على مدى عقود، كان الغزو البري الأميركي لإيران يُنظر إليه بوصفه أقصى درجات التصعيد، مكلفاً إلى حد يمنع الشروع فيه، ومزعزعاً للاستقرار إلى حد يصعب معه استمراره. لكن هذه الفرضية بدأت اليوم تفقد صلابتها. فمع اتساع رقعة الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، بات ما كان يُعدّ في السابق من قبيل المستحيل أقرب إلى الاحتمال. ولم يعد السؤال يدور حول ما إذا كان الغزو البري ممكناً، بل حول أين يمكن أن يبدأ، وهل يستطيع أن يفضي إلى نتائج استراتيجية حاسمة.
للوهلة الأولى، تبدو أطراف إيران وكأنها تتيح أكثر من بوابة للولوج، من الخليج العربي وخليج عُمان إلى المناطق الحدودية الغربية. غير أن هنا تكمن الخديعة الكبرى. فالجغرافيا نفسها التي تجعل الغزو ممكناً، هي أيضاً التي تجعله بلا أفق استراتيجي حقيقي. إذ تدفع الجغرافيا العسكرية لإيران القوى الخارجية إلى عدد محدود من العقد الساحلية، ومراكز الطاقة، والممرات الحدودية، وهي ليست طرقاً إلى النصر بقدر ما هي مفاتيح لتصعيد أوسع. وما يبدو على السطح باقة من الخيارات، ليس في الحقيقة سوى خريطة للعواقب.
ويتجلى هذا المنطق بوضوح في خمس نقاط رئيسية: جزيرة خرج، ومضيق هرمز، وجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وممر تشابهار ــ كنارك، ومحور عبادان ــ خرمشهر. كل واحدة من هذه النقاط تبدو، للوهلة الأولى، مدخلاً متاحاً، لكن أياً منها لا يفتح طريقاً نظيفاً إلى نجاح استراتيجي.
جزيرة خرج.
تُعدّ جزيرة خرج فعلاً من تلك المواقع النادرة التي يتطابق فيها الإغراء العسكري تقريباً بشكل كامل مع السمية الاستراتيجية. فعلى الخريطة تبدو هدفاً مثالياً: جزيرة صغيرة، بعيدة عن عمق الأراضي الإيرانية، ومكتظة بالخزانات، والأرصفة، وخطوط الأنابيب، ومنظومات الشحن والنقل. لكن هذا التمركز الكثيف نفسه هو ما يجعلها لا مجرد نقطة هشّة، بل بؤرة قابلة للانفجار على المستوى الجيو اقتصادي. فقرابة 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر خرج. وتقع الجزيرة على مسافة تقارب 25 إلى 30 كيلومتراً من الساحل الإيراني، وتتمتع بأعماق تسمح باستقبال ناقلات النفط العملاقة جداً، وهي ميزة لا تتوافر على نحو كامل في جزء كبير من الساحل القاري. وتُقدَّر سعة التخزين في خرج بما بين 28 و30 مليون برميل.
والدور الاقتصادي الذي تؤديه خرج لإيران يتجاوز بكثير كونها مجرد محطة تصدير. ففي الأشهر الأخيرة، بلغ إنتاج إيران نحو 3.2 إلى 3.3 ملايين برميل يومياً، بينما ارتفع الإجمالي، مع المكثفات وسائر السوائل الهيدروكربونية، إلى نحو 4.4 إلى 4.5 ملايين برميل يومياً. وحتى تحت وطأة العقوبات والاضطراب الإقليمي، ظلّ التصدير الإيراني مستقراً عند حدود 1.1 إلى 1.5 مليون برميل يومياً. وهذا يعني أن خرج ليست رمزاً فحسب، بل القلب النابض الفعلي للآلة النفطية الإيرانية. وأي ضربة تطاولها لا تصيب الهامش، بل تضرب العصب المركزي للموازنة، وعائدات النقد الأجنبي، وتماسك التجارة الخارجية للجمهورية الإسلامية.
هنا بالتحديد تبدأ المفارقة الكبرى. فكلما ازدادت أهمية خرج بالنسبة إلى إيران، ارتفعت كذلك الكلفة العالمية لأي ضربة تستهدفها. فالنفط الإيراني، رغم نظام العقوبات، ما زال يؤدي دوراً مهماً، وخصوصاً بالنسبة إلى السوق الصينية. وخلال عام 2025، بلغ متوسط مشتريات الصين من النفط الإيراني نحو 1.3 إلى 1.4 مليون برميل يومياً. وكان أكثر من 80 في المئة من الشحنات البحرية للنفط الإيراني يتجه إلى هناك. وعليه، فإن استهداف خرج يتحول فوراً من مسألة إيرانية داخلية إلى عامل ضغط على أكبر مستورد للمواد الخام في العالم، وعلى سلاسل الإمداد الآسيوية، وعلى سوق الخصومات المرتبطة بالنفط الخاضع للعقوبات برمته. وبعبارة أخرى، فإن الضربة التي تصيب خرج تكاد تتحول تلقائياً من عمل عسكري محلي إلى حدث ذي ارتدادات عالمية.
وقد أظهرت الأشهر الأخيرة أن الأمر ليس مجرد تصور نظري، بل واقع عملي قائم. فأي إصابة للبنية التحتية النفطية الإيرانية تثير حكماً احتمال رد طهران على منشآت الطاقة في دول المنطقة. وهذه هي بالضبط آلية التصعيد. فالضربة التي تطاول خرج تكاد تدفع إيران دفعاً إلى توسيع أفقي للصراع عبر كامل القوس الطاقوي في الخليج العربي. وفي مثل هذا السيناريو، لا تعود المنشآت الإيرانية وحدها تحت التهديد، بل تصبح أيضاً محطات التصدير في دول الجوار، والبنية التحتية للموانئ، ومنشآت شحن النفط، وعقد الأنابيب، ومسارات ناقلات النفط.
