...

ثمة حكمة دبلوماسية قديمة تقول إن الصمت في لحظات التحول التاريخي هو خيار في حد ذاته، وغالبا ما يكون الأسوأ بين الخيارات الممكنة. وفي الصراع العسكري الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تتبنى المملكة العربية السعودية هذا الموقف تحديدا: ضبط نفس استعراضي يفضل المسؤولون في الرياض تسميته "الحذر الاستراتيجي"، بينما يصفه المراقبون الخارجيون بالشلل.

وفي هذه الأثناء، المنطقة تشتعل. الصواريخ البالستية الإيرانية تصل أحيانا إلى الأراضي السعودية. مضيق هرمز - الشريان الذي يمر عبره يوميا ما بين 17 إلى 21 مليون برميل نفط، أي نحو 21 بالمئة من الاستهلاك العالمي - يواجه تهديدا حقيقيا بالإغلاق. وأسعار النفط تشهد قفزات حادة، حيث تجاوز سعر خام برنت في أسابيع معينة 110 دولارات للبرميل قبل أن يتراجع وسط حالة عدم اليقين بشأن أمد الصراع. أما برنامج "رؤية 2030"، الذي كان يهدف لتحويل السعودية إلى اقتصاد ما بعد النفط بإنتاج محلي متنوع، فيواجه تحديات جسيمة. ويظهر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - الرجل الذي راهن بكل رصيد المملكة السياسي على هذا التحول - هدوءا نموذجيا في العلن، بينما ترسم المحادثات الخاصة، وفقا للبيانات المسربة، صورة مختلفة تماما.

هذه ليست مجرد قصة عن حرب محددة، بل هي قصة عن حدود الطموح، والفجوة بين خطاب القوة والإمكانيات الواقعية، وكيف أصبح أكبر مصدر للنفط في العالم رهينة لقرارات الآخرين في منطقته.

رؤية 2030 رهينة الحرب

لفهم منطق سلوك الرياض، يجب إدراك حجم الرهان الذي وضعته السعودية على التنمية السلمية. "رؤية 2030" ليست مجرد برنامج اقتصادي، بل هي مشروع وجودي للعائلة المالكة. ويتعلق الأمر بإعادة هيكلة اقتصاد البلاد، الذي يعتمد بنسبة تزيد عن 70 بالمئة على الهيدروكربونات، ليصبح نظاما متنوعا يضم السياحة المتطورة، والتصنيع عالي التقنية، والخدمات المالية، والطاقة المتجددة.

الأرقام مثيرة للإعجاب؛ حيث يدير صندوق الاستثمارات العامة أصولا تقدر بنحو 700 مليار دولار. ومن المقرر استثمار أكثر من 500 مليار دولار في مشروع "نيوم"، المدينة الخطية المستقبلية على ضفاف البحر الأحمر وخليج العقبة. ويتجاوز إجمالي الاستثمارات في إطار الرؤية تريليون دولار. كانت السعودية تطمح لاستقبال 150 مليون سائح سنويا بحلول عام 2030 وخفض حصة النفط في الناتج المحلي الإجمالي إلى 50 بالمئة.

لكن الحرب تدمر هذا المنطق بشكل منهجي. فالمستثمرون الأجانب يشعرون بالقلق، إذ لا يتدفق رأس مال جاد إلى منطقة لا يمكن لمدمرة أو ناقلة نفط عبور مضيق هرمز فيها دون خطر التعرض لهجوم. وبناء "نيوم"، الذي كان متأخرا بالفعل عن الجدول الزمني، يواجه الآن تأخيرات جديدة، حيث أعلن صندوق الاستثمارات العامة رسميا عن "إعادة ترتيب الأولويات" لصالح الطاقة البديلة والموارد المائية والخدمات اللوجستية. كما توقفت بطولات الغولف التابعة لولي العهد، وتم بيع سبعين بالمئة من الحصص في نادي الهلال، العلامة التجارية الأبرز في كرة القدم السعودية. هذه ليست تضحيات صغيرة، بل هي أعراض لمرض أعمق: اقتصاد بني لجذب السلام يضطر الآن للتكيف مع الحرب.

