...

مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، وجد الرئيس الأميركي ترامب نفسه أمام خيار لا يحدّد فقط مآلات الحملة الجارية، بل يمسّ أيضاً المعنى السياسي الكامل لنهجه في السياسة الخارجية. أمامه عملياً سيناريوهان لا ثالث لهما: إما تعميق الانخراط العسكري أملاً في بلوغ نتيجة استراتيجية، أو محاولة تثبيت مكسب مرحلي والبدء في تقليص التورط الأميركي تدريجياً. غير أن المشكلة تكمن في أن كلا الطريقين باهظ الكلفة، وكلاهما قد ينتهي إلى هزيمة سياسية وجيوسياسية.

منذ اللحظة الأولى لهذه الحرب، أظهر الرئيس الأميركي ترامب ازدواجية واضحة. ففي بعض تصريحاته أوحى بأن النصر بات قريباً وأن الخصم قد انكسر عملياً. وفي تصريحات أخرى أقرّ بأن الطريق لا يزال طويلاً وأن المواجهة ستكون قاسية وممتدة. واليوم، بعد أسبوعين على اندلاع الحرب مع إيران، وهي الحرب التي اتُّخذ قرارها في البيت الأبيض، تحوّلت تلك الازدواجية إلى معضلة استراتيجية كاملة الأركان.

إذا بقيت واشنطن في الحرب، فهي تتحمّل عبء نزاع تجاوز منذ الآن حدود العملية العسكرية الموضعية. صحيح أن إيران تلقّت ضربات موجعة. لكنّها، حتى وهي في حالة إنهاك، أثبتت قدرتها على رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها بصورة حادة. ولا يقتصر الأمر على الضربات الصاروخية أو تحركات الأذرع الإقليمية، بل يتعداه إلى أثر أوسع بكثير: اضطراب أسواق الطاقة، وضربات للملاحة البحرية، وتصاعد القلق في دول المنطقة، واتساع دائرة الخطر من الخليج إلى شرق المتوسط.

استمرار الحرب يعني مزيداً من رفع السقف. مزيداً من الخسائر، ومزيداً من النفقات، ومزيداً من الضربات لصورة الولايات المتحدة بوصفها قوة لا تكتفي بإشعال الحروب، بل تعرف أيضاً كيف تنهيها من دون استنزاف استراتيجي. وإلى جانب ذلك، كلما طال أمد الصراع، برز التناقض الداخلي في مسار ترامب نفسه بصورة أوضح. فقد وصل الرجل إلى السلطة باعتباره سياسياً وعد الأميركيين بعدم الزجّ ببلادهم في حروب كبرى جديدة. لكن الولايات المتحدة، في عهده تحديداً، وجدت نفسها منخرطة في أكبر مواجهة شرق أوسطية منذ نحو ربع قرن. وبالنسبة إلى شريحة من قاعدته الانتخابية، لم يعد هذا مجرد مناورة تكتيكية، بل بدا انحرافاً خطيراً عن الوعد المركزي الذي حمله إلى البيت الأبيض.

لكن طريق التراجع ليس أسهل على الإطلاق. فالانسحاب الآن يعني الإقرار بأن قسماً مهماً من الأهداف المعلنة لم يتحقق. نعم، حققت الولايات المتحدة وإسرائيل نتائج عسكرية ملموسة. ووفق تقديرات رسمية، جرى تدمير جزء كبير من القدرات الصاروخية الإيرانية، وتعطيل عناصر من منظومة الدفاع الجوي، وإلحاق ضرر بالغ بالأسطول. كما شكّلت وفاة آية الله علي خامنئي صدمة رمزية وسياسية مدوية، وهو الرجل الذي رسم، طوال ما يقارب أربعة عقود، ليس فقط ملامح النظام الإيراني في الداخل، بل أيضاً سلوكه في عموم الشرق الأوسط.

غير أن إسقاط الزعيم لا يعني انهيار المنظومة تلقائياً. فالثيوقراطية الإيرانية، خلافاً لما تمنّاه خصومها، لم تتفكك. بل على العكس، أظهرت مؤشرات واضحة على تماسك صارم. ووفق المعطيات المتداولة، ينتقل زمام الإدارة إلى نجل خامنئي الجريح، الذي بعث برسالة واضحة مفادها أن طهران ستواصل استخدام كامل ترسانة الحرب اللامتماثلة: هجمات إلكترونية، وتهديدات بالألغام في البحر، وضربات ضد أهداف في الإقليم، وضغط عبر تشكيلات مسلحة مرتبطة بها. أما الحرس الثوري، ورغم الخسائر، فما زال يحتفظ بقدرته القتالية، ويظلّ العمود الفقري الحقيقي للنظام.

