...

نادرا ما تلاحظ القوى الكبرى لحظة شيخوختها الاستراتيجية. فهي تمكث زمنا طويلا داخل الاسطورة التي صنعتها بنفسها. تمكث طويلا وهي تتامل مجموعات حاملات الطائرات، وشبكات الاقمار الصناعية، والطائرات الشبحية، ومنظومات الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات، والميزانيات العسكرية ذات الاحجام الفلكية. ويخيل اليها ان كلفة قوتها نفسها اصبحت ضمانا للنصر. غير ان التاريخ يكون قاسيا على وجه الخصوص مع اولئك الذين يستبدلون الفاعلية الحقيقية بثمن الواجهة.

وهذا بالضبط ما يحدث اليوم للالة العسكرية الامريكية على خلفية الصراع حول إيران. فالقضية لم تعد مجرد ازمة اخرى في الشرق الاوسط، وليست مجرد مواجهة اقليمية حادة، ولا تقتصر فقط على تداعيات قرارات الرئيس الأمريكي ترامب. فما ينكشف امام اعيننا اخطر من ذلك بكثير - انه الازمة الداخلية للنموذج الأمريكي نفسه في ادارة الحرب، ذلك النموذج القائم على الثقة بان التفوق التكنولوجي يمنح تلقائيا نتيجة استراتيجية.

قوة مذهبة وهشاشتها الخفية

على مدى عقود، انطلقت الولايات المتحدة من معادلة اغرائية واحدة: يمكنها ان تضرب من دون ان تستنزف نفسها؛ ويمكنها ان تفرض الارادة من دون ان تدفع ثمنا مماثلا؛ ويمكنها ان تسيطر على الجو والبحر والفضاء والمجال الرقمي، وبالتالي - ان تتحكم ايضا بالمحصلة السياسية للصراع. وقد نشا هذا الايمان من نشوة الانتصار بعد حرب الخليج، ومن عبادة الضربة الدقيقة، ومن اسطورة القوة الجراحية التي قيل انها قادرة على ان تحل محل الاستراتيجية الكبرى.

وطالما كان الخصم مفككا، فقيرا، متخلفا تكنولوجيا، او معتمدا على الامدادات الخارجية، بدا هذا النموذج بالفعل وكأنه غير قابل للطعن. لكن في اللحظة التي يجد فيها الطرف الاخر ردا غير متماثل ومدمرا اقتصاديا، تبدا البنية كلها بالتشقق. لقد اظهرت إيران ان مواجهة التفوق الأمريكي لا تستلزم بالضرورة حشد قوة اكبر. يكفي فقط ان تجعل الحرب نفسها مكلفة للغاية بالنسبة الى واشنطن، ومرهقة، ومزعجة، وطويلة اكثر مما تحتمل.

وربما تكون هذه هي الضربة الاكثر ايلاما للعقيدة الامريكية. فالمسالة ليست ان الولايات المتحدة كفت عن ان تكون قوية. المشكلة في شيء اخر: قوتها اصبحت باهظة على نحو وحشي، وذلك في حقبة تتجه فيها الحرب بسرعة نحو الرخص.

حين تصبح الحسابات استراتيجية

العصب الرئيسي في هذه القصة كلها ليس مقارنة الجيوش بحد ذاتها، بل مقارنة الكلف. فالقوات الامريكية والاسرائيلية قادرة على تدمير عدد كبير من الاهداف. لكنها تفعل ذلك على حساب ذخائر غالية، ولوجستيات معقدة، وضغط على سلاسل الانتاج، واستهلاك لمخزونات لا يمكن تعويضها بسرعة الى ما لا نهاية. اما إيران فبامكانها ان توقع ضررا ربما اقل اتساعا، لكنها تفعل ذلك بكلفة اقل بكثير - بواسطة الطائرات المسيّرة المتسلسلة الانتاج، والصواريخ، والالغام، والضربات الموجهة الى نقاط البنية التحتية، واللعب على هشاشات سوق الطاقة العالمي.

في مثل هذه الحرب، لا تحسم الامور فقط القدرة التدميرية، بل ايضا كلفة دورة الضربة الواحدة. فاذا كان اعتراض مسيّرة رخيصة يكلف الخصم مبلغا يمكن بواسطته تصنيع عشرات ومئات المسيّرات الجديدة، فان الذي يبدا بالكلام في ساحة القتال، عاجلا ام اجلا، ليس التكنولوجيا بل الاقتصاد. وهنا تحديدا تطفو على السطح حقيقة مزعجة لواشنطن: اغلى جيش في العالم ليس بالضرورة الاكثر جدوى في ظروف صراع طويل قائم على الاستنزاف.

