...

بعد مرور شهر على اندلاع هذه الحرب، يمكن القول بشيء يحاولون في واشنطن ألا ينطقوا به علناً: قد تكسب الولايات المتحدة ضربات منفردة، لكنها في البعد الاستراتيجي تخسر الحملة بالفعل. إيران تفوز بمجرد أنها لم تنهار.

إذا نظرنا إلى ما يجري من زاوية الدمار فقط، فيمكن للولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل أن يعلنا عن نجاح عسكري. قُتل في إيران قادة سياسيون وعسكريون رفيعو المستوى. تكبدت قواتها الجوية وجزء كبير من بنيتها التحتية البحرية خسائر فادحة. تراجعت برامجها النووية إلى الوراء مجدداً. تضاءلت قدراتها الصاروخية. وتعرّض أحد أهم حلفاء طهران في لبنان لهزيمة ساحقة. كل ذلك صحيح. لكن في حروب بهذا الحجم، لا تضمن مجرد حصيلة الأهداف المتضررة شيئاً بحد ذاتها. المهم ليس فقط مقدار الضرر، بل السؤال: هل تحققت الأهداف السياسية للحرب؟ وهنا تبدو صورة ترامب بعيدة عن النصر.

في بداية الصراع، وضع البيت الأبيض عملياً أهدافاً أقصاها التغيير الجذري. من خطاب ترامب ومحيطه القريب بدا أن الأمر ليس مجرد معاقبة إيران أو توجيه سلسلة من الضربات الرادعة. في الواقع، كان واشنطن يأمل في نتيجة أكبر بكثير: كسر الإرادة العسكرية والسياسية لإيران، وإلغاء قدرة البلاد على تصنيع الصواريخ، وقمع الجماعات الوكيلة التي زعزعت استقرار الشرق الأوسط لسنوات، ومنع حصول إيران على سلاح نووي، وفي أقصى الحالات — التحول السياسي للنظام نفسه. مرّ شهر، ويمكن القول بثقة تامة: لم يتحقق أي من هذه الأهداف بالكامل.

وهذه هي السبب الأول، وربما الأهم، الذي يجعل الحديث عن هزيمة الولايات المتحدة لا يبدو مبالغة. دخلت واشنطن الحرب بتوقعات مبالغ فيها. لم تكن تريد مجرد قصف أهداف، بل كانت تسعى لتغيير الطبيعة السياسية لإيران ذاتها. لكن إيران ليست دولة تنهار بعد الضربة الأولى. لقد استعدت لعقود لهذا السيناريو. بُني نظامها ليس كنظام زمن سلام، بل كنظام بقاء تحت الضغط. هناك بدائل مُعَدّة سلفاً للمناصب السياسية والعسكرية الرئيسية. بنيت دوائر إدارة متعددة المستويات. لديها خبرة في العيش تحت عقوبات، وعمليات تخريب، وعزلة، واغتيالات، وتهديد خارجي دائم. لذا فإن مجرد ثبات النظام يعني أن المقصد الأمريكي الأولي قد فشل.

هنا يكمن التناقض الرئيسي في هذه الحرب. لقد ألحقَت الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل ضرراً مباشراً أكبر بإيران مما تلقّياه رداً، لكن إيران لم تكن بحاجة لتدمير حاملات الطائرات الأمريكية أو إحراق المدن الإسرائيلية أو كسر الجيش الأمريكي لتعتبر نفسها منتصرة. كان يكفيها أن تصمد في الموجة الأولى، لا تستسلم، تحافظ على قدرتها على الرد، وتحوّل الصراع إلى اختبار مكلف ومزعج وسامٍ سياسياً ومدمّر اقتصادياً للخصم. وهذا ما حدث بالفعل.

هناك مؤشر دقيق يبيّن أن الأمور في واشنطن لا تسير كما كان مأمولاً: المزاج داخل الولايات المتحدة نفسها. وفق بيانات حديثة، 61 بالمئة من الأمريكيين لا يوافقون على كيفية إدارة الرئيس ترامب لهذا الصراع، بينما يوافق 37 بالمئة فقط. نعم، تعكس هذه الأرقام إلى حد كبير الانقسام الحزبي العام في أمريكا: سبعة من كل عشرة جمهوريين يدعمون إجراءات البيت الأبيض، بينما بين الديمقراطيين الحرب تحظى بموافقة واحد من كل عشرة تقريباً. لكن المهم هنا أن ترامب بدلاً من أن يوحّد البلاد حول العلم، فتح خط انقسام داخلي آخر. لم يتحول إلى زعيم وطني في زمن الحرب؛ بقي زعيماً لنصف البلاد، بينما ترى النصف الآخر هذه الحرب كمغامرة خطرة.

