترز، نقلاً عن تقرير لجنة حماية الصحفيين لعام 2025، أن 129 صحفياً وعاملاً في الإعلام قُتلوا في العالم خلال عام، وهو رقم قياسي منذ بدء توثيق المنظمة. ووفقاً للجنة، فإن 86 من هذه الوفيات كانت مرتبطة بأفعال إسرائيل، معظمها في غزة، بينما نفت إسرائيل الاستهداف المتعمد للصحفيين.

لم يعد هذا سجالاً حول ما إذا كان الخط التحريري للجزيرة أو هآرتس أو +972 أو المراسلين الفلسطينيين يعجب أحداً أم لا. إنها مسألة تتعلق بما إذا كان من الممكن خوض حرب حديثة مع الإبادة الجماعية للأشخاص الذين من المفترض أن يوثقوها. إذا اختفت الصحافة من ساحة المعركة، فلن يبقى سوى البيان الصحفي.

قانون كارحي: الرقابة تحت ستار إصلاح السوق

الجبهة الداخلية ليست أقل دلالة. أصبح وزير الاتصالات شلومو كارحي المهندس الرئيسي لمسار إعادة صياغة المشهد الإعلامي الإسرائيلي. رسمياً، يتعلق الأمر بإصلاح سوق السمعي والبصري والمنافسة وتحديث التنظيم وإزالة الهياكل القديمة. أما في الواقع السياسي، فالأمر يتعلق بتركيز أدوات التأثير في يد الحكومة.

مر مشروع قانون كارحي بالقراءة الأولى في الكنيست ليلة 3 نوفمبر 2025. وتلاحظ مراسلون بلا حدود أنه يتضمن إنشاء هيئة تنظيمية جديدة في مجال البث، يُعين جزء كبير من أعضائها من قبل وزير الاتصالات. عارضت المدعية العامة غالي باهراف ميارا المشروع، وقُدمت التماسات ضده إلى المحكمة العليا، بما في ذلك من نقابة الصحفيين الإسرائيليين ومنظمة "هاتسلاخا".

كتبت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في أبريل 2026 أن مشروع القانون من شأنه أن يمنح الحكومة سيطرة كبيرة على وسائل الإعلام الإذاعية والمواقع الإخبارية وغيرها من الوسائل عبر مجلس تنظيمي جديد يتم اختيار معظم أعضائه من قبل الوزير، وستمتلك هذه الهيئة صلاحيات تشمل إمكانية فرض غرامات باهظة.

من المهم فهم الميكانيكا السياسية هنا. نادراً ما تأتي الرقابة الحديثة في صورة شخص يرتدي زياً عسكرياً ويشطب فقرة بقلم أحمر. إنها تأتي تحت مسمى "إصلاح الهيئة التنظيمية" أو "محاربة الاحتكارات" أو "حماية الأمن القومي" أو "موازنة السوق". ولكن إذا كان المنظم يُعين من قبل سياسي، ويتحكم في التراخيص والغرامات وقواعد اللعبة، فإن الصحافة تبدأ في التفكير في البقاء وليس في الحقائق فقط.

هكذا تولد بيئة منضبطة وليست رقابة مباشرة. لم يعد المحرر ينتظر اتصالاً من الوزارة، بل يدرك مسبقاً أين يمر الخط الأحمر الخطير. السلطة ليست ملزمة حتى بالضغط على الزر كل يوم، يكفي بناء آلية يكون فيها الزر مرئياً دائماً.

هآرتس: المقاطعة الاقتصادية كشكل من أشكال العقاب

أصبح الضغط على "هآرتس" لحظة رمزية؛ فهذه الصحيفة التي تتبنى منذ أمد بعيد مواقف ليبرالية يسارية وتنتقد سياسات الحكومة بحدة، باتت هدفاً لمقاطعة رسمية. وفي نوفمبر 2024، وافقت الحكومة الإسرائيلية على مقترح "شلومو كارحي" الذي يقضي بوجوب قطع الهياكل والمنظمات الحكومية الممولة من الميزانية علاقاتها مع "هآرتس"، بما في ذلك الاشتراكات ونشر الإعلانات.