أما المشكلة الأعمق، فتتمثل في أنه حتى لو اتُّخذ قرار سياسي بالخروج من الحرب، فإن السؤال الجوهري سيظل معلقاً بلا جواب. فمخزونات الوقود النووي القريب من مستوى الاستخدام العسكري، والتي كانت في صلب المخاوف الأميركية والإسرائيلية، ما تزال موجودة على الأراضي الإيرانية. وهي تحديداً ما يغذّي السيناريو الذي يمكن أن تعمد فيه إيران، بعد امتصاص الضربة واستخلاص الدروس، إلى تسريع مسارها نحو إنتاج سلاح نووي في المستقبل. بمعنى آخر، فإن الخروج المبكر من الحرب قد لا يزيل الخطر، بل يؤجله فقط، وربما يجعله في ما بعد أكثر فتكاً وتعقيداً. وليس عبثاً أن ترتفع في واشنطن أصوات تقول إن جهة ما ستضطر إلى دخول إيران والسيطرة على هذه المواد فعلياً على الأرض. لكن مثل هذه العملية البرية لن تكون حملة محدودة، بل غرقاً مباشراً في هاوية عسكرية بنتائج لا يمكن التنبؤ بها.

ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، تصبح كلفتها أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. سقط قتلى من العسكريين الأميركيين. وتجاوز عدد الضحايا الإجمالي ألفي قتيل، والغالبية منهم في إيران. كما يتزايد عدد الضحايا المدنيين. وفي الوقت نفسه، يتعزز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، مع إرسال قوات إضافية من مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط حيث يتمركز أصلاً حضور أميركي كبير. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن البيت الأبيض، رغم خطاباته العلنية عن النجاح، يستعد لا لنهاية الأزمة، بل لمرحلتها الأطول والأكثر إنهاكاً.

العامل البحري بات يكتسب أهمية استثنائية. فبعد الضربات على جزيرة خرج، التي يمر عبرها القسم الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، دخل الوضع حول مضيق هرمز مرحلة حرجة. رسمياً حاولت واشنطن تهدئة الأسواق والحلفاء، قائلة إن التهديد الذي يطال الملاحة لا ينبغي تضخيمه. لكن الواقع أثبت خلاف ذلك: هذا الشريان الحيوي أصيب بشلل فعلي، ومعه تعرض جزء كبير من التجارة العالمية، ولا سيما تجارة الطاقة، لتهديد مباشر. ولهذا اضطر ترامب إلى دعوة دول أخرى علناً، بينها الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، إلى الإسهام في تأمين المضيق. وهذه لم تعد لغة المنتصر. إنها اعتراف صريح بأن السيطرة على أزمة بهذا الحجم، حتى بالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد تصبح مكلفة ومعقدة أكثر مما يُحتمل.

وثمة ما هو أكثر دلالة. فبعد هجمات المسيّرات على البنية النفطية في الإمارات، وبعد الضربات التي استهدفت مواقع أميركية في العراق، وبعد القفزات في أسعار الطاقة، اضطرت واشنطن إلى اتخاذ خطوات كانت حتى وقت قريب تبدو مستحيلة سياسياً. ومن بين هذه الخطوات، تخفيف الضغط العقابي على جزء من إمدادات النفط الروسي، في محاولة لمنع السوق من الانفلات أكثر. وهذا أحد أبلغ المؤشرات على السرعة التي خرجت بها الحرب مع إيران من إطار المسألة الإيرانية نفسها، لتتحول إلى أزمة ذات طابع عالمي.

أما ترامب نفسه، فيبدو أنه ما زال يتخذ قراراته بالطريقة التي اعتادها: أقل عبر مؤسسات التقييم الاستراتيجي، وأكثر عبر حدسه الشخصي. سبق له أن برّر قرار توجيه الضربة بأنه كان يملك «إحساساً جيداً» حيال نيات إيران. واليوم يكاد يستخدم اللغة ذاتها وهو يتحدث عن احتمال الخروج من الحرب، قائلاً إنه «سيشعر بذلك في عظامه». هذا الطابع الشخصاني في صناعة القرار قد يبدو لافتاً سياسياً، لكنه في ظروف حرب إقليمية كبرى يعني ارتفاعاً حاداً في مستوى المخاطر. فالمراهنة هنا لا تقوم على حساب استراتيجي بارد، بل على إحساس ذاتي باللحظة.

داخل الإدارة الأميركية يتنامى أيضاً إدراك واضح بأن طهران كانت خصماً أخطر بكثير مما جرى تقديره. وتشير المعطيات إلى أن واشنطن قللت من شأن استعداد إيران لإغلاق مضيق هرمز أو زعزعة استقراره، كما استهانت بقدرتها على توسيع رقعة الحرب سريعاً في أنحاء المنطقة. كذلك جرى التقليل من صلابة النظام الإيراني نفسه، الذي لم ينهَر بعد تصفية خامنئي، بل على العكس، بدا كأنه التقط أنفاسه وحشد قواه.