وتتفاعل الأسواق مع هذه المخاطر على الفور، لأنها تدرك أن خرج لا يمكن فصلها عن مضيق هرمز، كما أن هرمز لا يمكن عزله عن السعر العالمي للبرميل. ففي الظروف الطبيعية، يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته. وهو أحد أبرز الشرايين الحيوية للطاقة في الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب جدي في هذه العقدة ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وكلفة الشحن، وأقساط التأمين، وتوقعات الأسواق، والتقديرات التضخمية. وإذا طال أمد تعطل الملاحة، فإن خسائر المعروض قد لا تُقاس حينها بمليون أو مليونين من البراميل، بل بأرقام من خانتين. وفي هذا السياق، قد يكفي حتى إلحاق ضرر جزئي بخَرْج لإشعال انفجار سعري كامل، لا مجرد اضطراب محلي محدود.
أما المنطق العسكري هنا، فهو الآخر ينطوي على قدر كبير من التضليل. فعلى المستوى التكتيكي، تبدو خرج هدفاً مرتفع الجدوى: إصابة عدد محدود من المنشآت تفضي إلى أثر اقتصادي بالغ. لكن على المستوى العملياتي والاستراتيجي، يبدو الأمر أقرب إلى فخ. فتعطيل البنية التحتية في خرج على نحو خطير قد يحذف من السوق ما يصل إلى 1.5 أو مليوني برميل يومياً. غير أن ذلك يفعّل، بصورة شبه تلقائية، آلية الرد التصاعدي غير المتماثل. وقد لا ترد إيران بالمثل، بل عبر محيط إقليمي أوسع: بالضغط على الملاحة، وبإبراز قدرتها على العبث بأمن هرمز، وباستهداف منشآت الطاقة لدى حلفاء الخصم، وباستخدام أدوات الوكلاء، والهجمات السيبرانية، ورفع منسوب التوتر البحري.
وهنا تتجسد المفارقة الاستراتيجية الأساسية لجزيرة خرج. فموقعها المركزي في بنية التصدير الإيرانية يصنع وهماً مضللاً بوجود حل سريع: اضرب الجزيرة فتشلّ اقتصاد إيران في وقت قصير. لكن الواقع أكثر خطورة بكثير. فالضربة التي تستهدف خرج لا تُغلق الصراع، بل تفتحه على مصراعيه. وهي لا تحصر الحرب، بل تدفعها إلى مستوى الخليج العربي، ومضيق هرمز، ومسارات الاستيراد الآسيوية، والأسعار العالمية، وأمن البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأسرها.
خرج ليست مجرد محطة نفطية. إنها مركز الثقل الاقتصادي لإيران، وفي الوقت نفسه مفجّر جيوسياسي بالغ الحساسية. وهشاشتها تجعل منها هدفاً مغرياً. لكن وزنها الاستثنائي يحوّل أي هجوم عليها إلى عامل يدفع نحو تدويل الصراع. لذلك ينبغي النظر إلى خرج لا بوصفها منشأة عادية، بل باعتبارها زناد أزمة كبرى. ففي المكان الذي يبدو فيه الأثر العسكري سريعاً ومباشراً، يبرز في الحقيقة خطر صدمة طاقة دولية واسعة النطاق.
مضيق هرمز.
يبقى مضيق هرمز فعلاً واحداً من أكثر بقاع العالم خطورة، وفي الوقت نفسه من أكثرها تعرضاً للمبالغة في التقدير من زاوية النظرية العسكرية. وكثيراً ما يُقدَّم على أنه مجرد «صنبور» يمكن إغلاقه ببساطة أو، على العكس، إخضاعه سريعاً لسيطرة خارجية. لكن الحقيقة أنه ليس صنبوراً، بل منظومة متداخلة من العناصر البحرية والساحلية والصاروخية واللوجستية. ولهذا تحديداً، فإن أي حديث عن «السيطرة على هرمز» يجب أن يبدأ لا من خريطة ممر الملاحة، بل من خريطة البنية التحتية الساحلية الإيرانية، وجزرها، ومواقعها الصاروخية، وقواعد زوارقها السريعة، ووسائلها للحرب الإلكترونية، وعقدها المينائية.
وفي البعد الطاقوي، تبدو الرهانات هائلة إلى حد بعيد. فبحسب أحدث التقديرات، كان يمر عبر هرمز في المتوسط نحو 20 إلى 21 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية. وهذا يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، ونحو ربع التجارة البحرية العالمية للنفط. والأهم من ذلك أن أهمية المضيق لا تقتصر على النفط وحده، بل تمتد إلى الغاز أيضاً، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، ولا سيما الغاز القطري والإماراتي. وبالنسبة إلى آسيا، لا يمثل هرمز مجرد أحد المسارات، بل شرياناً حيوياً لا غنى عنه، إذ إن نحو 80 في المئة من النفط العابر للمضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية.