علاوة على ذلك، فإن وضع الميزانية السعودية ليس مثاليا. فسعر توازن الميزانية للمملكة - وفقا لحسابات صندوق النقد الدولي - يبلغ نحو 78-80 دولارا للبرميل. ومع تقلب الأسعار بين 85 و110 دولارات، يظل الوضع تحت السيطرة، لكن أي زعزعة استقرار طويلة الأمد في مضيق هرمز تهدد بنتائج متناقضة: يرتفع سعر النفط، لكن الصادرات السعودية تتعطل فعليا. وقد ارتفعت معدلات التأمين على الشحن عبر هرمز أضعافا، مما يجعل التصدير أغلى واقعيا.

فخ السمعة: عندما يصبح الإنكار استراتيجية

أكثر المواقف إيلاما لصورة الرياض كانت تقارير شهر فبراير حول ضغط محمد بن سلمان على الرئيس ترامب لضرب إيران، وهو ما نفاه السعوديون. ثم تبعتها قصة في أبريل عن ضغوط لمنع الوقف المبكر للأعمال القتالية، ونفى السعوديون ذلك مرة أخرى.

المشكلة هي أن الإنكار الدبلوماسي في عصر التسريبات والتحقيقات الاستقصائية يعمل بشكل مختلف تماما عما كان عليه في الماضي. فإذا كانت المعلومات موثوقة وتكررت في وسائل إعلام مختلفة بمصادر متنوعة، فإن الإنكار العلني يزيد الوضع سوءا. تقع الرياض هنا في فخ: قبول الاتهامات يعني هشاشة سياسية داخليا وفي العالم العربي، وإنكارها يعني الظهور بمظهر غير صادق أمام الشركاء الغربيين.

يعكس فخ السمعة هذا تناقضا أعمق في السياسة السعودية. فمن ناحية، دعمت الرياض علنا التقارب مع طهران، حيث قُدم الاتفاق بوساطة صينية في عام 2023 لاستئناف العلاقات الدبلوماسية كاختراق قادر على تغيير الديناميكيات الإقليمية. ومن ناحية أخرى، يبدو أن التوقعات الخاصة لولي العهد كانت تختلف جذريا عن الخطاب المعلن.

هذا وضع كلاسيكي للعبة مزدوجة يصعب الاستمرار فيها طويلا، خاصة في ظل حرب تضع كل شيء في نصابه الصحيح بسرعة.

ثلاثة سيناريوهات ولا أحد منها مثالي

يبدو أن المحللين في الرياض وضعوا ثلاثة سيناريوهات لنتائج الصراع، ولا يمكن اعتبار أي منها مواتيا تماما للمملكة.

حالة الجمود هي النتيجة الأكثر احتمالا في المدى القصير؛ حيث يعلن ترامب "النصر"، وتبقى القوات الأمريكية في المنطقة، وتستمر العقوبات على إيران، لكن القدرات العسكرية لطهران لا تُدمر. بالنسبة للسعودية، يعني هذا استمرار العيش تحت تهديد الصواريخ والمسيرات الإيرانية، تماما كما كان الوضع بعد الهجوم على منشآت "بقيق" و"خريص" في سبتمبر 2019. حينها تعطل نصف إنتاج النفط السعودي مؤقتا، وكان الأثر كبيرا بفقدان نحو 5.7 مليون برميل يوميا. أظهر ذلك الحادث مدى هشاشة البنية التحتية النفطية السعودية، وسيناريو الجمود يعني بقاء هذه الهشاشة.

النصر الكامل للولايات المتحدة هو النتيجة الأفضل للرياض؛ فإيران المجردة من الطموحات النووية والقدرة على عرض القوة عبر الوكلاء ستجعل المنطقة مكانا يمكن للسعودية فيه المطالبة بدور المهيمن. بلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران في عام 2023 نحو 366 مليار دولار، أي نحو نصف الناتج السعودي البالغ 1.06 تريليون دولار. ومع تحييد العامل العسكري الإيراني، سيتغير ميزان القوى جذريا، لكن هذا السيناريو هو الأقل تصديقا في الرياض نفسها.

أما انتصار إيران فهو الكارثة؛ رفع العقوبات، تعزيز النظام، السيطرة على مضيق هرمز، وانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة. إذا كان السيناريو الأول يمثل صداعا مزمنا، فإن الثالث يمثل تهديدا وجوديا ليس فقط لـ "رؤية 2030"، بل للملكية نفسها.

إن سلوك السعودية المراوغ والحذر الذي يفتقر لموقف واضح يشير إلى أن الرياض تنظر إلى السيناريوهين الثاني والثالث كاحتمالات متساوية تقريبا. وهذا يفسر كل شيء: من إنكار التورط في بداية الحرب، إلى غياب الرد العسكري على الضربات الإيرانية، واستخدام صيغة "نحتفظ بحق الرد" - وهي صياغة دبلوماسية لا تُلزم بشيء.

