...

في الشرق الأوسط عادوا من جديد للبحث عن مسؤول عن الجفاف. لم يلقوا باللوم على عقود من الاستخدام غير الرشيد للمياه، ولا على الغلاف الجوي الساخن، ولا على الأنهار المستنزفة، ولا على سياسات الري الفاشلة، ولا على النمو السكاني، ولا على استنزاف المياه الجوفية، ولا على النموذج الزراعي الذي يلتهم الموارد بسرعة أكبر مما تستطيع الطبيعة تعويضه. لا. المسؤول، كما تبين من موجة شائعات جديدة، هو الطائرات التي يزعم أنها قامت بتفتيت وسرقة الغيوم.

هذه الرواية رائعة بساطتها. فهي لا تتطلب معرفة بعلم الهيدرولوجيا، ولا علم المناخ، ولا إحصائيات، ولا خرائط لأحواض التصريف، ولا فهما لدورة الغلاف الجوي. يكفي أن تنظر إلى السماء، وترى أثر الطائرة، وتتذكر الجفاف، وتضيف إليه الحرب، والجيوسياسة، وعدم الثقة في القوى العظمى، لتصبح لديك نظرية تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي في ساعات قليلة أسرع من النشرة الجوية الرسمية.

كان الدافع وراء ذلك موجة جديدة من المزاعم بأن هطول الأمطار في العراق وتركيا وإيران عاد لأن الولايات المتحدة مشغولة بالحرب حول إيران ولم تعد قادرة على إجراء عمليات سرية لسرقة سحب الأمطار. وفي المادة الأصلية، سُرد مثال دال: حيث صرح برلماني عراقي دون دليل بأن دولا مجاورة اشتكت من محاولات الولايات المتحدة تفتيت وسرقة الغيوم باستخدام الطيران، ثم ربط بين الأمطار الأخيرة وانشغال واشنطن بالعمليات العسكرية.

الصيغة مغرية للغاية: إذا كان الجفاف نتيجة لنية خبيثة، فهذا يعني أن المشكلة يمكن تفسيرها بوجود عدو واحد. وإذا هطل المطر بعد حدث سياسي، فهذا يعني أن الحدث كان هو السبب. إذا كانت السماء معقدة، فيجب تبسيطها. وفي هذا التبسيط يولد الخداع الأكبر: استبدال كارثة المياه الحقيقية في المنطقة بخيال حول عملية جوية خاصة.

سرقة الغيوم ميثولوجيا تبدو كأنها سياسة دولية

تعتمد نظرية سرقة الغيوم على خطاف نفسي واحد: أنها تشبه الحقيقة. فتقنيات التأثير على الغيوم موجودة بالفعل. ويستخدم استمطار السحب في دول مختلفة منذ عقود. حيث تُدخل جزيئات في السحب، غالبا يوديد الفضة، لتحفيز تكوين بلورات الثلج وزيادة احتمال هطول الأمطار في ظروف معينة. ووفقا لمعهد أبحاث الصحراء، فإن العديد من عمليات الاستمطار تستخدم يوديد الفضة الذي يساعد في تكوين بلورات الجليد في السحب المناسبة.

ولكن المسافة بين استمطار السحب وسرقة الغيوم هي نفس المسافة بين ميزان الحرارة الطبي والتحكم في درجة حرارة الكوكب. الاستمطار لا يخلق سحابة من الفراغ، ولا يغير اتجاه جبهة هوائية، ولا ينقل المطر من بلد إلى آخر. هو غير قادر على أمر المنخفض الجوي بالتوقف فوق العراق، أو تجاوز تركيا، أو معاقبة إيران بالجفاف. هو يعمل فقط عندما تكون هناك سحب مناسبة في الغلاف الجوي، ورطوبة مطلوبة، ودرجة حرارة دقيقة، وفيزياء دقيقة. وتؤكد الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي أن الاستمطار يتطلب وجود ماء شديد البرودة في السحب، وبدونه تفقد العملية معناها.

