بدأ الرئيس الأمريكي ترامب هذه الحملة كرجل واثق من قدرته الخاصة على كسر إيران من خلال الضغط والقوة واستعراض الحزم المطلق. في منطقه، كان يجب أن يبدو كل شيء بسيطاً: واشنطن توجه ضربة قوية، وطهران تتراجع، ويتلقى حلفاء الولايات المتحدة الإقليميون إشارة بعودة القوة الأمريكية، بينما يحول ترامب نفسه العملية العسكرية إلى رأس مال سياسي قبل المعركة الانتخابية الجديدة.
لكن في الممارسة العملية، سار كل شيء بشكل مختلف. فبدلاً من حملة منتصرة قصيرة، حصلت الولايات المتحدة على أزمة طويلة الأمد، أصبحت فيها الأهداف العسكرية ضبابية، والعواقب السياسية سامة، والتكلفة الاقتصادية واضحة تماماً للمواطن الأمريكي العادي. هدد الرئيس الأمريكي ترامب إيران أولاً بالتدمير، وتحدث عن زوال الحضارة الإيرانية، وطالب بفتح مضيق هرمز واستخدم خطاباً شديد اللهجة إلى أقصى حد. ثم، بعد فشله في تحقيق نتيجة واضحة، اضطر إلى إعلان الهدنة.
كان هذا التحول المفاجئ هو العرض الرئيسي للأزمة. حاولت واشنطن إظهار القوة، لكنها وجدت نفسها أمام مشكلة لا يمكن حلها بمجرد الضربات الجوية والعقوبات والمؤتمرات الصحفية. لم تستسلم إيران. ولم ينهار نظامها السياسي. وتكبدت الآلة العسكرية خسائر، لكنها لم تصب بالشلل. أما مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره جزء هائل من إمدادات النفط العالمية قبل الحرب، فقد تحول إلى أداة للابتزاز العالمي.
في النهاية، وجدت الولايات المتحدة نفسها في وضع لم تعد فيه الحرب تحقق مكاسب سريعة، لكن كل يوم من استمرارها يجلب خسائر جديدة، واتهامات سياسية جديدة، وصدوعاً جديدة داخل السلطة الأمريكية.
فخ هرمز: لماذا ركّع مضيق واحد استراتيجية واشنطن بأكملها
لم تكن المفاجأة الكبرى للبيت الأبيض هي صمود إيران فحسب، بل قدرة طهران على نقل الصراع من المستوى العسكري إلى المستوى الاقتصادي. لقد غير حصار مضيق هرمز طبيعة الأزمة ذاتها. لم تعد مجرد حرب أمريكية إيرانية، أو مجرد صراع آخر في الشرق الأوسط، بل أصبحت ضربة للشريان الطاقي للاقتصاد العالمي.
قبل بدء التصعيد العسكري، كان ما يصل إلى خمس إمدادات النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز. لذلك، فإن أي تهديد للملاحة في هذه المنطقة ينعكس فوراً على الأسعار والتأمين والخدمات اللوجستية وتوقعات التضخم ومزاج الأسواق. كانت إيران تدرك جيداً نقطة الضعف هذه. ولهذا السبب أصبح المضيق بالنسبة لطهران ليس فقط أداة للضغط على الولايات المتحدة، بل وسيلة لتذكير العالم أجمع بأن الحرب مع إيران لن تبقى محلية أبداً.
تكمن مفارقة الموقف في أن الولايات المتحدة، بمحاولتها زيادة الضغط على طهران، دخلت هي نفسها فعلياً في منطق الحصار. بدأت واشنطن إجراءاتها التقييدية الخاصة في منطقة المضيق، وصرح الرئيس الأمريكي ترامب بأن الولايات المتحدة يمكنها تحصيل رسوم على مرور السفن بالاشتراك مع إيران. ومن الناحية السياسية، بدا هذا كمحاولة لاستعادة المبادرة، أما من الناحية العملية، فقد كان اعترافاً بأن المضيق أصبح الميدان الرئيسي للصراع، وليس عنصراً ثانوياً فيه.