الجيوسياسة العربية: حلفاء ليسوا حلفاء

من العوامل الهيكلية للسلبية السعودية هي العزلة الكارثية للمملكة في العالم العربي، وهي عزلة ساهمت الرياض في صنعها إلى حد كبير.

فالإمارات العربية المتحدة، التي تُعتبر رسميا أقرب شريك اقتصادي، تتبع منذ فترة سياسة مستقلة. فقد قامت أبوظبي بتطبيع العلاقات مع إسرائيل ضمن "اتفاقيات أبراهام" عام 2020 قبل السعودية، وتحولت دبي إلى مركز مالي عالمي ينافس الرياض مباشرة. وفيما يخص الرد على التهديد الإيراني، للإمارات منطقها الخاص الذي لا يتوافق دائما مع المنطق السعودي.

أما مصر، أكبر دولة عربية من حيث السكان، فهي غارقة في مشكلات اقتصادية داخلية؛ حيث يتجاوز دين البلاد 92 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتخطى التضخم 30 بالمئة في عامي 2023-2024، مما يجعل القاهرة غير قادرة ماديا على مشاركة عسكرية فعالة.

والأردن يوازن بين التبعية الاقتصادية للمانحين الغربيين وبين وجود قاعدة سكانية فلسطينية ضخمة تجعل أي دعم معلن لعملية إسرائيلية أمريكية مستحيلا سياسيا.

أما العراق فقصة أخرى؛ فهو دولة ذات أغلبية برلمانية شيعية مندمجة بعمق في دائرة النفوذ الإيراني، مع وجود عسكري مكثف للفصائل الموالية لإيران. وتعرض الأراضي السعودية لهجمات من قبل وكلاء في العراق هو نتيجة طبيعية لهذا الواقع.

بمعنى آخر، لا تملك السعودية ظهيرا عربيا موثوقا به. أزمة الخليج عام 1990-1991 وحدت تحالفا عريضا، أما الصراع الحالي فلا. وهذا قيد جوهري لا يمكن لأي تصريحات خطابية حول "الحق في الرد" تجاوزها.

القدرات العسكرية: عملاق بقدمين من طين؟

تعد السعودية من بين أكبر خمس دول إنفاقا عسكريا في العالم. ووفقا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تجاوزت الميزانية العسكرية للمملكة في عام 2023 مبلغ 75 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يضعها في المرتبة الثامنة عالميا من حيث الحجم المطلق. يبلغ تعداد الجيش نحو 250 ألف فرد، وتمتلك المملكة مقاتلات "إف-15" حديثة ومنظومات دفاع جوي من طراز "باتريوت" و"تايفون".

ومع ذلك، فإن التاريخ العسكري السعودي في السنوات الأخيرة يرسم صورة مختلفة. حملة اليمن التي بدأت في عام 2015 بتوقعات متفائلة بأن "العملية ستستغرق بضعة أسابيع"، تحولت إلى مستنقع دام سنوات. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن التكاليف العسكرية المباشرة للسعودية في اليمن بلغت ما بين 5 إلى 6 مليارات دولار سنويا. والنتيجة: لم يتم القضاء على الحوثيين، وتمت استعادة السيطرة الإقليمية جزئيا فقط، ولا تزال عدن غير مستقرة. والحوثيون هم من شنوا الهجوم على "بقيق" و"خريص" في عام 2019، مما يعني أن وكلاء إيران على الحدود الجنوبية للمملكة كانوا قادرين على ضرب قلب البنية التحتية النفطية.

هذا يعني أن القدرات العسكرية السعودية كبيرة على الورق، لكن فاعليتها العملياتية تثير تساؤلات جادة. فالجيش الذي لم يتمكن من هزيمة قوات غير نظامية مثل الحوثيين على مدار تسع سنوات، ليس الجيش القادر على محاربة إيران بمفرده.

هنا يكمن التناقض الجوهري في استراتيجية الأمن السعودية؛ المملكة تنفق مبالغ طائلة على شراء الأسلحة - حيث كانت خلال العقد الماضي أكبر أو ثاني أكبر مستورد للأسلحة في العالم - لكنها في الوقت نفسه لا تستثمر بشكل كاف في التدريب القتالي، والعقيدة العسكرية، والتكامل العملياتي. فالسلاح الغربي في يد جيش لم يمر بثقافة عسكرية متناسبة لا يتحول تلقائيا إلى قوة قتالية فعالة.