ولترامب هذا أمر بالغ الخطورة. بُنيت مسيرته السياسية لسنوات على رفض الحروب المكلفة والمطولة في الشرق الأوسط. وصل إلى السلطة بوعد قوة بلا مستنقع، ضغط بلا احتلال، ترهيب بلا كوابيس طويلة الأمد. كان ينتقد النخبة الخارجية القديمة بسبب العراق وأفغانستان وإهدار تريليونات الدولارات ومحاولات إعادة تشكيل مجتمعات بالقوة. والآن وجد نفسه منخرطاً في صراع يذكّر الأمريكيين بالفخ المألوف: دخول سريع، شعارات واضحة، ضربات مؤثرة، ثم واقع لزج تتبدد فيه الأهداف، وتتصاعد التكاليف، ويتملص الحلفاء، وتصبح النصر أصعب في التعريف.

وهنا السبب الثاني للفشل الاستراتيجي الأمريكي. نجحت واشنطن في توجيه ضربة قاسية، لكنها لم تتمكن من تجريد إيران إلى درجة تجعلها تتوقف عن كونها مصدر تهديد. لقد أُضعفت قدرات طهران الصاروخية، لكنها لم تُقضَ عليها. تواصل إيران قصف إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. علاوة على ذلك، أظهرت في الماضي قدرة على إعادة بناء برنامجها الصاروخي بسرعة نسبية بعد ضربات جسيمة. إذا انتهت الحرب الحالية دون كسر نهائي للقاعدة العسكرية-الصناعية الإيرانية، فهناك احتمال كبير أن تُكرّس طهران جهودها لاستعادة ترسانتها من الطائرات المسيّرة والصواريخ ووسائل الضغط اللامتناظرة.

وينطبق الشيء نفسه على شبكة الحلفاء الإقليمية. نعم، «حزب الله» مُنهك لكنه لم يُدمّر. بنيته التحتية تضررت، قدراته البشرية تراجعت، وحريته العملياتية تقلّصت بشدة. لكن هذا لا يعني اختفاؤه. في الشرق الأوسط نادراً ما تختفي مثل هذه البنى نهائياً؛ تتراجع، تعيد تشكيل نفسها، تختفي في الظل لتعود لاحقاً بصورة مختلفة. وينطبق ذلك على عناصر أخرى من استراتيجية إيران للضغط غير المباشر. ومن اللافت أن الحوثيين انضمّوا إلى الحرب لاحقاً وليس في بدايتها، مما يؤكد أن لإيران خطة متعددة المستويات لإطالة أمد الصراع. هذا ليس ارتجالاً تحت الضربات، بل نموذج صمود محسوب سلفاً.

قصة أخرى مقلقة للغاية هي الملف النووي. لا يزال في إيران نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب. هذا ليس تجريداً أو عبارة دبلوماسية؛ إنه رصيد حقيقي للمستقبل. حتى لو تضررت البنية التحتية النووية الحالية بشدة، فإن بقاء مثل هذه المادة يعني أن التاريخ النووي الإيراني لم ينتهِ. بل على العكس، قد تدفع الحرب الجيل القادم من القيادة الإيرانية إلى استنتاجات أكثر تشدداً. إذا كان في السابق يمكن الاعتماد على قيود دينية وسياسية أو على فتاوى أو على سياسة الموازنة بين العتبة والقنبلة، فقد تقرر طهران بعد هذا الصراع أن الضمان الحقيقي للأمن ليس ترسانة صاروخية فحسب، بل ردع نووي كامل. عندها يتضح أن الحرب التي شُنّت جزئياً لمنع القنبلة الإيرانية قد قربت إيران استراتيجياً من قرار المضي قدماً نحوها.

السبب الثالث الذي يجعل الولايات المتحدة تخرج من هذه الحرب خاسرة هو حجم الخسائر الاقتصادية التي فُرضت على العالم. هنا أظهرت طهران براعة وحساسية استراتيجية قاسية. إيران تدرك جيداً أنها لا تستطيع تحقيق نجاح متماثل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الضرب حيث يكون الغرب وآسيا والأسواق العالمية أكثر هشاشة — في الطاقة، واللوجستيات، والتأمين، والشحن البحري، وإمدادات المواد الحيوية، والنظام العصبي للتجارة العالمية.

