...

على امتداد المواجهة مع إيران، ظلت صياغات واشنطن العلنية تتبدل وتتأرجح، بل وتتعارض أحيانًا. لكن خيطًا واحدًا بقي ثابتًا تقريبًا: إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن الهدف الجوهري هو منع طهران من امتلاك سلاح نووي. وفي هذا السياق تحديدًا يُطرح أحد أخطر السيناريوهات وأكثرها تعقيدًا: ليس مجرد توجيه ضربات للبنية التحتية، بل تنفيذ عملية ميدانية لانتزاع مخزونات اليورانيوم المخصب وعالي التخصيب من داخل إيران.

هذه ليست خطوة رمزية ولا عملية عسكرية عابرة. بل خطة معقدة متعددة المراحل، مرهقة تقنيًا ومحفوفة بالمخاطر سياسيًا وعسكريًا. فهي تتطلب التوغل عميقًا داخل الأراضي الإيرانية، والتمركز في عدة نقاط، وتأمين محيط العمليات، وإزالة الأنقاض، وتحديد مواقع المواد الخطرة، ثم تحميلها ونقلها، وكل ذلك تحت تهديد اشتباك مباشر.

موقف ترامب من هذا الملف شهد تذبذبًا واضحًا في الأيام الأخيرة. ففي 29 مارس، لوّح بإنذار مباشر: على إيران تسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وإلا ستواجه عواقب كارثية. بدا الخطاب أقرب إلى إنذار نهائي: إما التخلي عن المادة التي قد تمهد لامتلاك سلاح نووي، أو مواجهة ضغط عسكري ساحق.

لكن بعد يومين فقط، تغيّر الخطاب. إذ جرى التقليل من أولوية هذه المخزونات، بحجة أنها مدفونة في أعماق يصعب الوصول إليها، خاصة بعد الضربات السابقة التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية. ومع ذلك، تشير التقديرات الاستخباراتية الأميركية إلى أن الوصول إلى هذه المواد لم يُغلق بالكامل. أي أن تدمير البنية التحتية لا يعني بالضرورة فقدان المادة نفسها.

ترامب لم يغلق الباب أمام هذا السيناريو. بل أكد أن القرار لم يُحسم بعد، وأن الحرب — من منظور واشنطن — لا يمكن اعتبارها منتهية قبل التأكد من عجز إيران عن تطوير سلاح نووي. بل ذهب أبعد من ذلك في 1 أبريل، حين صرّح بأن إيران ربما لم تعد قادرة على بلوغ هذا الهدف، وأن اليورانيوم لم يعد أولوية عاجلة، مع التشديد على استمرار المراقبة عبر الأقمار الصناعية.

لكن مجرد طرح هذا السيناريو يكشف الكثير. فهناك فرق شاسع بين قصف منشأة من الجو، وبين اقتحامها ميدانيًا، وإزالة الأنقاض، والعثور على الحاويات المحددة، والتأكد من طبيعة المواد، ثم إخراجها بأمان من دولة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية معتبرة.

نظريًا، قد تكون القوات التي دفعتها الولايات المتحدة إلى المنطقة كافية لتنفيذ عملية من هذا النوع، خاصة في مواقع مثل أصفهان ونطنز. لكن الأعداد وحدها لا تحسم المعركة. فالمسألة تتعلق بالقدرة على السيطرة الميدانية، وتأمين المجال الجوي، وقطع خطوط الإمداد، وضمان عدم انهيار العملية في ساعاتها الأولى.

في وقت سابق، كانت واشنطن قد طرحت على طهران شروطًا قاسية مقابل تخفيف العقوبات، شملت تفكيك البرنامج النووي، وتدمير منشآت رئيسية، وتسليم اليورانيوم المخصب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهذا بحد ذاته يكشف أن الصراع لم يعد تقنيًا حول أجهزة الطرد المركزي، بل تحول إلى صراع على السيطرة الفعلية على المادة النووية نفسها.

التقارير الإعلامية الأميركية تشير إلى أن ترامب يدرس خيار عملية عسكرية لانتزاع هذه المواد. لكن مثل هذه العملية، بحسب التقديرات، ستتطلب بقاء قوات أميركية داخل إيران لأيام وربما لأسابيع. وهذا يغيّر طبيعة السيناريو بالكامل: لم يعد مجرد ضربة خاطفة، بل بداية حملة برية محدودة.

قبل العمليات الأخيرة، كان يُعتقد أن إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إضافة إلى نحو 200 كيلوجرام بنسبة 20% يمكن رفعها بسهولة إلى مستوى عسكري. وهذه الأرقام تحديدًا هي ما يجعل الملف بالغ الحساسية. فطالما بقيت هذه المخزونات، تبقى احتمالات التصعيد قائمة.

لكن المشكلة الأبرز تكمن في غياب صورة دقيقة. لا توجد معلومات مؤكدة حول مواقع هذه المواد، أو حالتها، أو ما إذا تم نقلها بعد الضربات. وهذا الغموض بحد ذاته يجعل أي عملية عسكرية محفوفة بالمخاطر، حيث قد تتحول الخطة إلى ارتجال ميداني تحت النار.