هنا تحديدا تنكسر نظرية المؤامرة أمام الفيزياء. لسرقة سحابة، لا تحتاج إلى رش مادة كيميائية، بل إلى التحكم في نظام جوي عملاق تشارك فيه درجة حرارة سطح البحر، والتضاريس، والرطوبة، والرياح، والضغط، والتيارات النفاثة، والدورات الموسمية، والدورة العالمية. العلم الحديث لا يملك تكنولوجيا تسمح لدولة ما بالتحكم سرا في مسار الأنظمة الجوية على نطاق منطقة كاملة. وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بوضوح إلى عدم وجود طرق مثبتة تسمح من خلال استمطار السحب بتغيير الظواهر الجوية الثقيلة مثل الفيضانات والأعاصير والعمليات المتطرفة الأخرى.

لكن الأسطورة حية لأنها لا تجادل العلم في ميدانه. هي لا تقدم قياسات، ولا بيانات أقمار صناعية، ولا تحليلات كيميائية، ولا خرائط هطول، ولا نمذجة للكتل الهوائية. بل تعمل بطريقة أخرى: تأخذ الخوف، وتغلفه في سياق سياسي، وتبيعه للمجتمع كخفسير.

استمطار السحب ليس زرا سحريا للمطر

التكنولوجيا الحقيقية أكثر تواضعا بكثير مما يتم تصويره في وسائل التواصل الاجتماعي. استمطار السحب ليس تحكما في المناخ، بل هو محاولة لتغيير طفيف في العمليات الفيزيائية الدقيقة داخل سحابة موجودة بالفعل. وفي أحسن الأحوال، يدور الحديث عن تأثير محلي ومحدود. وحتى مؤيدو هذه التكنولوجيا يعترفون بأن نتيجتها تعتمد على عدد هائل من الظروف، ومن الصعب إثبات المساهمة الدقيقة للاستمطار في مطر معين.

وفي تقرير صدر عام 2024، وصف مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي استمطار السحب بأنه تكنولوجيا قديمة تستخدم أساسا لزيادة هطول الأمطار أو قمع البرد، عادة عن طريق إضافة جزيئات دقيقة تشمل يوديد الفضة. ومع ذلك، فإن المشاركة الفيدرالية الأمريكية في مثل هذه البرامج ضئيلة، وتظل الفعالية نفسها موضوعا للتقييم والتحقق العلمي.

وحتى المشاريع التجارية الحديثة التي تعد بنتائج أكثر دقة باستخدام الطائرات بدون طيار تواجه نفس القيد: يجب إثبات أن الاستمطار، وليس الديناميكا الطبيعية للغلاف الجوي، هو الذي أعطى الثلج أو المطر الإضافي. وفي أبريل 2026، كتبت صحيفة واشنطن بوست عن شركة زعمت الحصول على كميات كبيرة من الثلوج في الولايات المتحدة، لكن المادة أكدت بشكل منفصل أن جزءا صغيرا فقط من النتيجة المزعومة تم تأكيده بشكل موثوق، وأن التكنولوجيا تحتاج إلى فحص مستقل وبيانات مراجعة من قبل الأقران.

هذه هي النقطة الرئيسية. إذا كان تأثير الاستمطار يتطلب إثباتا حذرا حتى في ظل وجود برامج مفتوحة ورادارات علمية وقياسات أرضية وأبحاث متخصصة، فإن الادعاءات حول سرقة الغيوم السرية لدول كاملة تبدو ليست فقط مشكوكا فيها، بل سخيفة من الناحية الفنية. فمثل هذه العملية تتطلب بنية تحتية هائلة: رحلات جوية مستمرة، رادارات أرصاد جوية، سلاسل توريد كيميائية، قواعد سرية، تنسيقا موجها مع الجبهات الجوية، وآلاف المشاركين، وغيابا تاما للتسريبات. لم يقدم أحد أي شيء من هذا القبيل.

