أصاب مقال النائب الأوروبي أندريه روجيه في صحيفة Le Journal du Dimanche عصب اللحظة الراهنة، ليس لأنه حادّ أو صادم، بل لأنه التقط جوهر الأزمة بدقة. فالأزمة التي تعيشها فرنسا لم يعد بالإمكان تفسيرها بخطأ إداري عابر، أو بوزير غير موفق، أو بإصلاح مثير للجدل. نحن أمام حصيلة تراكمية لحقبة سياسية كاملة.
لم تعد الماكرونية مجرد اسم لمرحلة رئاسية. لقد تحولت إلى منظومة لإدارة التراجع، وإلى تقنية لغوية أنيقة تغطي واقعًا يزداد سوءًا. إنها أيديولوجيا يُقدَّم فيها فقدان هامش السيادة على أنه تحديث، وتُسوَّق فيها التآكلات الاجتماعية باعتبارها الثمن الحتمي للتكيف مع العولمة. لهذا السبب تحديدًا أثار مقال روجيه هذا القدر من التفاعل داخل فرنسا: فهو لم يكن هجومًا على إيمانويل ماكرون بقدر ما كان تسجيلًا صريحًا لإرهاق بلد كامل من سنوات طويلة من سياسة التنازلات، وتآكل المؤسسات، وخداع الذات الاستراتيجي.
إذا جُرِّدت الماكرونية من غلافها الشخصي، فإن جوهرها بسيط نسبيًا. إنها تقاطع ثلاث نزعات أساسية. الأولى هي إعطاء الأولوية للمنطق فوق الوطني على حساب المنطق الوطني. الثانية هي الاعتماد المتزايد على الديون والعجز وتأجيل الفاتورة إلى المستقبل. أما الثالثة فهي إعادة تشكيل المجتمع بما يخدم القطاعات التي استفادت من العولمة والرقمنة والتمويل المالي واقتصاد المدن الكبرى، في مقابل دفع الأقاليم والطبقة الوسطى والمزارعين وأجزاء من العمال والموظفين إلى أسفل السلم الاجتماعي.
لذلك لم يعد الجدل حول ماكرون جدلًا حول مزاج الرئيس أو أسلوبه أو تصريحاته الصاخبة. المسألة أعمق بكثير. إنها صراع حول نموذج الدولة ذاته: دولة ما زالت تحتفظ بمظاهر القوة الكبرى، لكنها باتت تعيش أكثر فأكثر بمنطق التبرير لا بمنطق القوة.
الدَّين والعجز: الانحدار المالي كقاعدة سياسية
حتى من دون أي تقييم أيديولوجي، تبدو الحصيلة المالية للماكرونية مقلقة للغاية. فوفق البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية INSEE، بلغ عجز الإدارة العامة في فرنسا عام 2024 نحو 169.6 مليار يورو، أي ما يعادل 5.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا أسوأ من عام 2023 حين بلغ العجز 5.4 في المئة من الناتج، وبعيد جدًا عن معيار ماستريخت البالغ 3 في المئة الذي اعتادت باريس نفسها أن تطالب الآخرين باحترامه.
في الوقت نفسه، وصلت النفقات العامة عام 2024 إلى 57.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. بعبارة أخرى، بقيت الدولة الفرنسية باهظة الكلفة، لكنها فقدت الكثير من فعاليتها التقليدية التي كانت تميز النموذج الفرنسي.
لكن المؤشر الأكثر دلالة هو مسار الدين العام. ففي نهاية الربع الأول من عام 2025 بلغ الدين الفرنسي وفق معيار ماستريخت نحو 3.3454 تريليون يورو. وبحلول نهاية الربع الثاني ارتفع إلى 3.4163 تريليون يورو، ثم إلى 3.4822 تريليون يورو في نهاية الربع الثالث، أي ما يعادل 117.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. بمعنى آخر، لم يعد تجاوز عتبة 3.4 تريليون يورو حدثًا استثنائيًا، بل أصبح واقعًا طبيعيًا.
وفي فبراير 2026 حذرت محكمة الحسابات الفرنسية صراحة من أن العجز المتوقع لعام 2025 سيظل عند حدود 161 مليار يورو، أي نحو 5.4 في المئة من الناتج المحلي، مؤكدة أن الجهود المبذولة لتثبيت الدين لا تزال غير كافية. لم يعد الأمر مجرد انحراف دوري مؤقت، بل أصبح تعبيرًا عن عجز مزمن للدولة عن العيش ضمن إمكاناتها الفعلية.