هكذا تحولت العملية العسكرية، التي كان يُراد لها أن تكون عرضاً للتفوق الأمريكي، إلى دراما طاقة، حيث تعمل كل ناقلة وكل تعريفة تأمين وكل قفزة في أسعار الوقود ضد البيت الأبيض.
31 ملياراً في الشهر الأول: ثمن الحرب التي لم يتمكنوا من شرحها للأمريكيين
سرعان ما أصبحت الحرب مع إيران عبئاً ثقيلاً على إدارة ترامب. فلقد كلف الشهر الأول من العمليات القتالية الميزانية الأمريكية 31 مليار دولار، وهذه هي التكاليف المباشرة فقط. وخارج هذا المبلغ تبقى خسائر المعدات، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية العسكرية، والتكاليف الإضافية لنقل القوات، وتعزيز القواعد، وحماية الحلفاء، والاستخبارات، والخدمات اللوجستية، واستعادة الجاهزية القتالية لاحقاً.
والأكثر خطورة بالنسبة للبيت الأبيض كان احتمال زيادة الإنفاق العسكري في المستقبل. ففي مشروع الميزانية الفيدرالية لعام 2027، وضعت إدارة ترامب زيادة في الإنفاق الدفاعي بنسبة 44 بالمئة، لتصل إلى 1.5 تريليون دولار. وإذا تم اعتماد مثل هذه الميزانية، فإن الإنفاق العسكري الأمريكي سيرتفع إلى حوالي 4.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وسيعني هذا أكبر زيادة حادة في الإنفاق الدفاعي منذ الحرب الكورية.
علماً بأنه في العام الماضي، وافق الكونجرس بالفعل على زيادة إضافية في ميزانية البنتاغون بقيمة 150 مليار دولار ضمن ما يسمى بمشروع القانون الكبير الجميل. أي أن أمريكا تدخل دورة جديدة من العسكرة ليس من الصفر، بل على خلفية ميزانية دفاعية متضخمة بالفعل، وعجز متزايد، وتعب شعبي من المغامرات السياسية الخارجية.
بالنسبة للأمريكي العادي، لا تهم كل هذه الأرقام في حد ذاتها، بل تصبح متفجرة سياسياً عندما تتحول إلى سعر البنزين، وتكلفة المواد الغذائية، وتعريفات النقل، وفواتير الخدمات العامة، والشعور العام بأن واشنطن تحارب مرة أخرى في مكان ما بعيداً، بينما يدفع الناخب العادي الثمن.
ضربة البنزين لسياسة ماغا: لماذا تضرب الحرب جوهر سياسة ترامب
كانت النتيجة الأكثر إيلاماً للأزمة بالنسبة للبيت الأبيض هي ارتفاع أسعار الوقود. فبسبب حصار مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، ومعها ارتفعت أسعار البنزين والديزل داخل الولايات المتحدة. زاد متوسط تكلفة البنزين بأكثر من الثلث، ليصل إلى 4 دولارات للجالون، بينما اقترب وقود الديزل من مستوى 5.7 دولار.
بالنسبة لأي إدارة أمريكية، يعد هذا إشارة خطر. وبالنسبة لترامب، فالأمر أشد خطورة. فتحالفه السياسي لم يُبنَ فقط على الحروب الثقافية وخطاب الهجرة وشعارات استعادة العظمة، بل كان العنصر الأهم في وعوده هو التطبيع الاقتصادي: طاقة رخيصة، صناعة قوية، حماية السوق المحلية، رفض الحروب العبثية، والاهتمام بالأمريكي المنسي.