عصر الكتلة الدقيقة قد بدا فعلا

لفترة طويلة، احب منظرو المستقبل العسكري الحديث عن حرب فائقة السرعة قادمة - حرب تعمل فيها المنظومات الذاتية والذكاء الاصطناعي ودورات اتخاذ القرار الالي بسرعة تجعل الانسان مجرد مراقب. لكن الواقع جاء في الوقت نفسه اكثر عادية واكثر رعبا. فالعالم لا يدخل بقدر ما يدخل في عصر حرب خيالية فائقة السرعة، بل في عصر الكتلة الدقيقة.

جوهر هذا العصر بسيط ومدمر. فقد كف السلاح عالي الدقة عن ان يكون سلعة حصرية للقوى الكبرى. لقد اصبح جماهيريا. واصبح رخيصا بما يكفي لكي يستخدم على شكل موجات وسلاسل وفي نمط استنزافي، من دون تعامل شبه مقدس مع كل قطعة على حدة. لقد اتحدت الدقة مع العدد. وهذا تحديدا ما يقلب كل التصورات السابقة عن التفوق العسكري.

بالامس فقط كانت الضربة الدقيقة امتيازا لعدد محدود من الدول. اما اليوم، فان الضربات الدقيقة الرخيصة على نطاق واسع اصبحت متاحة لعدد كبير من البلدان وحتى للبنى المسلحة غير الحكومية. وهذا يعني ان الهرمية النفسية للنظام العالمي القديم تتداعى نفسها، تلك الهرمية التي كان فيها الاغنياء والمختارون تكنولوجيا يعدون احتكار السلاح المعقد جزءا غير قابل للنزع من هيمنتهم.

اوكرانيا والبحر الاحمر وإيران - الحرب الجديدة نفسها

من راقب الجبهة الاوكرانية عن كثب، لم يكن بوسعه الا ان يلاحظ: ميدان القتال قد تغير فعلا. المسيّرات الجماعية، والذخائر الجوالة، والروابط بين الاستطلاع والضرب، والحضور المتواصل للتهديد الرخيص في الجو - كلها حولت مساحات واسعة من الجبهة الى فضاءات اصابة دائمة. ففي الاماكن التي كانت ترمز فيها اعمدة الدبابات والغارات الجوية الكثيفة الى معنى الحرب، بات يهيمن منطق اخر - منطق القتل المتسلسل، الملح، والرخيص نسبيا.

والدرس نفسه اعطته التجربة الامريكية في مواجهة الحوثيين. وربما لم يتحول ذلك الى صدمة حقيقية لدى الجمهور الواسع. لكنه كان ينبغي ان يدوي في المجتمع العسكري الاحترافي كجرس انذار. فخصم محلي محدود الموارد استطاع ان يفرض شكلا من المقاومة كلف الولايات المتحدة ثمنا باهظا جدا. وهذا لم يعد شذوذا عابرا، بل حبكة تتكرر: اللاعب الاقل قوة ليس مضطرا الى الانتصار وجها لوجه. يكفيه ان يفرض على القوة الكبرى شكلا من القتال تتحول فيه كلفة التفوق الأمريكي الى عبء يعمل ضدها.

وإيران في هذا السياق ليست استثناء، بل ذروة. انها ليست حالة منفصلة، بل حلقة اخرى من التحول التاريخي نفسه: الحرب تصبح ارخص في الانتاج واغلى في الصد.

الجو لم يعد يضمن النتيجة السياسية

ظلت الثقافة الاستراتيجية الامريكية على مدى سنوات طويلة واقعة في حب الجو بصورة تكاد تكون رومانسية. فالتفوق في السماء كان ينظر اليه بوصفه طريقا شبه تلقائي الى الاكراه السياسي. وكان يعتقد ان الضغط الكثيف، والضربات الدقيقة، وتدمير الاهداف الحيوية، واستعراض الفجوة التكنولوجية، والاثر النفسي للعنف غير القابل للرد، كلها ستكسر ارادة الخصم عاجلا ام اجلا.