في المقابل، تم تقديم شيء آخر: جفاف إقليمي، واحترار، وانخفاض في مخزونات المياه، واعتماد طارئ على السدود والمياه الجوفية، وزيادة في الأمطار الغزيرة المتطرفة بعد فترات جفاف طويلة. أي تلك الحقيقة التي يصعب شرحها ولكن من المستحيل تجاهلها.

العدو الحقيقي ليس في السماء بل في الأرقام

يعد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين أكثر مناطق العالم عرضة للخطر فيما يتعلق بالمياه. ووفقا لبيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن المنطقة العربية ترتفع حرارتها بمعدل ضعف المعدل العالمي تقريبا: ففي الفترة من 1991 إلى 2024، نمت درجة الحرارة هناك بنحو 0.43 درجة كل عقد، وأصبح عام 2024 هو الأكثر حرارة في تاريخ الرصد للمنطقة.

هذه ليست إحصائيات جافة، بل هي فيزياء جديدة للحياة اليومية. كل درجة إضافية تعني مزيدا من التبخر، وضغطا أكبر على خزانات المياه، وإجهادا حراريا أكبر للزراعة، وحاجة أكبر للكهرباء، ومخاطر أكبر للحرائق، والعواصف الترابية، ونقص مياه الشرب، وانهيار أنظمة الري القديمة.

وذكرت وكالة رويترز، نقلا عن تقرير للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، أن الطقس المتطرف في المنطقة أثر في عام 2024 على 3.8 مليون شخص وأدى إلى وفاة أكثر من 300 شخص. وأشار نفس المصدر إلى أن المنطقة تضم بالفعل 15 دولة من أكثر دول العالم فقرا في المياه، ومع المسار الحالي للانبعاثات، قد ترتفع درجات الحرارة المتوسطة بمقدار 5 درجات بحلول نهاية القرن.

هذه هي العملية الحقيقية ضد المطر. وهي لا تنفذ بطائرة سرية، بل تتم عبر أنابيب اقتصاد النفط والغاز، وعبر محطات الفحم، وعبر الزراعة غير الفعالة، وعبر التوسع العمراني في المناطق القاحلة، وعبر الشبكات المهترئة، وعبر الحفر العشوائي للآبار، وعبر عدم الرغبة السياسية في الاعتراف بأن عصر المياه الماضي قد انتهى.

تركيا: فبراير الماطر لا يلغي الجفاف

غالبا ما يستخدم مؤيدو نظرية سرقة الغيوم الأمطار الأخيرة كدليل، زاعمين أنه بما أن أمطارا غزيرة بدأت في تركيا، فهذا يعني أن شخصا ما توقف عن سرقة الغيوم. لكن البيانات التركية تحديدا تظهر العكس: النظام المناخي لا يتحسن، بل يصبح أكثر حدة وانكسارا وتناقضا.

في فبراير 2026، تلقت تركيا بالفعل كميات غير طبيعية من الأمطار. ووفقا لبيانات مصلحة الأرصاد الجوية الحكومية التركية، وصلت أمطار فبراير إلى قيم قصوى لم تسجل منذ 66 عاما في 35 مقاطعة من أصل 81. وسجل أعلى معدل في عثمانية بواقع 320.3 مليمتر، والأقل في سينوب بواقع 51.5 مليمتر، مع تجاوز الأمطار للمعايير المناخية في جميع المقاطعات.

للوهلة الأولى، يبدو هذا كأنه عودة للأمطار. لكن المناخ لا يقرأ من خلال شهر واحد. ففي عام 2025، شهدت تركيا صورة معاكسة: حيث بلغ متوسط الأمطار 414.9 مليمتر، وهو أقل بنسبة 27.6 بالمائة من معيار الفترة 1991-2020، وكان الأدنى منذ 61 عاما.

