على وقع الإشارات المتضاربة الصادرة من واشنطن بشأن احتمال فتح باب التفاوض مع طهران، تواصل الولايات المتحدة في الوقت نفسه تعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط. وهذا وحده يكشف الحقيقة الأهم: بعد أربعة أسابيع من الحملة الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، لم يتحقق هدف إخضاع الجمهورية الإسلامية بسرعة ودفعها إلى استسلام استراتيجي. بل إن المشهد أخذ يتبلور على نحو أكثر إزعاجاً لخصوم طهران: فإيران، رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها، لم تنكسر، بل دخلت مرحلة أكثر تشدداً وأكثر راديكالية وأقل قابلية للتوقع.
في الأيام الأولى للحرب، بدا وكأن الضربة التي تلقتها إيران جاءت، وفق المقاييس الغربية، شبه مثالية. فقد جرى تصفية شخصيات من رأس الهرم السياسي والعسكري، وتعرضت منظومة الدفاع الجوي لأضرار جسيمة، كما استُهدفت منشآت رئيسية في البنية العسكرية. وساد انطباع بأننا أمام عملية كلاسيكية لـ«قطع الرأس»، على أمل أن ينهار النظام من الداخل بسرعة. لكن بعد أسبوعين أو ثلاثة، اتضح أن هذه الآلية لا تعمل في الحالة الإيرانية بالطريقة نفسها.
نعم، خسرت الجمهورية الإسلامية جزءاً من هرم القيادة. ونعم، تعرض دفاعها الجوي لتدمير واسع. ونعم، تكبدت بنيتها العسكرية ضربات ثقيلة. لكن الدولة لم تتفكك، والجيش لم ينهَر، والحرس الثوري لم يفقد تماسكه، والسكان لم يخرجوا في انتفاضة جماعية، كما أن ورقة الضغط الاستراتيجية المتمثلة في مضيق هرمز لا تزال في يد طهران. وهنا تحديداً يكمن التناقض الجوهري في هذه الحملة: فكلما اشتد الضغط الخارجي، تسارعت وتيرة تخلّي النظام الإيراني عن ما تبقى من توازناته الداخلية، وتحوله إلى بنية عسكرية أيديولوجية أكثر صلابة.
إيران بلا سماء آمنة، لكن ليست بلا أوراق.
كان من أبرز النتائج العسكرية في الأسابيع الأولى للحرب التدمير الفعلي لمنظومة الدفاع الجوي الإيرانية. وبحلول الأسبوع الثالث من القتال، باتت الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتين على تنفيذ ضربات في معظم أنحاء البلاد، من دون أن تواجهان مقاومة جوية حقيقية. وعلى المستوى الشكلي، بدا ذلك إنجازاً لافتاً. لكن في الجوهر، لم يكن انهيار الدفاع الجوي الإيراني مجرد نتيجة للتفوق التكنولوجي للخصم، بل كان أيضاً مرآة واضحة لفشل داخلي إيراني متراكم.
مشكلة الدفاع الجوي الإيراني لم تظهر فجأة. فهشاشته كانت مكشوفة منذ وقت سابق. وخلال المواجهة الكبرى السابقة في صيف عام 2025، اتضح أن هذه المنظومة متأخرة تكنولوجياً، وضعيفة التكامل، وعاجزة عن العمل بكفاءة في حرب حديثة تحكمها الشبكات، والحرب الإلكترونية، والطيران الشبح، والاستطلاع الدقيق في الزمن الحقيقي. وكانت طهران تدرك هذه الثغرة، وحاولت سدها على عجل.
ولهذا الغرض، اشترت إيران من الصين ما بين سبع وثماني بطاريات من منظومات HQ-9B بعيدة المدى. وبدأت عمليات التسليم في أواخر الصيف، لكن نشر البنية الجديدة للدفاع الجوي جاء متأخراً بوضوح. بل إن رادارات YLC-8B الأساسية، المخصصة لرصد الأهداف الشبحية والعمل بالتكامل مع HQ-9B، لم تبدأ بالوصول إلا في فبراير 2026، أي عملياً عشية الحرب. وكان ذلك عاملاً حاسماً.