ارتفعت أسعار وقود الطائرات هذا العام بنسبة 120 بالمئة. وارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 87 بالمئة. أصبح مضيق هرمز عملياً مغلقاً أو على الأقل منطقة خطرة مزمنة. يمر عبر هذا المضيق نحو خُمس صادرات النفط العالمية، وحوالي 20 بالمئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية. وليس هذا فحسب؛ يمر عبره ثلث إمدادات الهيليوم العالمية — مورد غالباً ما يُستهان به لكنه حيوي للأنظمة الطبية والصناعية ولصناعة أشباه الموصلات. كما يمر عبره ثلث مبيعات الأسمدة العالمية. إذن المسألة لا تقتصر على النفط والغاز فقط؛ بل هي ضربة محتملة لعدة أعمدة أساسية للاقتصاد العالمي: النقل، والإلكترونيات، والقطاع الزراعي، وأسعار الغذاء، وسلاسل الإنتاج التكنولوجي المتقدّم.

أدت اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب الضرر الذي لحق بحقل غازي قطري كبير جراء ضربة صاروخية إيرانية، إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا خلال شهر بأكثر من 70 بالمئة. وهذا مجرد بداية سلسلة محتملة. كلما طال أمد حصار هرمز وبقيت المنطقة ساحة لضربات البنية التحتية، ارتفعت مخاطر أن يواجه العالم ليس فقط أزمة طاقة، بل أزمات غذاء ولوجستيات ورقائق إلكترونية. هنا تكمن القوة الحقيقية لاستراتيجية إيران: طهران تقول للعالم: إن كنتم عازمين على خنقنا، فلن نرحل بصمت؛ سنجعل ثمن خنقنا عالمياً.

ومن هنا تحقق إيران ليس فقط تأثيراً اقتصادياً بل تأثيراً سياسياً ونفسياً. وفق استطلاعات دولية أُجريت في مصر وكينيا ونيجيريا وباكستان والسعودية وجنوب أفريقيا، فإن 18 بالمئة فقط من المستطلعين يحمّلون إيران مسؤولية الصراع وتبعاته العالمية. بينما يحمّل 29 بالمئة الولايات المتحدة المسؤولية، و38 بالمئة إسرائيل. هذه الأرقام بالغة الأهمية؛ فهي تُظهر أنه حتى في ظل خسائر إيرانية فادحة، لا تبدو طهران في نظر شريحة كبيرة من العالم هي الجاني الرئيسي. بل إن ضربات الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً إذا جاءت على خلفية عملية تفاوضية بدت للبعض واعدة، خلقت لدى واشنطن وتل أبيب صورة من القوة التي أجهضت فرصة دبلوماسية لصالح الإكراه العسكري. وهذا يضرب الموقف الأخلاقي والسياسي لأمريكا بقدر ما يضرب ارتفاع أسعار النفط صمودها الاقتصادي.

ومن هنا ينبع السبب الرابع لهزيمة أمريكا: عجز الشرعية. على عكس حملة العراق في عهد جورج بوش الابن، لم تحاول واشنطن هذه المرة أن تمنح الحرب غلافاً أيديولوجياً واسعاً. لم تكن هناك شعارات سابقة عن «الديمقراطية»، ولا أحاديث مدوية عن «نظام قائم على القواعد»، ولا محاولة جادة لخلق حتى مظهر تحالف دولي واسع. فعلياً، كان الحليف الحقيقي الوحيد للولايات المتحدة في هذه الحرب هو إسرائيل — دولة تعاني اليوم عزلة دولية أعمق مما كانت عليه منذ جيل.

وجد ترامب نفسه في موقف محرج. في البداية حاول استدعاء دعم حلفاء الناتو، ثم، عندما أدرك عدم وجود دعم حقيقي، تظاهر بأنه لا يحتاجه. هذا أحد أكثر المشاهد دلالة في الحملة؛ فهو لا يظهر قوة بل ضعفاً، لا قيادة بل وحدة، لا قدرة على جمع الحلفاء بل عجزاً عن إقناع حتى الدول القريبة شكلياً بأن هذه الحرب تخدم مصالحها. ونتيجة لذلك تخرج العلاقات عبر الأطلسي من هذا الأزمة أضعف، ومعها تضعف قدرة الولايات المتحدة على الظهور كقائد للنظام الذي هي نفسها تنتهك قواعده متى شاءت.