هذا التفصيل مهم للغاية؛ فالسلطة هنا لا تكتفي بمساجلة هيئة التحرير أو الرد على المقالات أو رفع دعاوى قضائية في حال وجود تشهير، بل تستخدم الموارد الاقتصادية للدولة لمعاقبة وسيلة إعلامية ناقدة. بالنسبة لأي ديمقراطية، يعد هذا سابقة خطيرة: دافع الضرائب يمول الدولة، والدولة تستخدم هذه الأموال للضغط على إحدى منصات الرقابة العامة.

غالباً ما يبدو الخنق الاقتصادي للصحافة أقل فجاجة من إغلاق المكاتب؛ فلا توجد شرطة عند الأبواب، ولا مصادرة للخوادم، ولا اعتقالات ليلية. لكن الأثر قد يكون مدمراً بنفس القدر؛ إذ تفقد الصحيفة إيراداتها، وتتلقى غرف التحرير الأخرى الرسالة، ويصبح المعلنون أكثر حذراً، ويدرك المسؤولون أن الولاء بات شرطاً للوجود الطبيعي.

بهذا المعنى، ليست مقاطعة "هآرتس" مجرد صراع خاص بين حكومة يمينية وصحيفة يسارية، بل هي اختبار: هل يمكن لدولة تسمي نفسها ديمقراطية أن تستخدم نظام الميزانية كهراوة ضد الصحافة غير المريحة؟

"كان" و"جالاتز": الهجوم على البث العام

العقدة الرئيسية الثانية هي البث العام. فقد وجدت هيئة "كان" وإذاعة الجيش المعروفة باسم "جالاتز" نفسيهما في قلب الضغط السياسي. البث العام يشكل خطراً على السلطة تحديداً لأنه لا يخضع بالكامل لمنطق السوق وليس ملزماً بإثبات الولاء للسيد السياسي يومياً. لذلك، فإن الحكومات التي تميل إلى مركزية السلطة تبدأ دائماً باتجاهين: القضاء والإعلام العام.

أفادت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن مشروع القانون المتعلق بـ "كان" قد ينهي الاستقلال المالي للمؤسسة، ويمنح الوزراء القدرة على تحديد وتقليص ميزانية الهيئة التي تنشر بانتظام مواد ناقدة للسلطة. حالياً، يتم حماية تمويل "كان" بموجب قانون البث العام، بما في ذلك الحواجز بين الحكومة والاستقلال التحريري.

أما مع "جالاتز"، فقد أصبح الوضع أكثر حدة؛ ففي ديسمبر 2025، وافق مجلس الوزراء على مقترح وزير الدفاع "إسرائيل كاتس" بإغلاق إذاعة الجيش بحلول 1 مارس 2026. كانت الحجة الرسمية هي أن البرامج السياسية والاجتماعية للمحطة تخلق مشكلة جوهرية للجيش وتضر بوحدة "تساحال". وفي فبراير 2026، جمدت المحكمة العليا قرار الإغلاق وطالبت الحكومة بتبرير موقفها.

كما ذكرت وكالة "رويترز" أن حكومة نتنياهو وافقت على إغلاق إذاعة الجيش، بينما رأى النقاد في ذلك تهديداً لحرية التعبير والمعايير الديمقراطية. الدولة التي تحارب على عدة جبهات قد تطالب الجيش بالانضباط، لكن إذاعة الجيش ببرامجها السياسية والاجتماعية كانت في إسرائيل أكثر من مجرد بقايا مؤسساتية؛ لقد كانت جزءاً من توازن إسرائيلي غريب ولكنه مهم: الجيش في قلب المجتمع، ولكن للمجتمع الحق في السجال حول الجيش. إغلاق مثل هذه المنصة تحت شعار "الوحدة" يعني تضييق ثقافة السجال نفسها.