وبحسب المعطيات المتوافرة، غادر الخبراء الفنيون الصينيون والمستشارون العسكريون الذين رافقوا المنظومات الجديدة إيران قبل يوم واحد فقط من اندلاع القتال. وهكذا وجدت طهران نفسها أمام أدوات لم تُستوعَب بعد، لا أمام منظومة جاهزة للعمل. كانت تحتاج إلى وقت لتدريب الطواقم ودمجها مع الشبكة القائمة، وهذا الوقت لم يكن موجوداً. ولم يتمكن المشغلون الإيرانيون من إتقان استخدام المعدات الجديدة، ولا سيما رادارات YLC-8B، كما فشلوا في ربط الشبكة الصينية الجديدة بمنظومة الدفاع الجوي القديمة. والنتيجة أن البلاد دخلت الحرب بمنظومتين متوازيتين تعملان جنباً إلى جنب، لكن من دون أن تشكلا جسداً دفاعياً واحداً.
وكان هذا من أبرز أسباب الكارثة. فقد جعلت الولايات المتحدة وإسرائيل الربط بين HQ-9B وYLC-8B هدفاً ذا أولوية، وبحلول الأسبوع الثاني من الحرب كانت البطاريات الصينية قد دُمّرت بمعظمها. ووفق المعلومات المتداولة، لم يبقَ في الخدمة سوى عدد محدود من الرادارات. وفي طهران، أثار ذلك استياءً وخيبة أمل، وظهرت تقديرات تتحدث عن ضعف فعالية التكنولوجيا الصينية. لكن هذه الاتهامات تبدو أقرب إلى رد فعل عاطفي منها إلى تشخيص دقيق. فالمشكلة لم تكن في المنظومات نفسها فحسب، بل في أنها زُجّت في المعركة وهي في حالة نشر ناقص، من دون تكامل كافٍ، ومن دون أطقم متمرّسة، وبعد انسحاب خبراء الجهة الموردة.
أما ما تبقى من وسائل الدفاع الجوي الإيرانية، فلم يكن قادراً على قلب الموازين. فبحلول الأسبوع الثالث، كانت التقارير تشير إلى بقاء بطارية واحدة فقط من أصل أربع بطاريات S-300، ونحو ست بطاريات من Bavar 373، إلى جانب عدد كبير من المنظومات الأقل قدرة. لكن منظومات S-300 الروسية وBavar 373 الإيرانية تعاني بدورها من قيود واضحة، إذ إنها ليست مهيأة للتعامل بفعالية مع الطائرات الشبحية الحديثة في ظل هيمنة العدو على المجال الإلكتروني. وعملياً، انحصر دورها في مواجهة الطائرات المسيّرة وبعض الأهداف الأقل تعقيداً.
وهنا يجب التوقف عند نقطة أساسية. فخسارة الدفاع الجوي لا تعني تلقائياً هزيمة عسكرية شاملة. صحيح أنها تجعل الدولة مكشوفة، وتقيّد هامش المناورة، وتضرب البنية التحتية، وتهز معنويات جزء من النخبة، لكنها لا تمحو بالضرورة القدرة على القتال. وإيران تقدم دليلاً عملياً على ذلك. فبعد أن فقدت جزءاً كبيراً من درعها، لم تراهن على حماية السماء، بل على القدرة على الصمود تحت الضربات، وإيقاع خسائر غير متماثلة بالخصم في الساحات التي لا تزال تملك فيها أوراق قوة حقيقية.
منطق البقاء: إيران تتعلم القتال تحت الهشاشة الاستراتيجية.
لعل أكثر ما جرى التقليل من شأنه في هذه الحرب هو أن إيران، بعدما وجدت نفسها أمام تهديد وجودي، بدأت تعدّل تكتيكاتها بسرعة. ففي المرحلة الأولى، بدت فعلاً غير مستعدة لحملة جوية بهذا الحجم وهذه الكثافة. وبعد صدام 2025، شرعت القوات الإيرانية في التحول نحو مزيد من الحركة والمرونة، لكن حتى 28 فبراير، كانت نسبة كبيرة من البنية الصاروخية لا تزال ثابتة في مواقعها. وهذا ما أتاح للولايات المتحدة وإسرائيل تدمير كثير من منصات الإطلاق بسرعة، واستهداف بعض القواعد تحت الأرض، وضرب منشآت مرتبطة بإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
في الأيام والأسابيع الأولى، نجحت هذه الاستراتيجية. إذ استفاد الخصم من حقيقة أن الآلة العسكرية الإيرانية لم تكن قد انتقلت بعد إلى نمط الحرب الجديد. لكن المشهد بدأ يتبدل لاحقاً. فعندما أدركت طهران أن ما يجري ليس عملية استعراضية، بل معركة بقاء، بدأت تتكيف. وأصبحت عمليات إطلاق الصواريخ والمسيّرات أكثر حذراً في التنسيق. وتراجع حجم التحركات غير المحمية. كما تقلص الزمن الفاصل بين خروج الوحدات المتحركة من الملاجئ، وتنفيذ الإطلاق، ثم العودة إلى الاختباء. وما كان في بداية الحملة بنية تحتية هشة، أخذ يتحول تدريجياً إلى شبكة مبعثرة، لكنها أكثر قدرة على النجاة.