السبب الخامس، الأكثر إذلالاً لواشنطن، أن هذه الحرب أغنت خصوم الولايات المتحدة بشكل غير متوقع. هذا أحد أكثر نتائج الشهر الأول تناقضاً: لكبح الارتفاع الجنوني لأسعار النفط، لجأت السلطات الأمريكية إلى تخفيف قيود النفط المفروضة على إيران وروسيا. ونتيجة لذلك باتت طهران تحصل يومياً على عائدات نفطية أكثر مما كانت تحصل قبل الحرب. أي أن البلد الذي قيل إنه يُراد إضعافه اقتصادياً واستراتيجياً بدأ، في ظل ظروف سوق معينة، يربح أكثر بفضل الحرب ضده.

لكن العامل الروسي أكثر وضوحاً. تحصل موسكو على نحو 150 مليون دولار إضافية يومياً بفعل ارتفاع أسعار النفط أثناء استمرار الصراع. هذا مبلغ هائل يمكن توجيهه لاستمرار الحرب ضد أوكرانيا، أو لشراء معدات عسكرية، أو لدعم الميزانية، أو لتخفيف الضغوط الخارجية. النتيجة صورة عبثية: الولايات المتحدة منخرطة في حملة مكلفة في الشرق الأوسط، وتنعكس عواقبها في تحسين الوضع المالي لأحد أبرز خصومها الجيوسياسيين.

أما بالنسبة للصين فالوضع أعقد لكنه أيضاً يحمل عناصر مفيدة لبكين. نعم، تحصل الصين على أكثر من نصف نفطها من الخليج وتواجه مخاطر في الإمدادات. لكنها، على عكس الولايات المتحدة، لا تُورط نفسها يومياً في فخاخ سياسية وعسكرية لهذا الصراع. تراقب، تحلل، تتعلم. بلا شك يراقب العسكريون الصينيون مدى سرعة استنزاف الولايات المتحدة لصواريخ الاعتراض، وكيف توزع مواردها العسكرية، وكيف تتعرّى اتجاهات أخرى من الردع الاستراتيجي. بالنسبة لبكين، هذا ليس مجرد أزمة شرق أوسطية؛ إنه درس عملي حول كيفية استنزاف قوة الدولة العظمى تحت ضغط صراع حقيقي.

الترجمة العربية الاحترافية الكاملة

السبب السادس لهزيمة الولايات المتحدة — تآكل الدعم للحرب داخل الحزب الجمهوري نفسه. وربما يكون هذا أحد أهم وأقل ما يُقدَّر من المؤشرات. عندما بدأ ترامب حملته، راهن محيطه بوضوح على أن الانضباط الحزبي وعبادة القوة سيؤمّنان دعماً ثابتاً. لكن مع استمرار الصراع بدأت تظهر الشقوق الأولى. وزارة الدفاع ألمحت إلى نيتها طلب مئتي مليار دولار إضافية لدعم العمليات الجارية في إيران. لم يُقدَّم طلب رسمي بعد، وهذا بحد ذاته يحمل دلالات كبيرة. يبدو أن صانعي القرار في واشنطن يخشون أن جمع الدعم اللازم في مبنى الكابيتول سيكون أصعب مما كان متوقعاً.

ويزداد الأمر دلالة حين يبدأ حتى نواب جمهوريون بالابتعاد علناً عن احتمال تعميق الحرب. إذا ظهرت تصريحات داخل صفوف الحزب تقول: «لن أؤيد إرسال قوات برية إلى إيران، وخصوصاً بعد إحاطات مغلقة»، فهذا يعني أن التوتر يتصاعد ليس فقط بين الديمقراطيين، بل داخل قاعدة ترامب نفسها. وهذا يشكل بالنسبة له تهديداً يكاد يكون استراتيجياً، لأن حرباً خارجية تبدأ بتآكل المعسكر الداخلي للرئيس تتوقف عن كونها أداة للتوحيد وتتحول إلى محفز للضعف السياسي.