كل ذلك ينعكس حكماً على العلاقة الأميركية الإسرائيلية. صحيح أن التحالف ما زال يحافظ رسمياً على تنسيق كامل، لكن علامات التوتر بدأت تلوح. فكلما طال أمد الحرب، صار السؤال أكثر إلحاحاً: هل تتطابق فعلاً آفاق الأهداف بين واشنطن وتل أبيب. بالنسبة إلى إسرائيل، يشكل إضعاف إيران إلى الحد الأقصى هدفاً استراتيجياً يكاد يكون وجودياً. أما بالنسبة إلى ترامب، فهذه الحرب تتحول شيئاً فشيئاً إلى اختبار لرئاسته ووعوده ومستقبله السياسي.

البيت الأبيض يحاول حتى الآن تسويق ما يجري باعتباره حملة شاقة، لكنها ضرورية تاريخياً. المقربون من ترامب يتحدثون عن مخاطر قصيرة الأجل في مقابل مكاسب طويلة المدى، ويصرون على أن العملية ستُقاس بنتيجتها النهائية. والمنطق هنا واضح: إذا تمكنت الولايات المتحدة من القول إن القدرة العسكرية الإيرانية قد دُمّرت، فسيُقدَّم ذلك بوصفه أحد أكبر إنجازات الإدارة الحالية. لكن هنا تحديداً يكمن السؤال الأهم: ما المقصود بتدمير القدرة. هل هو تدمير البنية التحتية. أم تغيير النظام. أم تصفية البرنامج النووي. أم مجرد إضعاف مؤقت لخصم سيعود بعد سنوات أكثر تشدداً وانغلاقاً.

وهنا تكمن المأساة المركزية للحظة الراهنة. لم يعد أمام ترامب مخرج سهل. استمرار الحرب يهدد بجرّ الولايات المتحدة إلى نزاع طويل ومكلف وأقل فأقل قابلية للسيطرة. أما محاولة الخروج السريع، فقد تصنع وهماً بالنهاية فيما يظل مصدر التصعيد المستقبلي حيّاً وقادراً على الانفجار من جديد. ولذلك فإن الخيار المطروح أمام الرئيس الأميركي ترامب لم يعد يُختصر بسؤال البقاء أو الانسحاب. إنه في الحقيقة اختيار بين شكلين مختلفين من المخاطرة الاستراتيجية.

ولهذا يبدو دخول الحرب أسبوعها الثالث لا بوصفه انتقالاً إلى المرحلة الختامية، بل باعتباره لحظة إعادة تقييم قاسية. الدفعة العاطفية الأولى للحرب استُنفدت. والآن تبدأ المرحلة التي لا تُحسب فيها الأمور بالتصريحات الصاخبة، بل بالموارد، والقدرة على الصمود، والإرادة السياسية، والاستعداد لتحمل نتائج القرارات. وهنا تتكشف الحقيقة الأوضح: إشعال الحرب قد يكون سريعاً، لكن الخروج منها منتصراً أصعب بكثير من الدخول إليها تحت التصفيق.

فتح المضيق من جديد.

في اجتماع بالمكتب البيضاوي الأسبوع الماضي، طالب الرئيس الأميركي ترامب، وقد بدا عليه الانزعاج، رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بأن يشرح له لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة ببساطة وبشكل فوري إعادة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها.

الجواب جاء حاداً وواقعياً إلى أبعد حد. فحتى جندي إيراني واحد، أو مقاتل واحد من تشكيل مسلح مرتبط بطهران، يكفي أن يظهر على زورق سريع في الممر الضيق للمضيق كي يطلق صاروخاً متنقلاً على ناقلة عملاقة تسير ببطء، أو يثبت لغماً مغناطيسياً على بدنها. وفي ظروف كهذه، لم تعد المسألة تتعلق بسيطرة بحرية كلاسيكية، بل بمواجهة تهديد مبعثر، زهيد الكلفة، وفعال إلى حد خطير، لا يمكن تحييده بقرار يصدر من البيت الأبيض.

وهنا تحديداً يكمن التناقض الأكبر في الحرب الراهنة. فمع أن واشنطن حققت تفوقاً واضحاً على المقاييس العسكرية التقليدية، فإنها ما زالت عاجزة عن ضمان أمن أهم شريان بحري في العالم. وهذا يعني أن إيران، رغم الضربات الثقيلة التي تلقتها، ما زالت قادرة على فرض منطقها الخاص على الحرب، أي منطق الضغط اللامتماثل.