والمفارقة الكبرى أن الماكرونية قدمت نفسها طوال هذه السنوات باعتبارها عهد الإدارة الكفؤة. فقد وصل ماكرون إلى السلطة بسمعة التكنوقراطي ورجل الأرقام والبنك والاستراتيجيات العقلانية. لكن في عهده تحديدًا اقتربت فرنسا من وضع لم يعد فيه ملف الميزانية شأنًا محاسبيًا عاديًا، بل مسألة تمس الاستقرار السياسي للنظام نفسه.
فالدولة التي وسعت التزاماتها لعقود طويلة دون أن تبني قاعدة اقتصادية متناسبة أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على الأسواق المالية ووكالات التصنيف وكلفة الاقتراض. وعندما تفقد دولة مثقلة بهذا الحجم من الديون أغلبيتها السياسية ثم قدرتها على التحكم، فإن المشكلة لم تعد نظرية أكاديمية، بل تتحول إلى خطر حقيقي يهدد سيادتها المالية.
القدرة الشرائية: الأرقام في مواجهة التفاؤل الرسمي
كان للماكرونية سرديتها الكبرى: فرنسا تتجدد، تصبح أكثر مرونة وتنافسية وابتكارًا. لكن المواطن الفرنسي العادي لا يقيس الواقع بخطابات السلطة، بل بفاتورة السوبرماركت، وحساب الكهرباء، والضرائب، وكلفة القروض، وسعر الوقود، وإحساسه بمستقبل أسرته. وهنا تحديدًا يظهر الشرخ الأكبر بين خطاب الدولة وإدراك المجتمع.
صحيح أن بيانات INSEE سجلت فترات محدودة من تحسن القدرة الشرائية الإجمالية خلال عام 2024. غير أن الصورة بدأت تتدهور مجددًا في عام 2025 على مستوى الأسر لكل مستهلك. ففي الربع الثالث من ذلك العام انخفضت القدرة الشرائية لكل وحدة استهلاك بشكل حاد، ثم تراجعت مرة أخرى في الربع الرابع بنسبة 0.3 في المئة بعد انخفاض قدره 0.4 في المئة في الربع السابق.
وفي الوقت نفسه بقي معدل الادخار لدى الأسر مرتفعًا بشكل غير طبيعي. فقد بلغ 18.8 في المئة في الربع الأول من عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي إذا استُثنيت فترة الإغلاقات خلال جائحة كورونا. وهذه إشارة بالغة الأهمية: الناس لا يدخرون لأنهم يشعرون بالرفاه، بل لأنهم يخشون المستقبل.
ووفق مراجعة اقتصادية لـ INSEE فإن سبعة من كل عشرة فرنسيين يقلصون استهلاكهم. هذه هي السوسيولوجيا الحقيقية للماكرونية.
عندما تتحدث الحكومة عن الاستقرار الاقتصادي الكلي بينما يرد المجتمع بزيادة الادخار الاحترازي وتقليص الإنفاق، فإن ذلك لا يعكس الثقة بل الخوف. الأسرة الفرنسية في مثل هذه الظروف لا تعيش بمنطق التقدم، بل بمنطق الدفاع.
وهذا بالغ الحساسية بالنسبة لبلد قامت قوته تاريخيًا على سوق داخلية قوية وطبقة وسطى واسعة ودولة اجتماعية مستقرة نسبيًا. فالقدرة الشرائية في فرنسا ليست مؤشرًا ثانويًا، بل قلب العقد الاجتماعي نفسه. وإذا فقدت هذه القدرة موثوقيتها، فإن البنية السياسية بأكملها تبدأ بالتصدع.
إزالة التصنيع: أسطورة إعادة التصنيع وواقع التآكل
من أكثر الملفات إيلامًا في التجربة الفرنسية ملف الصناعة. فالرئيس ماكرون وفريقه يتحدثون باستمرار عن إعادة التصنيع والاستثمارات ومجتمع الشركات الناشئة والتحول الأخضر والمصانع الجديدة والقفزة التكنولوجية. لكن على المدى التاريخي تبقى فرنسا دولة شهدت عملية عميقة من إزالة التصنيع، ولا يمكن لأي خطاب دعائي أن يغير هذه الحقيقة.
تشير دراسات عديدة إلى أن المناطق الفرنسية عانت خلال عقود من تآكل واسع في الوظائف الصناعية. ووفق أحد التقديرات الأكاديمية الحديثة، فقدت البلدية الفرنسية المتوسطة نحو 12.3 نقطة مئوية من حصة العمالة الصناعية بين عامي 1968 و2016، وهو مسار ارتبط مباشرة بالتفكك الاجتماعي وتراجع المشاركة الانتخابية.