تشير بعض التقديرات إلى أن جزءًا كبيرًا من المخزون لا يزال محفوظًا في منشآت أصفهان تحت الأرض. لكن لا ضمان أن كل الكميات موجودة في موقع واحد. وإذا كان التوزيع متعددًا، فإن العملية تتحول إلى حملة معقدة متعددة الجبهات، تشمل اقتحامات، واستطلاع هندسي، وإزالة ألغام، ودعم لوجستي مستمر.

هذا ليس سيناريو “دخلنا وأخذنا وخرجنا”. لا وجود لبساطة سينمائية هنا. فالمداخل قد تكون مدمرة، ما يستدعي عمليات حفر وإزالة أنقاض باستخدام معدات ثقيلة، مع كل ما يرافق ذلك من ضوضاء وانكشاف ميداني وحاجة لحماية مستمرة من الهجمات.

العملية، إذا نُفذت، ستتطلب مراحل متتابعة: شل الدفاعات الجوية، تحييد الحماية الأرضية، فرض غطاء جوي دائم، إنشاء قاعدة ميدانية أو السيطرة على مطار، نشر منظومات دفاع جوي، إدخال وحدات هندسية، ثم فرق متخصصة للنزول إلى المنشآت واستخراج المواد.

بمعنى آخر، نحن أمام سلسلة عمليات مترابطة، حيث يمكن لفشل حلقة واحدة أن يؤدي إلى انهيار الخطة بالكامل.

الجغرافيا تزيد التعقيد. ففي أصفهان، يتطلب الأمر السيطرة على مطار قريب أو إنشاء مهبط مؤقت. أما إذا امتدت العملية إلى نطنز أو فوردو — المدفون تحت الجبال — فإن مستوى الصعوبة يتضاعف بشكل هائل، وقد يتحول السيناريو إلى حملة برية واسعة النطاق.

حتى وحدات النخبة لن تكون كافية وحدها. فهذه العملية تحتاج إلى منظومة عسكرية كاملة: طيران، قوات إنزال، مهندسون، خبراء مواد خطرة، أنظمة حرب إلكترونية، دفاع صاروخي، واستطلاع دائم.

بل إن الضربات السابقة ربما زادت التعقيد بدل أن تخففه. فبدل منشآت معروفة البنية، قد تواجه القوات شبكة أنفاق منهارة وممرات مشوهة، ما يجعل التخطيط المسبق أقل فاعلية، ويرفع احتمالات الأخطاء القاتلة.

وإذا شمل السيناريو مواقع متعددة، خاصة فوردو المحصن تحت الجبال، فإن العملية تتحول من مغامرة عالية المخاطر إلى واحدة من أعقد العمليات العسكرية الممكنة في العصر الحديث.

رغم أن الدور المحوري في أي عملية للاستحواذ على اليورانيوم عالي التخصيب كان سيقع على عاتق قيادة العمليات الخاصة المشتركة الأميركية، التي تشرف على نخبة الوحدات الأكثر تدريبًا في الجيش الأميركي، فإن هذه المنظومة وحدها، بكل قدراتها، لن تكون كافية لتنفيذ مهمة بهذا الحجم والتعقيد.

فالعملية، في حال تنفيذها، ستتطلب إشراك عناصر من مختلف الوحدات التابعة لهذه القيادة تقريبًا: من قوة “دلتا”، إلى وحدة DEVGRU المعروفة سابقًا باسم “سيل تيم 6”، مرورًا بالفوج الجوي 160 للعمليات الخاصة، الشهير بـ”الصيادين الليليين”، فضلًا عن قوات تقليدية كبيرة لتأمين مسرح العمليات وضبط محيطه.

لكن التحدي لا يتوقف عند حدود القوى البشرية. فالضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية زادت المشهد تعقيدًا. فحتى لو أجرت هذه الوحدات تدريبات مكثفة، فمن المرجح أنها تدربت على نماذج كاملة للمنشآت، لا على هياكل منهارة وممرات مدمرة.

وقد تجد هذه القوات نفسها مضطرة، بعد اقتحام المواقع، إلى استدعاء وحدات “سيبيز” — أي مهندسي القتال في البحرية الأميركية. وفي الواقع، قد يكون العامل الهندسي هو الفيصل الحقيقي بين النجاح والفشل في مثل هذه المهمة.

التحدي الآخر يتمثل في نقل اليورانيوم نفسه. فالمادة تُخزن في أسطوانات تشبه قوارير الغوص، ويجب وضعها داخل حاويات خاصة للنقل، ربما تحت نيران مباشرة. صحيح أن القوات المشاركة ستكون مجهزة بمعدات حماية ومدربة على التعامل مع المواد الخطرة، لكن ذلك “لا يعني إطلاقًا أن الأمور ستسير بسلاسة”.