وحين يستقر النفط قرب مستوى مئة دولار للبرميل، وتقفز تكاليف التأمين على العبور عبر الخليج بسرعة، يكفي ظهور مشاهد جديدة لناقلات مشتعلة حتى يكون الأثر النفسي والسوقي أكبر بكثير من حجمه الميداني الحقيقي. في هذه الحالة ستبدو طهران أقوى مما هي عليه فعلاً. وهذا بالتحديد هو التأثير الذي يعمل اليوم لمصلحة إيران. فمنذ الآن، وبعد الهجمات على السفن قرب المضيق، بدأ ملاك السفن يعزفون عن المجازفة، غير آبهين حتى بنداءات ترامب العلنية لهم بأن «يُظهروا بعض الصلابة».

إذا نُظر إلى الوضع بعين البنتاغون، فإن الحملة الأميركية تبدو ناجحة إلى حد بعيد. وزير الدفاع بيت هيغسيث يتحدث عن «سيطرة كاملة في الجو». جزء كبير من الأسطول الإيراني غرق. ومئات الصواريخ ومنصات الإطلاق دُمّرت. ووفق المعطيات الأميركية، فإن إيران تطلق اليوم صواريخ أقل بنسبة تسعين في المئة مما كانت تطلقه في بداية الحرب، ومسيّرات هجومية أقل بنسبة خمسة وتسعين في المئة. وعلى الورق، يبدو ذلك كأنه نموذج مثالي لعملية خاطفة هدفت إلى تحطيم القدرة العسكرية للخصم.

لكن الحرب، كما يحدث كثيراً، تجاوزت منذ الآن حدود الأرقام الجامدة. نعم، خسرت إيران قسماً كبيراً من قدراتها العسكرية التقليدية. لكن تحطيم الجيش لم يؤدِّ إلى اختفاء التهديد. بل اتضح أن إيران، حتى وهي ضعيفة، ما زالت قادرة على إنتاج الفوضى، والتأثير في الأسواق العالمية، وتوجيه ضربات دقيقة لكنها شديدة الحساسية سياسياً إلى أعصاب الاقتصاد العالمي. ويبدو أن طهران، بعد سنوات من التعامل مع الرئيس الأميركي ترامب، فهمت جيداً نقاط ضعفه: ارتفاع أسعار النفط وهبوط أسواق المال ليسا مجرد مؤشرين اقتصاديين، بل وسيلة ضغط مباشرة على المزاج السياسي للرجل في البيت الأبيض.

لقد أصبح مضيق هرمز البرهان الأوضح على هذه القدرة الإيرانية على الانتقام اللامتماثل. فرغم الضربات الجديدة على ما تبقى من الأسطول الإيراني، تكاد حركة العبور عبر المضيق تتوقف. والهجمات على ناقلات النفط وسفن الشحن وغيرها من السفن التجارية أظهرت أن طهران، حتى بعد تدمير بنيتها العسكرية، ما تزال قادرة على شلّ هذا الممر الحيوي لا بوفرة القوة، بل بالإنتاج المتواصل للمخاطر.

ولهذا يتزايد في واشنطن الحديث عن خيار مرافقة السفن التجارية بقوات من البحرية الأميركية. لكن هذا السيناريو لا يبدو سريعاً ولا سهلاً ولا آمناً. نحن أمام عملية مكلفة واحتمالات التصعيد فيها مرتفعة جداً. وستضطر الولايات المتحدة إلى حشد مزيد من القطع البحرية في المنطقة، وتعزيز الدفاعات، وتوسيع النشاط الاستخباراتي، وربما تنفيذ ضربات جديدة ضد الوسائل الإيرانية القادرة على تهديد المضيق. وحتى داخل الإدارة، هناك من يعترف بأن إطلاق مثل هذه الآلية قد يحتاج إلى أسابيع. وفي حرب من هذا النوع، لا تُعد الأسابيع استراحة تكتيكية، بل نافذة مفتوحة على صدمات جديدة.

دعوة ترامب يوم السبت إلى خمس دول لإرسال سفن إلى المنطقة كانت إشارة بالغة الأهمية. للمرة الأولى، أظهر الرجل بهذا القدر من الصراحة رغبته في جمع ائتلاف أوسع في مواجهة إيران. لكن البيت الأبيض اصطدم هنا بحرج سياسي واضح. فهو يطلب المساعدة من حلفاء لم يُشركهم عملياً في قرار الدخول إلى الحرب. بل إن ترامب كان قد أوحى قبل وقت غير بعيد بأن مشاركة الشركاء في وقت متأخر لا تعنيه كثيراً. أما اليوم، فتبيّن أن من دون دعم خارجي سيكون من الصعب جداً لا تثبيت أمن المضيق، ولا تهدئة الوضع الإقليمي.

