لا تمثل مالي اليوم مجرد نقطة أزمة أخرى في أفريقيا. إنها مركز لكل ما يمزق منطقة الساحل: دولة ضعيفة، جيش في السلطة، شبكات جهادية، نزعات انفصالية، اقتصاد قائم على المواد الخام، ضغوط غذائية، انفجار ديموغرافي، ضربات مناخية، لاعبون خارجيون، وإيمان محطم لدى السكان في النظام القديم. عندما ضربت الهجمات المنسقة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد في نهاية أبريل 2026 مدن باماكو وكاتي وكيدال وغاو وموبتي وسيفاري، لم يبدُ الأمر كمجرد فصل آخر من الحرب، بل كان استعراضاً لميزان قوى جديد: المتمردون والجهاديون لم يعودوا يختبئون في الصحراء فحسب، بل يختبرون صلابة الهرم السلطوي نفسه. ذكرت وكالة رويترز أن وزير الدفاع ساديو كامارا قُتل في هجوم على مقر إقامته، واضطرت القوات الروسية لمغادرة كيدال، بينما صرح الكرملين علناً بأن روسيا ستبقى في مالي وستواصل دعم السلطات في مكافحة التطرف. كان مقتل كامارا ضربة رمزية تقارب في حجمها فقدان الأراضي. لم يكن مجرد وزير، بل كان أحد مهندسي تحول مالي من فرنسا نحو روسيا، وأحد الشخصيات الرئيسية في المنظومة العسكرية، وحلقة الوصل بين باماكو والدوائر الأمنية الروسية. وأشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن كامارا لعب دوراً بارزاً في انقلابي 2020 و2021، وشارك في إخراج القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة، وكان من القادة الرئيسيين للتحالف مع موسكو. جنازته في 30 أبريل 2026، التي ظهرت كطقس رسمي لتوحيد الصف، لم تفعل في الواقع سوى إبراز حالة الارتباك التي يعيشها النظام: فإذا قُتل الرجل المسؤول عن الحرب، فهذا يعني أن الحرب قد وصلت بالفعل إلى قلب السلطة. عند تحليل الأزمة، تتقلص الحالة إلى ثلاث مفترقات طرق: إما أن يصمد العسكريون ويردوا بالقوة، أو يبقوا في السلطة بدعم روسي مع البحث عن شركاء جدد، أو يسقط النظام ليحل محله بناء جديد أكثر غموضاً. أعلن ممثل جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان عن نيتهم التحرك نحو غاو وتمبكتو، بينما أشار المحللون إلى أن نتيجة الهجوم المضاد ستحدد مدى بقاء السلطة الحالية. هذا الإطار مهم، لكن يجب توسيعه: أزمة مالي لم تبدأ في أبريل 2026، بل قام أبريل فقط بنزع الستائر عن نظام كان يتداعى منذ زمن طويل.
تاريخ الفشل: من تمرد الطوارق إلى دولة الثكنة
لم تدخل مالي الأزمة الحالية فجأة. فقد ظل شمال البلاد لعقود مساحة توجد فيها السلطة المركزية على الورق فقط. قضية الطوارق، وضعف دمج المناطق الصحراوية، وطرق التهريب، والتنافس القبلي، ونقص المدارس والطرق والمحاكم والأطباء والشرطة، كلها خلقت جغرافيا بديلة للسلطة. بالنسبة لباماكو، كان الشمال منطقة سيادة، أما بالنسبة للمجتمعات المحلية، فقد كان غالباً منطقة إهمال. في بيئة كهذه، يصبح أي لاعب مسلح يجلب المال أو السلاح أو الحماية أو الخوف فاعلاً سياسياً بسرعة. كانت أزمة عام 2012 نقطة الانهيار. فبعد سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا، انتشر آلاف المقاتلين والأسلحة والخبرات القتالية عبر مسارات الصحراء في الساحل. تسارع تمرد الطوارق في مالي بهذا التدفق، لكن سرعان ما اختطفت الجماعات الإسلامية الزخم القومي، لتحول شمال مالي من مشروع حكم ذاتي إلى منصة للتوسع الجهادي. فقدت الدولة السيطرة على المدن الرئيسية، وأظهر الجيش عجزه، وغرقت باماكو في أزمة سياسية. هكذا ولدت المنطق المستمر حتى الآن: ضعف المركز يولد التمرد، والتمرد يولد رد فعل عسكري، والرد العسكري دون تسوية سياسية