لكن الحرب مع إيران ضربت هذه الوعود بالتحديد. فارتفاع أسعار الوقود يرفع تلقائياً تكاليف النقل، وبالتالي يؤثر على تكلفة السلع. يغلو الديزل فتغلو شحنات البضائع، وعندما تغلو الشحنات يرتفع سعر كل شيء على رفوف المتاجر. وفي بلد يظل فيه التضخم أحد أكثر المواضيع السياسية حساسية، يتحول هذا إلى تهديد مباشر لشعبية الرئيس.
هنا يبرز الصراع الداخلي الرئيسي لسياسة ترامب. لقد وُعد الناخب بعدم جر أمريكا إلى حروب جديدة، ووُعد بالبراغماتية بدلاً من السياسة التبشيرية العولمية، وقيل له إن الولايات المتحدة لن تدفع ثمن صراعات الآخرين بعد الآن. والآن يرى هذا الناخب نفسه حرباً جديدة، وارتفاعاً في الأسعار، وتفسيرات من البيت الأبيض لا تقدم إجابة واضحة على سؤال بسيط: لماذا كان كل هذا ضرورياً؟
حرب بلا هدف واضح: البيت الأبيض يخسر معركة التفسير
لم يتمكن المسؤولون من تقديم تفسير مقنع للأمريكيين حول الأسباب الحقيقية لبدء العملية ضد إيران. تحدثت السلطة عن الأمن، والتهديد النووي، وحماية الحلفاء، وحرية الملاحة، وردع طهران، وضرورة استعراض القوة. لكن كل هذه التفسيرات لم تتبلور في استراتيجية متكاملة.
يشعر المجتمع عندما تكون للحرب مهمة واضحة، كما يشعر عندما ترتجل السلطة وتغير حججها أثناء الأحداث. وهذا هو بالضبط ما حدث. في البداية، أظهرت واشنطن عزماً على المضي حتى النهاية، ثم بدأت تتحدث عن المفاوضات. في البداية، صدرت تصريحات حول تدمير البنية التحتية الإيرانية، ثم ظهرت تقارير تفيد بأن البرنامج النووي الإيراني لم يتم تدميره، بل تأخر لبضعة أشهر فقط. في البداية، وُعد بالضغط الذي سيجبر طهران على التراجع، ثم أصبح واضحاً أن إيران نفسها حصلت على أداة ضغط قوية عبر مضيق هرمز.
لذلك، كان الدعم الشعبي للحرب ضعيفاً منذ البداية. ووفقاً لاستطلاعات الرأي، عارض حوالي 53 بالمئة من الأمريكيين الحرب، بينما أيدها 38 بالمئة فقط. وبالنسبة للولايات المتحدة، حيث يسود غالباً تأثير الالتفاف حول العلم في الأسابيع الأولى من الحملات العسكرية، فإن هذا يعد مؤشراً مقلقاً للغاية.
تراجع تصنيف الرئيس الأمريكي ترامب أيضاً على خلفية الحرب. ووفقاً لقياسات علماء الاجتماع، لم يوافق 56 بالمئة من الأمريكيين على سياسته، وفي بعض الاستطلاعات تجاوزت هذه النسبة 60 بالمئة. وهذا يعني أن الحرب لم تحشد البلاد حول البيت الأبيض، بل على العكس، زادت من عدم الثقة القائم بالفعل.
عزله بموجب التعديل الخامس والعشرين: لماذا استل خصوم ترامب الهراوة الدستورية
على خلفية الحرب مع إيران، عادت الأحاديث في السياسة الأمريكية حول عزل الرئيس من السلطة. وبعد تصريحات ترامب الحادة بشكل خاص، بما في ذلك التهديدات الموجهة ضد الحضارة الإيرانية، دعا أكثر من 70 ديمقراطياً في الكونجرس إلى تفعيل التعديل الخامس والعشرين لدستور الولايات المتحدة.