"الجزيرة" والسابقة الخطيرة لـ "البث المعادي"

كانت قصة "الجزيرة" أول مثال صارخ على كيفية تحول تشريعات الطوارئ ضد وسيلة إعلام أجنبية إلى أداة دائمة. ففي مايو 2024، قررت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع إغلاق المكاتب المحلية للقناة القطرية، وصرح وزير الاتصالات "كارحي" أن السلطة "أخيراً" يمكنها إيقاف "آلة التحريض" التي تضر بأمن البلاد على حد قوله. وكتبت وكالة "أسوشيتد برس" أن الحظر فرض لمدة 45 يوماً على الأقل وكان قابلاً للتجديد.

بحلول يناير 2026، أفادت لجنة حماية الصحفيين أن الحكومة الإسرائيلية وافقت على تمديد آخر لمدة 90 يوماً لحظر "الجزيرة" و"الميادين". وذكرت المنظمة أن قانون 2024 يسمح لرئيس الوزراء ووزير الاتصالات بإغلاق المكاتب، وحجب المواقع، ومصادرة المعدات، أو وقف بث وسائل الإعلام الأجنبية التي تعتبر تهديداً أمنياً، وفي ديسمبر 2025، مدد الكنيست هذه الآلية لمدة عامين إضافيين.

المشكلة ليست في كون "الجزيرة" طرفاً محايداً في الحقل المعلوماتي؛ فللقناة رؤيتها السياسية وصلاتها الإقليمية وخطها التحريري. المشكلة تكمن في مكان آخر: عندما تخلق الدولة آلية واسعة لإغلاق وسائل الإعلام الأجنبية بناءً على معيار "التهديد الأمني"، فإنها تفتح الباب للتطبيق التعسفي. اليوم هي "الجزيرة"، وغداً قد يكون أي مراسل أجنبي يفسد عمله الصورة الدبلوماسية.

العامل الإيراني: عندما يمنع إظهار مكان سقوط الصاروخ

أصبحت القيود المفروضة على تغطية الضربات داخل الأراضي الإسرائيلية أثناء النزاع مع إيران عرضاً منفصلاً. وبررت السلطات الإسرائيلية الحظر بأن نشر المواقع الدقيقة للسقوط يساعد العدو في تقييم فعالية الضربات وتعديل الهجمات اللاحقة. هذا حجة عسكرية عقلانية، لكنها لا تلغي السؤال حول النطاق.

وفي يونيو 2025، أعربت لجنة حماية الصحفيين عن قلقها إزاء مطالبة وسائل الإعلام الدولية بالحصول على إذن مسبق من الرقيب العسكري قبل البث من مناطق القتال أو مواقع سقوط الصواريخ داخل إسرائيل.

عندما يتعرض السكان المدنيون للضربات، يحق للمجتمع أن يعرف ماذا حدث: أي المناطق تضررت، وما مدى فعالية نظام الدفاع الجوي، وكيف تعمل أجهزة الإنقاذ، وأي المنشآت كانت عرضة للخطر. إن الإخفاء الكامل للأضرار يجعل المواطنين ليسوا مشاركين في الرقابة الديمقراطية، بل متلقين لخطاب التعبئة؛ إذ تُعرض عليهم الصمود ولا يُعرض عليهم الثمن، ويُحدثون عن النصر ولا يُمنحون فرصة التحقق من وقائعه.

هكذا يولد عدم توازن خطير؛ فالضربات على غزة أو لبنان أو اليمن أو إيران توصف بأنها نجاحات عسكرية، بينما الضربات على إسرائيل تُعتبر معلومات تتطلب تقنيناً. يرى المشاهد الداخلي نسخة منقحة ومريحة أخلاقياً للحرب، وليس الحرب كاملة.

الرقابة الذاتية: الحليف الأكثر صمتاً للدولة

الرقابة الرسمية هي نصف الصورة فقط، والنصف الآخر هو الرقابة الذاتية، خاصة في المجتمعات التي تُعتبر فيها الحرب قضية بقاء وطني. الصحافة الإسرائيلية تجيد القسوة تجاه الفساد، والدسائس الحزبية، والإصلاح القضائي، والضغط الديني، والسلوك الشخصي للسياسيين. لكن في قضايا الجيش، والضحايا الفلسطينيين، والتبعات الإنسانية للعمليات، فإنها غالباً ما تعمل بحذر أكبر بكثير.