يولد ضعفاً جديداً للمركز. دخلت فرنسا مالي في عام 2013 كقوة أوقفت الزحف السريع للجهاديين نحو الجنوب. لكن عملية برخان، ومن بعدها بعثة الأمم المتحدة، فشلت في تحويل النجاح العسكري إلى استقرار سياسي. تشتتت الجماعات الإرهابية، وتكيفت، وانسحبت إلى المناطق الريفية، واندمجت في النزاعات المحلية، وأصبحت حكماً وجامعاً للضرائب وقاضياً ومنفذاً للعقاب. وأشارت مجموعة الأزمات الدولية في تقاريرها حول مالي إلى أن العنف الجهادي ضد قوات الأمن في تزايد، وأن الجماعات المسلحة تستغل الصراعات المحلية وغياب الدولة لتثبيت أقدامها في البيئة الريفية. فشل النموذج الفرنسي ليس لأن باريس لم تفعل شيئاً، بل لأن العملية العسكرية كانت منفصلة عن استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. رأى الماليون القواعد الأجنبية والطائرات المسيرة والمدرعات والمؤتمرات الصحفية، لكنهم لم يروا الأمن في قراهم. في عام 2020، جاء العسكريون على هذه الموجة، وفي عام 2021 ثبتوا سلطتهم بانقلاب ثانٍ. كان الوعد بسيطاً: فشل المدنيون، وسيقوم الجيش بفرض النظام. وبعد خمس سنوات، يطرح السؤال بشكل مختلف: ماذا نفعل إذا فشل الجيش أيضاً في فرض النظام؟
العسكريون في السلطة: شرعية مبنية على الخيبة
لم يأتِ عاصيمي غويتا والدائرة المحيطة به إلى السلطة من فراغ. كانوا نتاج استياء شعبي عارم من الفساد، وضعف الحكومة، وإخفاقات الحرب، والشعور بالإهانة أمام الشركاء الخارجيين، والإحساس بأن فرنسا تملي الشروط على باماكو دون نتيجة. لذلك حظي النظام العسكري في البداية بدعم حقيقي من الشارع. تحدث بلغة السيادة والكرامة والغضب المناهض للاستعمار والنهضة الوطنية. عملت هذه اللغة لأنها استندت إلى جرح حقيقي. لكن شرعية الأنظمة العسكرية خطيرة: فهي قوية في لحظة القطيعة مع النظام القديم، وتفقد قوتها بسرعة عندما لا يوفر النظام الجديد الأمن. أجلت السلطات في مالي الانتخابات، وقيدت النشاط السياسي، وأغلقت مساحات النقد، وبنت فعلياً دولة الثكنة. وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها عن مالي لعام 2025 تزايد تقييد حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، واعتقال المعارضين والنشطاء، وعنف الجماعات المسلحة والقوات الحكومية وحلفائها، فضلاً عن إغلاق أكثر من 2036 مدرسة بسبب النزاع. تستطيع دولة الثكنة الاحتفاظ بالعواصم والوزارات والمطارات والتلفزيون، لكنها نادراً ما تنجح في استعادة الثقة. في وسط وشمال مالي، لم يعد الصراع مجرد حرب بين الجيش والجهاديين، بل تتداخل فيه النزاعات بين المزارعين والرعاة، والثارات الطائفية، والصراع على الطرق، والخوف من قوات الأمن، والخوف من المسلحين، والاتهامات بالتعاون مع العدو، والشكوك العرقية. وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 أن حالة حقوق الإنسان في مالي تدهورت في عام 2025، مع استمرار هجمات الجماعات الإسلامية والعمليات العنيفة لمكافحة التمرد من قبل القوات المالية والمقاتلين الأجانب المرتبطين بها. هذه هي المشكلة الكبرى لباماكو: قد تعلن السلطة أن السكان هم موضوع حمايتها، لكن جزءاً من السكان يراها مصدراً للخطر. في هذه البيئة، تجد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مساحة ليس فقط لممارسة العنف، بل للهندسة الاجتماعية أيضاً. يمكنها التهديد، والتقاضي، والمعاقبة، والتفاوض، وإغلاق الطرق، وتنظيم التجارة. هذا لا يمنحها شرعية أخلاقية، لكنه يجعلها فعالة في الأماكن التي اختفت فيها الدولة أو لا تأتي إليها إلا بعملية عقابية.