ومن هنا يتضح تماماً لماذا تخسر الولايات المتحدة اليوم الحرب حتى مع التفوق الواضح في القوة النارية. لا تستطيع واشنطن أن تجيب بوضوح على سؤال بسيط: كيف تبدو «النصر»؟ تغيير النظام؟ لا. القضاء التام على بنية الصواريخ الإيرانية؟ لا. تحييد شبكات الوكلاء بالكامل؟ لا. القضاء على قدرة إيران على التقدم نحو السلاح النووي؟ أيضاً لا، طالما أن مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب لا تزال موجودة كاحتياطي استراتيجي للمستقبل. فتح مضيق هرمز بأمان؟ لا. دعم دولي واسع؟ لا. توحيد سياسي داخلي في الولايات المتحدة؟ أيضاً لا.

نحن إذن أمام حالة نادرة لكنها مفيدة للتعلّم: قوة عظمى قادرة على إلحاق أضرار مادية هائلة وفي الوقت نفسه تخسر على صعيد المقاييس السياسية الأساسية. أراد ترامب أن يظهر للعالم قوة سريعة ومبهرة، لكنه حصل بدلاً من ذلك على حرب لا تنتهي بإرادته، ترفع الأسعار العالمية، تقوّي خصومه، تثير استياء شريحة كبيرة من المجتمع الأمريكي وتضع منطق سياسته الخارجية موضع تساؤل.

بالطبع، التقييم النهائي للحرب سيكون ممكناً فقط بعد انتهائها. لا تزال الولايات المتحدة قادرة على إلحاق أضرار إضافية بإيران، ولا تزال إسرائيل قادرة على توسيع نطاق تدمير البنية التحتية الإيرانية، وقد تتكبد طهران خسائر جديدة. لكن حتى لو انتهى الصراع في الأيام المقبلة، ستبقى الحقيقة قاسية: كل ما يبقى من النظام الإيراني سيعتبر نفسه مبرراً لمجرد أنه نجَا. هنا تكمن الانتصار النفسي لطهران — ليس في نصر احتفالي، بل في تأكيد صحة خيارها عبر البقاء.

بعد حرب كهذه لن يكون لدى النخبة الإيرانية مزاج للمصالحة، بل مزاج للانتقام. قد يتجه هذا الشعور إلى الداخل في شكل قمع أشد، تطهير، انتقام، تعبئة وقمع لأي معارضة؛ وقد يتجه إلى الخارج في شكل تسريع لاستعادة الترسانة الصاروخية، توسيع أدوات الضغط اللامتناظرة، إعادة التفكير في الاستراتيجية النووية والمراهنة الأكبر على لعبة طويلة الأمد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. سيستخلص قادة إيران المستقبليون من هذه الحرب استنتاجاً بسيطاً: وسيلة الردع الأساسية هي القدرة على فرض تكاليف هائلة على الخصم والعالم، لا النداءات إلى القانون الدولي أو الاعتماد على الضمانات الخارجية.

هذا يعني أن إيران ما بعد الحرب، إذا بقي النظام الحالي أو خلفاؤه، ستبدأ على الأرجح بسرعة في استعادة الطائرات المسيّرة والصواريخ والبنى التحتية تحت الأرض والإنتاج العسكري الموزع. وقد تقرر طهران نهائياً أن القنبلة النووية هي الضمانة الأفضل للأمن، كما حدث في كوريا الشمالية. وهنا يطرح السؤال الأثقل: ما الجدوى الاستراتيجية من هذه الحملة إذا كانت نتيجتها تحول إيران إلى كيان أكثر تشدداً وانتقامية وميلاً نووياً؟

يمكن القول إن لإسرائيل منطقها الخاص في ضرب أعدائها دورياً بدلاً من انتظار تراكم قوتهم، لكن بالنسبة لواشنطن هذا المنطق أقل إقناعاً. أمريكا قوة عظمى عالمية تتحمل التزامات في كل أنحاء العالم، وتعاني استقطاباً داخلياً وعبئاً دينياً وتنافساً مع الصين وصراعاً حول أوكرانيا وأزمات في التجارة والتكنولوجيا ونظام الحلفاء. حرب مكلفة ومطولة وغامضة النتائج في الشرق الأوسط ليست أداة قوة بل تبديد خطير للموارد.

في الختام، يبدو أن ترامب أخطأ في تقدير طبيعة النظام الإيراني: ليس خصماً هشاً يُجبر على الاستسلام بضربة خاطفة، بل دولة ذات عمق تاريخي وسياسي وجغرافي وثقافة صمود تجعلها خصماً صعباً حتى للقوة العظمى.