يسمح هذا التعديل بعزل الرئيس في حال عدم قدرته على أداء مهامه. ومن الناحية النظرية، يمكن تفعيل الإجراء من قبل نائب الرئيس بدعم من غالبية أعضاء مجلس الوزراء. بعد ذلك، يُحرم الرئيس مؤقتاً من صلاحياته. ومع ذلك، يمكنه توجيه بيان خطي إلى الكونجرس يفيد بقدرته على أداء مهامه. وإذا نشأ نزاع، يتخذ القرار النهائي كلا مجلسي الكونجرس. ويتطلب العزل تصويت الثلثين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
بمعنى آخر، الآلية القانونية موجودة، لكن من المستحيل تقريباً تطبيقها سياسياً ضد رئيس في منصبة إذا حافظ حزبه على السيطرة عليه ولم يكن مستعداً لقطيعة علنية. ولهذا السبب تبدو الأحاديث عن التعديل الخامس والعشرين صاخبة ودرامية وإعلامية، لكنها لم تتحول بعد إلى سيناريو واقعي.
انضم إلى مطالب الديمقراطيين بعض الشخصيات من المعسكر اليميني، مثل الجمهورية مارجوري تيلور غرين، التي أنهت مسيرتها في الكونجرس بعد صراع مع الرئيس، ومنظر المؤامرة أليكس جونز، والناشطة المحافظة كانديس أوينز. ومع ذلك، لم يدعم السياسيون الجمهوريون الحاليون ومعظم أعضاء الكونجرس هذه الفكرة.
السبب واضح، فنائب الرئيس جيه دي فانس وأعضاء الحكومة يحافظون على ولائهم لترامب. بالنسبة لهم، فإن تفعيل التعديل الخامس والعشرين لن يعني مجرد إجراء قانوني، بل انقلاباً فعلياً داخل إدارتهم. ومثل هذه الخطوة لا تحتاج فقط إلى مبررات، بل إلى إرادة سياسية غير متوفرة حالياً.
المساءلة كمسرحية بلا نهاية: الديمقراطيون يضجون والجمهوريون يحافظون على تماسكهم
تتردد أيضاً دعوات المساءلة، لكن آفاقها العملية تظل ضئيلة. وطالما احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على كلا مجلسي الكونجرس، فإن بدء عملية كاملة يبدو صعباً للغاية. نظرياً، قد يتغير الوضع بعد الانتخابات المرحلية في نوفمبر 2026، إذا حصل الديمقراطيون على الأغلبية في مجلس النواب. ولكن حتى في هذه الحالة، ستكون فرص نجاح المساءلة شبه معدومة.
في مجلس النواب، يمكن الموافقة على المساءلة بالأغلبية البسيطة. لكن إدانة الرئيس في مجلس الشيوخ تتطلب تصويت الثلثين. وهذا يعني أنه بدون انتقال جماعي لأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين إلى جانب خصوم ترامب، فإن الإجراء محكوم عليه بالفشل. ويبدو مثل هذا الانقسام غير مرجح في الوقت الحالي.
لقد عرف التاريخ الأمريكي بالفعل محاولتي مساءلة لترامب في عامي 2019 و2021. ولم تؤدِ أي من العمليتين إلى عزله النهائي. والآن، يبدو احتمال تكرار سيناريو مشابه مرتفعاً للغاية: جلسات استماع صاخبة، تصريحات حادة، تعبئة سياسية، وتأثير إعلامي، دون تحقيق نتيجة نهائية.
لهذا السبب، لا يكمن التهديد الحقيقي لترامب في العزل الفوري من السلطة، بل في تآكل السمعة، وفقدان ثقة الناخبين المترددين، وتحول الحرب مع إيران إلى رمز لفشل وعوده.
حركة ماغا لا تزال صامدة ولكن الصدع بدأ يظهر
بين الجمهوريين ومؤيدي حركة ماغا، لا يزال دعم ترامب مرتفعاً. يؤيد الحرب 77 بالمئة من الجمهوريين وحوالي 90 بالمئة ممن يعرفون أنفسهم مع حركة ماغا. ويظل التصنيف الشخصي للرئيس داخل هذه البيئة في نطاق 80 إلى 90 بالمئة.