لكن الواقع يثبت العكس مرة بعد اخرى. فالقوة الجوية قد تثير الاعجاب. وقد تدمر. وقد تخلق شعورا بالسيطرة الكاملة. لكنها بعيدة عن ان تكون دائما قادرة على توفير الخاتمة السياسية التي يحتاجها مبادر الحرب. العراق، افغانستان، ليبيا، وسلسلة من الحملات الاخرى - كلها اظهرت، كل بطريقتها، العيب نفسه: الولايات المتحدة تجيد ببراعة بدء الفعل العسكري، لكنها تزداد عجزا عن تحويل التفوق العسكري الى نتيجة سياسية طويلة الامد.

والمشهد الإيراني لا يفعل سوى جعل هذه المشكلة القديمة مستحيلة التجاهل. فالحرب التي كان يفترض خوضها بالمسافة المريحة نفسها وبالثقة المريحة نفسها، تتحول بسرعة كبيرة الى عملية استنزاف متبادل. والاستنزاف ليس ميدان المسرحة الامبراطورية، بل المجال الذي تبدا فيه حدود القوة الحقيقية بالظهور.

المسيّرة بوصفها رمزا لدمقرطة الفتك

ينبغي ان نفهم امرا اساسيا: المسيّرة ليست مجرد جهاز. انها رمز سياسي لعصر جديد. انها تعني ان الفتك كف عن ان يكون امتيازا نخبويا. وتعني ان القدرة على الحاق ضرر دقيق لم تعد حكرا على اصحاب البرامج التي تلتهم مليارات الدولارات، والمختبرات فائقة السرية، والعناقيد الدفاعية المغلقة. وتعني ان الحرب اقتربت من الانتاج التسلسلي، وبالتالي - اقتربت من الانتشار الجماهيري.

بالامس، كان يمكن النظر الى المسيّرة بوصفها تكنولوجيا مساعدة، او اداة استطلاع، او مجرد غرابة لعمليات خاصة. اما اليوم، فهي المشاة الجديدة للسماء. انها مورد هجومي قابل للاستهلاك. انها وسيلة لجس الدفاع باستمرار، وتدمير اللوجستيات، والضغط على العمق الخلفي، ومطاردة الاهداف الباهظة، وتقويض التماسك النفسي للخصم.

وكلما مضى الوقت، ستغدو المسالة الاهم ليست كمال المنصة المفردة، بل القدرة على انتاج الاف المنظومات الفعالة بما يكفي. وهنا تحديدا تبدا المشكلة البنيوية بالنسبة الى الولايات المتحدة. فالالة العسكرية الامريكية اعتادت التفكير بطريقة باهظة، وبطيئة، ومعقدة، ومثقله بالبيروقراطية. لقد اعتادت صنع الاستثنائي. لكن الحرب الجديدة تتطلب شيئا اخر - ان تنتج بسرعة، وان تتكيف فورا، وان تخسر من دون تقديس للخسارة، وان تعوض من دون هستيريا.

امبراطورية المنصات الثقيلة في مواجهة عالم السلاسل السريعة

مشكلة الولايات المتحدة لا تكمن فقط في كلفة التسليح. المشكلة في منطق الانتاج العسكري نفسه. فالنظام الأمريكي مصمم على المنصات الكبرى، ودورات الشراء الطويلة، وشبكات المقاولين شديدة التعقيد، والبرامج الممتدة لسنوات، والتقديس شبه الطقسي للتعقيد التكنولوجي. لكن عصر الحرب الرخيصة المتسلسلة يتطلب النقيض تماما: المرونة، والسرعة، وقابلية الاستبدال، والقدرة على الانتاج الكمي، والاستعداد للتعلم السريع من ميدان القتال.

ولهذا يكتسب دلالة رمزية كبيرة ان واشنطن بدات تبحث عن حلول في منظومات تشبه الوسائل التي كانت حتى وقت قريب تعد اسلحة للصف الثاني. فعندما تضطر قوة عظمى الى التامل بعناية في النماذج التي يستخدمها خصمها بكفاءة، فهذا لم يعد مجرد تكيف. انه علامة على ان الثقة العسكرية القديمة بالنفس قد تصدعت.

ومع ذلك، فان حتى التكيف الناجح لن يعيد الى الولايات المتحدة احتكارها السابق. فاذا كانت التكنولوجيا قد غادرت بالفعل الحيز المغلق الى العالم، وانتشرت، واصبحت الوسائل الدقيقة الرخيصة جزءا من القاعدة العسكرية الجديدة، فان واشنطن لا تستطيع الا تقليص تاخرها ضمن المنطق الجديد، لكنها لن تستعيد استثنائيتها المفقودة. وبالنسبة الى امبراطورية، فذلك يكاد يكون صدمة فلسفية.