الحرب الجديدة: ليست هجمات فقط بل اقتصاد خنق
توقفت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين منذ زمن عن كونها مجرد هيكل متمرد تقليدي يعمل بأسلوب الهجوم والانسحاب. إنها تخوض حرباً على بنية الحياة التحتية. التحكم في الطرق، والضغط على مسارات الوقود، ومهاجمة القوافل، وضرب الحاميات، وحصار المدن، كل هذا يحول الأمن إلى اقتصاد. وصفت منظمة أكليد في ديسمبر 2025 تصاعد الحرب الاقتصادية، حيث بدأت العمليات القتالية في الساحل والمناطق الساحلية لغرب أفريقيا تندمج في صراع واحد، واستخدمت الجماعة الضغط على سلاسل النقل والتجارة كأداة للتأثير السياسي. لهذا السبب، كان حصار باماكو إشارة مثيرة للقلق. لا يشترط سقوط العاصمة حتى تصاب الدولة بالشلل. يكفي دفع قطاع الأعمال للخوف من الطرق، وإجبار صهاريج الوقود على تغيير مساراتها، والمسؤولين على تقييد الحركة، والسكان على الوقوف لساعات من أجل البنزين، وارتفاع الأسعار، وانتشار الشائعات بسرعة تفوق التصريحات الرسمية. وأفادت وكالة رويترز في 30 أبريل 2026 بأن الجماعة أعلنت عن مكاسب ميدانية كبيرة، وسيطرتها على نقاط تفتيش بالقرب من العاصمة، وهددت بحصار كامل لباماكو. أظهرت أزمة أبريل 2026 أمراً آخر: جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين قادرتان على العمل بشكل متزامن، حتى لو اختلفت أهدافهما الاستراتيجية. تمثل الجبهة الإطار الانفصالي والقومي للطوارق، بينما تعد الجماعة جزءاً من الشبكة الجهادية المرتبطة بالقاعدة. قد يكون تحالفهما تكتيكياً، ظرفياً، ومليئاً بالتناقضات الداخلية، لكن هذا لا يمثل عزاءً لباماكو. فالعدو المشترك قادر على توحيد من قد يختلفون غداً على السلطة والأيديولوجيا والحكم بالشريعة والضرائب والسيطرة على المدن. ويبقى فقدان كيدال مؤلماً بشكل خاص. كانت هذه المدينة لفترة طويلة رمزاً للحكم الذاتي في الشمال، وللضعف العسكري لباماكو، وللدولة غير المكتملة. عندما استعادت السلطات كيدال في عام 2023، صُور الأمر كحق تاريخي مسترد للدولة. وعندما سقطت كيدال مرة أخرى في عام 2026 في يد جبهة تحرير أزواد بعد انسحاب القوات المالية والروسية، كان الأثر الرمزي مدمراً. غادر الجيش المالي والعسكريون الروس الداعمون له المدينة، وأكد الفيلق الأفريقي انسحابه من كيدال، موضحاً أن ذلك جاء بقرار مشترك مع القيادة المالية.
العامل الروسي: استبدال فرنسا لم يكن بديلاً عن الدولة
يكمن الوهم الأكبر في السنوات الأخيرة في الاعتقاد بأن رحيل فرنسا ومجيء روسيا سيمنحان مالي السيادة والأمن بشكل تلقائي. لقد أصبحت السيادة بالفعل الكلمة المركزية في الخطاب السياسي لباماكو، لكن هناك مسافة شاسعة بين البلاغة السيادية والقدرة الفعلية على السيطرة على الطرق والحدود والمدارس والأسواق والحاميات العسكرية. قدمت روسيا للنظام دعماً عسكرياً، وإيماءة سياسية، ورمزية مناهضة للغرب، لكنها لم تستطع أن تكون بديلاً عن مؤسسات الدولة.