وبحسب التقديرات، دُمّر مع نهاية الأسبوع الأول ما يقرب من ثلثي منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، وبحلول الأسبوع الرابع لم يبقَ في الخدمة سوى نحو ربعها. ومن النظرة الأولى، يبدو ذلك انهياراً كاملاً. لكن الحروب لا تُقاس فقط بنسبة الخسائر، بل بقدرة ما تبقى على مواصلة العمل. فإذا كان هذا الربع الناجي من الوحدات المتحركة قادراً على الوصول بسرعة إلى المواقع، وتنفيذ الإطلاق، ثم الانسحاب خلال دقائق معدودة، فإن ما تبقى من الترسانة يتحول إلى تهديد دائم، حتى لو كان محدوداً نسبياً. وهذا بالضبط ما حدث.
فبحلول الأسبوع الرابع، كانت إيران لا تزال تحتفظ بقدرة يومية على إطلاق عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. ومن الناحية العسكرية، يعني ذلك أن الحملة الأميركية الإسرائيلية لم تحقق أحد أهدافها الجوهرية على الأرجح، وهو شل القدرة الهجومية للجمهورية الإسلامية بالكامل. نعم، هذه القدرة تراجعت. ونعم، باتت أكثر تقييداً. لكنها لا تزال فاعلة، ما يعني أن طهران ما زالت قادرة على فرض كلفة على خصومها.
مضيق هرمز: السلاح الأهم في يد إيران.
إذا كان الدفاع الجوي هو خاصرة إيران الرخوة، فإن مضيق هرمز تحول، في المقابل، إلى ورقتها الاستراتيجية الأقوى. وهنا تحديداً نجحت طهران في تحويل الجغرافيا إلى سلاح، وتحويل قدراتها البحرية المحدودة إلى أداة ضغط عالمي.
خلال الأسابيع الثلاثة والنصف الأولى من الحرب، بقي الحصار الفعلي لمضيق هرمز من دون رد كامل وفعّال. وفي البداية، اعتمد ذلك أساساً على الطائرات المسيّرة، وبعض الصواريخ التي أطلقت من الساحل، والمسيّرات البحرية، والزوارق السريعة. لكن لاحقاً، وعلى ما يبدو تحسباً لمحاولة أميركية لفرض إعادة فتح الملاحة بالقوة، بدأت إيران باستخدام أداة أشد خطورة، هي ما يسمى بالألغام المغناطيسية الذكية، التي يمكن تفعيلها أو تعطيلها بحسب الظروف العملياتية.
وهذا يغيّر الصورة برمتها. فالضربات الجوية على الساحل يمكن أن تحد من خطر الصواريخ المضادة للسفن، لكنها لا تزيل خطر الألغام، ولا تشل المنصات البحرية الصغيرة، ولا تضمن مرور السفن بأمان. وأي محاولة لفتح هرمز بالقوة تعني تعريض السفن الأميركية لخطر التفجير بالألغام، وضربات المسيّرات، والقصف الصاروخي. أما عمليات إزالة الألغام، فستستغرق أسابيع، وستجري تحت النار. ولم يعد الأمر هنا مجرد مهمة تكتيكية، بل بات حملة باهظة الكلفة ومحفوفة بالمخاطر السياسية، مع نتائج غير مضمونة.