مفارقة هرمز: عندما يصبح نفطك سلاحا ضدك

لا يعد مضيق هرمز مجرد نقطة جغرافية، بل هو العصب الرئيسي للنظام الطاقي العالمي؛ حيث يمر عبره نحو 20-21 بالمئة من الاستهلاك العالمي للنفط، بما في ذلك حوالي 76-80 بالمئة من صادرات النفط لكل من السعودية والإمارات والكويت والعراق.

وإذا قامت إيران بإغلاق أو عرقلة الملاحة عبر هرمز بشكل كبير، فإن ذلك سيضرب السعودية في مقتل بشكل مباشر. تمتلك الرياض مسارا بديلا وهو خط أنابيب شرق-غرب بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميا وصولا إلى البحر الأحمر، لكن هذا يمثل تقريبا نصف إجمالي الصادرات السعودية فقط، أما البقية فتمر عبر هرمز.

ولهذا السبب، فإن مسألة التأمين البحري لحرية الملاحة في مضيق هرمز ليست مسألة تجريدية، بل هي مصلحة اقتصادية مباشرة للسعودية. ومع ذلك، فإن المشاركة في هذا التأمين بشكل علني تعني فعليا الدخول في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يحمل في طياته مجموعة من المخاطر السياسية التي تحاول الرياض تجنبها.

تصف هذه المفارقة بدقة المعضلة الأساسية للمملكة: مصلحتها الاقتصادية الكبرى تتطلب المشاركة في أعمال عسكرية تفرض منطقتها السياسية ضرورة تجنبها.

الولايات المتحدة وإسرائيل: حلفاء لا يستشيرون

تشكلت في الرياض رواية واضحة حول العقدين الأخيرين من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وهذه الرواية، رغم ما فيها من جدل، تحتوي على قدر كبير من الصحة التحليلية.

لقد دمر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 الموازن السني الرئيسي لإيران وهو صدام حسين. وكانت النتيجة تحول العراق إلى ساحة للنفوذ الإيراني، وحصول الحرس الثوري والكيانات التابعة له على حضور دائم عند الحدود السعودية. أما الاتفاق النووي لعام 2015 من وجهة نظر الرياض، فقد عنى إضفاء الشرعية على إيران كلاعب إقليمي ورفع جزئي لضغوط العقوبات دون فرض قيود هيكلية على طموحاتها الإقليمية. كما تم تفسير غياب الرد الأمريكي الحازم على ضرب بقيق وخريص في عام 2019 في الرياض كإشارة مفادها: أن الولايات المتحدة لن تحارب من أجل النفط السعودي.

والآن تأتي عملية "الغضب الملحمي"؛ قرار اتُخذ دون مشاورات منهجية مع الرياض، وغير الميزان الإقليمي بشكل جذري. قد يكون محمد بن سلمان متفقا مع الهدف وهو إضعاف إيران، لكن كان لديه كل الأسباب للشك في الوسيلة. فالضربة ضد إيران دون خطة واضحة لترتيبات ما بعد الحرب في المنطقة هي بالضبط نوع "المغامرات غير المدروسة" التي تعلمت الرياض التعرف عليها.

وهنا يبرز سؤال جوهري حول طبيعة التحالف الأمريكي السعودي. رسميا، بُنيت العلاقات على صيغة "النفط مقابل الأمن"، والتي ثبتت منذ لقاء روزفلت وابن سعود على متن سفينة حربية في فبراير 1945. لكن هذه الصيغة تآكلت منذ فترة طويلة؛ إذ جعلت ثورة النفط الصخري الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم بنحو 13 مليون برميل يوميا، فانخفض اعتماد واشنطن الطاقي على الرياض بشكل جذري، وبالتالي تغيرت طبيعة الالتزامات.

بالنسبة للسعوديين، يعني هذا إدراكا مريرا: الدعم الأمريكي مشروط وظرفي وتحدده مصالح لا تتوافق دائما مع مصالح المملكة.

العامل الصيني: المستفيد الصامت

لا يمكن تجاهل ظرف واحد يعقد الموقف السعودي بشكل خطير؛ فالصين هي أكبر مشتر للنفط السعودي، حيث يذهب نحو 20-22 بالمئة من صادرات المملكة إلى الصين تحديدا. وقد تطورت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بسرعة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري في عام 2023 نحو 107 مليارات دولار.