لكن مشكلة ترامب ليست في جوهر قاعدته الانتخابية فقط. فالجوهر لا يزال معه ومستعد لتبرير أي تحول تقريباً. الصراع الحقيقي يدور حول أولئك الناخبين الذين دعموا ترامب في عام 2024 ليس بسبب الولاء الأيديولوجي، بل بسبب وعد الاستقرار والنظام والبراغماتية الاقتصادية ورفض الحروب الجديدة.
هؤلاء الأشخاص هم من قد يصبحون العامل الحاسم في الانتخابات المرحلية. لن ينتقلوا بالضرورة إلى الديمقراطيين، لكنهم قد لا يذهبون إلى مراكز الاقتراع. قد يعاقبون الجمهوريين في دوائر معينة. قد يبدؤون في التشكيك. وفي النظام الانتخابي الأمريكي، غالباً ما يقرر شك نسبة قليلة من الناخبين مصير الأغلبية في الكونجرس.
وهكذا، تصبح الحرب مع إيران ليس فقط أزمة سياسة خارجية، بل اختباراً داخلياً لاستقرار تحالف ترامب.
وجه الحرب: كيف أصبح بيت هيغسيث الرمز الرئيسي للحملة الفاشلة
أظهر قرار ترامب بالتوجه نحو المفاوضات حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة لم تتمكن من تحقيق أهدافها بالوسائل العسكرية. وتعترف بذلك حتى المنصات الإعلامية التي تدعم الرئيس عادة. لقد صمد النظام الإيراني، وتولى شخصيات أكثر تشدداً مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني مناصب قيادية داخله. تضررت المنشآت النووية، لكن البلاد احتفظت بمخزونها من اليورانيوم المخصب. وظلت وحدات الصواريخ، رغم الخسائر، قادرة على توجيه ضربات للمنشآت الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
على هذه الخلفية، حصل رئيس البنتاغون بيت هيغسيث على دور خاص. لقد أصبح الوجه الرئيسي للحرب. كان يخرج للصحفيين، ويقدم تقارير عن النجاحات، ويتحدث عن الاستسلام الوشيك للنظام الإيراني، ويتهم الصحافة بنقص الوطنية في تغطية الصراع، ويحاول خلق صورة لنصر مطلق.
ولكن كلما زادت التناقضات بين التصريحات الرسمية والواقع، تحول هيغسيث من منبر للنصر إلى مذنب محتمل للفشل. تعارضت تصريحاته المتكررة حول التدمير الكامل للدفاع الجوي الإيراني مع تقارير تفيد بأن الإيرانيين أسقطوا طائرات أمريكية. أثار تفاؤله حفيظة جزء من الإدارة. وبحسب أحد المسؤولين، كان هيغسيث يخبر الرئيس بأكاذيب، ثم يقوم الرئيس بنشر معلومات مضللة بناءً عليها.
وهكذا وجد وزير الدفاع نفسه في وضع خطير: لقد وعد بالنجاح علناً وبشكل مفرط، وقدم تقارير صاخبة عن الانتصارات، وربط مصيره السياسي بعمق بنتيجة الحملة.
نتنياهو والعرض والرهان على الانهيار السريع لإيران
كان أحد الأدوار الرئيسية في الكواليس هو دور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وبحسب المعلومات المتوفرة، فقد تمكن من إقناع ترامب بأن العمل المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل قادر على إلحاق هزيمة عسكرية سريعة بإيران وإثارة أزمة داخلية في البلاد.
قبل أسابيع قليلة من بدء الحرب، وصل نتنياهو إلى واشنطن وقدم في غرفة العمليات بالبيت الأبيض سيناريو يقضي بأن الضربات ضد إيران لن تؤدي فقط إلى إضعاف عسكري، بل إلى انهيار سياسي للنظام. وفقاً لهذا المنطق، كانت الحرب تبدو وكأنها عملية جراحية: ضربة، صدمة، اضطرابات داخلية، ثم تغيير السلطة.