أي أن نفس البلد حصل في فترة قصيرة على جفاف تاريخي وشهر ممطر قياسي. هذا ليس حجة لصالح السرقة السماوية، بل هو صورة نموذجية لعدم الاستقرار المناخي الجديد: أمطار منتظمة أقل، وفجوات حادة أكثر، وأمطار مفاجئة غزيرة. الماء لا يأتي عندما تحتاجه التربة، بل عندما ينهار الغلاف الجوي إلى حالة قصوى. هو لا يغذي النظام بهدوء، بل يضربه بصدمة.

لهذا السبب تحديدا، يعد الحديث عن سرقة الغيوم أمرا خطيرا. فهو يصرف الانتباه عن السؤال الذي يجب أن يتردد صداه في أنقرة وبغداد وطهران ودمشق وعمان والرياض: هل الدول مستعدة لمناخ يصبح فيه الجفاف والفيضان ليسا استثناءات، بل وجهين لمعيار جديد واحد؟

إيران: بلد يجففه غياب التخطيط وليس التآمر

تعد إيران أحد أكثر الأمثلة درامية على كيفية تحول أزمة المياه إلى قضية أمن قومي. وبحلول خريف عام 2025، واجهت البلاد واحدة من أشد موجات الجفاف منذ عقود. وأفادت وكالة أسوشيتد برس أن مخزونات المياه في طهران انخفضت إلى أدنى مستوياتها منذ 60 عاما، حيث وصلت نسبة الملء في سد لتيان إلى 9 بالمائة فقط. وحذر الرئيس مسعود بزشكيان من احتمال تقنين المياه وحتى اتخاذ إجراءات للإخلاء إذا لم تهطل الأمطار.

وكتبت صحيفة لوموند في نوفمبر 2025 أن إيران تعيش العام السادس على التوالي من الجفاف، وفي طهران لم يهطل سوى مليمتر واحد من المطر منذ بداية السنة الهيدرولوجية في 23 سبتمبر، وهو ما يقل بنسبة 96 بالمائة عن المعدل المعتاد. وكانت بعض السدود التي تغذي العاصمة عند مستويات حرجة، مما دفع السلطات لقطع المياه ليلا.

لا يمكن تفسير ذلك بظاهرة الغيوم المسروقة. فهناك الكثير من الأسباب الداخلية في إيران: الاستهلاك المفرط للمياه في الزراعة، واستنزاف المياه الجوفية، والري غير الفعال، وبناء صناعات كثيفة الاستهلاك للمياه في مناطق جافة، ونمو المدن، وتدهور بحيرة أرومية، والاعتماد المفرط على السدود، والعجز السياسي عن تقليص الاستهلاك. وأشارت صحيفة ذا غارديان في عام 2025 إلى أن الزراعة في إيران تستهلك نحو 88 بالمائة من المياه، بينما تتعرض الموارد الجوفية للتقويض بسبب الآبار غير القانونية والاستغلال المفرط.

في ظل هذا الوضع، يبدو استمطار السحب رمزا لليأس وليس حلا. لقد لجأت إيران بالفعل لهذه التكنولوجيا، بما في ذلك في حوض بحيرة أرومية، لكن أي استمطار لن يعوض عقودا من سياسات مائية بنيت على وهم الموارد اللانهائية.

العراق: بلد بين العطش والحرارة والقلق السياسي

العراق هش بشكل خاص، فمناخه يتراوح بين شبه الجاف والصحراوي مع تقلبات حادة في درجات الحرارة وأمطار محدودة. وتذكر الوثيقة المناخية الوطنية للعراق المقدمة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ أن المناطق الجبلية الشمالية تتلقى 400-1000 مليمتر من الأمطار، بينما تتلقى مناطق السهول الانتقالية 200-400 مليمتر، وتقع الهضبة الغربية والسهول الرسوبية في منطقة المناخ الصحراوي الحار مع رطوبة منخفضة للغاية.

