...

نادراً ما تنتهي الحروب في اللحظة التي يعلن فيها المنتصر النصر. فهي تستمر في أنقاض المؤسسات، وفي تفكك النسيج الاجتماعي، وفي انتقام المهانين، وفي خوف الجيران، وفي سخرية الحلفاء، وفي ما يمكن تسميته بـ«الصداع السياسي» للعواصم التي كانت بالأمس واثقة تماماً من صوابها. ولهذا السبب، فإن أي حديث عن عملية عسكرية أمريكية ضد إيران يعيد فوراً إلى الأذهان العراق عام 2003. ليس لأن البلدين متشابهان. وليس لأن التاريخ يعيد نفسه حرفياً. بل لأن منطق القوة الواثقة بنفسها، التي تدخل حرباً في الشرق الأوسط دون تصور واضح لليوم التالي، يبدو مألوفاً إلى حد يثير القلق.

في ربيع عام 2003 شاهد العالم أحد أكثر المشاهد المسرحية في مطلع القرن الحادي والعشرين. في التاسع من أبريل انهار تمثال صدام حسين في وسط بغداد. في البداية حاول السكان إسقاطه بأيديهم: تسلقوا القاعدة، وضعوا حبلاً حول عنق الزعيم البرونزي، شدّوا وجذبوا، لكنهم لم يستطيعوا إسقاطه. وفي النهاية احتاج الأمر إلى الجنود الأمريكيين والآليات المدرعة. أزيلت اللوحة، حُطم النصب، وتحول المشهد إلى رمز: سقط النظام، وانقلبت الصفحة، وأُطيح بالديكتاتور، وبدأ عهد جديد.

لكن الحقيقة أن إحدى أعقد الكوارث في تاريخ السياسة الشرق أوسطية المعاصرة بدأت في تلك اللحظة بالذات.

بدأت الحرب على العراق قبل ذلك بعشرين يوماً فقط. جاءت أولاً حملة جوية مكثفة، ثم محاولة لقطع رأس النظام بضربة دقيقة تستهدف صدام نفسه، ثم تقدم سريع للقوات، يتبعه شعور سريع أيضاً بأن المقاومة قد انهارت. وبعد ثلاثة أسابيع فقط من سقوط تمثال بغداد ظهر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على متن حاملة طائرات قبالة سواحل كاليفورنيا، وخلفه لافتة شهيرة كُتب عليها: «المهمة أنجزت». هذه العبارة ستلاحق السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لسنوات طويلة، بوصفها رمزاً للثقة المفرطة التي تحولت إلى خطأ قاتل.

لأن المهمة لم تكن قد أُنجزت. بل إن أحداً لم يكن قد فهمها بالكامل.

فبعد الانتصار السريع ظاهرياً جاءت سنوات من الدم والتفكك والإذلال الاستراتيجي. تحول العراق إلى ساحة حرب أهلية طويلة، وعنف طائفي، وصعود إرهابي، وتدخلات خارجية، وانهيار مؤسساتي. وتشير تقديرات تقريبية إلى أن نحو 461 ألف شخص لقوا حتفهم بين عامي 2003 و2011 لأسباب مرتبطة بالحرب. أما الولايات المتحدة فبلغت تكلفة الحملة بالنسبة لها نحو ثلاثة تريليونات دولار. لكن الفاتورة الأثقل لم تكن مالية فقط، بل سياسية وأخلاقية أيضاً. فقد غيرت الحرب شكل الشرق الأوسط كله، وأضعفت الثقة بالقادة الغربيين، وتركت أثراً عميقاً في الوعي العام في الغرب وفي المنطقة على حد سواء.

واليوم، كلما عاد الحديث عن احتمال مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يخيم ظل العراق فوق النقاش كله. لأن المسألة في الحالتين ليست مجرد حرب، بل حرب اختيار. حرب لا تُخاض لأن كل الخيارات الأخرى قد استُنفدت، بل لأن أحداً في واشنطن يعتقد أن اللحظة مناسبة، وأن الخصم ضعيف، وأن نافذة الفرص قد فُتحت، وأن المخاطر مقبولة، وأن العواقب يمكن التعامل معها لاحقاً.

وكلمة «لاحقاً» هي في حروب الشرق الأوسط غالباً الكلمة الأكثر رعباً.

لماذا هوجم العراق

إذا نظرنا إلى غزو العراق بعيداً عن التبسيطات التي فرضتها القراءة اللاحقة، سنجد أن واشنطن كانت تتحرك بدوافع متعددة. هذه الدوافع تداخلت مع بعضها، وتنافست فيما بينها، واختبأت خلف الخطاب الرسمي، قبل أن تندمج في النهاية في دفعة واحدة نحو الحرب.

كان الدافع الرئيسي هو تغيير النظام. بعد حرب الخليج عام 1991 بقي شعور قوي داخل النخبة الأمريكية بأن العمل لم يُستكمل. فقد أُخرج صدام من الكويت، لكنه بقي في بغداد. بالنسبة لجزء كبير من فريق بوش الابن كان ذلك خطأ ينبغي تصحيحه عاجلاً أم آجلاً. وربما كان للأمر بالنسبة إلى بوش نفسه بعد شخصي أيضاً: فوالده بدأ تلك الحرب، وكان يُعتقد أن صدام تورط في مخطط لاغتيال الرئيس الأمريكي السابق.

كان هناك أيضاً خطاب إنساني استُخدم بقوة. فقد حكم حسين بالفعل بقبضة قمعية، وقمع خصومه بعنف، واستخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين الأكراد في ثمانينيات القرن الماضي. بالنسبة لكثيرين بدا إسقاطه مبرراً أخلاقياً. وكان هذا المنطق ينسجم مع روح «التدخل الليبرالي» التي سادت في تلك المرحلة، حين اعتقدت النخب الغربية أن القوة العسكرية يمكن أن تكون أداة لإعادة تشكيل المجتمعات وإنقاذها سياسياً. وقد عززت تجربة البلقان الإيمان بأن التدخل الخارجي قادر على وقف الشر وإطلاق مسار تاريخي «صحيح».

لكن إلى جانب ذلك كان هناك مشروع أكثر طموحاً. فقد اعتقدت دوائر مؤثرة في واشنطن أن الشرق الأوسط يجب أن يُعاد رسمه بما يخدم مصالح الولايات المتحدة: الأنظمة المعادية لأمريكا ينبغي أن تختفي، وعلى أنقاضها ينبغي أن يقوم نظام سياسي جديد، يفضل أن يكون ديمقراطياً ومتصلاً بالقوة الأمريكية. في هذا التصور لم يكن العراق سوى البداية. وبعد بغداد كان كثيرون ينظرون بالفعل نحو طهران.