ولهذا السبب، لم تجد الولايات المتحدة حتى الأسبوع الرابع من الحرب وسيلة فعالة لإعادة الملاحة الطبيعية عبر هرمز بالكامل. وهذا يعني أن إيران ما زالت تحتفظ بإمكانية التأثير ليس فقط في الإقليم، بل في الأجندة العالمية أيضاً عبر سوق النفط والغاز. وبالنسبة إلى طهران، لا يعد هذا مجرد عامل مساعد في الحرب، بل هو رافعة مركزية. فإيران لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة وإسرائيل في السماء، لكنها قادرة على جعل كلفة الحرب عالمية. وهي تستطيع نقل المواجهة من الحقل العسكري المباشر إلى ميدان القلق الطاقوي، والاضطراب في الأسواق، والضغط على حلفاء واشنطن.
وعندما تدرك طهران أنها لا تستطيع الانتصار في الحرب بالمعنى الكلاسيكي، فإنها تسعى إلى أمر آخر: أن تمنع خصمها من تحقيق نصر رخيص. وفي هذا المنطق، لا يكون هرمز مجرد مضيق، بل صماماً استراتيجياً للاقتصاد العالمي. وما دام هذا الصمام تحت التأثير الإيراني، فإن الحديث عن سيطرة أميركية كاملة على مسار الصراع يبقى بعيداً عن الواقع.
تأثير الالتفاف حول الراية.
من أكبر الأخطاء التي تقع فيها القوى الخارجية في مثل هذه الحروب، الاعتقاد بأن تدمير البنية التحتية وتصفية النخبة الحاكمة كفيلان تلقائياً بإطلاق انهيار سياسي داخلي. لكن التجارب تقول شيئاً آخر تماماً: هذا الرهان لا ينجح دائماً، بل قد ينقلب إلى نقيضه. ففي بعض الحالات، يبدأ المجتمع، حتى لو كان ساخطاً على السلطة، في التماسك أمام الضربة الخارجية. وهذا، على ما يبدو، هو السيناريو الذي يتكرس اليوم في إيران.
فعلى الرغم من القصف المكثف، وتدمير منشآت مدنية، واغتيال شخصيات رفيعة، لا تبدو، حتى الأسبوع الرابع من الحرب، أي مؤشرات جدية على تفكك القوات المسلحة. بل على العكس، تشير التقديرات المتداولة إلى أن التماسك المعنوي داخل الجيش والتشكيلات شبه العسكرية لم يتراجع، بل ارتفع في بعض الدوائر. والسبب واضح: الحرب لم تعد تُرى بوصفها مجرد مواجهة بين النظام وأعدائه في الخارج، بل باتت، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الإيرانيين، اعتداءً على الدولة الإيرانية نفسها.
وهذه نقطة بالغة الأهمية. ففي المراحل الأولى من الحملة، كان جزء من السكان لا يزال يراهن على أن الضغوط الخارجية قد تفتح الباب أمام تغيير السلطة. لكن حين تبدأ الصواريخ في إصابة المستشفيات، والبنية التحتية للطاقة، والمواقع التاريخية، وحين يسقط المدنيون قتلى، يتغير المزاج العام جذرياً. عندها لا يعود السؤال المطروح: هل النظام الحالي جيد أم سيئ، بل يصبح: ماذا يريد الذين يقصفون البلاد أن يفعلوا بإيران نفسها. وكلما ترسخ الانطباع بأن الهدف ليس مجرد تعديل سياسي، بل تقويض الدولة ككيان، تضاءلت فرص أي انتفاضة داخلية مناهضة للنظام.
حتى بين خصوم السلطة، يتعاظم الانطباع بقدرة إيران على تحمل ضربات متزامنة من أكثر من طرف، من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى بعض القوى العربية في الخليج، مع الاحتفاظ، رغم ذلك، بحد أدنى من السيطرة والقدرة على الإدارة. وفي الثقافة السياسية الشرق أوسطية، تصبح القدرة على الصمود، بحد ذاتها، مصدراً من مصادر الشرعية. فالنظام الذي لا يسقط تحت النار، يبدأ في الظهور، في نظر كثيرين، أقل هشاشة بكثير مما كان يُقال عنه قبل وقت قريب.