ومن هنا يبرز الاستنتاج الأساسي. فهرمز لا يمكن التعامل معه بوصفه نقطة معزولة. صحيح أن عرضه في أضيق أجزائه لا يتجاوز 29 ميلاً بحرياً، لكن الملاحة لا تجري على امتداد هذا العرض كله، بل تنتظم في ممرين لا يزيد عرض كل واحد منهما على نحو ميلين بحريين، أحدهما للدخول والآخر للخروج، مع منطقة عازلة بينهما. وهذا يعني أن المطلوب لتعطيل الحركة ليس فرض سيطرة كاملة وشاملة، بل امتلاك القدرة على خلق تهديد دائم في مقطع محدود، متوقع، وضيق من خط الملاحة. والمنطق العسكري هنا واضح. فلا حاجة إلى «الاستيلاء على المضيق كله» لتعطيل عمله الطبيعي، بل يكفي إبقاء النوافذ الملاحية الضيقة والبنية التحتية المؤدية إليها تحت التهديد المستمر.
ولهذا تحديداً، فإن التصور القائل بإمكان فرض سيطرة خارجية سريعة على المضيق هو تصور مضلل. فتأمين عبور آمن ومستقر للسفن لا يتحقق بمجرد نشر بضع قطع بحرية، ولا حتى عبر تنظيم قوافل حماية. فذلك يتطلب قمع الشبكة الصاروخية الساحلية، وتحييد منصات الإطلاق المتحركة، وإزالة خطر الألغام، والحد من نشاط الزوارق السريعة الصغيرة، والتصدي للمسيّرات، واستعادة الاستقرار الملاحي في ظروف التشويش والتلاعب بإشارات الأقمار الاصطناعية. وخلال الأشهر الأخيرة، أشارت جهات دولية بوضوح إلى اتساع مشكلات التشويش الملاحي في منطقة هرمز. وهذه تفصيلة بالغة الأهمية. فحتى في غياب ضربة صاروخية مباشرة، تصبح بيئة الإبحار نفسها مضطربة ومحفوفة بخطر الحوادث.
أما الفكرة القائلة إن السيطرة على المضيق تستدعي عمليات ضد بندر عباس وقشم، فهي من الناحية العسكرية منطقية تماماً. فبندر عباس هي البوابة البحرية الرئيسية لإيران، والعقدة الأساسية للموانئ والقوات البحرية على الضفة الشمالية للمضيق. أما قشم، فهي أكبر جزيرة إيرانية في الخليج العربي، تمتد بمحاذاة الساحل الإيراني قبالة بندر عباس، وتحتل موقعاً متقدماً في التكوين الجزري الذي يحكم هرمز. وبمعنى آخر، فإن كل من يتحدث بجدية عن «السيطرة على المضيق» يتحدث عملياً عن ضرورة التأثير في مجمع ساحلي كامل يضم الميناء، وخط الجزر، والمنشآت العسكرية، والمخازن، ونقاط المراقبة، والاتصالات، واللوجستيات. ومن دون ذلك، لن تكون أي «سيطرة» سوى استعراض مؤقت للوجود، لا أكثر.
لكن المشكلة لا تنتهي عند هذا الحد. فإيران أمضت عقوداً في بناء دفاعاتها في هرمز لا وفق منطق المعركة البحرية التقليدية الكبرى، بل وفق نموذج يقوم على إنهاك الخصم واستنزافه. وجوهر هذا النموذج هو اللامتماثل. فنحن أمام مزيج من الصواريخ الساحلية المضادة للسفن، والألغام البحرية، والزوارق الصغيرة، والطائرات المسيّرة، والوسائط تحت السطحية وشبه تحت السطحية، فضلاً عن بنية تحتية موزعة يصعب شلها بضربة واحدة. وقد شددت تقديرات عسكرية منشورة منذ زمن على أن «أسراب» الزوارق الصغيرة، والمخزون الكبير من الألغام، وترسانة الصواريخ المضادة للسفن، كلها قادرة على إحداث اضطراب بالغ في الحركة عبر هرمز. وخلال السنوات الماضية، لم تتراجع هذه القدرات، بل إن التصعيد الجاري أظهر أن طهران ما زالت تحتفظ بجزء معتبر من قوتها الصاروخية والمسيّرة، وبالقدرة على مواصلة الضغط حتى بعد استهداف بعض المواقع.
وعليه، فإن أي محاولة لفرض سيطرة خارجية على هرمز تتحول تلقائياً تقريباً إلى حرب على الأرض وعلى استدامة خطوط الاتصال. وهنا لا يعود الأمر «عملية محدودة»، بل سلسلة من الحملات المترابطة: قمع الدفاعات الساحلية، وضرب البنية التحتية، وفرض السيادة الجوية، وتطهير البحر من الألغام، وحماية الحركة التجارية، وتأمين موانئ التحميل، والأهم من ذلك كله، الحفاظ على وجود طويل الأمد في منطقة يستطيع فيها الخصم توجيه ضربات موجعة ودقيقة مرة بعد أخرى. فأي تراجع في مستوى الضغط كفيل بإعادة إنتاج التهديد سريعاً. وفي هذه الساحة لا تنفع أوهام الحل بضربة واحدة.
والممارسة الميدانية في عام 2026 تؤكد ذلك بقسوة أكبر. فبعد بدء التصعيد الكبير في أواخر فبراير، تلقت أسواق النفط العالمية صدمة لم تعد افتراضية، بل صارت قابلة للقياس. وفي مراجعات مارس الصادرة عن هيئات الطاقة الدولية، جرى تسجيل شبه توقف في تدفقات التصدير عبر المضيق، مع تراجع لا يقل عن 8 ملايين برميل يومياً من إنتاج النفط في المنطقة، إضافة إلى نحو مليوني برميل يومياً من المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي التي خرجت من السوق. كما أن أكثر من 3 ملايين برميل يومياً من طاقات التكرير باتت متوقفة فعلاً أو مهددة بالتوقف بسبب الهجمات وتعذر تصريف المنتجات على نحو طبيعي. وفي ضوء ذلك، اتفقت الدول المشاركة في آليات الأمن الطاقوي الدولية على ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطات الاستراتيجية. وهذه الخطوة، بحد ذاتها، تكشف حجم الأزمة. فالدول لا تلجأ إلى المخزونات الاستراتيجية بسبب توتر محلي عابر، بل عندما تبدأ المنظومة فعلاً في الاختلال.