ثم جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وغيرت المناخ النفسي في الولايات المتحدة بالكامل. بعد ضرب البرجين التوأمين والبنتاغون وتحطم الطائرة في بنسلفانيا، حيث قُتل 2977 شخصاً، تعززت داخل السياسة الأمريكية أصوات تطالب بإعادة ترسيخ الردع الأمريكي وإظهار أن ضرب الولايات المتحدة ستكون له عواقب باهظة. ورغم أن العراق لم يكن مسؤولاً عن تلك الهجمات، فإنه تحول بسرعة إلى هدف مريح. كما أن الانتصار السريع على طالبان في أفغانستان في نهاية عام 2001 عزز الثقة في واشنطن بأن الآلة العسكرية الأمريكية قادرة على إسقاط الأنظمة المعادية بسرعة.

لكن المجتمع والرأي العام الدولي كانا بحاجة إلى مبرر مختلف. وهنا ظهر ملف أسلحة الدمار الشامل. بدأ العالم يُقنع بأن العراق يطور أسلحة نووية وكيميائية وبيولوجية ووسائل لإيصالها. كان هذا التبرير هو الأكثر فاعلية. فقد سمح بإثارة الخوف، وحشد التأييد، والاحتجاج بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا أصبحت هذه الحجة الأداة الرئيسية لكسب دعم الرأي العام.

لاحقاً اتضح أن هذه الرواية لم تكن ضعيفة فحسب، بل غير صادقة في جوهرها. فقد تبين أن أسلحة الدمار الشامل لم تكن السبب الحقيقي للحرب، بل الغلاف السياسي لقرار كان قد اتخذ سلفاً. وعندما تبدأ الحرب بسبب مختلف عن السبب المعلن، فهذا يعني أن مركزها السياسي يكون منذ البداية مصاباً بالكذب. والكذب في الحروب له خاصية معروفة: أنه يعود سريعاً إلى من أطلقه في صورة فقدان للثقة وتآكل سياسي وإخفاقات استراتيجية.

لماذا أصبح إيران في دائرة الاستهداف

الوضع حول إيران يتشكل بطريقة مختلفة، لكن التداخل الخطير للدوافع حاضر هنا أيضاً. ففي النقاش الأمريكي حول احتمال استخدام القوة ضد طهران تظهر عدة أهداف في آن واحد: إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، منع تطوير سلاح نووي، تغيير النظام لصالح سلطة أكثر ملاءمة للغرب، والاستفادة من السخط الداخلي في الجمهورية الإسلامية حيث قُمعت الاحتجاجات بعنف.

أحد أبرز العوامل التي سرعت هذا التحول كان هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. بعد ذلك الحدث تغير التفكير الاستراتيجي في إسرائيل جذرياً. بدأت القيادة في القدس تنظر إلى المخاطر المقبولة بطريقة مختلفة، وتتبنى موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران وشبكة حلفائها ووكلائها في المنطقة. وقد أدى ذلك إلى توسيع منطق الضربات عبر الإقليم، وفتح بالنسبة للولايات المتحدة إمكانية الانتقال من التردد السابق إلى خطوات أكثر حدة.

لكن هنا يظهر الاختلاف الجوهري عن عام 2003، وهو اختلاف لا يدعو بالضرورة إلى الاطمئنان.

قبل غزو العراق أمضت إدارة بوش أشهراً في بناء مبرر علني للحرب. سواء كان ذلك خداعاً أو خداعاً للنفس، فقد جرت محاولة لصياغة سردية شرعية. دارت نقاشات، وتمت تعبئة الرأي العام، وصدرت خطابات إلى المجتمع الدولي، وسعت واشنطن إلى تشكيل تحالفات، وطرحت مرافعات قانونية. لم يمنع ذلك الخطأ الكارثي، لكنه كان دليلاً على أن النظام الدولي القديم كان لا يزال يحتفظ ببعض الوزن.

أما في الحالة الإيرانية فالمشهد يبدو مختلفاً. لا توجد حتى محاولة مماثلة لبناء توافق علني واسع. لا حملة طويلة لإقناع المجتمع الأمريكي. لا جهد جدي للحصول على شرعية دولية عبر الأمم المتحدة. ولا شرح واضح ومنضبط لماهية الهدف من العمل العسكري وحدوده والنتيجة النهائية المرجوة. بل إن الانطباع السائد هو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه يتردد حتى اللحظة الأخيرة، وأن موقفه يتغير تبعاً لمن يحيط به في لحظة معينة أو للضغوط السياسية اليومية.

هذا مؤشر بالغ الأهمية. فهو لا يتحدث فقط عن أسلوب قائد واحد، بل عن طبيعة العصر كله. العالم الذي جرت فيه حرب العراق كان عالماً يعيش أزمة النظام الدولي الليبرالي لكنه لم يكن قد انهار بعد. أما العالم الذي يتشكل فيه المشهد الإيراني فهو أقرب بكثير إلى مرحلة تفكك القواعد القديمة. فالقانون الدولي لم يعد حتى ستاراً ضرورياً. والأمم المتحدة لم تعد آلية لا بد منها للموافقة. والدبلوماسية الائتلافية تتراجع لصالح الضربات الظرفية. أما تبرير الحرب سياسياً فقد حل محله الارتجال العصبي.

وهذا التحول لا يجعل العالم أكثر صراحة، بل أكثر خطورة. لأن السلطة حين تتوقف حتى عن التظاهر بالحاجة إلى تفسير واضح، فإن مساحة التعسف تتسع، بينما تضيق مساحة الرقابة والمساءلة.

العراق وإيران: أوجه الشبه والاختلاف

هناك فرق جوهري بين عراق صدام حسين وإيران. فالعراق عام 2003 كان ديكتاتورية شخصية قاسية لكنها منهكة إلى حد كبير بسبب العقوبات والحروب السابقة والعزلة الدولية. أما إيران فهي دولة أكثر تعقيداً بكثير. لها عمق تاريخي مختلف، وبنية سياسية مختلفة، ودينامية اجتماعية مختلفة، ومستوى أعلى من المؤسسية الأيديولوجية. فالجمهورية الإسلامية ليست نظام رجل واحد. إنها منظومة متعددة الطبقات: شرعية دينية، وأجهزة أمنية، ومراكز نفوذ متوازية، ومؤسسات أيديولوجية، وذاكرة ثورية، وشبكات إقليمية، وجهاز دولة قوي.