ويكتسب هذا المشهد دلالة إضافية على خلفية التعزيزات العسكرية العاجلة. فقد وصل الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، إلى واشنطن لبحث الاستراتيجية والحاجة إلى موارد جديدة. وبعد ذلك بوقت قصير، تسرّبت معلومات تفيد بأن نحو ألفين وخمسمئة من مشاة البحرية على متن ثلاث سفن أوقفوا مهمتهم في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهم في طريقهم إلى الشرق الأوسط. رسمياً لم تُكشف مهامهم. لكن طبيعة السيناريوهات المحتملة تقول الكثير: إما تأمين المضيق، أو الانخراط في عمليات هجومية أكثر تعقيداً، قد تصل حتى إلى احتمال التحرك ضد جزيرة خرج. وبكلام آخر، فإن واشنطن لا تضيق أفق الحرب، بل توسّعه تدريجياً.

لكن بينما تزيد الولايات المتحدة حضورها العسكري، ترد إيران بأسلوب غير متماثل، وكما تظهر الوقائع، بأسلوب مؤلم للغاية. فعلى مدى السنوات التي تلت الهجوم الإلكتروني على برنامجها النووي، بنت طهران قدرة سيبرانية كبيرة خاصة بها. واليوم دخل هذا المورد إلى ساحة المعركة. فالضربات لم تعد تطال إسرائيل وحدها، بل أهدافاً أميركية أيضاً. ومن هذه الزاوية، بدأت الحرب تكتسب سمات مألوفة للنزاعات الحديثة: الجبهة تصبح ضبابية، وخط التماس يتلاشى، وساحة القتال تنتقل إلى اللوجستيات، والطاقة، والبنية التحتية للشركات، والفضاء المدني.

وما يبعث على القلق أكثر هو مسار آخر آخذ في التشكل: انتقال تداعيات الحرب تدريجياً إلى داخل الأراضي الأميركية نفسها. فسلسلة الهجمات والحوادث داخل الولايات المتحدة، مهما بقيت الأدلة والجهات المنفذة والدوافع محاطة بالضباب، بدأت تغيّر نظرة الأميركيين إلى هذا الصراع. ما دامت الحرب بعيدة، يمكن تسويقها على أنها عملية جيوسياسية. لكن حين تبدأ أصداؤها بالوصول إلى داخل أميركا نفسها، إلى الجامعات، والمراكز الدينية، والمدن، والشركات، فإن الكلفة السياسية للمشاركة فيها تصبح شيئاً مختلفاً تماماً.

توتر جديد مع إسرائيل.

حتى في الأيام التي سبقت الحرب، كان هناك داخل القيادة الإسرائيلية تصور مفاده أن ضربة أولى ساحقة ضد إيران، ولا سيما إذا طالت قمة النظام، قد تشعل انتفاضة داخلية سريعة. ويبدو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نجح في إقناع ترامب بهذه المقاربة أيضاً. ولهذا بالتحديد حملت الرسائل الأولى للرئيس الأميركي إلى الإيرانيين فكرة شبه مباشرة: بعد الضربة، انتزعوا البلاد من السلطة القائمة.

منذ البداية، بدا هذا الرهان أقرب إلى رغبة سياسية منه إلى سيناريو واقعي. وأظهرت الأسابيع الماضية بوضوح أن الانفجار الداخلي المنتظر لم يقع. ففي شوارع طهران، كانت المشاهد الأبرز هي التحركات المؤيدة للسلطة، تغذيها الحرب، والتعبئة الوطنية، وأخطاء الضربات الأميركية نفسها، بما في ذلك الهجمات القاتلة على أهداف مدنية. والآن يبدو أن ترامب نفسه لم يعد واثقاً كما كان من أن عامل الاحتجاج في الشارع قادر على قلب المعادلة.

وفي إحدى مقابلاته، أقر عملياً بحقيقة قاسية: التشكيلات المرتبطة بـ«الباسيج» والحرس الثوري ستقوم ببساطة بتصفية كل من يجرؤ على الخروج ضد السلطة. وهذه الملاحظة ليست عابرة. فهي تعني أن واشنطن بدأت تتخلص من أحد أكبر أوهام الأيام الأولى للحرب، أي من وهم أن الضربة الخارجية كفيلة وحدها بإطلاق انهيار داخلي تلقائي للنظام.

وعلى هذه الخلفية بالذات، بدأت الفوارق بين المقاربتين الأميركية والإسرائيلية تظهر بوضوح أكبر. وبحسب مصادر مطلعة، فإن ترامب والعسكريين الأميركيين حذروا الجانب الإسرائيلي من ضرب خزانات النفط الكبرى قرب طهران، خشية أن يدفع ذلك إيران إلى رد واسع على البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأسرها. لكن القيادة الإسرائيلية، على ما يبدو، اختارت طريقاً آخر.