بالنسبة لموسكو، أصبحت مالي واجهة لاستراتيجيتها الأفريقية، حيث استعرضت من خلالها قدرتها على الحلول مكان فرنسا، واحترام "الخيار السيادي" للسلطات العسكرية، وبناء الأمن دون شروط غربية تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أن هجمات أبريل ضربت هذه الواجهة تحديداً. وصفت صحيفة واشنطن بوست الوضع بأنه بعد انقلابي 2020 و2021، طرد المجلس العسكري الفرنسيين واعتمد على المقاتلين الروس، لكن الأمن تدهور بشكل حاد، وأدى هجوم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى مقتل وزير الدفاع وانسحاب القوات المدعومة روسياً من مدن الشمال.
هذا لا يعني أن باماكو ستتخلى عن موسكو فوراً، بل على العكس، ففي ظل التهديد العسكري يصعب على النظام تغيير شريكه الأمني الرئيسي فجأة. وقد نقلت وكالة رويترز بياناً للكرملين أكد فيه بقاء القوات الروسية في مالي لمحاربة التطرف. لكن المشكلة تكمن الآن في أن مجرد وجود روسيا لم يعد يُنظر إليه كضمانة للسيطرة.
يمكن للاعب الخارجي أن يدرب، ويسلح، ويرافق العمليات، ويحمي المنشآت، لكنه لا يستطيع في غضون سنوات قليلة إعادة بناء العقد الاجتماعي في بلد تزيد مساحته عن 1.24 مليون كيلومتر مربع، بمساحات صحراوية شاسعة، وسكان شباب، وبنية تحتية متهالكة، ونزاعات محلية عميقة. يقدر كتاب حقائق العالم عدد سكان مالي في عام 2025 بنحو 22.6 مليون نسمة، بينما يعطي صندوق الأمم المتحدة للسكان تقديراً أعلى يصل إلى 25.2 مليون نسمة. ونظراً لأن نصف السكان تقريباً تحت سن 15 عاماً، فإن أي أزمة في الحكم تتحول إلى أزمة لمستقبل جيل كامل.
تركيا والصين والجزائر وإيكواس: جيوسياسية جديدة تتشكل حول مالي
لم يترك رحيل فرنسا فراغاً، بل بدأت روسيا وتركيا والصين والأنظمة العسكرية الإقليمية والجزائر، وبدرجة محدودة الولايات المتحدة، في ملء هذا الفضاء. تبرز تركيا كمورد لتقنيات الدفاع وكدولة تجيد الجمع بين الدبلوماسية العسكرية والتجارة والتعليم والبناء، مقدمةً نفسها كشريك "غير غربي لكنه فعال". أصبحت الطائرات المسيرة التركية جزءاً من الواقع العسكري الجديد في الساحل. وأشار المجلس الأطلسي في عام 2025 إلى أن مسيرات "بيرقدار" لعبت دوراً بارزاً في استعادة كيدال عام 2024، وسدت فجوات حرجة في الاستطلاع ونشر القوة لدى جيوش المنطقة.
أما الصين، فتنهج مسلكاً مختلفاً؛ فهي لا تسعى للقيام بدور "شرطي الساحل"، بل تركز اهتمامها على المعادن والبنية التحتية والخدمات اللوجستية. لم تعد مالي مجرد مصدر للذهب والقطن، بل لليثيوم أيضاً. ذكرت رويترز أنه في عام 2024 وقعت مالي اتفاقية مع شركة "جانفينج ليثيوم" الصينية لمشروع "غولامينا"، مع زيادة حصة الدولة بموجب قانون التعدين الجديد، مما وعد بإيرادات ضخمة للميزانية. وفي عام 2025، عزز إطلاق هذا المشروع مكانة مالي كحلقة محتملة في سلاسل توريد المعادن الحيوية، لكن المعادن في دولة غير مستقرة لا تعالج الأزمة، بل ترفع غالباً من حدة الصراع على الأرض.