لهذا فإن إغراء نقل السيناريو العراقي حرفياً إلى إيران سيكون خطأ منذ البداية. لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن هذا الاختلاف سيجعل التدخل الأمريكي أقل تدميراً. ففي الواقع كلما كان الكيان السياسي أكثر تعقيداً، كانت عواقب ضربه أكثر خطورة، خاصة إذا لم يقتصر الهدف على مهمة عسكرية محدودة بل امتد إلى مصير النظام نفسه ومستقبل الدولة.

في العراق تحقق تغيير النظام بسرعة لأن العملية لم تعتمد على الضربات الجوية فقط بل على قوة برية أيضاً. ففي عام 2003 نُشر نحو 150 ألف جندي. وهذا ما أدى إلى الانهيار السريع لسلطة صدام، رغم أنه اختفى لفترة قبل أن يُعتقل لاحقاً. أما في الحالة الإيرانية فتشير التصريحات والمنطق العام للتحركات الأمريكية إلى رغبة واضحة في تجنب تورط بري واسع. وهذا مفهوم: فالنخبة الأمريكية لا تريد تكرار احتلال العراق وكابوس التمرد الطويل والاستنزاف السياسي.

لكن هنا يظهر التناقض. إذا تم استبعاد الحملة البرية، فإن فرص تغيير النظام فعلياً تتضاءل بشدة. فالضربات الجوية يمكن أن تشل الدولة، لكنها نادراً ما تستطيع استبدالها سياسياً.

في النظرية يمكن التعويل على قوى تمرد داخلية. ففي السياق الإيراني تظهر أحياناً أفكار عن تسليح الأكراد أو مجموعات أخرى معارضة للنظام. لكن هذا أيضاً وهم الحل السهل. ففي العراق لعب الأكراد دوراً مهماً عام 2003، لكنهم فعلوا ذلك في ظل عملية عسكرية أمريكية واسعة، لا بدلاً عنها. نقل هذا النموذج إلى إيران دون مشاركة خارجية ضخمة يكاد يكون مستحيلاً.

وهكذا تجد الولايات المتحدة نفسها في موقع وسيط غير مريح. إذا كان الهدف مجرد إضعاف القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية وتوجيه ضربة مؤلمة ثم الانسحاب، فهذا سيناريو. أما إذا كان الهدف تغيير النظام فعلاً، فإن ذلك يتطلب التزامات أعمق بكثير. وإذا لم تكن هذه الالتزامات مطروحة، فإن الفجوة بين الهدف المعلن والوسائل المتاحة تصبح حتمية. وهذه الفجوة كانت إحدى اللعنات الكبرى لحرب 2003.

الدرس البريطاني: تحالف يقوض الثقة

في حرب العراق عام 2003 لم تتحرك الولايات المتحدة وحدها. كان حليفها الأهم بريطانيا. فقد راهن رئيس الوزراء توني بلير على ارتباط سياسي شبه كامل بواشنطن. ووعده الشهير بدعم بوش «مهما كانت الظروف» أصبح رمزاً لذلك المستوى من الالتزام الشخصي والاستراتيجي الذي اختاره لندن.

كان منطق هذه السياسة تقليدياً في التفكير البريطاني: كلما اقتربت بريطانيا أكثر من الولايات المتحدة زادت قدرتها على التأثير في قراراتها. اعتقد بلير أن «العلاقة الخاصة» تمنح لندن وصولاً فريداً إلى مركز القوة العالمية. وكان يرى أن الأفضل هو البقاء داخل المشروع الأمريكي ومحاولة تعديله من الداخل، بدلاً من الوقوف خارجه بلا تأثير.

لكن هذه الاستراتيجية انتهت بثمن سياسي باهظ. حتى داخل الدائرة المقربة من بلير ظهرت شكوك جدية حول درجة الولاء التي أظهرها. تساءل منتقدوه عما إذا كانت بريطانيا قد حصلت على أي مقابل حقيقي. نعم، تمكنت لندن من دفع واشنطن إلى اللجوء إلى الأمم المتحدة، لكن الولايات المتحدة فعلت ذلك على مضض، وفي النهاية لم تحصل على التفويض الذي كانت تريده. وعندما سنحت الفرصة لبلير كي يبتعد، رفض ذلك خوفاً على العلاقة الثنائية وعلى تصوراته لدور بريطانيا العالمي.

ثم انهارت حجة أسلحة الدمار الشامل. وفي تلك اللحظة دفعت بريطانيا أثقل الفواتير: فاتورة الثقة. فقد أدرك المجتمع أنه جرى جرّه إلى حرب على أساس تبرير لم يصمد أمام الواقع. وهذا لم يقوض الثقة بحكومة بعينها فقط، بل بالخطاب السياسي نفسه.

لهذا فإن كل تبرير غربي جديد للحروب منذ ذلك الحين أصبح يُستقبل بقدر أكبر بكثير من الشك.

وهذا الدرس له أهمية مباشرة في الأزمة الحالية حول إيران. فهذه المرة تعتمد الولايات المتحدة أساساً على إسرائيل، لا على بريطانيا أو تحالف غربي واسع. أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فيبدو أكثر حذراً: فقد رفض السماح باستخدام القواعد البريطانية للضربة الأولى، رغم أنه سمح لاحقاً باستخدامها لأغراض دفاعية. وفي هذا القرار اجتمعت على الأرجح ذاكرة الصدمة العراقية، وضعف موقعه الداخلي، وإدراكه الواقعي بأن نفوذ لندن على الرئيس ترامب لا يقارن بما كان عليه زمن بوش وبلير.

لكن السؤال الأعمق في هذه القصة لا يتعلق فقط بكيفية رد فعل بريطانيا على حرب أمريكية جديدة، بل بمدى تباعد المسارات الاستراتيجية بين البلدين. ففي مجالات الأمن والاستخبارات لا تزال الروابط وثيقة. غير أن الانطباع المتزايد هو أن هذه العلاقة الخاصة تعيش اليوم على زخم الماضي أكثر مما تقوم على واقع الحاضر. فالولايات المتحدة نفسها بدأت تقوض النظام الدولي الذي كانت بريطانيا تعتبر نفسها أحد مهندسيه.

وعندما يبدأ النظام الذي قام عليه التحالف الغربي بالتآكل من الداخل، فإن معنى هذا التحالف نفسه يبدأ بالتغير.