كما تظهر قواعد بيانات دولية تعتمد على الإحصاءات الرسمية أن نسبة العاملين في الصناعة في فرنسا انخفضت من 28.42 في المئة عام 1991 إلى 19.25 في المئة عام 2023، قبل أن ترتفع ارتفاعًا طفيفًا إلى 19.54 في المئة عام 2024. هذا ليس تذبذبًا عابرًا، بل أثر انحدار بنيوي طويل الأمد.
حتى في عام 2025 بقي مناخ الأعمال في القطاع الصناعي ضعيفًا. فقد أشار INSEE مرارًا خلال ذلك العام إلى أن المناخ الاقتصادي العام في فرنسا يقع دون متوسطه طويل المدى، وأن الصناعة لم تظهر بعد أي انعطاف حاسم.
في هذا السياق تبدو الخطابات حول “أمة الشركات الناشئة” أقرب إلى ستار أيديولوجي. فالشركة الناشئة لا يمكن أن تحل محل صناعات مثل التعدين والميكانيك والكيمياء وصناعة الآلات والسيارات وسلاسل التكنولوجيا الثقيلة وفرص العمل المستقرة في الأقاليم. قد تكون إضافة مفيدة، لكنها تصبح كارثية عندما تتحول إلى بديل وهمي عن قاعدة صناعية حقيقية.
ولهذا السبب تبدو انتقادات فرنسا الإقليمية للماكرونية حادة إلى هذا الحد. ففي باريس والمدن الكبرى قد تخلق الاقتصاديات الرقمية والخدمات المنصاتية والصناعات الإبداعية والقطاع المالي شعورًا بالحركة نحو المستقبل. لكن الصورة في كثير من الأقاليم مختلفة تمامًا: مصنع أغلق أبوابه، متعهد غادر، قاعدة ضريبية محلية تتآكل، شباب يرحلون، وبلدات تتفرغ من سكانها.
هناك، لا تعني “الاقتصادات الجديدة” غالبًا ولادة مركز نمو جديد، بل تعني ببساطة الاختفاء النهائي للعالم الصناعي القديم.
الزراعة: فخر رمزي لفرنسا يعيش أزمة عميقة وطويلة
الوضع في القطاع الزراعي يبدو أكثر إيلامًا. فالزراعة في فرنسا ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل جزء من الهوية الوطنية ذاتها. ووفق بيانات وكالة Agreste، بلغ إنتاج المزارعين الفرنسيين عام 2023 نحو 86.7 مليار يورو، مع احتفاظ فرنسا بمكانتها كأكبر منتج زراعي داخل الاتحاد الأوروبي. غير أن عظمة الأرقام الإجمالية تخفي خلفها أزمة بنيوية عميقة في الدخل والبنية وإعادة إنتاج القطاع.
الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية تشير بوضوح إلى أن الإنتاج الزراعي في فرنسا انخفض في عام 2024 بنسبة 8.8 في المئة بالأسعار الجارية. ويرتبط هذا التراجع بانخفاض الأسعار من جهة وبانكماش حجم الإنتاج من جهة أخرى. بالنسبة لقطاع يعيش أصلًا تحت ضغط التكاليف والتقلبات المناخية والمخاطر الصحية والديون والمنافسة الخارجية والقيود البيئية، فإن مثل هذا الانخفاض يمثل ضربة مباشرة لاستقرار مناطق ريفية بأكملها.
وتظهر الأزمة البنيوية أيضًا في تطور بنية المزارع نفسها. فمنذ منتصف القرن العشرين يتراجع عدد المزارع الفرنسية بشكل مستمر، في حين أصبحت المزارع المتبقية أكبر حجمًا وأكثر تخصصًا. وتشير بيانات INSEE إلى أنه في عام 2020 كان في فرنسا المتروبولية نحو 389.8 ألف مزرعة، أي أقل بنحو مئة ألف مزرعة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات. ووفق أحدث البيانات الأوروبية في إطار السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي، يوجد في فرنسا اليوم نحو 456 ألف مزرعة يبلغ متوسط مساحتها 69 هكتارًا. وهذا لا يعكس ازدهار الريف بقدر ما يعكس استمرار تركّز الإنتاج وتراجع صغار ومتوسطي المنتجين.