ومع ذلك، أثار هذا السيناريو شكوكاً جدية داخل الإدارة الأمريكية نفسها. وصف مدير وكالة المخابرات المركزية الأمر بأنه مهزلة، ووصفه وزير الخارجية ماركو روبيو بأنه هراء، كما لم يدعم نائب الرئيس جيه دي فانس الخطة. وبعد بدء الحرب، استقال رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب جو كينت احتجاجاً، متهماً إسرائيل ولوبياتها في الولايات المتحدة بإشعال الصراع.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تظهر أن الحرب لم تكن نتيجة إجماع استراتيجي موحد. بل على العكس، بدأت وسط شكوك ونزاعات داخلية ومقاومة من جزء من الجهاز الحكومي. وعندما تعثرت الحملة، طفت هذه الشكوك إلى السطح وأصبحت جزءاً من الصراع لتحديد المذنب.
هل تم العثور على كبش فداء بالفعل؟ لماذا يخشى هيغسيث أن يكون المذنب الرئيسي
يخشى بيت هيغسيث اليوم بشكل متزايد من تحميله مسؤولية إخفاقات الحملة. بالنسبة للبيت الأبيض، سيكون هذا سيناريو مريحاً. يحتفظ الرئيس بصورة القائد الأعلى الذي تلقى معلومات خاطئة، بينما يصبح وزير الدفاع هو الشخص الذي بالغ في تقدير قدرات الجيش، واستهان بإيران، وباع للرئيس صورة متفائلة للغاية.
هذا المنطق ينطبق بشكل خاص قبيل الانتخابات المرحلية. بدأ ترامب بالفعل في التخلص من الشخصيات الأكثر إثارة للجدل في إدارته. ومن بين أولئك الذين تأثروا أو وردت أسماؤهم في الشائعات، وزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم، والمدعية العامة بام بوندي، ورئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، ومديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد. ويتردد اسم هيغسيث في هذه القائمة بشكل متزايد.
يشعر هيغسيث بذلك، وأصبح سلوكه في البنتاغون يشبه بشكل متزايد صراعاً عصبياً من أجل البقاء بدلاً من الإدارة الهادئة للوزارة. إنه مهووس بالتسريبات، ويشتبه في عدم الولاء، ويطالب بانضباط مطلق، ويحاول السيطرة على البيئة الإعلامية المحيطة به.
بنتاغون بلا صحافة: كيف تحولت الحرب ضد التسريبات إلى حرب ضد الصحفيين
كان أحد أكثر جوانب سياسة هيغسيث إثارة للجدل هو محاربة تسريب المعلومات. رسمياً، كان الأمر يتعلق بحماية البيانات السرية والانضباط، ولكن عملياً بدأت إجراءات البنتاغون تُفسر كمحاولة لقمع المنشورات غير المريحة واستبدال الصحافة المهنية بمنصات إعلامية موالية.
وحتى بعد أن قضت المحكمة بأن متطلبات البنتاغون غير قانونية وتحد من حرية الصحافة، استمرت في الواقع. وبعد إدخال قواعد اعتماد تقييدية جديدة، غادرت جميع المطبوعات الكبرى تقريباً الفريق الصحفي للبنتاغون، من الصحف الليبرالية إلى الصحف المحافظة الكبرى.
وافقت في الغالب وسائل إعلام محافظة ثانوية ومشاريع مدونين على العمل في الظروف الجديدة. كان الهدف من وراء ذلك واضحاً: حاول البنتاغون في عهد هيغسيث استبدال الصحافة المزعجة ببيئة إعلامية خاضعة للسيطرة. لكن الأثر كان عكسياً، فبدلاً من الانضباط، نشأ شعور بالانغلاق والخوف ومحاولة إخفاء الحجم الحقيقي للمشاكل.