وثمة نقطة أخرى لا تقل أهمية. فحتى الدول التي تمتلك مسارات بديلة لا تستطيع أن تعوض هرمز بالكامل. صحيح أن السعودية والإمارات لديهما بالفعل بدائل عبر الأنابيب، لكن الطاقة الفائضة المتاحة فيها لا تُقدَّر إلا بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يومياً. وإذا ما قورن ذلك بحجم ما كان يمر عبر هرمز في عام 2025، أي ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، يتضح سريعاً أن هذه البدائل لا تسد إلا جزءاً من الفجوة. وهذا يعني أن مقولة «السوق سيتكيف بسرعة» لها سقف صلب جداً، تحدده في نهاية المطاف قدرة الأنابيب، والمحطات، والخزانات، ولوجستيات الموانئ.
ويبدو قطاع الغاز أكثر هشاشة على نحو خاص. فإذا كان بالإمكان تحويل جزء من النفط إلى مسارات أخرى وتعويض جزء منه، فإن الأمر أكثر تعقيداً بكثير في سوق الغاز الطبيعي المسال. فكل من قطر والإمارات مرتبطتان بالمضيق ارتباطاً شبه كامل، فيما كان الحجم الإجمالي للغاز الطبيعي المسال العابر له يتجاوز 110 مليارات متر مكعب سنوياً، أي نحو 20 في المئة من التجارة العالمية في هذه السلعة. وهذا يعني أن أي أزمة ممتدة في هرمز لا تضرب فقط أسعار المواد الخام، بل تمتد آثارها إلى الكهرباء، والصناعة، والأسمدة، والتدفئة، وكلفة الشحن، وحتى التضخم الغذائي من خلال المكون الطاقوي في بنية التكاليف. وبالنسبة إلى الاقتصادات النامية المثقلة بالديون والمحدودة الحيز المالي، فإن مثل هذه الصدمة شديدة الخطورة.
وقد انعكس كل ذلك بالفعل على الأسواق بصورة سافرة. ففي مطلع أبريل 2026، كانت عقود برنت الآجلة تتحرك فوق مستوى 100 دولار للبرميل بعد القفزة الحادة في مارس، فيما جرى رفع متوسطات التوقعات لأسعار النفط في عام 2026 بشكل ملحوظ. أما تراجع إنتاج «أوبك» في مارس، فكان يُقاس بملايين البراميل يومياً مقارنة بشهر فبراير. وهذه ليست نسباً نظرية في أوراق تحليلية، بل مؤشر واضح على أن هرمز هو آلية عالمية لنقل التضخم. فما إن يظهر فيه خطر عسكري طويل الأمد، حتى ترتفع كلفة النفط، والنقل، والتأمين، والائتمان، والتكرير، والسلعة النهائية معاً.
ولا يقل البعد الإنساني أهمية، رغم أنه كثيراً ما يسقط من النصوص الجيوسياسية. فقد وجد أكثر من 20 ألف بحار أنفسهم متأثرين بالأزمة، فيما علقت سفن كثيرة عملياً داخل منطقة الخطر. واضطرت الهيئات البحرية الدولية إلى الحديث لا عن حرية الملاحة فحسب، بل عن المياه، والوقود، والغذاء، وتناوب الطواقم، وحق البحارة المدنيين في ألا يتحولوا إلى أهداف. وهذه إشارة قوية جداً. فعندما تتحول المشكلة البحرية إلى قضية إنسانية، فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت كثيراً حدود «الضغط القابل للإدارة».
ومن هنا يخرج الاستنتاج الاستراتيجي الأهم. فمضيق هرمز ليس أداة لسيطرة بسيطة، بل آلية ردع متبادل قائمة على الهشاشة المتبادلة. بالنسبة إلى إيران، لا يمثل «قاطع تيار» بقدر ما هو ساحة يمكن فيها فرض لعبة باهظة الكلفة على الخصم. أما بالنسبة إلى القوى الخارجية، فهو ليس «ممراً يمكن الاستيلاء عليه سريعاً»، بل فخ محتمل للاستنزاف. وأي عملية جدية لفرض سيطرة مستقرة على المضيق ستتطلب لا غارة عابرة، بل إخضاع منظومة إيران الساحلية والجزيرية بكاملها، بما في ذلك منطقة بندر عباس، وجزيرة قشم، وما يحيط بهما من بنى للرصد، والتمركز، والإطلاق. ثم بعد ذلك، ستحتاج إلى وجود عسكري وهندسي ومرافقي دائم في بيئة شديدة التوتر، حيث تكفي ضربة واحدة ناجحة، أو لغم واحد، أو حلقة واحدة من الفوضى الملاحية، لإعادة شل التدفق من جديد.
ولهذا السبب تحديداً، فإن الحديث عن «عملية محلية» في هرمز يبدو، عملياً، فاقداً للمعنى. فقد تكون الضربة الأولى محلية. لكن النتائج لن تكون كذلك. فالنتائج ستكون، في الأغلب شبه المؤكد، إقليمية، وعلى مستوى النفط، والغاز الطبيعي المسال، والتأمين، واللوجستيات، عالمية بامتياز. وهنا تكمن مفارقة المضيق. فهو ضيق جغرافياً، لكن أزمته تتسع في لحظات لتطال الاقتصاد العالمي كله.