ومن الإشارات المقلقة أيضًا وضع القطاع الزراعي العضوي. فوزارة الزراعة الفرنسية تعترف بأن الإنتاج العضوي، بعد عقدين من النمو المتواصل، دخل منذ عام 2022 في أزمة حقيقية. ففي عام 2023 شكّلت الزراعة العضوية 14 في المئة من عدد المزارع، ووفرت 19 في المئة من فرص العمل الزراعية، واستحوذت على 10.4 في المئة من الأراضي الزراعية، لكنها لم تمثل سوى 6 في المئة من مبيعات المنتجات الغذائية. وهذا يعني أن النموذج الذي رُوِّج له سياسيًا بوصفه مستقبل الزراعة لم يصمد أمام واقع القدرة الشرائية للمستهلكين وتقلبات السوق.
أما المؤشر الأكثر إحراجًا لبلد طالما تباهى بقوته الزراعية فهو التدهور الحاد في الميزان التجاري الزراعي. فوفق بيانات حديثة مستندة إلى الإحصاءات الجمركية، تراجع فائض تجارة المنتجات الزراعية والغذائية الفرنسية في عام 2025 إلى نحو 200 مليون يورو فقط، أي أنه كاد يختفي. بل إن فرنسا أصبحت في بعض السلع الزراعية الأساسية مستوردًا صافيًا. وهكذا يتحول القطاع الذي كان يُفترض أن يكون رمزًا للاستقرار الاستراتيجي إلى مصدر متزايد للقلق.
ليس مستغربًا إذن أن تشهد البلاد في عام 2024 موجة واسعة من احتجاجات المزارعين، وأن يبقى التوتر قائمًا حتى عام 2026. فحيث ترى باريس “الانتقال البيئي” و“التنسيق الأوروبي”، يرى المزارع واقعًا مختلفًا: واردات متزايدة، وضغطًا تنظيميًا، ومنافسة غير متكافئة، وتآكلًا تدريجيًا لفرنسا الريفية التي عرفها.
الانقسام الاجتماعي: من السترات الصفراء إلى أزمة الديمقراطية
أحد أخطر أخطاء الماكرونية كان الاعتقاد بأن الاحتجاج الاجتماعي مجرد مشكلة في التواصل السياسي. فقد ظنت السلطة لفترة طويلة أن اختيار الكلمات المناسبة وتقديم الأرقام بطريقة مقنعة وتغليف الإصلاحات بخطاب حديث كفيل بجعل المجتمع يتقبل تدهور أوضاعه.
لكن حركة “السترات الصفراء” كشفت العكس تمامًا. لم يكن الاحتجاج مرتبطًا فقط بضريبة الوقود أو بارتفاع الأسعار. لقد كان انفجارًا أعمق نابعًا من شعور بالإهانة وعدم المساواة الجغرافية والاحتقار السياسي. كان تمرد فرنسا الطرفية على جمهورية باتت تبدو، في نظر كثيرين، نظامًا يخدم المدن الكبرى قبل غيرها.
ثم جاء الصراع حول إصلاح نظام التقاعد في عام 2023. والمشكلة لم تكن فقط في مضمون الإصلاح، بل في الطريقة التي فُرض بها. فالمادة 49.3 من الدستور تسمح للحكومة بتمرير قانون دون تصويت في الجمعية الوطنية إذا لم ينجح اقتراح حجب الثقة. صحيح أن هذه الآلية دستورية من الناحية القانونية، لكن استخدامها المتكرر تحوّل سياسيًا إلى رمز لسلطة تفضّل الالتفاف المؤسسي على مواجهة الرفض الشعبي.
وتشير منصة Vie publique الرسمية إلى أن الحكومة استخدمت هذه المادة عام 2023 لتمرير نصوص الميزانية وقانون برمجة المالية العامة، وفي بعض الحالات دون تصويت نهائي للنواب. في مثل هذا السياق تبدأ الديمقراطية بالظهور كغلاف شكلي لنواة تكنوقراطية صلبة. فكل شيء يبدو قانونيًا على الورق، لكن الرسالة السياسية التي يتلقاها المجتمع مختلفة تمامًا: عندما يتوفر التأييد الشعبي تتحدث السلطة عن الإصلاح، وعندما يغيب تلجأ إلى الأدوات الإجرائية.
هكذا تتشكل فجوة الثقة العميقة التي أشار إليها أندريه روجيه.
لم يعد الأمر مقتصرًا على احتجاجات الشارع. فقد انتقلت الأزمة إلى قلب المؤسسات. فبعد قرار إيمانويل ماكرون حل الجمعية الوطنية في 9 يونيو 2024، مباشرة عقب الهزيمة الساحقة لمعسكره في انتخابات البرلمان الأوروبي، دخلت فرنسا مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
وفي الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية في 7 يوليو 2024 لم يحصل أي معسكر على الأغلبية المطلقة البالغة 289 مقعدًا. أصبح تحالف “الجبهة الشعبية الجديدة” اليساري الكتلة الأكبر لكنه بلا أغلبية، وتراجع تحالف ماكرون “إنسامبل” بشكل حاد، بينما عزز حزب “التجمع الوطني” حضوره. النتيجة كانت برلمانًا معلقًا بلا أغلبية واضحة.