وقعت الضربة، واندلعت حرائق هائلة، ثم جاءت قفزة أسعار النفط. وداخل البيت الأبيض ترسخ انطباع بأن نتنياهو لم يكن يسعى فقط إلى مكسب عسكري، بل إلى تأثير بصري ونفسي صاخب أيضاً: إظهار طهران وسط سحب الدخان الأسود بوصفها صورة مكثفة لضعف النظام وتصدعه. غير أن الرهان على الصورة المدوية قاد إلى نتائج شديدة الملموسية. فقد جاء الرد الإيراني عبر هجمات جديدة بالمسيّرات على منشآت الطاقة في السعودية والإمارات، ثم عبر توقف تحميل النفط في الفجيرة، أحد أهم المرافئ التصديرية في المنطقة.

وهنا لم تعد المسألة مسألة تكتيك، بل مسألة اختلاف في الأفق الاستراتيجي نفسه. فبالنسبة إلى إدارة ترامب، يبقى من الحيوي منع الانهيار الكامل لأسواق الطاقة العالمية ومنع توسع الحرب إلى حريق إقليمي خارج السيطرة. أما بالنسبة إلى نتنياهو، فقد يبدو منطق اللحظة مختلفاً تماماً: إذا كانت إيران قد ضعفت، فلا بد من ضرب مجمل منظومة نفوذها، بما في ذلك الساحة اللبنانية و«حزب الله». ومن هنا جاء التوتر الجديد حول لبنان. ففي واشنطن يُنظر إلى مثل هذه الخطوات على أنها تشتيت خطير للجهد العسكري وعامل إضافي للتصعيد. أما في القدس، فتُقرأ بوصفها نافذة استراتيجية نادرة لا يجوز تفويتها.

رسمياً، لا يزال الطرفان يشددان على التنسيق الكامل والتعاون الوثيق. لكن خلف العبارات الدبلوماسية، بدأت تطل حقيقة أكثر تعقيداً بكثير. فالولايات المتحدة وإسرائيل ما زالتا في الخندق العسكري نفسه، غير أن فهمهما لمستوى المخاطرة المقبول، وللنتيجة المنشودة، ولوتيرة التصعيد المقبل، بدأ يتباعد شيئاً فشيئاً.

وفي الوقت نفسه، يحافظ ترامب على تواصل شبه يومي مع نتنياهو، ويجري بالتوازي مشاورات مكثفة مع قادة عرب، وفي مقدمهم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وبحسب المصادر، فإن الرسالة التي تصله من الجانب السعودي حادة إلى أقصى حد: يجب مواصلة كسر إيران بالقوة. إنها في الجوهر الصيغة الإقليمية القديمة نفسها التي عرفتها واشنطن جيداً منذ عهد الملك عبد الله: إذا كان التهديد يأتي من طهران، فلا يكفي احتواؤه، بل يجب اقتلاعه من الجذور.

لكن هنا بالذات يبرز السؤال الأكبر في هذه الحرب كلها. فمن السهل الحديث عن ضرورة الإجهاز على الخصم ما دامت التداعيات لم تتحول بعد إلى أزمة عالمية. أما الأصعب بكثير، فهو المضي في هذا المنطق حين تشتعل محطات النفط، وتتجمد الملاحة، وتقفز الأسعار، وتتوالى الهجمات السيبرانية، وتبدأ الحرب نفسها بالارتداد نحو الداخل الأميركي.

وفي المحصلة، فإن مشكلة الرئيس الأميركي ترامب لم تعد تقتصر على سؤال ما إذا كان بالإمكان إعادة فتح مضيق هرمز. فالمضيق تحول إلى رمز للحرب كلها. تستطيع الولايات المتحدة تدمير الصواريخ، والسفن، ومراكز القيادة، والقواعد. لكنها لم تتمكن بعد من تدمير قدرة إيران نفسها على تحويل القوة المحدودة إلى أزمة عالمية. ولهذا صار السؤال أوسع بكثير: ليس كيف يُفتح المضيق، بل كيف يمكن الخروج من حرب ما زال فيها الخصم، حتى وهو في حالة ضعف، يحتفظ بحقه في توجيه الضربة الأخيرة، والأشد إيلاماً.

قرارات ترامب المقبلة: جزيرة خرج ومستودع المواد النووية.

في بداية النزاع، قال الرئيس الأميركي ترامب إن الحرب قد تستغرق، بحسب تقديراته، ما بين أربعة وستة أسابيع. وحتى الآن، لا يزال البيت الأبيض يقول إن هذا التقدير ما زال قائماً في المجمل. وهذا يعني أن العمليات القتالية ستستمر على الأرجح حتى الموعد الذي يتوجه فيه ترامب، في نهاية مارس، إلى زيارته المعلنة منذ زمن إلى الصين، وهي زيارة كان يُفترض بها في الأصل أن تكون قمة تبحث التجارة، والرسوم الجمركية، وهندسة الأمن في آسيا.