بكين هي التي توسطت في استعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في عام 2023، في خطوة غير مسبوقة أظهرت الطموحات الصينية في المنطقة. بالنسبة للرياض، تمثل الصين مصدرا بديلا للاستثمارات والتكنولوجيا والغطاء الدبلوماسي، مما يمنع الاعتماد الحصري على الشركاء الغربيين.

إن المشاركة النشطة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ستعقد حتما العلاقات السعودية الصينية. تتبنى بكين موقفا محايدا في العلن، لكنها فعليا قريبة من طهران في القضايا الرئيسية: العقوبات ضد إيران، البرنامج النووي، والوجود العسكري الأمريكي. وهذا يمثل قيدا هيكليا آخر على النشاط السعودي.

عندما يصبح الحذر الاستراتيجي ضعفا استراتيجيا

هناك فرق جوهري بين الحذر الذي تمليه التقييمات الواقعية للمخاطر، وبين السلبية الناجمة عن عدم القدرة على اتخاذ قرار. الأول فضيلة، والثاني ثغرة.

تتأرجح السعودية منذ عدة أشهر من هذا الصراع على الحافة بين هاتين الحالتين. وتبدو الرواية التي تقول إن الأمر يتعلق بالحالة الثانية أكثر إقناعا.

لننظر إلى الحقائق الملموسة؛ هاجمت القوات الإيرانية الأراضي السعودية أكثر من مرة، وصرحت الرياض بامتلاكها "حق الرد"، لكن لم يتبع ذلك أي رد. هذه ليست مجرد إشارة ضعف، بل هي دعوة لمزيد من التصعيد. في المنطق الاستراتيجي للشرق الأوسط، حيث يُبنى الردع على استعراض القوة، يُفهم الصمت ردا على ضربة كإذن بالاستمرار.

وتعد المقارنة مع اللاعبين الإقليميين الآخرين ذات دلالة؛ فإسرائيل -دولة يبلغ عدد سكانها 9.7 مليون نسمة وناتجها المحلي نحو 522 مليار دولار- تخوض حربا في آن واحد ضد إيران والحوثيين والوكلاء العراقيين. قد تعجب القرارات التي تتخذها تل أبيب أو لا تعجب أحدا، لكن لا أحد يشك في جاهزية القيادة الإسرائيلية للتحرك. وإيران -دولة يبلغ عدد سكانها 89 مليون نسمة، مخنوقة بالعقوبات، بناتج محلي نحو 366 مليار دولار- تقاتل ضد أقوى تحالف عسكري ولا تستسلم. أما السعودية -دولة يتجاوز ناتجها المحلي تريليون دولار، بإنفاق عسكري هائل وخطاب قوة إقليمية- فلا تفعل شيئا.

هذا التناقض تحديدا هو ما يستحق الحديث عنه بوضوح.

ماذا يعني القيادة الحقيقية

إن اتخاذ موقف سعودي واضح تجاه هذا الصراع لا يعني بالضرورة الدخول في الحرب؛ بل يعني شيئا آخر تماما: تحمل المسؤولية عن المصالح الذاتية.

تتعدد الخطوات الملموسة التي كان بإمكان الرياض اتخاذها دون الانخراط في نزاع عسكري مباشر. فالمشاركة في القوات البحرية الدولية لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز لن تحمي صادرات النفط السعودية فحسب، بل ستضع المملكة في صورة الطرف المسؤول والفاعل. كما أن الرد المتماثل على الضربات الإيرانية - ليس بالضرورة أن يكون واسع النطاق، بل واضحا ومتناسبا - من شأنه أن يعيد ترسيخ الردع. أما الصياغة العلنية للموقف، بأن إيران هاجمت السعودية وأننا نرد دفاعا عن مصالحنا الخاصة لا دعما لحروب الآخرين، فكانت ستفكك فخ السمعة المحيط بالمملكة.

هذا النهج تحديدا هو ما كان سيتماشى مع الخطاب الذي عملت الرياض على صياغته بعناية في السنوات الأخيرة. إن "رؤية 2030" ليست مجرد برنامج اقتصادي، بل هي سردية سياسية عن السعودية كقوة سيادية واثقة وحديثة. لكن القوة السيادية التي لا تتفاعل مع الضربات المباشرة الموجهة لأراضيها هي تناقض لفظي.