حين تتحول الانتصارات إلى فخ: هل يكرر إيران مصير العراق؟

نادراً ما تنتهي الحروب في اللحظة التي يعلن فيها المنتصر النصر. فهي تستمر في أنقاض المؤسسات، وفي تفكك النسيج الاجتماعي، وفي انتقام المهانين، وفي خوف الجيران، وفي سخرية الحلفاء، وفي ما يمكن تسميته بـ«الصداع السياسي» للعواصم التي كانت بالأمس واثقة تماماً من صوابها. ولهذا السبب، فإن أي حديث عن عملية عسكرية أمريكية ضد إيران يعيد فوراً إلى الأذهان العراق عام 2003. ليس لأن البلدين متشابهان. وليس لأن التاريخ يعيد نفسه حرفياً. بل لأن منطق القوة الواثقة بنفسها، التي تدخل حرباً في الشرق الأوسط دون تصور واضح لليوم التالي، يبدو مألوفاً إلى حد يثير القلق.

في ربيع عام 2003 شاهد العالم أحد أكثر المشاهد المسرحية في مطلع القرن الحادي والعشرين. في التاسع من أبريل انهار تمثال صدام حسين في وسط بغداد. في البداية حاول السكان إسقاطه بأيديهم: تسلقوا القاعدة، وضعوا حبلاً حول عنق الزعيم البرونزي، شدّوا وجذبوا، لكنهم لم يستطيعوا إسقاطه. وفي النهاية احتاج الأمر إلى الجنود الأمريكيين والآليات المدرعة. أزيلت اللوحة، حُطم النصب، وتحول المشهد إلى رمز: سقط النظام، وانقلبت الصفحة، وأُطيح بالديكتاتور، وبدأ عهد جديد.

لكن الحقيقة أن إحدى أعقد الكوارث في تاريخ السياسة الشرق أوسطية المعاصرة بدأت في تلك اللحظة بالذات.

بدأت الحرب على العراق قبل ذلك بعشرين يوماً فقط. جاءت أولاً حملة جوية مكثفة، ثم محاولة لقطع رأس النظام بضربة دقيقة تستهدف صدام نفسه، ثم تقدم سريع للقوات، يتبعه شعور سريع أيضاً بأن المقاومة قد انهارت. وبعد ثلاثة أسابيع فقط من سقوط تمثال بغداد ظهر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على متن حاملة طائرات قبالة سواحل كاليفورنيا، وخلفه لافتة شهيرة كُتب عليها: «المهمة أنجزت». هذه العبارة ستلاحق السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لسنوات طويلة، بوصفها رمزاً للثقة المفرطة التي تحولت إلى خطأ قاتل.

لأن المهمة لم تكن قد أُنجزت. بل إن أحداً لم يكن قد فهمها بالكامل.

فبعد الانتصار السريع ظاهرياً جاءت سنوات من الدم والتفكك والإذلال الاستراتيجي. تحول العراق إلى ساحة حرب أهلية طويلة، وعنف طائفي، وصعود إرهابي، وتدخلات خارجية، وانهيار مؤسساتي. وتشير تقديرات تقريبية إلى أن نحو 461 ألف شخص لقوا حتفهم بين عامي 2003 و2011 لأسباب مرتبطة بالحرب. أما الولايات المتحدة فبلغت تكلفة الحملة بالنسبة لها نحو ثلاثة تريليونات دولار. لكن الفاتورة الأثقل لم تكن مالية فقط، بل سياسية وأخلاقية أيضاً. فقد غيرت الحرب شكل الشرق الأوسط كله، وأضعفت الثقة بالقادة الغربيين، وتركت أثراً عميقاً في الوعي العام في الغرب وفي المنطقة على حد سواء.

واليوم، كلما عاد الحديث عن احتمال مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يخيم ظل العراق فوق النقاش كله. لأن المسألة في الحالتين ليست مجرد حرب، بل حرب اختيار. حرب لا تُخاض لأن كل الخيارات الأخرى قد استُنفدت، بل لأن أحداً في واشنطن يعتقد أن اللحظة مناسبة، وأن الخصم ضعيف، وأن نافذة الفرص قد فُتحت، وأن المخاطر مقبولة، وأن العواقب يمكن التعامل معها لاحقاً.

وكلمة «لاحقاً» هي في حروب الشرق الأوسط غالباً الكلمة الأكثر رعباً.

لماذا هوجم العراق

إذا نظرنا إلى غزو العراق بعيداً عن التبسيطات التي فرضتها القراءة اللاحقة، سنجد أن واشنطن كانت تتحرك بدوافع متعددة. هذه الدوافع تداخلت مع بعضها، وتنافست فيما بينها، واختبأت خلف الخطاب الرسمي، قبل أن تندمج في النهاية في دفعة واحدة نحو الحرب.

كان الدافع الرئيسي هو تغيير النظام. بعد حرب الخليج عام 1991 بقي شعور قوي داخل النخبة الأمريكية بأن العمل لم يُستكمل. فقد أُخرج صدام من الكويت، لكنه بقي في بغداد. بالنسبة لجزء كبير من فريق بوش الابن كان ذلك خطأ ينبغي تصحيحه عاجلاً أم آجلاً. وربما كان للأمر بالنسبة إلى بوش نفسه بعد شخصي أيضاً: فوالده بدأ تلك الحرب، وكان يُعتقد أن صدام تورط في مخطط لاغتيال الرئيس الأمريكي السابق.

كان هناك أيضاً خطاب إنساني استُخدم بقوة. فقد حكم حسين بالفعل بقبضة قمعية، وقمع خصومه بعنف، واستخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين الأكراد في ثمانينيات القرن الماضي. بالنسبة لكثيرين بدا إسقاطه مبرراً أخلاقياً. وكان هذا المنطق ينسجم مع روح «التدخل الليبرالي» التي سادت في تلك المرحلة، حين اعتقدت النخب الغربية أن القوة العسكرية يمكن أن تكون أداة لإعادة تشكيل المجتمعات وإنقاذها سياسياً. وقد عززت تجربة البلقان الإيمان بأن التدخل الخارجي قادر على وقف الشر وإطلاق مسار تاريخي «صحيح».

لكن إلى جانب ذلك كان هناك مشروع أكثر طموحاً. فقد اعتقدت دوائر مؤثرة في واشنطن أن الشرق الأوسط يجب أن يُعاد رسمه بما يخدم مصالح الولايات المتحدة: الأنظمة المعادية لأمريكا ينبغي أن تختفي، وعلى أنقاضها ينبغي أن يقوم نظام سياسي جديد، يفضل أن يكون ديمقراطياً ومتصلاً بالقوة الأمريكية. في هذا التصور لم يكن العراق سوى البداية. وبعد بغداد كان كثيرون ينظرون بالفعل نحو طهران.