تظل الجزائر جاراً شمالياً محورياً ومشاركاً قلقاً في الدراما المالية. كانت اتفاقيات الجزائر لعام 2015 محاولة لإبقاء الشمال ضمن العملية السياسية، لكن باماكو أنهت هذا المسار في يناير 2024. وذكرت رويترز حينها أن السلطة العسكرية في مالي أوقفت العمل باتفاق السلام مع الجماعات الانفصالية، مما هدد بمزيد من زعزعة الاستقرار. تخشى الجزائر الآن انتقال الفوضى إلى حدودها، بينما تشك باماكو في تدخل قوى خارجية مع جماعات الشمال، وهو فخ كلاسيكي في الساحل: الحاجة للجوار من أجل الاستقرار مع انعدام الثقة فيه.
فقدت مجموعة "إيكواس" أدوات ضغطها، حيث انسحبت مالي وبوركينا فاسو والنيجر رسمياً من المجموعة في 29 يناير 2025، مراهنةً على "تحالف دول الساحل". وأشارت رويترز إلى اعتراف "إيكواس" بانسحاب الأنظمة العسكرية الثلاثة التي أنشأت تنسيقاً بديلاً وأصدرت جوازات سفر بيومترية خاصة بها. لكن هذا التحالف لم يتحول بعد إلى قوة جماعية قادرة على حسم الحرب؛ فهو كتلة سياسية للدفاع المتبادل عن الأنظمة أكثر من كونه آلية أمنية إقليمية فعالة.
اقتصاد مالي: الذهب موجود والاستقرار مفقود
يقدر البنك الدولي الناتج المحلي الإجمالي لمالي في عام 2024 بنحو 26.8 مليار دولار، مع دخل فردي يقارب 1095 دولاراً. ورغم وصول النمو إلى 5%، إلا أن هذه الأرقام مضللة؛ فالنمو القائم على قاعدة منخفضة في اقتصاد ريعي لا يعني تنمية الدولة. يظل اقتصاد مالي عرضة لتقلبات أسعار الذهب والقطن، واضطرابات الاستيراد، وأزمات الطاقة، وإغلاق الطرق، والعقوبات، والصدمات المناخية، والحرب.
يعتبر الذهب أصل التصدير الرئيسي، لكنه يعمل في مالي كفارق متناقض: فهو يجلب العملة الصعبة ويخلق ريعاً ويجذب اللاعبين الخارجيين، لكنه لا يبني قاعدة اجتماعية مستقرة للدولة. وفي ظروف الصراع، تصبح مناطق تعدين الذهب هدفاً للتنافس، وقد يندمج التعدين التقليدي في سلاسل غير قانونية للضرائب والسيطرة. إذا لم تسيطر الدولة على الطرق، فهي لا تسيطر على الاقتصاد، وإذا فقدت السيطرة الاقتصادية، لن تستطيع دفع تكاليف الأمن، مما يؤدي مجدداً إلى فقدان الطرق.
القطن هو الرمز الثاني للاقتصاد المالي، فهو يربط الدولة بسكان الريف وبالتصدير وبالعمالة الموسمية. لكن هذا القطاع يظل رهيناً بالمناخ والأسعار واللوجستيات وتوافر الوقود. وفي بلد يمكن فيه للنزاع أن يقطع طريقاً دولياً، أو لأزمة وقود أن تشل حركة النقل، فإن المحصول الجيد لا يتحول تلقائياً إلى دخل. اقتصاد مالي ليس فقيراً فحسب، بل هو ممزق بين جيوب استخراج المواد الخام، وهشاشة الريف، وجغرافيا الحرب.
أما الصورة الإنسانية فهي الأكثر مأساوية. أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في خطة عام 2026 بأن 5.1 مليون شخص في مالي يحتاجون للمساعدة، مع حاجة لتمويل يصل إلى 577.9 مليون دولار. وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى توقعات بأن يواجه 1.6 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي خلال موسم 2026، حيث تعاني المناطق الشمالية والوسطى من النزاع وارتفاع الأسعار وأزمة المناخ.
هذه ليست مجرد إحصاءات إنسانية ثانوية، بل هي إحصاءات سياسية. فعندما يعتمد الملايين على المساعدات، وتُغلق المدارس، ويفقد الشباب الأمل، يتوقف السكان عن الاختيار بين الديمقراطية والدكتاتورية، ويبدأون في الاختيار بين مخاوفهم: من يخشونه أقل، من سيسمح لهم بالمرور، من لن يأخذ ابنهم للجبهة، ومن سيسمح لهم ببيع ماشيتهم أو شراء وقودهم.