من ضرب القواعد الى ضرب منظومة البقاء

العنصر الاخطر في هذا العصر الجديد يتمثل في ان السلاح الجماهيري الرخيص يدفع الحرب حتما نحو العنف الموجه ضد البنية التحتية. فعندما لا يعود الهدف هو الاحتلال بقدر ما هو الاستنزاف، تبدا الحرب اكثر فاكثر بضرب الطاقة، والاتصالات البحرية، والموانئ، واللوجستيات، والشرايين النقلية، والمنشات المدنية ذات الاستخدام المزدوج. وما كان يبدو قبل وقت قريب عبورا واضحا للخط الاحمر، يبدا تدريجيا بالتحول الى قاعدة جديدة للصراع.

ومن الناحية العسكرية يمكن تفسير ذلك. اما من ناحية القانون، فهو امر مروع. فالعالم يدخل مرحلة يتقدم فيها الانخفاض التكنولوجي في كلفة العنف بسرعة تفوق سرعة بلورة القواعد التي تحد منه. وبمعنى اخر، صار التدمير اسهل من الاتفاق على حدود المسموح. وهذه ليست مجرد حرب من نوع جديد. انها ازمة في قدرة النظام الدولي نفسه على ابقاء الحرب داخل حدودها السابقة.

لماذا تكف الحرب الذكية عن ان تكون ذكية

لقد جرى تعويد المجتمع الأمريكي طويلا على صورة الحرب الذكية - حرب بعيدة، تكنولوجية، خاضعة للسيطرة، لا تتطلب تعبئة شاملة، ولا تكون ملحوظة كثيرا في الحياة اليومية لغالبية المواطنين. لكن لكل وهم امبراطوري حدوده. فاذا كان الخصم قادرا على الضرب في اسواق الطاقة، والمسارات البحرية، والاصول العسكرية الباهظة، والعقد العصبية للاقتصاد العالمي، فان الحرب تستعيد ثمنها من جديد. وتعود مرة اخرى لتصبح لا مجرد صورة تلفزيونية، بل عاملا في الحساب، والخوف، والنقص، والتهيج السياسي، والتعب.

ومن هذا المنظور بالذات اكتسب الصراع حول إيران اهمية كبيرة. فهو يكشف حدود الجيش الأمريكي وحده، وحدود الثقافة السياسية الامريكية كلها، تلك الثقافة التي كثيرا ما تتصور القوة بوصفها اجراء اداريا: اضغط، اضرب، افرض الاطار، شدد العقوبات، اظهر الحزم. لكن في عالم يستطيع فيه الاخر ان يدمر يقينك الباهظ بكلفة اقل، يتعطل هذا المنطق. وتفسح الادارة المجال لرد الفعل العصبي. ويحل البحث عن مخرج من الفخ محل استعراض القوة.

التصعيد بوصفه فخا لمن اعتاد الانتصار السريع

اخطر اللحظات بالنسبة الى القوى الكبرى تبدا حين لا تمنح الضربات الاولى الاثر المطلوب. ففي تلك اللحظة يظهر اغراء زيادة الضغط. وزيادة الضغط، حين لا تقود الى التحول الحاسم، تولد التهيج. والتهيح يدفع الى رفع الرهانات اكثر. وهكذا ينشا فخ التصعيد - لا لان القوة الكبرى تفتقر الى القوة، بل لانها غير مهيأة نفسيا للاعتراف بحدود ادواتها المألوفة.

وهكذا تجد الامبراطوريات نفسها في صراعات طويلة. ليس بسبب ضعف مفاجئ، بل بسبب الاعتياد الطويل على نصر سريع وجميل. وحين لا يصل النصر في موعده، تبدا الالة السياسية بالتخبط بين تصعيد جديد وبين بحث مؤلم عن مخرج. وكلما طال ذلك، ازداد وضوحا ان الامر لم يعد يتعلق باستعراض القوة، بل بصراع من اجل حفظ ماء الوجه.

إيران معلما في رياضيات الحرب القاسية

تكتسب إيران في هذه القصة اهميتها لا كمشارك في الصراع فقط، بل بوصفها حاملة لمنطق جديد في المقاومة. ودرسها بسيط الى اقصى حد: لا حاجة الى ان تكون اقوى من خصمك في كل شيء لكي تفسد استراتيجيته. ولا حاجة الى تدمير كل شيء لكي تهدم اسطورته الاساسية. يكفي احيانا ان تجعل الخصم يخوض الحرب بكلفة عالية جدا، وباعصاب مشدودة جدا، ولمدة طويلة جدا.