ثم جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وغيرت المناخ النفسي في الولايات المتحدة بالكامل. بعد ضرب البرجين التوأمين والبنتاغون وتحطم الطائرة في بنسلفانيا، حيث قُتل 2977 شخصاً، تعززت داخل السياسة الأمريكية أصوات تطالب بإعادة ترسيخ الردع الأمريكي وإظهار أن ضرب الولايات المتحدة ستكون له عواقب باهظة. ورغم أن العراق لم يكن مسؤولاً عن تلك الهجمات، فإنه تحول بسرعة إلى هدف مريح. كما أن الانتصار السريع على طالبان في أفغانستان في نهاية عام 2001 عزز الثقة في واشنطن بأن الآلة العسكرية الأمريكية قادرة على إسقاط الأنظمة المعادية بسرعة.

لكن المجتمع والرأي العام الدولي كانا بحاجة إلى مبرر مختلف. وهنا ظهر ملف أسلحة الدمار الشامل. بدأ العالم يُقنع بأن العراق يطور أسلحة نووية وكيميائية وبيولوجية ووسائل لإيصالها. كان هذا التبرير هو الأكثر فاعلية. فقد سمح بإثارة الخوف، وحشد التأييد، والاحتجاج بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا أصبحت هذه الحجة الأداة الرئيسية لكسب دعم الرأي العام.

لاحقاً اتضح أن هذه الرواية لم تكن ضعيفة فحسب، بل غير صادقة في جوهرها. فقد تبين أن أسلحة الدمار الشامل لم تكن السبب الحقيقي للحرب، بل الغلاف السياسي لقرار كان قد اتخذ سلفاً. وعندما تبدأ الحرب بسبب مختلف عن السبب المعلن، فهذا يعني أن مركزها السياسي يكون منذ البداية مصاباً بالكذب. والكذب في الحروب له خاصية معروفة: أنه يعود سريعاً إلى من أطلقه في صورة فقدان للثقة وتآكل سياسي وإخفاقات استراتيجية.

لماذا أصبح إيران في دائرة الاستهداف

الوضع حول إيران يتشكل بطريقة مختلفة، لكن التداخل الخطير للدوافع حاضر هنا أيضاً. ففي النقاش الأمريكي حول احتمال استخدام القوة ضد طهران تظهر عدة أهداف في آن واحد: إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، منع تطوير سلاح نووي، تغيير النظام لصالح سلطة أكثر ملاءمة للغرب، والاستفادة من السخط الداخلي في الجمهورية الإسلامية حيث قُمعت الاحتجاجات بعنف.

أحد أبرز العوامل التي سرعت هذا التحول كان هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. بعد ذلك الحدث تغير التفكير الاستراتيجي في إسرائيل جذرياً. بدأت القيادة في القدس تنظر إلى المخاطر المقبولة بطريقة مختلفة، وتتبنى موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران وشبكة حلفائها ووكلائها في المنطقة. وقد أدى ذلك إلى توسيع منطق الضربات عبر الإقليم، وفتح بالنسبة للولايات المتحدة إمكانية الانتقال من التردد السابق إلى خطوات أكثر حدة.

لكن هنا يظهر الاختلاف الجوهري عن عام 2003، وهو اختلاف لا يدعو بالضرورة إلى الاطمئنان.

قبل غزو العراق أمضت إدارة بوش أشهراً في بناء مبرر علني للحرب. سواء كان ذلك خداعاً أو خداعاً للنفس، فقد جرت محاولة لصياغة سردية شرعية. دارت نقاشات، وتمت تعبئة الرأي العام، وصدرت خطابات إلى المجتمع الدولي، وسعت واشنطن إلى تشكيل تحالفات، وطرحت مرافعات قانونية. لم يمنع ذلك الخطأ الكارثي، لكنه كان دليلاً على أن النظام الدولي القديم كان لا يزال يحتفظ ببعض الوزن.

أما في الحالة الإيرانية فالمشهد يبدو مختلفاً. لا توجد حتى محاولة مماثلة لبناء توافق علني واسع. لا حملة طويلة لإقناع المجتمع الأمريكي. لا جهد جدي للحصول على شرعية دولية عبر الأمم المتحدة. ولا شرح واضح ومنضبط لماهية الهدف من العمل العسكري وحدوده والنتيجة النهائية المرجوة. بل إن الانطباع السائد هو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه يتردد حتى اللحظة الأخيرة، وأن موقفه يتغير تبعاً لمن يحيط به في لحظة معينة أو للضغوط السياسية اليومية.

هذا مؤشر بالغ الأهمية. فهو لا يتحدث فقط عن أسلوب قائد واحد، بل عن طبيعة العصر كله. العالم الذي جرت فيه حرب العراق كان عالماً يعيش أزمة النظام الدولي الليبرالي لكنه لم يكن قد انهار بعد. أما العالم الذي يتشكل فيه المشهد الإيراني فهو أقرب بكثير إلى مرحلة تفكك القواعد القديمة. فالقانون الدولي لم يعد حتى ستاراً ضرورياً. والأمم المتحدة لم تعد آلية لا بد منها للموافقة. والدبلوماسية الائتلافية تتراجع لصالح الضربات الظرفية. أما تبرير الحرب سياسياً فقد حل محله الارتجال العصبي.

وهذا التحول لا يجعل العالم أكثر صراحة، بل أكثر خطورة. لأن السلطة حين تتوقف حتى عن التظاهر بالحاجة إلى تفسير واضح، فإن مساحة التعسف تتسع، بينما تضيق مساحة الرقابة والمساءلة.

العراق وإيران: أوجه الشبه والاختلاف

هناك فرق جوهري بين عراق صدام حسين وإيران. فالعراق عام 2003 كان ديكتاتورية شخصية قاسية لكنها منهكة إلى حد كبير بسبب العقوبات والحروب السابقة والعزلة الدولية. أما إيران فهي دولة أكثر تعقيداً بكثير. لها عمق تاريخي مختلف، وبنية سياسية مختلفة، ودينامية اجتماعية مختلفة، ومستوى أعلى من المؤسسية الأيديولوجية. فالجمهورية الإسلامية ليست نظام رجل واحد. إنها منظومة متعددة الطبقات: شرعية دينية، وأجهزة أمنية، ومراكز نفوذ متوازية، ومؤسسات أيديولوجية، وذاكرة ثورية، وشبكات إقليمية، وجهاز دولة قوي.