يعاني العراق ليس فقط من تقلبات السماء، بل من الجغرافيا أيضا. فأمنه المائي يعتمد على الأنهار العابرة للحدود، وفي مقدمتها دجلة والفرات. ويؤدي نقص التدفقات، والسدود في دول المنبع، وتملح التربة، والنمو السكاني، وتدهور الأهوار، وموجات الحر، والعواصف الترابية إلى خلق مزيج متفجر. وعندما يأتي المطر متأخرا جدا أو بغزارة مفاجئة، فإنه لا ينقذ البلاد بل يخلق طبقة جديدة من الكوارث متمثلة في الفيضانات المفاجئة، وتدمير الطرق، وجرف المحاصيل.

تظهر الدراسات حول الأمطار في العراق تباينا كبيرا بين السنوات، حيث تتأرجح البلاد بين سنوات جافة وأخرى رطبة. وفي دراسة أجريت عام 2026 استخدمت سلاسل شهرية لهطول الأمطار لمدة 84 عاما من أربع محطات للفترة 1938-2023، تبين أن تقلبات الطقس الحالية يجب النظر إليها في سياق تاريخي ومناخي، وليس عبر شائعات وسائل التواصل الاجتماعي.

عندما يقول سياسي إن المطر عاد لأن الولايات المتحدة مشغولة بالحرب، فهو لا يقدم تصريحا علميا بل لفتة سياسية. هذه اللفتة مفهومة، فالمجتمع متعب، والمياه أصبحت عصب الاستقرار الاجتماعي، وتفسير الأنظمة المعقدة للناس أصعب من تعيين عدو خارجي. لكن كون الأمر مفهوما لا يجعل الكذب حقيقة.

لماذا يصدق الناس وجود لصوص الغيوم

لا تنشأ نظريات المؤامرة حول الطقس من فراغ، بل تظهر عند اجتماع خمسة عوامل.

الأول هو القلق الحقيقي. فعندما تجف الأنهار وتفرغ السدود ويغلو الغذاء وتختفي المحاصيل وترتفع الحرارة، يبحث الناس عن مسؤول له اسم وعنوان وليس عن نموذج مناخي مجرد.

الثاني هو عدم الثقة في الدولة. فإذا كانت السلطات قد أخفت الأخطاء لسنوات وشوهت الإحصائيات واستجابت للأزمات ببطء، يتوقف المجتمع عن تصديق التفسيرات الرسمية حتى عندما تكون صحيحة.

الثالث هو البساطة البصرية. فأثر الطائرة في السماء أكثر إقناعا من رسم بياني للتبخر. الأثر المرئي يستبدل النظام غير المرئي. يرى الإنسان خطا أبيض فيظن أنه دليل، بينما قد يكون مجرد أثر تكثيف مرتبط بالحرارة والرطوبة في الارتفاعات العالية.

الرابع هو البيئة السياسية. ففي منطقة لا تزال فيها ذكرى الحروب والعقوبات والتدخلات حية، تحصل أي رواية عن عملية سرية لقوة عظمى على ميزة عاطفية.

الخامس هو خوارزميات التواصل الاجتماعي. فالمنصات تكافئ رد الفعل المتفجر وليس الدقة. عبارة النظام المناخي للمنطقة يعاني من عدم استقرار الأمطار تخسر أمام عبارة لقد سرقوا غيومنا حتى قبل بدء النقاش.

هكذا تولد الخيمياء الرقمية: يتحول الخوف إلى منشور واسع الانتشار، والمنشور إلى اتهام سياسي، والاتهام إلى رواية شعبية، وتبدأ هذه الرواية بالضغط على السياسة الواقعية.