أما الآن، فلم يعد هناك تقريباً مجال للشك في أن عنوان اللقاء في بكين لن يكون التجارة بصيغتها المجردة، بل الحرب. ليس فقط لأنها تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط برمتها، بل لأنها تتحول بسرعة إلى أداة ضغط اقتصادي عالمي. ففي العام الماضي، نجح الرئيس الصيني شي جين بينغ، مستنداً إلى هيمنة بلاده على المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات الحيوية، في دفع ترامب إلى التراجع في مواجهة الرسوم الجمركية. أما اليوم، فالصورة تنقلب على نحو معكوس. فإذا سارت الحرب وفق السيناريو الذي تريده واشنطن، فقد يجد ترامب بين يديه ورقة ضغط قادرة على التأثير في تدفقات النفط التي تغذي الصناعة الصينية، ليس فقط من فنزويلا، بل ومن إيران أيضاً، تبعاً لما ستؤول إليه الحملة.

وبالنسبة إلى بكين، لا يتعلق الأمر هنا بقضية نظرية أو بعيدة. فالصين ما زالت أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، والإمدادات القادمة من إيران تحتل موقعاً مهماً في بنية وارداتها البحرية. ولهذا فإن مآل الحرب الراهنة لا يبدو للقيادة الصينية أزمة خارجية فحسب، بل عاملاً يمس صلابة أمنها الطاقوي مباشرة. وبكلمات أخرى، حين يلتقي ترامب وشي في بكين، فلن يكون الحديث مجرد نقاش حول اختلالات التجارة، بل حول من يملك القدرة، وإلى أي حد، على التأثير في شرايين المواد الخام العالمية.

لكن قبل أن يصل هذا النقاش إلى الطاولة، سيكون على ترامب أن يتخذ قرارين ربما يكونان الأثقل في الحرب كلها: هل يمضي نحو الاستيلاء بالقوة على جزيرة خرج، وهل يعطي الأمر بتنفيذ عملية ضد مستودع المواد النووية الذي يُعتقد أنه ما زال يحتوي على كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب إلى مستوى يقترب من العتبة العسكرية.

هاتان الغايتان تختلفان جذرياً، سواء في المنطق العسكري أو في التبعات السياسية.

جزيرة خرج هدف مكشوف، واضح جغرافياً، وقابل للبلوغ نسبياً بمنطق القوة العسكرية التقليدية. فهي تقع عند الطرف الشمالي للخليج العربي، وتلعب دوراً محورياً في منظومة تصدير النفط الإيراني. ومن زاوية عسكرية، قد يبدو الاستيلاء عليها بمثابة عرض مباشر لسيطرة أميركية على أهم عصب اقتصادي في إيران. لكن الخطر يكمن بالضبط في هذه البساطة الظاهرة.

فالسيطرة على الجزيرة لا تعني الاحتفاظ بها من دون كلفة مؤلمة. فأي قوة احتلال ستتحول فوراً إلى هدف لبقايا الحرس الثوري، ولضربات تنطلق من الساحل، ولهجمات القوارب الصغيرة، ولعمليات التخريب على خطوط الأنابيب، ولضغط استنزافي دائم. وبعبارة أخرى، فإن العملية التي قد تبدو على الخريطة مجرد حلقة بحرية محدودة، يمكن أن تتحول سريعاً في الواقع إلى تمركز طويل فوق رأس جسر هش ومعرض للضرب. وهذا هو بالضبط النوع من الحضور العسكري الذي كانت قاعدة ترامب السياسية تحذر منه، والذي تعهد هو نفسه يوماً بألا يكرره أبداً.

ومع ذلك، فإن الإغراء بالنسبة إلى البيت الأبيض واضح تماماً. فنجاح السيطرة على خرج يعني عملياً الإمساك بالصمام التصديري الأساسي للاقتصاد الإيراني. وبالنسبة إلى ترامب، لن يكون هذا مجرد نجاح عسكري، بل أداة استراتيجية لخنق الخصم: القدرة على إبقاء النظام المالي الإيراني تحت الضغط، وتقييد عائداته النفطية، وفرض الشروط من موقع القوة. ولهذا فإن السؤال المتعلق بجزيرة خرج ليس مجرد سؤال تكتيكي. إنه سؤال عمّا إذا كان ترامب مستعداً لمقايضة وعده بعدم التورط في حروب طويلة بفرصة امتلاك أقصى أدوات الضغط.