السبب ليس فقط الضغط الحكومي، بل هناك عطالة ثقافية؛ فالعديد من الصحفيين خدموا في الجيش، وأبناؤهم يخدمون فيه، وجمهورهم يعيش في حالة قلق دائم. في مثل هذه البيئة، يُنظر إلى انتقاد العمليات العسكرية بسهولة كتقويض للروح المعنوية. وتبدأ غرف التحرير بسؤال نفسها ليس "ماذا حدث؟"، بل "هل سيضر النشر بأبنائنا؟".

هذا لا يجعل الصحفيين جبناء، بل يظهر مدى صعوبة الحفاظ على مسافة مهنية في مجتمع معسكر. ولكن لهذا السبب تحديداً تكتسب آليات التحقق المستقلة، والوصول الأجنبي، وهيئات التحرير الدولية، والمنظمات الحقوقية أهمية قصوى. حيثما يكون الصحفي المحلي مقيداً بالصدمة والولاء والخوف، يصبح الشاهد الخارجي جزءاً من المناعة العامة.

أما إذا تم حظر الشاهد الخارجي، وتقييد المراسل الداخلي بالرقيب والضغط المجتمعي، فإن المنظومة المعلوماتية تنغلق على نفسها. فيها يمكن الجدال حول نتنياهو، ولكن يصعب الجدال حول منطق الحرب؛ يمكن انتقاد الوزير، ولكن لا يمكن رؤية الميدان الذي تتحول فيه قرارات الوزير إلى خسائر بشرية بالكامل.

نتنياهو وسياسة التنويع الصحيح

لطالما كان بنيامين نتنياهو في صراع مع جزء كبير من المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية. فهو يتهم وسائل الإعلام الكبرى بالانحياز والمطاردة السياسية ومحاولة تدمير قيادته. ويتحدث حلفاؤه عن ضرورة تنويع سوق الإعلام، أي تعزيز المنصات اليمينية والقومية والأكثر ولاء.

إن أطروحة التعددية في حد ذاتها ليست جريمة. ففي أي مجتمع، يجب أن تمثل وسائل الإعلام أصواتاً سياسية مختلفة. تبدأ المشكلة عندما لا يعني التنويع توسيع الحرية، بل إعادة توزيع السلطة لصالح الموالين. عندما تتعرض القنوات الناقدة لغرامات وتهديدات في الميزانية ومخاطر تنظيمية، بينما تحصل المنصات القريبة من الحكومة على رعاية سياسية، فهذه ليست تعددية، بل هي منافسة موجهة.

في هذا النظام، تصبح القناة 14 ليست مجرد قناة تلفزيونية يمينية، بل نموذجاً للإعلام المنشود: وطني، تعبوي، محترم للسلطة، قاسم على المعارضة، ومستعد دائماً تقريباً لإدراج انتقاد الحكومة في خانة مساعدة العدو. بالنسبة لنتنياهو، هذا أمر مريح، أما بالنسبة للديمقراطية، فهو مدمر.

لماذا يعد هذا مهماً للدبلوماسية والمستثمرين والأمن

للوهلة الأولى، قد يبدو موضوع حرية الصحافة نزاعاً إسرائيلياً داخلياً. لكنه بالنسبة لسوق الخبراء العالمي له أهمية مباشرة.

بالنسبة للدبلوماسية، تعد حرية الصحافة مؤشراً على موثوقية المعلومات. إذا لم يتمكن الصحفيون الأجانب من دخول غزة، وكانت وسائل الإعلام الداخلية تعمل تحت نظام رقابة صارم، فإن العواصم الدبلوماسية تتلقى البيانات عبر فلتر الجيش والمخابرات والمنظمات الإنسانية وأطراف النزاع. وبذلك يصبح خطأ التقييم أكثر احتمالاً.