الجزر الثلاث.
تبدو أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى على الخريطة مجرد نقاط صغيرة عند مدخل مضيق هرمز. لكن في الجغرافيا السياسية، لا يساوي حجم الأرض دائماً وزنها السياسي. ولهذا بالذات، تمثل هذه الجزر مثالاً شبه نموذجي لهدف تتجاور فيه القيمة الاقتصادية المحدودة مع حمولة رمزية هائلة. فمساحة أبو موسى تبلغ نحو 12.8 كيلومتراً مربعاً، وطنب الكبرى نحو 10.3 كيلومترات مربعة، وطنب الصغرى نحو كيلومترين مربعين. وهذه ليست أراضي يغيّر الاستيلاء عليها عمق الجبهة العملياتي، أو يؤسس لرأس جسر يصلح لهجوم واسع، أو ينسف تلقائياً البنية الدفاعية لدولة كبرى. لكنها بالتحديد من تلك النقاط التي يمكن لأي ضربة تستهدفها أن تنقل حادثة محلية في لحظة واحدة إلى أزمة إقليمية واسعة.
تاريخياً، يعود النزاع حول هذه الجزر إلى عام 1971، حين فرضت القوات الإيرانية سيطرتها على جزيرتي طنب وتموضعت في أبو موسى عشية قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. ومنذ ذلك الحين، لم يُجمَّد الملف، بل تحول إلى نزاع مؤسس ومكرس سياسياً. فأبوظبي تنظر إلى الجزر بوصفها أرضاً محتلة، فيما تعتبرها طهران جزءاً لا يتجزأ من إيران. ولهذا فإن أي عمل عسكري في محيطها لا يُفهم بوصفه مناورة تكتيكية، بل باعتباره ضربة للسيادة، والذاكرة، والهيبة، والموقف القانوني الدولي لكل طرف. بالنسبة إلى إيران، القضية مسألة مبدأ ورمز للسيطرة على الخليج العربي. وبالنسبة إلى الإمارات، هي مسألة سلامة إقليمية وشرعية دولة. وفي مثل هذه النزاعات، غالباً ما يكون الأثر السياسي أكبر بكثير من المردود العسكري.
ومن زاوية عسكرية صرفة، فإن السيطرة على هذه الجزر لا تفتح، في حد ذاتها، طريقاً إلى العمق الإيراني. وحتى إذا تصورنا عملية افتراضية ضد أبو موسى أو جزيرتي طنب، فإنها لا تمنح القوة المهاجمة ممراً عملياتياً نحو الساحل الإيراني، ولا قدرة تلقائية على تحييد منظومة إيران الخاصة بمنع الوصول والمناورة في المنطقة، ولا تضمن لها السيطرة على مضيق هرمز كله. فالبنية العسكرية الإيرانية في الخليج العربي أوسع وأعمق بكثير من هذه النقاط الثلاث. هناك ساحل هرمزغان، وقشم، ولارك، وبندر عباس، ومنظومات الصواريخ المتحركة، وقوات الزوارق التابعة للحرس الثوري، والطائرات المسيّرة، ووسائط الضرب الساحلية. ولهذا يمكن للجزر أن تؤدي وظيفة مراقبة، أو إنذار، أو تموضع تكتيكي محدود، لكنها لا تصلح منصة حاسمة لقفزة استراتيجية. وهنا تكمن المفارقة. فالهدف سهل التسييس، لكنه ضعيف القيمة حين يتعلق الأمر بتحويله إلى نتيجة عسكرية فاصلة.
في المقابل، فإن السياق الاقتصادي والسياسي المحيط بهذه الجزر بالغ الضخامة، لأنها تقع عند مدخل أكثر شرايين الطاقة حساسية في العالم. فعبر مضيق هرمز تمر كميات هائلة من النفط، والمنتجات النفطية، والغاز الطبيعي المسال. ولهذا، حتى في غياب قاعدة موارد ذات شأن على هذه الجزر نفسها، فإن أي زعزعة عسكرية فيها لا تنعكس على بضعة كيلومترات مربعة من اليابسة، بل على أقساط التأمين، وكلفة الشحن، وعلاوات المخاطر، ومسارات الناقلات، وتوقعات الطاقة العالمية.
وتغدو التداعيات السياسية لمثل هذه العملية أشد ثقلاً لأن النزاع حول الجزر تجاوز منذ زمن حدود السجال الثنائي. فقد أصبح جزءاً من مواجهة دبلوماسية أوسع بين إيران وعدد من الدول العربية المطلة على الخليج. وأي تحرك بالقوة حول أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى سيدفع تلقائياً إلى إدخال ليس إيران والإمارات فقط في قلب الأزمة، بل الكتلة الخليجية الملكية بأكملها، فضلاً عن شركائها الخارجيين. وفي مثل هذا المشهد، يكتسب الحدث العسكري المحلي صدى سياسياً أكبر بكثير من حجمه الحقيقي.
ومن هنا يبرز الاستنتاج التحليلي الأهم. فالجزر مغرية تحديداً لأنها تبدو هدفاً سهلاً. لكن الهدف السهل في السياسة الدولية يكون في كثير من الأحيان الأسوأ مردوداً. فكلما بدا الموقع قابلاً للضغط السريع والمحدود، ارتفعت احتمالات ألا يحقق أي انعطاف عملياتي، مقابل رفع الكلفة السياسية للنزاع على نحو حاد. فالاستيلاء على أبو موسى أو جزيرتي طنب لن يسلب إيران عمقها، ولن ينهار بسببه نظامها العسكري على اليابسة، ولن يهيئ ظروفاً لهجوم منتصر. لكنه سيُفهم في طهران، على الأرجح شبه المؤكد، باعتباره اعتداءً على السيادة. وسيُستقبل في أبوظبي بوصفه لحظة فاصلة في قضية الانتماء الإقليمي. أما في دول الخليج، فسيُقرأ كإشارة إلى إمكان انزلاق الممر البحري كله إلى مزيد من الفوضى.