أما العملية المحتملة ضد الوقود النووي، فهي مختلفة في طبيعتها بالكامل. فإذا كانت خرج مشكلة تتعلق بإمساك الأرض، فإن مستودع المواد النووية هو مشكلة خطر أقصى، حيث قد تكون كلفة الخطأ كارثية.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصب بنسبة ستين في المئة مخزن في عمق الأرض داخل منظومة أنفاق في أصفهان. نحن هنا أمام مادة لم تتحول بعد إلى سلاح جاهز، لكنها تقف على مسافة خطيرة جداً من العتبة التي يصبح بعدها الانتقال إلى الاستخدام العسكري مسألة قرار سياسي ووقت. وهذه المادة مدمجة وصغيرة نسبياً، لكن هذا بالذات ما يجعل المهمة شديدة التحديد وشديدة الخطورة في آن واحد.

والمشكلة أن الوصول إلى تلك الأنفاق بالغ الصعوبة. فبعد ضربات العام الماضي، دُمّر جزء من المداخل، وانهارت مقاطع كثيرة، وتعقد الوصول إلى الموقع أكثر فأكثر. وقد تقول الاستخبارات إنها لا ترى مؤشرات على نقل المواد إلى مكان آخر، لكن غياب المؤشرات لا يجعل الهدف أكثر سهولة من الناحية العملية. وبالنسبة إلى قوات العمليات الخاصة، فإن ذلك يعني الاختيار بين سيناريوهين متساويين في الخطورة: إما تسلل سري على أمل الوصول السريع ثم الإخلاء، أو دخول تحت غطاء قوة عسكرية كبيرة مع احتمال عملية تمتد أياماً، وربما أسابيع، لاستخراج الحاويات بحذر شديد.

وهنا تحديداً تبدأ المنطقة التي تكف فيها الحرب عن أن تكون حملة عسكرية عادية. فأي خطأ في التعامل مع هذه المواد يمكن أن يفضي إلى نتائج تتجاوز ساحة الاشتباك نفسها بمراحل. تضرر الحاويات، أو ملامسة الرطوبة، أو الإخلال بشروط التخزين، كل ذلك يمكن أن يطلق في آن واحد تهديداً سُميّاً وإشعاعياً. وأكثر من ذلك، فإن وضع المواد المستخرجة في مكان غير مناسب قد يفتح الباب أمام خطر التفاعل الحرج. وبمعنى أوضح، نحن أمام عملية يتعين فيها على القوات الخاصة أن تعمل في الوقت نفسه كقوة اقتحام، ووحدة هندسية، وفريق تقني نووي. وقد تبدو مثل هذه المهمات براقة في الخطاب السياسي، لكنها في الواقع من أعقد العمليات التي يمكن لدولة أن تخطط لها أصلاً.

ويبدو أن الإلحاح الذي يحيط بهذا الملف في واشنطن يرتبط أيضاً بعامل آخر. فالبيت الأبيض يخشى أن يكون الحرس الثوري، وقد وجد نفسه في وضع أكثر يأساً من أي وقت مضى، ينظر إلى بقاء هذا الوقود على الأراضي الإيرانية بوصفه الورقة الاستراتيجية الأخيرة. ليس بالضرورة من أجل صناعة سلاح على الفور، بل كأداة ابتزاز، وإطالة للحرب، وإجبار للولايات المتحدة على التزام الحذر. وفي هذه الحالة، لا تعود المادة النووية مجرد أصل تقني، بل تتحول إلى رهينة سياسية للحملة كلها.

ولهذا يبدو الخيار المطروح أمام الرئيس الأميركي ترامب مؤلماً إلى هذا الحد. فالسير نحو خرج يعد بسيطرة استراتيجية، لكنه يهدد بالغرق في منطق الاحتلال. أما العملية ضد مستودع المواد النووية، فتعد بإزالة أحد أخطر مصادر التهديد، لكنها مقترنة بمخاطر مهمة تكاد تتجاوز حدود التصور. أحد الخيارين يقود إلى حضور عسكري طويل الأمد. والآخر يقود إلى قفزة هائلة في مستوى المجازفة، حيث يمكن لأي خطأ في الحساب أن يتحول لا إلى إخفاق فقط، بل إلى كارثة.

وحين يقول ترامب إن القرار لم يُتخذ بعد، وإن البيت الأبيض «لم يقترب منه حتى الآن»، فإن ذلك لا يبدو مجرد وقفة دبلوماسية، بل اعترافاً غير مباشر بحجم المأزق. فالحرب التي جرى تسويقها في أيامها الأولى على أنها عملية خاطفة لإرغام إيران، تتحول شيئاً فشيئاً إلى صراع يصبح فيه كل خطوة مقبلة أخطر من سابقتها. وكلما طال تردد واشنطن في الحسم، ازداد وضوح الحقيقة التالية: النهاية الفعلية لهذه الحرب قد تكون أبعد بكثير مما يريد الجميع الاعتراف به.