ولهذا السبب أيضاً، لم تنجح الرهانات على خروج الشارع الإيراني بأعداد كبيرة استجابة لنداءات المعارضة المرتبطة بالخارج. فعلى الرغم من تصريحات رضا بهلوي، وما علقته بعض الأوساط خارج إيران من آمال على انفجار داخلي، لم يُظهر المجتمع استعداداً لتحويل الحرب الخارجية إلى تمرد داخلي. وهذا ليس مفاجئاً. فبالنسبة إلى قطاع واسع من الإيرانيين، من الصعب تصديق أن قوى ارتبط اسمها، في الوعي العام، بتخريب المنطقة ودعم حملات دامية في الشرق الأوسط، يمكن أن تظهر فجأة في هيئة قوة تحرير وخير حين يتعلق الأمر بإيران.
وبحسب معطيات متداولة من داخل الأجهزة الأمنية الإيرانية، سُجل ارتفاع في أعداد المتطوعين المنضمين إلى الحرس الثوري و«الباسيج». وحتى لو جرى التعامل مع هذه المعلومات بحذر، فإن مجرد لجوء السلطة إلى تعبئة الحس الوطني بهذا الشكل يكشف الكثير عن طبيعة المرحلة. فالحرب لا تُضعف النظام، بل تدفعه إلى مزيد من التصلب، وتعيد صبّه حول أكثر أجنحته أيديولوجية.
النظام يتغير، لكن ليس نحو الليونة.
لعل أخطر ما تكشفه الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب، أن الضربات على إيران لا تفتح الطريق أمام نظام أكثر براغماتية أو أكثر ميلاً إلى التسوية. بل العكس تماماً. فهي تسرّع تحوّلاً داخلياً كان قد بدأ بالفعل، لكنه يتخذ الآن شكلاً أكثر قسوة وحدّة.
فالولايات المتحدة وإسرائيل، حين استهدفتا رأس الهرم السياسي والعسكري، كانتا تراهنان على إرباك منظومة الحكم، وربما دفعها نحو إنتاج مركز سياسي أكثر مرونة. لكن ما يحدث فعلياً مختلف تماماً. فالشخصيات التي تُقصى أو تُقتل هي نفسها تلك التي كان يمكن، ولو نظرياً، أن تؤدي دور الوسيط بين الدولة والنخب ومراكز القوة الأمنية. ومع تآكل المؤسسة التقليدية، لا ينكمش نفوذ الحرس الثوري، بل يتمدد في الفراغ.
اليوم، تكاد الساحة الإيرانية تخلو من شخصيات وازنة قادرة على كبح الحرس الثوري أو حتى موازنة ثقله داخل النظام. ولذلك، تبدو كل الأحاديث عن انتقال ناعم، أو عن ولادة نموذج تكنوقراطي ما بعد ثوري، أو حتى عن سيناريو شبيه بالحالة الفنزويلية، أقرب إلى الأوهام. وإذا كانت هناك شخصيات تملك، في وقت ما، فرصة للعب دور في مثل هذا المسار، فإن رصيدها السياسي أو الجسدي قد أُزيل من المعادلة.
وليس بلا دلالة أن آخر اسم بارز كان يُنظر إليه بوصفه ممكناً لسيناريو أقل أيديولوجية وأكثر تعقيداً، هو علي لاريجاني، الذي قُتل في 17 مارس. ولم يكن اغتياله مجرد تفصيل في الحرب، بل محطة فاصلة، تسارع بعدها اختلال التوازن داخل النظام الإيراني أكثر فأكثر لمصلحة المؤسسة الأمنية والعسكرية.
أما تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً، فلا يخفف هذا المسار، بل يرسخه. فهو وثيق الصلة بالحرس الثوري إلى درجة لا تسمح له بلعب دور الحكم بين الجناح المدني والجناح العسكري. ويزداد المشهد تعقيداً بسبب حالته الصحية الحرجة بعد إصابته. وإذا كان عاجزاً فعلاً عن إدارة الدولة على أساس يومي، فإن مركز القرار الحقيقي ينتقل، بدرجة أكبر، إلى شبكة من العقد الأمنية والقيادات شبه المستقلة المرتبطة بالحرس.
ومعنى ذلك ببساطة أن إيران تتجه إلى مزيد من القسوة لا إلى مزيد من الاعتدال. فالوجوه الشابة في الحرس الثوري، التي صعدت مكان من قُتلوا أو أُبعدوا، أقل استعداداً للتسوية، وأكثر تشبعاً بالأيديولوجيا، وأشد ميلاً إلى منطق المواجهة الطويلة. وبالنسبة إلى هذه الدوائر، لا تُعد الحرب الحالية مناسبة للبحث عن مخرج بأي ثمن، بل دليلاً إضافياً على أن التنازل لا يجلب إلا مزيداً من الضربات. وفي مثل هذا المناخ، تكاد فرص أي تسوية من دون تنازلات أميركية جوهرية أن تتبدد بالكامل.