الترجمة العربية الاحترافية الكاملة

يمكن بالطبع القول إن لإسرائيل منطقها الخاص في «اقتلاع» الأعداء بشكل دوري في المنطقة، منطق قاسٍ وربما ساخر لكنه مفهوم. ترى إسرائيل أنه من الأفضل تدمير القوى المعادية بين الحين والآخر بدلاً من الانتظار حتى تتراكم لديها قوة حرجة.

لكن بالنسبة لواشنطن، هذا المنطق أقل إقناعاً بكثير. أمريكا ليست دولة صغيرة محاصرة، بل قوة عظمى عالمية تتحمل التزامات في كل أنحاء العالم، وتعاني استقطاباً داخلياً، وعبئاً دينياً، وتنافساً مع الصين، وصراعاً حول أوكرانيا، وأزمات في التجارة والتكنولوجيا ونظام الحلفاء. بالنسبة للولايات المتحدة، حرب مكلفة ومطولة وغامضة النتائج في الشرق الأوسط ليست أداة قوة بل هي تبديد خطير للموارد.

ولهذا السبب، يبدو أن ترامب، رغم حدته، قد أخطأ في تقدير طبيعة النظام الإيراني. ربما افترض أنه أمام خصم مزعج لكنه هش في النهاية، يمكن إجباره على الاستسلام عبر عرض خاطف للقوة الخام. لكن إيران ليست فنزويلا ولا العراق في عهد صدام المتأخر، وليست دولة تُشل قيادتها بضربة واحدة قوية. إنها دولة حضارية كبرى ذات ثقافة سياسية خاصة، ذاكرة تاريخية للحرب، عمق إقليمي، تضاريس معقدة، زخم دولة قوي وإيديولوجية للصمود. مثل هذا الخصم قد يتخلف تقنياً لكنه يظل خصماً شديد الإزعاج لقوة عظمى.

وأخيراً، هناك بعد آخر كثيراً ما يُنسى وسط الحديث عن الصواريخ والنفط والجغرافيا السياسية: الناس. سكان المنطقة أصبحوا مرة أخرى رهائن لألعاب استراتيجية. قُتل آلاف في إيران ولبنان. نزح أكثر من مليون شخص قسرياً. يعيش سكان إسرائيل منذ ما يقرب من عامين في حالة صفارات إنذار وملاجئ واستنزاف نفسي دائم. في دول الخليج، واجه الوافدون والعمال موجة من عدم الاستقرار لم يتوقعوها عند انتقالهم إلى دبي أو الدوحة أو المنامة طلباً للعمل والأمان. تحوّل إقليم واسع إلى فضاء قلق، تشتت عائلات، غلاء، خوف وترقب الضربة التالية.

وإذا كان كل هذا — آلاف القتلى، ملايين الخائفين، مدن مدمرة، طرق ممزقة، قفزات في الأسعار، تصاعد العداء، عسكرة جديدة واستعداد شبه حتمي للجولة التالية — يحدث فقط لنعود بعد فترة إلى حرب جديدة، فحينئذ يطرح السؤال الأكثر قسوة وبلا رحمة: لماذا كل هذا؟

حتى نهاية مارس 2026 تبدو الإجابة صارمة للغاية. لم يحصل ترامب على نصر سريع. لم يحقق انقلاباً سياسياً. لم يكسر إيران. لم يؤمن الاقتصاد العالمي. لم يوحّد الحلفاء. لم يعزّز القيادة الأمريكية. لم يضعف خصوم الولايات المتحدة على المستوى العالمي. على العكس، جلبت الحرب لإيران النتيجة الأهم — إثبات أن النظام قادر على النجاة حتى تحت ضربات مركبة من أعظم قوة عسكرية في العالم ومن هيمنة إقليمية. وبناءً على منطق طهران، هذا يعني القدرة على الاستمرار في القتال.

وهنا الحقيقة المرة للحظة الراهنة: قد تدمر الولايات المتحدة أجزاءً من إيران، لكنها لا تستطيع فرض النتيجة التي شُنّت الحرب من أجلها. وإذا لم تستطع القوة العظمى تحقيق الهدف السياسي، وإذا نجا الخصم، وحافظ على إرادته، واستمر في الإضرار، ورفع التكاليف العالمية، وحوّل القوة الأمريكية إلى مصدر ضعف أمريكي، فذلك يُسمى هزيمة — حتى لو لم تُصاغ هذه الهزيمة بعد بصيغ رسمية.