المسألة لا تتعلق فقط بالإجراءات، بل بطبيعة المادة نفسها. فاليورانيوم هنا لا يوجد في صورة معدنية مكشوفة، بل في شكل مركب كيميائي — سادس فلوريد اليورانيوم. وهذا يعني أن الخطر الأساسي لا يكمن في الإشعاع بقدر ما يكمن في السمية العالية والتفاعل الكيميائي الخطير. وبالتالي، تصبح الحاجة إلى معدات حماية كيميائية، وإجراءات صارمة لضمان إحكام الإغلاق، وتحميل بالغ الدقة، أمرًا لا غنى عنه.

ورغم أن الخطر الإشعاعي ليس العامل الحاسم في هذه المرحلة، فإن احتمالات التسرب أو تلف الحاويات تجعل من عملية الإخلاء بحد ذاتها مهمة معقدة للغاية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل العامل الإيراني. فحتى بعد الخسائر الكبيرة، لا تزال طهران تمتلك قدرات عسكرية معتبرة. الحرس الثوري والجيش النظامي قادران على تنظيم مقاومة فعالة، وإغراق منطقة العمليات بقوات كثيفة، وفرض سيناريوهات حصار أو استنزاف طويل.

كما أن إيران تدرك جيدًا المواقع التي قد تستهدفها الولايات المتحدة، ما يمنحها الوقت لبناء دفاعات متعددة الطبقات، وتعزيز الحماية، وإعداد كمائن، بل وحتى وضع خطط لتدمير المواد أو نقلها عند الضرورة.

وسط كل ذلك، يبرز السؤال الجوهري: هل تستحق الغاية هذا المستوى من المخاطرة؟

أنصار هذا الخيار يرون أن وجود اليورانيوم المخصب يعني بقاء نافذة إعادة إحياء البرنامج النووي مفتوحة. فحتى لو انتهت الحرب، فإن بقاء هذه المواد يمنح طهران فرصة العودة إلى المسار النووي مستقبلًا. فالمعرفة والخبرة والبنية العلمية لا تُمحى بالقصف. يمكن تدمير المنشآت، لكن لا يمكن تدمير العقول.

في المقابل، فإن كلفة هذا الخيار واضحة: توغل عسكري عميق داخل إيران، بنتائج غير قابلة للتنبؤ. وحتى لو نجحت العملية تكتيكيًا، لا ضمان ألا تتحول إلى حرب برية أوسع، أو إلى نزاع إقليمي مفتوح، أو إلى استنزاف طويل يعيد الولايات المتحدة إلى مستنقع شرق أوسطي جديد.

لا يزال أمام واشنطن خيار آخر — الضغط الدبلوماسي لفرض تسليم هذه المواد. وقد ألمح البيت الأبيض مرارًا إلى رغبته في إدراج هذا الملف ضمن أي تسوية محتملة. لكن المشكلة أن طهران رفضت حتى الآن هذه الطروحات، فيما تبدو فرص الاتفاق السياسي ضبابية للغاية.

بل إن واشنطن لوّحت بخيارات تصعيدية أخرى، تشمل ضرب البنية التحتية للطاقة، أو حتى السيطرة على جزيرة خرج، الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية.

وهذا يعني أن ملف اليورانيوم لا يُناقش بمعزل عن سياق أوسع من أدوات الضغط. فإذا انهارت الدبلوماسية بالكامل، قد تعود الولايات المتحدة إلى الخيار الأكثر قسوة: الاستحواذ المادي على هذه المواد.

حينها، لن تكون المسألة مجرد عملية عسكرية، بل معضلة تاريخية: كيف يمكن ليس فقط تعطيل البرنامج النووي، بل انتزاع قلبه النابض من تحت الأرض، داخل أراضي الخصم.

ورغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية، فإن الصورة لا تزال ملتبسة. نعم، القدرات تراجعت. نعم، الإنتاج تقلص. لكن ذلك لا يعني انتهاء المشكلة. فطالما بقيت المخزونات، وبقيت المعرفة، وبقي القرار السياسي، فإن إمكانية العودة تظل قائمة.

هنا يكمن جوهر القضية. الضربات الجوية قد تؤخر البرنامج، وتربك منظومته، وتدمر مكوناته المادية. لكنها قد لا تكون كافية لضمان نهاية نهائية للمشروع النووي.

ومن هنا يطرح السؤال الأصعب: هل واشنطن مستعدة للانتقال من حرب عن بعد إلى حرب اقتحام مباشر، من أجل مئات الكيلوغرامات من المواد المدفونة تحت الأرض، بين الصخور والفولاذ والنيران؟

لهذا السبب، تبدو أي عملية محتملة لانتزاع اليورانيوم الإيراني ليس كاستعراض قوة، بل كواحد من أخطر السيناريوهات في مشهد التصعيد الراهن. إنها ليست مجرد خطوة عسكرية، بل اختبار حقيقي لحدود الإرادة الأميركية، وقدرتها اللوجستية، واستعدادها لدفع ثمن باهظ في سبيل إغلاق الملف النووي الإيراني بشكل نهائي.