انسداد أفق التفاوض وشبح الحرب الطويلة.
هنا تتشكل العقدة السياسية الكبرى. فالحرس الثوري، ومعه النواة الأكثر تطرفاً داخل النظام الإيراني، لا يبدوان معنيين بإنهاء الصراع من دون أثمان سياسية كبيرة تدفعها واشنطن. لكن دونالد ترامب، من جهته، لا يبدو هو الآخر مستعداً لتسوية يمكن تسويقها داخل الولايات المتحدة بوصفها اتفاقاً عقلانياً. منطقه يقوم على الضغط، والإكراه، واستعراض القوة. أما منطق إيران بعد أربعة أسابيع من الحرب، فيقوم على البقاء، والتعبئة، ورفض الاستسلام.
وهذا يعني أن مساحة التفاوض لا تتسع، بل تضيق. فكل أسبوع إضافي من الحرب يجعل النظام الإيراني أكثر ارتهاناً للأجهزة الأمنية، وأكثر ريبة، وأكثر عدوانية، وأقل قدرة على اتخاذ قرار سياسي خارج عقلية القلعة المحاصرة. وفي الوقت نفسه، فإن كل أسبوع يمر من دون حسم واضح، يجعل الحملة على واشنطن وتل أبيب أكثر كلفة، وأشد تعقيداً، وأكثر خطراً.
وهنا يكمن التناقض الأكبر في العملية كلها. فما صُمم ليكون استراتيجية لـ«قطع الرأس» وفرض الاستسلام، ينتهي عملياً إلى خلق الشروط لولادة نسخة أكثر تطرفاً من الدولة الإيرانية. لا نسخة مستعدة للاندماج في نظام إقليمي جديد، بل نسخة تزداد اقتناعاً بأن البقاء لا يمكن ضمانه إلا عبر التسلح، والمركزية الصلبة، والحرب اللامتناظرة.
ومن هنا، فإن القول إن إيران ضعفت بعد أربعة أسابيع من الحرب، صحيح فقط إلى حد معين. نعم، على المستوى العسكري والتقني، تتلقى ضربات قاسية. لكن على المستويين السياسي والنفسي، تمر بعملية تصلب خطيرة. والأنظمة من هذا النوع تصبح أكثر خطورة تحديداً حين تُجرح من دون أن تُكسر.
الخلاصة.
بات واضحاً الآن أن الرهان على انهيار سريع للجمهورية الإسلامية لم ينجح. فشل تدمير الدفاعات الجوية في إسقاط النظام. ولم تؤد الضربات على النخبة إلى شلل في الإدارة. ولم يتحول الضغط على المجتمع إلى انتفاضة. ولم تفقد طهران قبضتها على هرمز. كما أن قدراتها الصاروخية والمسيّرة، رغم تقلصها، لم تُمحَ بالكامل. والأهم من ذلك كله، أن طبيعة النظام الإيراني نفسها بدأت تتحول نحو مزيد من التشدد.
وهذا هو أخطر ما أفرزته الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب. فإيران لم تتحول إلى دولة ضعيفة جاهزة لتقبل شروط الآخرين، بل إلى دولة، بعد أن تجاوزت الصدمة الأولى، تغوص أكثر فأكثر في نموذج البقاء التعبوي. وفي مثل هذا النموذج، يُنظر إلى التسوية باعتبارها ضعفاً، وإلى الحرب باعتبارها الحالة الطبيعية. وإذا استمر هذا المسار، فإن المنطقة لن تجد نفسها أمام إيران ما بعد الصراع، بل أمام نسخة أشد قتامة، وأكثر انغلاقاً، وأكثر راديكالية من الجمهورية الإسلامية.
ذلك أن ما لا يقتل إيران، لا يجعلها أقوى بالمعنى التقليدي فحسب، بل يجعلها أيضاً أكثر خطورة، وأشد قسوة، وأقل قابلية للضبط. وربما كان هذا، بالنسبة إلى الشرق الأوسط، أسوأ بكثير من مجرد قدرة طهران المؤقتة على الصمود العسكري.