لهذا فإن إغراء نقل السيناريو العراقي حرفياً إلى إيران سيكون خطأ منذ البداية. لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن هذا الاختلاف سيجعل التدخل الأمريكي أقل تدميراً. ففي الواقع كلما كان الكيان السياسي أكثر تعقيداً، كانت عواقب ضربه أكثر خطورة، خاصة إذا لم يقتصر الهدف على مهمة عسكرية محدودة بل امتد إلى مصير النظام نفسه ومستقبل الدولة.

في العراق تحقق تغيير النظام بسرعة لأن العملية لم تعتمد على الضربات الجوية فقط بل على قوة برية أيضاً. ففي عام 2003 نُشر نحو 150 ألف جندي. وهذا ما أدى إلى الانهيار السريع لسلطة صدام، رغم أنه اختفى لفترة قبل أن يُعتقل لاحقاً. أما في الحالة الإيرانية فتشير التصريحات والمنطق العام للتحركات الأمريكية إلى رغبة واضحة في تجنب تورط بري واسع. وهذا مفهوم: فالنخبة الأمريكية لا تريد تكرار احتلال العراق وكابوس التمرد الطويل والاستنزاف السياسي.

لكن هنا يظهر التناقض. إذا تم استبعاد الحملة البرية، فإن فرص تغيير النظام فعلياً تتضاءل بشدة. فالضربات الجوية يمكن أن تشل الدولة، لكنها نادراً ما تستطيع استبدالها سياسياً.

في النظرية يمكن التعويل على قوى تمرد داخلية. ففي السياق الإيراني تظهر أحياناً أفكار عن تسليح الأكراد أو مجموعات أخرى معارضة للنظام. لكن هذا أيضاً وهم الحل السهل. ففي العراق لعب الأكراد دوراً مهماً عام 2003، لكنهم فعلوا ذلك في ظل عملية عسكرية أمريكية واسعة، لا بدلاً عنها. نقل هذا النموذج إلى إيران دون مشاركة خارجية ضخمة يكاد يكون مستحيلاً.

وهكذا تجد الولايات المتحدة نفسها في موقع وسيط غير مريح. إذا كان الهدف مجرد إضعاف القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية وتوجيه ضربة مؤلمة ثم الانسحاب، فهذا سيناريو. أما إذا كان الهدف تغيير النظام فعلاً، فإن ذلك يتطلب التزامات أعمق بكثير. وإذا لم تكن هذه الالتزامات مطروحة، فإن الفجوة بين الهدف المعلن والوسائل المتاحة تصبح حتمية. وهذه الفجوة كانت إحدى اللعنات الكبرى لحرب 2003.

الدرس البريطاني: تحالف يقوض الثقة

في حرب العراق عام 2003 لم تتحرك الولايات المتحدة وحدها. كان حليفها الأهم بريطانيا. فقد راهن رئيس الوزراء توني بلير على ارتباط سياسي شبه كامل بواشنطن. ووعده الشهير بدعم بوش «مهما كانت الظروف» أصبح رمزاً لذلك المستوى من الالتزام الشخصي والاستراتيجي الذي اختاره لندن.

كان منطق هذه السياسة تقليدياً في التفكير البريطاني: كلما اقتربت بريطانيا أكثر من الولايات المتحدة زادت قدرتها على التأثير في قراراتها. اعتقد بلير أن «العلاقة الخاصة» تمنح لندن وصولاً فريداً إلى مركز القوة العالمية. وكان يرى أن الأفضل هو البقاء داخل المشروع الأمريكي ومحاولة تعديله من الداخل، بدلاً من الوقوف خارجه بلا تأثير.

لكن هذه الاستراتيجية انتهت بثمن سياسي باهظ. حتى داخل الدائرة المقربة من بلير ظهرت شكوك جدية حول درجة الولاء التي أظهرها. تساءل منتقدوه عما إذا كانت بريطانيا قد حصلت على أي مقابل حقيقي. نعم، تمكنت لندن من دفع واشنطن إلى اللجوء إلى الأمم المتحدة، لكن الولايات المتحدة فعلت ذلك على مضض، وفي النهاية لم تحصل على التفويض الذي كانت تريده. وعندما سنحت الفرصة لبلير كي يبتعد، رفض ذلك خوفاً على العلاقة الثنائية وعلى تصوراته لدور بريطانيا العالمي.

ثم انهارت حجة أسلحة الدمار الشامل. وفي تلك اللحظة دفعت بريطانيا أثقل الفواتير: فاتورة الثقة. فقد أدرك المجتمع أنه جرى جرّه إلى حرب على أساس تبرير لم يصمد أمام الواقع. وهذا لم يقوض الثقة بحكومة بعينها فقط، بل بالخطاب السياسي نفسه.

لهذا فإن كل تبرير غربي جديد للحروب منذ ذلك الحين أصبح يُستقبل بقدر أكبر بكثير من الشك.

وهذا الدرس له أهمية مباشرة في الأزمة الحالية حول إيران. فهذه المرة تعتمد الولايات المتحدة أساساً على إسرائيل، لا على بريطانيا أو تحالف غربي واسع. أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فيبدو أكثر حذراً: فقد رفض السماح باستخدام القواعد البريطانية للضربة الأولى، رغم أنه سمح لاحقاً باستخدامها لأغراض دفاعية. وفي هذا القرار اجتمعت على الأرجح ذاكرة الصدمة العراقية، وضعف موقعه الداخلي، وإدراكه الواقعي بأن نفوذ لندن على الرئيس ترامب لا يقارن بما كان عليه زمن بوش وبلير.

لكن السؤال الأعمق في هذه القصة لا يتعلق فقط بكيفية رد فعل بريطانيا على حرب أمريكية جديدة، بل بمدى تباعد المسارات الاستراتيجية بين البلدين. ففي مجالات الأمن والاستخبارات لا تزال الروابط وثيقة. غير أن الانطباع المتزايد هو أن هذه العلاقة الخاصة تعيش اليوم على زخم الماضي أكثر مما تقوم على واقع الحاضر. فالولايات المتحدة نفسها بدأت تقوض النظام الدولي الذي كانت بريطانيا تعتبر نفسها أحد مهندسيه.

وعندما يبدأ النظام الذي قام عليه التحالف الغربي بالتآكل من الداخل، فإن معنى هذا التحالف نفسه يبدأ بالتغير.

أخطر موازاة: غياب الخطة

إذا كان لا بد من البحث عن الموازاة الأهم بين العراق عام 2003 واحتمال تكرار الخطأ في إيران، فهي لا تكمن في الذريعة الرسمية للحرب ولا في أسماء القادة. الموازاة الحقيقية تكمن في سؤال بسيط لم يُجب عنه: ماذا سيحدث بعد ذلك؟.