المشكلة لا تكمن في نقص الموارد؛ إذ لا تملك أي دولة في المنطقة، باستثناء إسرائيل ربما، إمكانيات مالية مماثلة لممارسة سياسة أمنية نشطة. المشكلة تكمن في غياب الإرادة السياسية لاتخاذ الخيار في ظل ظروف عدم اليقين.

أصداء تاريخية: دروس لم تتعلمها الرياض

عرف تاريخ السياسة الخارجية السعودية فترات من التفكير الاستراتيجي الأصيل. فقرار عام 1973 باستخدام حظر النفط كسلاح سياسي - مهما كان مثيرا للجدل - أظهر الجاهزية للتحرك بشكل غير متماثل. كما أظهر دعم المجاهدين الأفغان في الثمانينيات - مع كل العواقب طويلة الأمد - فهما بأن النفوذ يُبنى عبر المشاركة الفاعلة.

اتسمت العقود التالية بتحول تدريجي من السياسة الخارجية النشطة إلى السياسة الانفعالية. فقد اعتادت السعودية على دور "المثبت"، أي الدولة التي تشتري الاستقرار عبر التدفقات المالية بدلا من فرض القوة عبر الأفعال. نجح هذا النموذج طالما كانت الولايات المتحدة ضامنا موثوقا للأمن الإقليمي، لكنه يتوقف عن العمل عندما يصبح من الصعب التنبؤ بالتحركات الأمريكية.

لقد وصل محمد بن سلمان إلى السلطة بخطاب يقطع مع هذا التقليد السلبي. وكانت حملة اليمن، بغض النظر عن الموقف منها، بادرة من هذا النوع، تهدف لإثبات أن الجيل الجديد من القيادة السعودية لا يخشى المخاطرة. لكن التجربة اليمنية كانت مؤلمة لدرجة أنها شكلت، على ما يبدو، عدم ثقة مستداما لدى ولي العهد بالمغامرات العسكرية.

هذا الأمر مفهوم سيكولوجيا، لكنه خطير استراتيجيا؛ لأن المساحة الفاصلة بين "مستنقع اليمن" و"حرب إيران" واسعة بما يكفي لسياسة أمنية نشطة ومتزنة في آن واحد. والرياض لم تجد نقطة التوازن هذه بعد.

مستقبل ما بعد الحرب: من سيبني الشرق الأوسط الجديد

بغض النظر عما ستؤول إليه نتائج الصراع الحالي، فإن الشرق الأوسط بعد الحرب سيبدو مختلفا. ستنشأ ترتيبات أمنية جديدة، وروابط اقتصادية جديدة، ومناطق نفوذ جديدة. والسؤال هو: من سيكون جالسا على طاولة المفاوضات عند صياغة هذه الترتيبات؟

الولايات المتحدة بكل تأكيد، وإسرائيل بشكل أو بآخر، وإيران بناء على نتائج الحرب، والصين كثقل اقتصادي، وتركيا كقوة إقليمية تملك طموحاتها الخاصة.

أما السعودية؟ ففي ظل السياسة الحالية، ستكون في أفضل الأحوال متلقيا سلبيا لقرارات الآخرين. فالدولة التي لا تشارك في تشكيل النظام الإقليمي لا تملك حق التصويت عند بنائه. هذا ليس تشاؤما، بل هو منطق العلاقات الدولية.

تواجه الرياض ضرورة الاختيار؛ ليس بين الحرب والسلام - فهذا الخيار قد اتُخذ بالفعل دونها - بل بين دور المفعول به في سياسات الآخرين، أو الفاعل في سياستها الخاصة. إن البرنامج الاقتصادي التريليوني، والدبلوماسية المتطورة سريعا، والنفقات العسكرية الضخمة توفر الشروط اللازمة للدور الأخير. هي شروط لازمة، لكنها ليست كافية.

الشرط الكافي هو الإرادة؛ إرادة اتخاذ القرارات في ظروف عدم اليقين، وتحمل مسؤوليتها ودفع ثمنها. هذه الإرادة تحديدا هي ما يميز القوى التي تصنع التاريخ عن تلك التي تكتفي بالعيش فيه.

تقف السعودية أمام هذا الخيار الآن، والوقت ينفد بسرعة. المسألة ليست في امتلاك الرياض للموارد الكافية لسياسة نشطة، فهي تمتلك ما يفوق الكفاية؛ بل المسألة في امتلاكها الحزم للتوقف عن التظاهر بأنه يمكن ربح جولة تاريخية دون القيام بأي نقلة.