وعند هذه النقطة، يكاد الصراع يتمدد أفقياً بصورة حتمية، عبر إنذارات دبلوماسية، واستعراضات قوة بحرية، وضربات تطاول البنية التحتية، وارتفاع المخاطر السعرية في النفط والغاز، ودخول أطراف خارجية على الخط. وبهذا المعنى، ليست أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى جائزة استراتيجية، بل صاعقاً سياسياً. فقيمتها الاقتصادية والعملياتية المحدودة لا تلغي حقيقة أنها، على المستوى الرمزي، أشد شحناً من كثير من الأراضي الأكبر مساحة بكثير.
ولهذا فإن محاولة تسويق هذه الجزر بوصفها نصراً رخيصاً قد تنتهي إلى أزمة باهظة الكلفة. وبالنسبة إلى أي تخطيط عسكري جاد، تبدو هذه صفقة خاسرة. فالفائدة الفعلية ضئيلة، والانفجار الدبلوماسي هائل، واحتمال تطييف الصراع إقليمياً مرتفع، فيما يكاد اتساع التداعيات إلى ما يتجاوز حدود الجزر نفسها يكون أمراً مضموناً.
تشابهار ــ كنارك.
قد يبدو الساحل الجنوبي الشرقي لإيران، ولا سيما منطقة تشابهار وساحل مكران، نقطة دخول محتملة أكثر ملاءمة من المناطق المحاذية لمضيق هرمز. فهنا تقل كثافة المواقع التي ترتبط في الوعي العام بقلب النفط الإيراني، كما أن الانفتاح على خليج عُمان يوحي، للوهلة الأولى، بوجود ساحة عمليات أنظف وأقل تعقيداً. لكن هذه السهولة الظاهرية هي بالذات ما يضلل النظر. ففي المعنى الاستراتيجي، لا تمثل تشابهار تلك العقدة التي يؤدي الاستيلاء عليها إلى كسر التماسك الاقتصادي أو السياسي لإيران. إنها نقطة تجارية ولوجستية مهمة، نعم، لكنها ليست المركز العصبي للدولة الإيرانية، ولا العقدة الرئيسية في منظومتها الهيدروكربونية. وكانت الهند، التي تطور هذا الميناء، قد وقعت مع طهران في مايو 2024 عقداً يمتد عشرة أعوام لتشغيل محطة الشهيد بهشتي. ووفق المعطيات الهندية، تعامل الميناء منذ عام 2018 مع أكثر من 450 سفينة، و134082 حاوية نمطية، وما يزيد على 8.7 ملايين طن من البضائع السائبة والعامة. وهذه أرقام معتبرة بالنسبة إلى مشروع عبور إقليمي، لكنها تكشف في الوقت نفسه حدود أهميته. فتشابهار مهم بوصفه بوابة إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، لا بوصفه مركز الطاقة الحاسم في إيران.
وعندما يُنظر إلى المسألة من زاوية البنية النفطية الإيرانية، تصبح الصورة أكثر وضوحاً. فمعظم صادرات النفط الإيرانية لا تمر عبر تشابهار، بل عبر محطات خرج ولافان وسيري في الخليج العربي، فيما يخرج المكثف من بارس الجنوبي عبر عسلوية. وبعبارة أخرى، فإن نجاح أي عملية على محور تشابهار ــ كنارك لا يضرب المصدر الأساسي لعائدات إيران النفطية من التصدير. فهو لا يغلق الصنبور الرئيسي، ولا يقطع الشريان الأهم، ولا يحرم طهران من أداتها الطاقوية الأساسية. ولهذا ينبغي موازنة القول بأنها نقطة دخول أكثر سهولة بقول آخر لا يقل أهمية. فالأسهل لا يعني بالضرورة الأهم. فمن الناحية العسكرية، قد يكون الإنزال أو إنشاء رأس جسر في الجنوب الشرقي أسهل تقنياً من الاندفاع نحو المناطق التي تتركز فيها المحطات النفطية الرئيسية وشبكة الدفاع الساحلي الأكثر كثافة، لكن العائد الاستراتيجي لمثل هذه العملية يبقى أقل بكثير.
والمشكلة الأساسية في هذا الاتجاه الجنوبي الشرقي لا تتعلق فقط بالقيمة المحدودة لتشابهار نفسها، بل بالجغرافيا أيضاً. فالمسافة البرية من تشابهار إلى بندر عباس تبلغ نحو 668 كيلومتراً، وإلى طهران قرابة 1789 كيلومتراً، وحتى بخط مستقيم تبقى العاصمة على بعد يزيد على 1429 كيلومتراً. وفي الحسابات العسكرية، لا تعني هذه الأرقام مجرد مسافات على الخريطة، بل تعني قمعاً لوجستياً هائلاً. فأي إنزال في هذه المنطقة يضع قوات الغزو بعيداً عن المركز السياسي، وبعيداً عن دوائر القرار الرئيسية، وبعيداً عن البنية الصناعية والإدارية الأساسية للبلاد. وهذا يعني أن أي نجاح تكتيكي أولي يتحول سريعاً إلى معضلة إمداد، وحماية خطوط الاتصال، ونقل المعدات الثقيلة، وتأمين الغطاء الجوي، والإمساك بساحل ممدود ومكشوف. وكلما تعمق التقدم نحو الشمال الغربي أو نحو الداخل، ارتفعت كلفة كل كيلومتر تالٍ.