كثيراً ما تُقدَّم حرب العراق بوصفها مثالاً على فشل الاستخبارات أو على التلاعب السياسي. لكن الانهيار الحقيقي بدأ في اللحظة التي اتضح فيها بعد الانتصار العسكري أنه لا توجد خطة موحدة لترتيب الوضع بعد الحرب. ففي واشنطن كانت هناك تصورات مختلفة، بل ومتناقضة أحياناً، حول مستقبل العراق. بعضهم أراد تسليم المسؤولية سريعاً للعراقيين. وبعضهم حلم ببناء ديمقراطية نموذجية تجعل من بغداد واجهة الشرق الأوسط الجديد. بينما اعتقد آخرون أن إسقاط صدام وحده كافٍ، وأن الأمور ستسير تلقائياً في الاتجاه الصحيح. والنتيجة أن التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب بدا ضعيفاً بشكل مدهش بالنسبة إلى عملية بهذا الحجم.

وهنا بدأت الكارثة.

إسقاط الدولة كان سهلاً. أما بناء دولة جديدة فكان مستحيلاً بالأدوات التي امتلكتها سلطة الاحتلال. فقد جرى تفكيك الجيش، وتحطيم البيروقراطية، وتفكيك الهرم الإداري، وتدمير توازن الخوف والطاعة الذي كان يحفظ البلاد داخل نموذج قاسٍ لكنه متماسك. وما نشأ مكان النظام المنهار لم يكن فراغ حرية، بل فراغ سلطة. وفراغ السلطة في الشرق الأوسط نادراً ما يبقى فارغاً. فهو يُملأ سريعاً بالميليشيات، وباللاعبين الخارجيين، وبالاستقطاب الطائفي، وبالشبكات الإجرامية، وبالدعاة المتطرفين، وبالانتقام والخوف.

اليوم، حين يُناقش احتمال الحرب مع إيران، يعود هذا اللحن الخطير نفسه إلى الظهور. الأهداف تُصاغ بعبارات ضبابية. صورة النصر النهائي غير واضحة. حجم الالتزامات غير معلن. حدود التدخل غير محددة. أحياناً يُطرح موضوع تغيير النظام، ثم يجري التراجع عنه والتأكيد أن الشعب الإيراني وحده يجب أن يقرر مصير بلاده. أحياناً يتحول التركيز إلى إضعاف القوة العسكرية، وأحياناً إلى البرنامج النووي، وأحياناً إلى الأمن الإقليمي. وقد يبدو هذا الغموض ميزة تكتيكية، لأنه يسمح بإعلان أي نتيجة تقريباً على أنها نجاح. لكن هذه بالذات هي المقدمة الكلاسيكية للفشل الاستراتيجي.

فالحرب التي لا تعرف بوضوح ما الذي سيأتي بعدها، تتحول بسرعة إلى حرب لا تعرف لماذا بدأت أصلاً.

العراق بعد صدام: لم يفز من خاض الحرب

هناك موازاة أخرى لا يُحب كثيرون في واشنطن التذكير بها. فغزو العراق لم يؤد إلى الشرق الأوسط الذي تخيله مهندسو تلك الحرب. لم تنتشر الديمقراطية في المنطقة كموجة منتصرة. ولم تسقط الأنظمة الاستبدادية واحداً تلو الآخر. بل إن المستفيد الجيوسياسي الأكبر من تلك الحرب كان إيران نفسها.

وهذه إحدى أكثر مفارقات تلك الحرب قسوة.

فالخصم الإقليمي الرئيسي لطهران، نظام صدام حسين، جرى تدميره بأيدٍ أمريكية. وبذلك حصلت إيران على فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها داخل العراق وخارجه. فقد فتحت الفوضى التي أعقبت الحرب قنوات تأثير جديدة أمامها: عبر الأحزاب، والميليشيات، والشبكات الدينية، والأجهزة الأمنية، والوساطة السياسية. وما كان يُفترض أن يعزز النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة انتهى، في جانب كبير منه، إلى توسيع حضور إيران في المنطقة.

في الوقت نفسه أسهمت الحرب في العراق في تصاعد التهديد الإرهابي ضد الغرب. فهي لم تستقر بالمنطقة، بل ساهمت في راديكالية جزء كبير منها. والحروب عموماً نادراً ما تنتج النتائج التي يُعلن عنها في بدايتها. ويصح ذلك بشكل خاص في الشرق الأوسط، حيث يصطدم أي تدخل عسكري فوراً بالذاكرة التاريخية، والانقسامات الدينية، والبنى القبلية، والإحساس بالإذلال الاجتماعي، والتنافس الجيوسياسي بين الجيران.

ولهذا يبدو السؤال الأساسي في الحالة الإيرانية بسيطاً للغاية: من الذي سيفوز فعلاً إذا تعرضت بنية الدولة في الجمهورية الإسلامية لضرر كبير؟.

الإجابة ليست واضحة على الإطلاق.

ليس من المرجح أن تنتصر تلقائياً القوى التي يطلق عليها في المخيلة الغربية «المعتدلة» أو «الديمقراطية». الأكثر احتمالاً هو سيناريو مختلف تماماً: انتشار الفوضى المسلحة، تفاقم الانقسامات العرقية والإقليمية، صعود العناصر الأكثر تشدداً داخل النظام نفسه، تعزيز التماسك المعادي لأمريكا، ردود فعل متسلسلة في المنطقة، وفترة طويلة من عدم الاستقرار تمتد من العراق إلى الخليج.

إيران ليست العراق، لكن الدرس واحد

لا بد من التأكيد مرة أخرى أن إيران والعراق دولتان مختلفتان. إيران ليست نسخة عراقية، وليست مسرحاً جاهزاً لإعادة تمثيل عام 2003. فهي تمتلك تقليداً دولتيّاً أقدم وأقوى، وهوية وطنية أكثر تماسكاً، وبنية سلطة أكثر تعقيداً، وذاكرة تاريخية أعمق. كما أن لديها قدرة ملحوظة على امتصاص الضغوط، وإعادة تدوير الأزمات، والتعبئة في مواجهة التهديد الخارجي. وحتى المعارضون الداخليّون للنظام لا يتحولون بالضرورة إلى حلفاء لضربة خارجية. بل إن تاريخ الشرق الأوسط يُظهر مراراً أن الهجوم الخارجي قد يقوي بالضبط تلك البنى التي كان يُفترض أن يضعفها.