الحقيقة المناخية أكثر رعبا من المؤامرة

المشكلة الرئيسية في المنطقة ليست في أن شخصا ما يأخذ الماء سرا من السماء، بل في أن النظام المناخي نفسه أصبح أقل موثوقية. وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في تقريرها السادس أن الاحترار يزيد من مخاطر الحرارة الشديدة والجفاف والأمطار الغزيرة والأحداث المركبة المعقدة التي تخلق تأثيرا أكثر تدميرا.

هذا أمر خطير بشكل خاص للشرق الأوسط، فالمنطقة تعيش بالفعل على حافة التوازن المائي. وإذا كان من الممكن تخفيف الصدمة المناخية في الدول الأكثر رطوبة عبر مخزونات الأنهار والبحيرات والثلوج، فإن كل نسبة تبخر وكل نقص في الأمطار هنا يتحول بسرعة إلى مشكلة اقتصادية وسياسية.

ارتفاع درجات الحرارة يعني أن نفس كمية الأمطار السابقة لم تعد تعطي نفس النتيجة. فالتربة تفقد الرطوبة بسرعة أكبر، والنباتات تطلب مياها أكثر، والخزانات تتبخر بشدة، والمدن تستهلك كهرباء أكثر للتبريد، مما يرهق شبكات الطاقة، والزراعة تتطلب ريا إضافيا، والمياه الجوفية تُسحب بشكل أسرع. وعندما يأتي مطر غزير، تكون الأرض الجافة أقل قدرة على امتصاصه، فتتحول المياه إلى سيول مدمرة بدلا من أن تعيد تغذية المخزونات.

لهذا السبب، فإن هطول المطر لا يعني انتهاء الجفاف. فبضع زخات مطر لا تعيد إحياء طبقة مياه جوفية مستنزفة، وشهر واحد ممطر لا يلغي عجزا دام عامين، والفيضان ليس دليلا على الرخاء المائي، بل هو أحيانا دليل على أن النظام أصبح أكثر اضطرابا وهشاشة.

الجانب الأكثر خطورة في الأسطورة: أنها ترفع المسؤولية

إن نظرية "سرقة الغيوم" ليست مجرد خطأ، بل هي مريحة سياسيا ولذلك فهي خطيرة. فإذا كان العدو الخارجي هو المسؤول، فلا داعي لمراجعة السياسة الزراعية، ولا حاجة لإغلاق الآبار غير القانونية، ولا داعي لتغيير تعرفات المياه، ولا حاجة لتحديث أنظمة الري. كما لا يتطلب الأمر الاعتراف بأن بعض المحاصيل لا يمكن زراعتها بنفس الكميات السابقة في المناطق القاحلة، ولا يستدعي الأمر الجدال مع كبار ملاك الأراضي وجماعات الضغط الصناعية، ولا يتطلب شرحا للسكان بأن عصر المياه الرخيصة واللانهاية قد انتهى.

من الأسهل بكثير القول: "لقد سُرقت الغيوم".

لكن المياه لا تعود بالشعارات، بل تعود من خلال الإحصاء، والترشيد، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والإدارة النزيهة. ما تحتاجه المنطقة ليس الأساطير بل قرارات حاسمة: تقليل الفاقد في شبكات المياه، الري بالتنقيط، إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، تحلية المياه حيثما كان ذلك مبررا اقتصاديا ومن حيث الطاقة، حماية الأراضي الرطبة، حظر الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، الانتقال إلى محاصيل أقل استهلاكا للمياه، الاتفاقات العابرة للحدود بشأن الأنهار، والإنذار المبكر بالفيضانات والجفاف.

وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقريرها الخاص بالمنطقة صراحة على ضرورة الاستثمار في الأمن المائي، بما في ذلك التحلية وإعادة استخدام مياه الصرف وأنظمة الإنذار المبكر؛ ومع ذلك، تشير بيانات رويترز إلى أن هذه الأنظمة لا تغطي سوى نحو 60 بالمائة من المنطقة.

هذا هو جدول الأعمال الحقيقي. القضية ليست "من سرق الغيوم"، بل لماذا لم تستعد الدول لمناخ يطرق الأبواب منذ زمن طويل.