وهذه هي الصيغة الجديدة للاتماثل غير المتكافئ. فهي لا تقوم على عبادة رومانسية للضعيف في مواجهة القوي، بل على حساب بارد. فاذا كنت قادرا على فرض حرب يجعل فيها كل تحرك رخيص نسبيا من جانبك الخصم ينفق اضعافا لا تقارن، فانت لا تعود مجرد طرف يقاوم - بل تصبح طرفا يغير منطق الصراع نفسه.

انهيار احتكار التفوق التكنولوجي

وسيكون من الخطأ اختزال كل شيء في المجال العسكري وحده. ففي الحقيقة نحن امام ازمة تصور غربي اوسع للتكنولوجيا بوصفها ضمانة لهيمنة مستقرة. ففي البداية تبدو التكنولوجيا الجديدة دائما تقريبا اداة لاحتكار الاقوياء. ثم تنخفض كلفتها، وتنتشر، وتتبسط، وتخرج من دائرة النخبة، وتبدا في العمل لا لمصلحة القادة فقط بل ضدهم ايضا.

وهذا بالضبط ما حدث مع المسيّرات. وقد يتكرر الشيء نفسه مع تقنيات اخرى ذات استخدام مزدوج، بما فيها الانظمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ففي البداية تبدو هذه التقنيات عرشا جديدا لقوة عظمى. ثم تتحول تدريجيا الى اداة لتقويض استثنائيتها. ولهذا تكتسب الازمة الراهنة حول إيران كل هذه الاهمية. فهي لا تكشف فقط تحولات فن الحرب، بل حدود الفلسفة القديمة كلها، فلسفة الهيمنة التكنولوجية.

ماذا على امريكا ان تفعل الان

ما يواجه الولايات المتحدة ليس فقط مسالة اعادة التسليح. بل مسالة اعادة فهم الذات. كيف تخوض الحروب اذا كان الخصم قادرا على مبادلة جماهيريته الرخيصة بفرادتك الباهظة؟ كيف تبني الردع اذا كانت مصادر التهديد لا تقتصر على الجيوش الكبيرة، بل تشمل ايضا فاعلين تعلموا كيف يوسعون بسرعة نطاق الضربات الدقيقة؟ كيف تحمي المضائق، والموانئ، والبنية التحتية الاساسية، والمسارات العالمية، في عالم اصبحت فيه الحرب متسلسلة ورخيصة؟

الجواب القديم لم يعد يعمل. فلا يمكن معالجة العصر الجديد بلا نهاية بواسطة مقولات قديمة. ولا يمكن الظن ان برنامجا باهظا اخر سيحل تلقائيا مشكلة لم تعد بطبيعتها مشكلة منصات، بل مشكلة انتاج، وشبكات، ولا تماثل. ولا يمكن النظر الى الحرب بوصفها مسرحا للتفوق حين تكون قد تحولت الى عملية استنزاف.

التاريخ قد غير مرشحه المفضل

الاستنتاج الاساسي واضح الى ابعد حد. لقد اظهرت إيران لا ان الولايات المتحدة اصبحت فجاة عاجزة، بل ان القوة الامريكية صارت باهظة اكثر مما تحتمله الحرب التي بدات فعلا. وبالنسبة الى امبراطورية، قد يكون ذلك احيانا اشد رعبا من الضعف المكشوف. فالضعف يمكن الاعتراف به وتصحيحه. اما اللاجدوى الباهظة فكثيرا ما يجري الخلط بينها وبين العظمة.

ولهذا فان المفاجاة الحقيقية ليست في ان المسيّرات اثبتت فعاليتها مرة اخرى. فهذا بات معروفا. المفاجاة الحقيقية تكمن في شيء اخر: الصيغة الامبراطورية القديمة - نحن اغلى، اذن نحن اقوى - لم تعد تقنع حتى ميدان القتال نفسه. واذا لم تستوعب واشنطن هذا الدرس حتى نهايته، فان الحرب التالية ستكون بالنسبة اليها امتحانا اشد ايلاما.

لان تاريخ القرن الحادي والعشرين يقف بوضوح متزايد لا الى جانب الاغنى، بل الى جانب الاكثر قدرة على التكيف. لا الى جانب القوة الاكثر كلفة، بل الى جانب تلك القوة التي تعرف كيف تحول الرخص الى استراتيجية، والكتلة الى ضغط، والبساطة التكنولوجية الى تفوق سياسي.