لكن هذا لا يعني أن درس العراق غير قابل للتطبيق.

على العكس، فهو ينطبق في النقطة الأهم: تدمير الدولة أسهل بكثير من إعادة بنائها. وإذا كانت أجزاء من الآلة الحكومية الإيرانية قد بدأت بالفعل تتعرض للتآكل، سواء في البنية العسكرية أو اللوجستية أو منظومات الردع أو نظام القيادة أو آليات التنسيق السياسي، فلا أحد يستطيع أن يضمن أن النتيجة ستكون البنية الإقليمية التي ترغب فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها. بل إن احتمال ظهور آثار قاسية وغير قابلة للسيطرة وطويلة الأمد يبدو مرتفعاً للغاية.

بالنسبة إلى حلفاء واشنطن، يمثل ذلك أيضاً لحظة مفصلية. ولا سيما بالنسبة إلى دول الخليج، التي كانت هي نفسها هدفاً لضغوط وهجمات إيرانية، لكنها تدرك في الوقت ذاته ثمن اشتعال المنطقة. بالنسبة لهذه الدول لم يعد الأمن مسألة بسيطة تعتمد على المظلة الأمريكية. بل أصبح معضلة حقيقية: بين احتمال إضعاف إيران على المدى القصير، وخطر العيش بجوار قوة إقليمية هائلة جريحة وغاضبة وغير متوقعة تمر بمرحلة اضطراب داخلي.

ما الذي يمكن أن يعلنه ترامب انتصاراً

في الوضع الحالي يمتلك دونالد ترامب ميزة تتحول في الوقت نفسه إلى نقطة ضعف: فهو قادر على إعلان النصر في أي نتيجة تقريباً. فغياب الخطة الواضحة وغموض الأهداف المعلنة يفتحان أمامه مجالاً واسعاً للتفسير.

يمكنه القول إن تدمير جزء من القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية كان كافياً. ويمكنه التأكيد أن تغيير النظام لم يكن هدفاً رسمياً، وأن الشعب الإيراني وحده من يقرر مستقبل بلاده. ويمكنه تقديم الضربة العسكرية على أنها استعادة لهيبة الردع الأمريكي. كما يمكنه تبرير وقف التصعيد بأن الرسالة الاستراتيجية قد وصلت بالفعل.

سياسياً، هذه الصيغة مريحة. لكنها استراتيجياً تذكّر كثيراً بالدرس غير المستوعب من عام 1991، حين أُخرج صدام حسين من الكويت لكنه بقي في السلطة في بغداد. آنذاك أيضاً كان بالإمكان الحديث عن نجاح عسكري. لكن ما تلا ذلك كان سنوات من التوتر، وضربات جوية متكررة، ونزاعات حول الأسلحة المحظورة، وفي النهاية حرباً كبرى جديدة عام 2003.

إذا بقي النظام الإيراني في السلطة لكنه خرج من المواجهة ضعيفاً ومهاناً وممتلئاً بالرغبة في الانتقام، فإن المنطقة لن تحصل على حل، بل على تأجيل لأزمة أكبر.

وعندها قد تتحول العملية الحالية، مثل كثير من حروب الشرق الأوسط قبلها، إلى فصل افتتاحي فقط في أزمة لم تصل بعد إلى ذروتها.

الحرب كمدرسة للغرور السياسي

الخطر الأكبر في مثل هذه الحروب يكمن في الحالة النفسية الخاصة لمن يطلقونها. فغالباً ما تبدأ العمليات العسكرية في أجواء من الثقة المفرطة بأن الإرادة السياسية والتفوق التقني قادران على إخضاع الواقع. لكن الشرق الأوسط أمضى عقوداً وهو يفند هذا اليقين. فهناك أشياء كثيرة في هذه المنطقة لا تخضع للحسابات البسيطة. وغالباً ما تستخف القوة الخارجية بصلابة المجتمعات من الداخل، وبقدرة شبكات المقاومة على البقاء، وبقوة الإذلال الرمزي، وبمهارة اللاعبين الإقليميين في تحويل الهزيمة نفسها إلى شكل جديد من التعبئة.

لقد أصبح العراق المثال الكلاسيكي على الكيفية التي يمكن أن يتحول فيها النصر العسكري إلى هزيمة استراتيجية. وليس فقط لأن الاستخبارات أخطأت، أو لأن السياسيين بالغوا في تقدير التهديد. بل لأن الحرب بدأت على يد أشخاص كانوا مقتنعين بأنهم قادرون على التحكم في نتائجها. لكن النتائج هي التي بدأت تتحكم فيهم.

بهذا المعنى، فإن الحديث عن إيران ليس مجرد حديث عن طهران أو واشنطن أو إسرائيل أو دول الخليج. إنه حديث عن حالة القوة الغربية نفسها. عن السؤال ما إذا كانت هذه القوة ما تزال قادرة على شيء من التواضع الاستراتيجي. وهل بقي فيها إدراك بسيط بأن تدمير دولة أخرى لا يعني تلقائياً بناء نظام جديد. وهل ما تزال تتذكر أن الحروب القصيرة في الشرق الأوسط كثيراً ما تُلقي ظلالاً طويلة.

الخلاصة

الدرس الأهم من العراق ليس أن إسقاط الديكتاتوريات أمر مستحيل، ولا أن كل حرب بلا معنى بالضرورة. الدرس أقسى وأكثر نضجاً من ذلك: أي عملية عسكرية تُطلق من دون إجابة صادقة عن سؤال النهاية السياسية تتحول إلى مقامرة بمصائر ملايين البشر.

من السهل أن تبدأ حرباً تحت شعارات الأمن، أو الإنسانية، أو الردع، أو الضرورة التاريخية. لكن الأصعب بكثير هو العيش لاحقاً وسط الأنقاض التي تبقى بعد الخطابات المنتصرة.

ولهذا يبدو الصدى بين الأزمة الإيرانية الحالية والعراق عام 2003 مقلقاً إلى هذا الحد. ليس لأن السيناريوهات متطابقة في التفاصيل، بل لأن النبرة واحدة: ثقة مفرطة في البداية، أهداف ضبابية، إغراء الارتجال، تجاهل الإطار الدولي، وإيمان خطير بأن النتيجة يمكن دائماً إعلانها نجاحاً وفق الرغبة السياسية.

لكن الحروب لا تحب التعريفات الاعتباطية. فهي تكتب استنتاجاتها بنفسها.

وغالباً ما تكون تلك الاستنتاجات على النقيض تماماً مما كان المنتصرون يعتزمون قوله من فوق المنابر.