السماء أصبحت مرآة للسياسة

تظهر قصة "الغيوم المسروقة" كيف تتغير طبيعة المخاوف العامة في القرن الحادي والعشرين. في السابق، كان الطقس قدرا، أما الآن فقد أصبح نصا سياسيا. يُقرأ المطر كعلامة على النصر، والجفاف كعمل تخريبي، والضباب كتكنولوجيا، وأثر الطائرة كدليل جنائي، وهطول الأمطار الغزيرة كدليل على أن المؤامرة توقفت مؤقتا.

هذا ليس مجرد أمر مضحك، بل هو عرض لأزمة ثقة ومعرفة. عندما يصبح الواقع المعقد لا يطاق، ينجذب المجتمع نحو عدو بسيط. لكن خطورة أزمة المناخ تكمن تحديدا في أنه ليس لها طيار واحد، ولا زر واحد، ولا قاعدة واحدة، ولا أمر سري واحد. إنها موزعة بين مليارات القرارات، وملايين الأنابيب، وآلاف محطات الطاقة، ومئات السياسات الخاطئة، وعقود من المماطلة.

الغيوم لا تُسرق. حركتها تعتمد على الفيزياء وليس على الشائعات. ولكن يمكن بالفعل سرقة قدرة المجتمع على فهم الواقع، وهذه ليست استعارة.

عندما يبدأ الناس في تصديق أن الجفاف من صنع طيران سري، فإنهم يتوقفون عن المطالبة بإصلاح قطاع المياه. وعندما يعتقدون أن الأمطار الغزيرة أثبتت توقف المؤامرة، فإنهم لا يرون أن الأمطار المتطرفة قد تكون جزءا من نفس عدم الاستقرار المناخي. وعندما يبحثون عن عدو في السماء، لا يلاحظون الأنابيب المثقوبة تحت أقدامهم.

نهاية بلا عزاء: المطر لا يلغي الأزمة

إن العبارة الأكثر صدقا حول وضع المياه في الشرق الأوسط تبدو قاسية: المشكلة ليست في غياب المطر بحد ذاته، بل في تدمير الموثوقية السابقة لدورة المياه. تدخل المنطقة عصرا لم تعد فيه المعايير السابقة تضمن الأمن المستقبلي. فحيث كان موسم الأمطار ركيزة أساسية، قد يصبح الآن ضربا من اليانصيب. وحيث كان الجفاف كارثة تستمر لبضع سنوات، قد يصبح الآن نظاما مستداما. وحيث كان السد يعتبر تأمينا، قد يتحول الآن إلى رمز خرساني فارغ للثقة الزائدة السابقة بالنفس.

لهذا السبب، يجب تفكيك أسطورة "سرقة الغيوم" ليس كطرفه، بل كتكنولوجيا خداع ذاتي ضارة سياسيا. إنها مريحة، وعاطفية، وبراقة، لكنها لا تعطي ماء. هي لا تملأ الخزانات، ولا تنقذ المحاصيل، ولا تقلل التبخر، ولا توقف تدهور التربة، ولا تعيد بحيرة أرومية، ولا تحل مشكلة دجلة والفرات، ولا تحمي المدن من الحرارة.

إنها فقط تنوم المجتمع بحكاية مفادها أن هناك مسؤولا في مكان ما يكفي كشفه ليعود المطر مطيعا من جديد.

لكن المطر لن يصبح مطيعا. المناخ لن يعود إلى أطره القديمة بناء على طلب السياسيين. الغلاف الجوي لا يقرأ تصريحات النواب. وكلما طال جدال المنطقة مع "خاطفي الغيوم" الوهميين، قل الوقت المتاح لمحاربة الخصم الحقيقي: العجز المائي، والاحترار المفرط، والقصور الذاتي الإداري، والعصر المناخي الذي بدأ بالفعل.