أجهزة كشف الكذب، الشكوك والبارانويا: كيف اصطدم هيغسيث بجيشه
أدى اشتراط الولاء المطلق إلى تقويض الثقة في هيغسيث داخل المؤسسة العسكرية. وفي إطار سعيه لكشف مصادر التسريبات، بدأ هو ومحاميه تيم بارلاتور في إجراء فحوصات على أجهزة كشف الكذب لموظفي البنتاغون والعسكريين. وبعد شكاوى عديدة، اضطر البيت الأبيض للمطالبة بوقف هذه الفحوصات.
لكن الضرر كان قد وقع بالفعل. فقد ساد شعور داخل الجيش بأن الوزير لا يرى في مرؤوسيه محترفين، بل خونة محتملين. مثل هذه الأجواء تدمر نظام القيادة بشكل أعمق بكثير من أي منشور صحفي؛ فالمؤسسة العسكرية لا تقوم على الأوامر فحسب، بل على الثقة، والسمعة المهنية، واستقرار الإجراءات. وعندما يبدأ الوزير في الإدارة عبر الشك، تصبح القرارات المهنية فوضوية، ويتوقف الجنرالات عن فهم القواعد التي تُقيم خدماتهم بناءً عليها.
تعد قصة الفريق دوغلاس سيمز مثالاً صارخاً على ذلك، حيث وقع تحت طائلة الشك في التورط بالتسريبات. في البداية رفض هيغسيث ترقيته، ثم وافق بعد تحقيق أثبت براءته وبناءً على طلب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجديد دان كين، لكنه عاد وتراجع عن قراره مجدداً. في النهاية، قدم سيمز استقالته بعد 34 عاماً من الخدمة. مثل هذه القصص تظهر للضباط أن المسيرة المهنية لم تعد تعتمد على الجدارة والخبرة، بل على الشكوك السياسية ومزاج الوزير.
التقرير الذي هز واشنطن: لماذا أُقيل مدير استخبارات البنتاغون
يحتل عزل مدير وكالة استخبارات الدفاع، الفريق جيفري كروز، مكانة خاصة في هذه الأحداث. فقد أقاله هيغسيث في أغسطس 2025، متذرعاً بـ "فقدان الثقة"، لكن السياق السياسي كان واضحاً.
في يونيو، أعدت وكالة كروز تقريراً أولياً حول الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، ذكر أن هذه الضربات لم تؤدِ إلا إلى تأخير البرنامج النووي لعدة أشهر فقط. وهذا تناقض مباشرة مع الرواية الرسمية للبيت الأبيض حول التدمير الكامل للمنشآت. وعندما تسرب التقرير للصحافة، شكل ضربة لهيغسيث ولإدارة ترامب بأكملها؛ فإذا كانت الاستخبارات محقة، فهذا يعني أن الحرب لم تحقق هدفها الرئيسي، وأن الولايات المتحدة حصلت على أزمة استراتيجية ومالية ضخمة دون نتيجة حاسمة. في هذا السياق، لم تبدُ إقالة كروز كقرار إداري، بل كعقاب للمنظومة على قول الحقيقة المزعجة.
تطهير الجنرالات: كيف تحول البنتاغون إلى ساحة للتصفية الأيديولوجية
بالتوازي مع ذلك، بدأ هيغسيث حملة تطهير واسعة النطاق بين كبار الضباط. رسمياً، تم تبرير ذلك بالحاجة إلى تجديد القيادة ومحاربة عدم الولاء، لكن عملياً، وقعت النساء وممثلو الأقليات العرقية والضباط الذين تم تعيينهم في عهد إدارة بايدن تحت طائلة هذه الحملة.