وفوق ذلك، فإن تشابهار ليست فضاءً فارغاً وآمناً بحد ذاتها. فمنطقة سيستان وبلوشستان تُعد منذ زمن واحداً من أكثر أقاليم إيران اضطراباً. ففي أبريل 2024، هاجم مسلحون مقراً للحرس الثوري في تشابهار وراسك، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 27 شخصاً، بينهم 11 عنصراً من القوى الإيرانية، فيما أكدت السلطات أن المهاجمين فشلوا في السيطرة على المقر. وفي يوليو 2025، شهدت المحافظة هجوماً كبيراً جديداً، إذ أدى الاعتداء على محكمة في زاهدان إلى مقتل ما لا يقل عن تسعة أشخاص وإصابة 22 آخرين. وهذا لا يجعل المنطقة مستحيلة الاختراق، لكنه يكشف طبيعتها الفعلية. فالهامش المضطرب لا يساوي غنيمة سهلة. بل على العكس، تخلق هذه البيئة مخاطر إضافية لأي قوة خارجية، من أعمال التخريب ومشكلات تأمين المؤخرة إلى الحاجة لخوض حرب عسكرية وحملة مكافحة تمرد في الوقت نفسه. وبمعنى أوضح، فإن الإنزال في جنوب شرق إيران لا يلغي المقاومة، بل يغيّر شكلها فقط.
وهناك جانب آخر بالغ الدلالة. فتشابهار مندمجة أساساً في مسارات تجارية بديلة تهم الهند وأفغانستان وجزءاً من حركة العبور إلى آسيا الوسطى. وفي عام 2025، شددت واشنطن أولاً نظام العقوبات المتعلق بهذا المشروع، ثم منحت الهند في أكتوبر استثناءً لستة أشهر لمواصلة تشغيل الميناء، رابطـة ذلك صراحة بالتجارة مع أفغانستان وآسيا الوسطى. وهذه نقطة كاشفة جداً. فحتى اللاعبون الخارجيون ينظرون إلى تشابهار، في المقام الأول، بوصفها أداة لوجستية وجيو اقتصادية، لا بوصفها مفتاحاً لتقويض الدولة الإيرانية. وبالتالي، فإن أي عملية ضدها أو عبرها لا توفر ما تسميه الاستراتيجية الكلاسيكية ضربة إلى مركز الثقل. قد تعطل بعض قنوات التجارة، وقد تربك النقل الإقليمي، وقد تثير ضجيجاً دبلوماسياً، لكنها لا تسقط الدولة ولا تنتزع منها القدرة على مواصلة الحرب.
ولهذا كله، لا يبدو الاتجاه الجنوبي الشرقي مغرياً إلا في القراءة السطحية الأولى. نعم، قد يلوح هناك فضاء أقل تشبعاً، وعدد أقل من الأهداف المثقلة بالرمزية، وانفتاح أكثر مباشرة على خليج عُمان. لكن التدقيق الأعمق يكشف أننا أمام فخ كلاسيكي اسمه سهولة التشغيل العملياتي. فرأس الجسر الذي يُنتزع في تشابهار لا يفتح الطريق إلى حسم سريع للحرب. فهو لا يقطع تدفقات النفط الإيرانية الرئيسية، ولا يضع العاصمة تحت تهديد مباشر، ولا يشل مراكز القيادة الأساسية، ولا يضمن انهيار المنظومة الداخلية. لكنه، في المقابل، يكاد يزج الطرف المهاجم حتماً في حملة طويلة ومكلفة على هامش دولة مترامية الأطراف، حيث تعمل الجغرافيا لمصلحة المدافع، وحيث يتطلب كل طور تالٍ مزيداً من القوات والموارد والإرادة السياسية. وهنا تكمن الخلاصة الأساسية. فقد يبدو الساحل الجنوبي الشرقي لإيران أكثر قابلية للولوج، لكن هامشيته نفسها تجعله شبه عديم الجدوى من الناحية الاستراتيجية. وما يبدو نقطة دخول مريحة ينقلب سريعاً إلى طريق بالغ الوعورة نحو أي نتيجة ذات معنى فعلاً.
- عبادان – خرمشهر.
إذا جرى تناول سيناريو بري افتراضي لا بمنطق التصريحات السياسية، بل بمنطق الجغرافيا العسكرية الفعلية، فإن الاتجاه الجنوبي الغربي عبر عبادان وخرمشهر يبدو بالفعل الأكثر وضوحاً. فهناك تحديداً يقع أقصر منفذ إلى المناطق الحيوية في خوزستان، وإلى البنية التحتية النفطية والمرافئية، وإلى عقد النقل التي لا تحمل قيمة تكتيكية فحسب، بل تكتسب أهمية استراتيجية للاقتصاد الإيراني برمته. كما أن الذاكرة التاريخية هنا تبدد الأوهام. ففي سبتمبر 1980، تقدمت قوات صدام حسين على هذا المحور الجنوبي نفسه، وتمكنت من السيطرة على خرمشهر، لكنها عجزت عن السيطرة على عبادان، ثم ما لبث هجومها أن تعثر بحلول ديسمبر 1980 على عمق يقارب 80 إلى 120 كيلومتراً داخل إيران. وحتى في ذلك الوقت، وفي ظل بيئة إقليمية مختلفة تماماً، لم يكن هذا المسار «ممر نصر»، بل كان فخ استنزاف.