لماذا أصبحت مالي رمزاً للموجة المناهضة للغرب
لم تصبح مالي رمزاً سياسياً لأن نموذجاً جديداً قد انتصر فيها، بل على العكس، أصبحت رمزاً لأن النموذج القديم قد انهار. لقد نُظر إلى فرنسا من قبل الكثيرين كوارث للسيطرة الاستعمارية، وإلى مجموعة "إيكواس" كأداة للضغط، وإلى الأمم المتحدة كآلة مكلفة دون نتائج ملموسة، وإلى المطالب الغربية بإجراء الانتخابات كمحاضرات تُلقى على من لم يستطع تأمين أبسط قواعد الأمن. وقد نجحت السلطات العسكرية في تحويل هذا الاستياء إلى رأس مال سياسي.
لكن الموجة المناهضة للغرب لا تعني دائماً سيادة حقيقية. فالسيادة ليست مجرد الحق في طرد جندي فرنسي واستقبال مدرب روسي؛ السيادة هي قدرة الدولة على تحصيل الضرائب، وحماية المدارس، وتأمين الطرق، ومقاضاة المجرمين، ومنع الثارات الطائفية، والسيطرة على الحدود، وعدم ترك النزاعات المحلية لقمة سائغة للجهاديين، وعدم الارتهان لراعٍ خارجي واحد. وهذا ما تفتقر إليه مالي حتى الآن.
هنا يبرز الخيط الرفيع بين التحرر من تبعية قديمة والوقوع في أخرى جديدة. لقد تخلصت باماكو من وصاية واحدة، لكنها لم تخلق نظاماً أمنياً مستقلاً. استبدلت إطاراً عسكرياً خارجياً بآخر، لكنها لم تحل مشكلة الثقة بين المركز والأطراف. تحدثت عن الكرامة لكنها عززت القمع، ووعدت باستعادة الأراضي لكنها فقدت كيدال مرة أخرى. ادعت أن الوضع تحت السيطرة، لكنها اضطرت لفرض حظر التجوال وصد الهجمات التي ضربت الجهاز العصبي للنظام. وصفت صحيفة الغارديان الأجواء في باماكو بعد هجمات أبريل بأنها مزيج من حظر التجوال، والشائعات، والاتهامات بالمؤامرات، ومحاولات السكان الحفاظ على حياة طبيعية وسط العنف الذي بات يطرق أبواب العاصمة.
ثلاثة سيناريوهات: الصمود، التفكك، أو التعافي الصعب
السيناريو الأول هو الحفاظ على النظام بالقوة، وهو أمر ممكن على المدى القصير. فالجيش لا يزال يسيطر على باماكو، ومؤسسات الدولة، وجزء من المدن الكبرى، ويحظى بالاعتراف الدولي. روسيا لا تغادر، وتحالف دول الساحل يدعم باماكو سياسياً، والخوف من السيناريو الجهادي قد يوحد النخبة حول غويتا مؤقتاً. لكن هذا الصمود سيكون مكلفاً، إذ سيتطلب تركيز القوى حول العاصمة والطرق الاستراتيجية، مما يعني ترك مساحات أوسع في الأطراف للجماعات المسلحة.
السيناريو الثاني هو تفتت البلاد دون سقوط رسمي للسلطة، وهذا هو المسار الأكثر خطورة وربما الأكثر واقعية. في هذا السيناريو، تبقى باماكو العاصمة، ويستمر الوزراء في إلقاء الخطابات، والسفراء في تقديم أوراق اعتمادهم، والجيش في إعلان العمليات، لكن خارطة السلطة الفعلية تتشظى أكثر فأكثر. لاعب يسيطر على كيدال، وآخر على الطرق، وثالث على مناطق الذهب، ومليشيات محلية على القرى، بينما تعيش العاصمة في وضع حصار دوري. لا تختفي الدولة، لكنها تنكمش لتتحول إلى مجرد أرخبيل.