بالنسبة للمستثمرين، يعد الضغط على وسائل الإعلام جزءاً من خطر سياسي أوسع. فالأسواق لا تحب عدم اليقين المؤسسي. إذا كانت الحكومة في صراع مع المحاكم والمدعي العام والبث العام والصحف المستقلة والصحفيين الدوليين، فهذا يشير إلى زيادة الاضطراب الإداري. وفي ظروف الحرب وضغط الميزانية والنزاع الإقليمي، يتحول هذا الخطر بسرعة إلى عامل اقتصادي.

بالنسبة لقطاع الأمن، تخلق الرقابة صورة زائفة عن الاستقرار. إذا كان المواطنون لا يعرفون الحجم الحقيقي للضرر، وإذا كان البرلمان والمجتمع يتلقيان معلومات غير كاملة، وإذا كانت الصحافة لا تستطيع التحقق من البيانات العسكرية، فقد يغفل النظام عن نقاط ضعفه. الانغلاق لا يعزز الدفاع دائماً، بل أحياناً يحمي الأخطاء من التصحيح في الوقت المناسب.

بالنسبة للجامعات ومراكز التحليل والمنظمات الدولية، تصبح الحالة الإسرائيلية مختبراً للديمقراطية العسكرية في حالة الإجهاد. فهي تظهر كيف يمكن حتى لنظام مؤسسي متطور أن يتحرك بسرعة نحو تقييد حرية التعبير، إذا أصبحت الحرب مبرراً شاملاً.

السؤال الرئيسي: أمن مؤقت أم نموذج جديد للسلطة؟

لا تقف إسرائيل اليوم أمام خيار تقني بشأن قواعد الاعتماد، بل تقف أمام خيار سياسي: هل ستظل الرقابة العسكرية أداة استثنائية لحماية أسرار محددة، أم ستتحول إلى بنية دائمة لإدارة الوعي العام.

حتى الآن، تبدو الديناميكية مثيرة للقلق. تصنيف مراسلون بلا حدود يتراجع، والصحفيون الأجانب لا يملكون وصولاً مستقلاً إلى غزة، ومئات العاملين الفلسطينيين في الإعلام قتلوا. المبادرات التشريعية تعزز سيطرة الحكومة على البث، وصحيفة هآرتس تتعرض لمقاطعة من الدولة، وقناة كان تخاطر بفقدان استقلاليتها المالية، وإذاعة جالاتز تعرضت لمحاولة إغلاق، والجزيرة والميادين تظلان تحت آليات الحظر. الرقيب العسكري يتدخل في عمل هيئات التحرير بكثافة غير مسبوقة.

لا يمكن عزو كل هذا إلى قانون واحد أو وزير واحد أو صراع واحد. هذا أصبح نظاماً.

دائماً ما تختبر الحرب قوة الديمقراطية. لكن الاختبار الحقيقي ليس في قدرة الدولة على هزيمة العدو، بل في قدرتها على ألا تتحول إلى مرآة لخوفها. اعتادت إسرائيل أن تشرح للعالم أن أمنها يتطلب قواعد خاصة. ولكن كلما التهمت هذه القواعد حرية المعلومات، صعب فصل الأمن عن السيطرة السياسية.

لهذا السبب، فإن أزمة الصحافة الإسرائيلية ليست موضوعاً هامشياً للمتخصصين في الإعلام. إنها قصة مركزية حول مستقبل دولة تريد أن تكون في آن واحد قلعة عسكرية، وقوة تكنولوجية، وحليفاً غربياً، وقوة إقليمية، وديمقراطية. لا يمكن الجمع بين كل ذلك إلا بشرط واحد: يجب أن يرى المجتمع ليس فقط ما تسمح السلطة برؤيته.

بدون صحافة حرة، تصبح الحرب ليست مجرد عملية عسكرية، بل احتكاراً للحقيقة. واحتكار الحقيقة في أي دولة، حتى تلك المحاطة بالأعداء والتي تعيش في تهديد حقيقي، يبدأ عاجلاً أم آجلاً في خدمة السلطة لا الأمن