كان أول المقالين تشارلز براون، أول أمريكي من أصل أفريقي يرأس هيئة الأركان المشتركة. ثم فقدت قائدة القوات البحرية ليزا فرانشيتي، ورئيسة حرس السواحل ليندا فاغان، والجنرال جينيفر شورت مناصبهن، وجميعهن نساء. كما رُفض تعيين الأدميرال مايكل دونيلي قائداً للأسطول السابع بسبب منشورات في وسائل إعلام محافظة حول سماحه بعرض "دراغ شو" على متن حاملة طائرات قبل سبع سنوات، حيث حُوّلت الحادثة إلى رمز لـ "الحرب الثقافية" داخل الجيش.
حتى الحرب الجديدة لم توقف هذه التصفيات. ففي أوائل أبريل، طالب هيغسيث رئيس أركان الجيش، الجنرال راندي جورج، بمغادرة منصبه، وهو ضابط مخضرم قاد القوات في العراق وأفغانستان. وبشكل عام، منذ تعيينه، أقال هيغسيث أكثر من عشرين جنرالاً وأدميرالاً، وغير ستة من أصل ثمانية من كبار ضباط هيئة الأركان المشتركة. لقد غادر الخدمة بأمره تسعة جنرالات برتبة أربع وخمس نجوم، وهو عدد يعادل ما أقاله الرؤساء الأمريكيون خلال الـ 150 عاماً الماضية مجتمعين.
الخوف من الخليفة: لماذا يحارب هيغسيث الجميع
خط صراع آخر برز في علاقة هيغسيث مع وزير الجيش دان دريسكول، حيث يراه هيغسيث خليفة محتملاً ويسعى للحد من نفوذه. حاول هيغسيث إقالة دريسكول، لكن الأخير وجد حماية قوية من نائب الرئيس جيه دي فانس. هذا الأمر حول الخلاف المهني إلى عنصر صراع أوسع داخل الإدارة، حيث لم يعد هيغسيث يدير البنتاغون فحسب، بل يدافع عن موقعه ويقصي المنافسين.
في مارس 2025، عرقل هيغسيث ترقية ضباط من النساء والأمريكيين من أصل أفريقي لرتب جنرالات. والنموذج الأكثر وضوحاً كان مع اللواء أنطوانيت غانت، حيث طالب مدير مكتب هيغسيث بإلغاء تعيينها في منصب قيادي بدعوى أن الرئيس ترامب "لن يرغب في الوقوف بجانب ضابطة سوداء" في المناسبات الرسمية، وهو ما أدى لتدخل البيت الأبيض لدعمها بعد شكوى دريسكول.
النتيجة الكبرى: أمريكا بحثت عن النصر في إيران فحدثت الأزمة في دارها
كان من المفترض أن تظهر العملية ضد إيران قوة الولايات المتحدة، لكنها بدلاً من ذلك كشفت ضعف النظام السياسي الأمريكي وارتهانه للانقسامات الداخلية والطموحات الشخصية. النتيجة العسكرية كانت غير محددة؛ فإيران لم تسقط، وبرنامجها النووي لم يُدمر نهائياً، ومضيق هرمز أصبح أداة للابتزاز، وأسعار الوقود ضربت المواطنين، وتراجع تصنيف الرئيس.
الأمر الأكثر خطورة هو أن السؤال الآن لم يعد يتعلق بإيران، بل بمن سيتحمل مسؤولية حملة بيعت للمجتمع كعرض للقوة وأصبحت مصدراً لأزمة داخلية. سيسعى ترامب لإلقاء اللوم على مرؤوسيه، وسيحاول هيغسيث إثبات أنه نفذ إرادة الرئيس، بينما ستذكر الاستخبارات بأنها حذرت من المخاطر.
لقد دخلت السلطة الأمريكية الحرب مرة أخرى بوعد بتحقيق نتيجة سريعة، وخرجت منها بالبحث عن كبش فداء. وكلما طال هذا البحث، أصبح من الواضح أن الهزيمة الكبرى للولايات المتحدة قد لا تكون إيران، بل نظامها السياسي الذي بات يعجز عن التمييز بين الاستراتيجية والارتجال، وبين القوة والاستعراض، وبين النصر الحقيقي ومجرد صورة تلفزيونية.