لكن مشكلة هذا الاتجاه في عام 2026 لا تكمن، في جوهرها، لا في التضاريس وحدها ولا في الدفاعات الإيرانية بحد ذاتها، بقدر ما تكمن في الطبوغرافيا السياسية للحرب. فأقصر طريق على الخريطة يمر عبر أكثر فضاءات الشرق الأوسط ازدحاماً وتعقيداً، أي عبر الكويت والعراق، ثم عبر منطقة البصرة باتجاه خوزستان. وهنا تبدأ المفارقة الأساسية. فالعراق اليوم ليس منطقة عبور فارغة، ولا أرضاً رخوة يمكن دفع القوات عبرها ميكانيكياً نحو الحدود الإيرانية. إنه دولة قائمة ذات سلطة سيادية من الناحية الشكلية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بشبكة كثيفة من البنى الشيعية المسلحة، المرتبطة بالنفوذ الإيراني، وبسياسات التوازن الداخلي، وبمنظومة الأمن العراقية نفسها. وحتى التقديرات الأميركية والدولية الرسمية خلال السنوات الأخيرة كانت تشدد على أن جزءاً من وحدات قوات الحشد الشعبي يخضع اسمياً لرئيس الوزراء، لكنه يحتفظ فعلياً بهامش واسع من الاستقلالية وبقدرة على رد عسكري ذاتي.
ومن هنا يبرز الاستنتاج الحاسم. فأي محاولة لاستخدام الساحة العراقية لضرب جنوب غرب إيران ستتحول، على الأرجح، إلى حرب متعددة الطبقات داخل حزام شيعي واحد يمتد من البصرة ومحافظات جنوب العراق إلى خوزستان. ولا يقتصر الأمر هنا على المقاومة العسكرية المباشرة فقط. بل يشمل أيضاً عمليات تخريب على خطوط الإمداد، وضغطاً صاروخياً ومسيّراً، وضربات على القواعد، وتعبئة سياسية داخل العراق نفسه، وانهياراً للتوازن الداخلي الهش أصلاً في بغداد. وحتى التقارير الغربية في مارس 2026 سجلت أنه، رغم محاولات بعض المجموعات العراقية الموالية لإيران النأي بنفسها عن الانخراط المباشر في حرب كبرى، فإنها ما زالت تحتفظ ببنيتها التنظيمية، وبقنوات نفوذها، وبالقدرة على تعديل موقفها بسرعة إذا واجهت تهديداً بعملية برية ضد إيران.
ولهذا تحديداً، فإن الطريق الأكثر مباشرة هو في الوقت نفسه الأكثر قابلية للانفجار. فهو لا يفتح جبهة واحدة، بل يفتح عدة جبهات دفعة واحدة. أولاً، ضد إيران. وثانياً، داخل العراق نفسه، في مواجهة قوى ستعتبر هذا العبور تحدياً وجودياً. وثالثاً، ضد البنية الطاقوية للخليج كله. ويكفي النظر إلى ما حدث بالفعل من دون أي حملة برية واسعة النطاق. فبحسب معطيات أواخر مارس 2026، وعلى خلفية الحرب الجارية والاضطرابات في مضيق هرمز، انهار إنتاج النفط العراقي من نحو 4.3 ملايين برميل يومياً إلى 0.8 مليون برميل، فيما تراجع إجمالي إنتاج أوبك في مارس إلى 21.57 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ يونيو 2020. وهذا التراجع بحد ذاته يكشف مدى هشاشة البصرة، وقدرات التصدير العراقية الجنوبية، وكل لوجستيات الخليج، حتى قبل الانتقال إلى مرحلة برية شاملة.
ومن هنا تبرز أيضاً ملاحظة أساسية ينبغي إضافتها إلى أي حديث عن «سيناريو واقعي». فحتى في واشنطن يجري التشديد علناً اليوم على أن الأهداف المعلنة يمكن تحقيقها من دون إدخال قوات برية. ففي 27 مارس 2026، قال ماركو روبيو صراحة إن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق أهدافها في إيران من دون قوات برية، وإنها تراهن على إنهاء الحملة خلال أسابيع، لا عبر غزو بري. وفي الوقت نفسه، تحدثت وكالات غربية عن أن بعض حلفاء واشنطن في الخليج يؤيدون، في الكواليس، مواصلة الضغط على طهران، لكن حتى هذه التسريبات لا تحمل أي مؤشر إلى أن المنطقة مستعدة لفتح أراضيها بسهولة أمام ممر بري شامل. بل إن مجرد طرح المسألة بهذا الشكل يكشف أن الدعم السياسي للضربة شيء، والاستعداد للتحول إلى منصة انطلاق شيء آخر تماماً.
وعليه، فإن المحور الجنوبي الغربي عبر عبادان وخرمشهر يبدو على الخريطة أقصر طريق إلى النقاط الحساسة في إيران. لكنه في الواقع ليس «طريقاً قصيراً»، بل بؤرة مكثفة للانفجار الإقليمي. فهو يستعيد مسار 1980 التاريخي، ولكن في بيئة أشد تعقيداً بما لا يقاس، مع فاعلين شيعة مسلحين يتمتعون بهوامش استقلالية داخل العراق، ومع شبكة أكثر كثافة من الروابط السياسية والأيديولوجية، ومع هشاشة هائلة في البنية النفطية، ومع خطر تمدد النزاع فوراً إلى ما بعد حدود إيران. وبعبارة أخرى، فإن الطريق الأكثر مباشرة بات اليوم أيضاً الأكثر كلفة، والأكثر سمية، والأشد استعصاء على التوقع. وثمنه لا يقتصر على المخاطرة العسكرية، بل قد يصل إلى حد تحويل جنوب العراق إلى مسرح جديد لحرب إقليمية كبرى.