السيناريو الثالث هو مفترق طرق داخلي جديد للسلطة. قد يؤدي مقتل كامارا إلى تصاعد الصراع داخل القيادة العسكرية: من المخطئ، ومن فشل في منع الهجوم، ومن يسيطر على القناة الروسية، ومن المسؤول عن الهجوم المضاد، ومن القادر على التفاوض مع تركيا أو الولايات المتحدة أو الجيران. لا يمكن استبعاد وقوع انقلاب جديد داخل النظام، لكن تغيير مجموعة من الضباط لن يحل المشكلة الجوهرية؛ فمالي لا تعاني من نقص في الرجال العسكريين، بل تعاني من نقص في الدولة الفاعلة.
وهناك سيناريو رابع، وهو الأكثر صعوبة: استعادة كيان الدولة عبر مزيج من القوة والمفاوضات والدبلوماسية الإقليمية والاتفاقات المحلية. يتطلب هذا من باماكو الاعتراف بأن الأمن لا يقتصر على عمليات التطهير العسكري، وأن الشمال والوسط لا يمكن الاحتفاظ بهما عبر الثكنات فقط. هناك حاجة لإصلاح الجيش، والسيطرة على التجاوزات، وإعادة فتح المدارس والمحاكم، والعمل مع المجتمعات المحلية، والعودة الحذرة للعملية السياسية، وتقليل الاعتماد على شريك خارجي واحد. يبدو هذا شبه مستحيل في منطق الحرب الحالي، لكن دونه، تظل كل السيناريوهات الأخرى مجرد تأجيل للانهيار.
الخاتمة: السؤال الأهم ليس من يدخل كيدال، بل من يبني مالي
تقف مالي اليوم أمام سؤال أعمق بكثير من مصير مجلس عسكري أو بعثة روسية أو مدينة واحدة. السؤال هو: هل يمكن استعادة الدولة حيث تراكمت لعقود فراغات السلطة، والفقر، وتهميش الأطراف، والارتهان للمواد الخام، والتدخل الأجنبي، والخوف؟
إن منطقة الساحل لا تغفر السياسات الاستعراضية. لا يمكن استبدال المؤسسات بالشعارات، ولا الطرق ببيانات السيادة، ولا المدارس بالمدرعات، ولا الثقة بالرقابة العسكرية، ولا الدولة بالمدربين الأجانب. يمكن طرد فرنسا، لكن لا يمكن طرد الجغرافيا. يمكن دعوة روسيا، لكن لا يمكن استيراد الشرعية. يمكن شراء المسيرات، لكن لا يمكن بناء عقد اجتماعي من الجو. يمكن استعادة كيدال لعام، لكن إذا لم يثق السكان في المركز، فستضيع مرة أخرى.
مالي هي تحذير للمنطقة بأسرها. دول الساحل لا تنهار في يوم واحد؛ إنها تبدأ أولاً في فقدان أهميتها لمواطنيها، ثم تفقد هيبتها أمام أعدائها، ثم تصبح غير مفهومة لحلفائها، وفقط بعد ذلك يلاحظ العالم أن العاصمة لا تزال على الخريطة، والعلم لا يزال مرفوعاً، والوزراء لا يزالون يتحدثون، لكن البلاد باتت تعيش تحت قوانين عدة متصارعة.
لذلك، فإن مصير مالي لن يتحدد فقط على خط باماكو-كيدال-غاو، بل سيتحدد في القرى حيث يجب أن يفهم الفلاح من سيحمي حقله، وفي الطرق حيث يجب أن يعرف سائق الشاحنة أنه سيصل حياً، وفي المدارس التي يجب أن تفتح، وفي المحاكم التي يجب أن يثق بها الناس، وفي الجيش الذي يجب أن يتوقف عن كون his مصدر حماية وخوف في آن واحد. لا يزال من الممكن الحفاظ على مالي كدولة، لكن على باماكو أن تدرك الحقيقة المرة: السيادة لا تُعلن، بل تُثبت يومياً حيث تقف نقاط التفتيش، وتحترق القوافل، وتفرغ المدارس، وحيث يتقرر ما إذا كان الساحل مساحة للدول أم ممرًا للانهيار.