قُدم هذا القرار على أنه مبادرة ديمقراطية جريئة، لكنه بدا في نظر كثيرين مغامرة سياسية. فقد أكد ببساطة أن الرئيس لم يعد يسيطر على البلاد كما كان يفعل عام 2017، لكنه ما زال يحاول الحكم كما لو أن تلك السيطرة ما زالت قائمة.
مؤسسات الدولة: مكلفة ومتعبة وأقل إقناعًا
لطالما استند النموذج الفرنسي ليس فقط إلى الانتخابات، بل إلى جودة الدولة نفسها. إلى نظام المحافظات، والسلك الدبلوماسي، ومدرسة الإدارة العليا، والانضباط البيروقراطي الصارم، والخدمة العامة المهنية، والشبكة الكثيفة من المؤسسات العمومية.
الماكرونية التي وعدت بتحديث الدولة ساهمت عمليًا في تسريع تآكل هذا التقليد.
فحتى الإصلاحات التي قُدمت بوصفها مواجهة للبيروقراطية القديمة انتهت في كثير من الأحيان بإضعاف الهيئات المهنية دون إنشاء بديل مكافئ. وتشير تقارير تحليلية دولية إلى أن إصلاح ماكرون للجهاز الإداري الأعلى أثار مقاومة قوية وحقق نتائج محدودة.
وفي المجال الدبلوماسي تحدث منتقدون صراحة عن تفكيك السلك الدبلوماسي التاريخي وخطر إضعاف المهنية الفرنسية في السياسة الخارجية. وهذا أمر حساس بشكل خاص بالنسبة لفرنسا، حيث كانت الدبلوماسية دائمًا إحدى أهم أدوات النفوذ.
في الوقت نفسه يتزايد الاستياء من جودة الخدمات العامة الأساسية. ففي قطاع الصحة لم تعد فرنسا تبدو النموذج الذي لا يُضاهى. فوفق ملف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025، بلغ عدد الأطباء في فرنسا عام 2023 نحو 3.9 طبيب لكل ألف نسمة، وهو أقل من متوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 4.3.
هذه مسألة نفسية وسياسية في آن واحد. فبلد يتمتع بضرائب مرتفعة ونفقات عامة ضخمة لم يعد يمنح مواطنيه الشعور بأن الرعاية الصحية متاحة بلا عوائق. ولم يعد الحديث عن “الصحارى الطبية” مجرد تعبير صحفي، بل أصبح مشكلة معترفًا بها رسميًا.
وفي مجال الأمن أيضًا يصعب على السلطات استخدام لغة الاطمئنان. ففي يوليو 2025 نشرت الخدمة الإحصائية التابعة لوزارة الداخلية تقريرًا واسعًا حول الجريمة في عام 2024، ما يدل على أن القضية لم تعد هامشية بل أصبحت ظاهرة هيكلية.
بالنسبة للمواطن العادي تتجمع هذه المعطيات في معادلة بسيطة وخطيرة: الضرائب مرتفعة، والدولة مكلفة، لكن الشعور بالأمان وجودة الخدمات أقل مما كان متوقعًا.
السياسة الخارجية: من الاستقلال الغولي إلى دبلوماسية التعويض
أكثر القضايا حساسية بالنسبة للنخبة الفرنسية هي مسألة النفوذ الدولي. فقد بنت فرنسا لعقود صورتها كقوة قادرة على انتهاج خط مستقل: أن تكون جزءًا من المعسكر الغربي دون أن تذوب فيه، وأن تتحدث مع واشنطن كحليف لا كتابع، وأن تحافظ على حوار مع الجنوب العالمي والشرق الأوسط وأفريقيا والصين وروسيا انطلاقًا من مصالحها الخاصة.
الماكرونية احتفظت بمفردات هذا الإرث، لكنها أضعفت مضمونه بشكل ملحوظ.
في أفريقيا شهد النفوذ الفرنسي خلال السنوات الأخيرة تراجعًا يكاد يكون تاريخيًا. فوثائق فرنسية رسمية أقرت بأن انسحاب القوات من النيجر مثّل نهاية عشر سنوات من بنية مكافحة الإرهاب الفرنسية في منطقة الساحل، وفرض إعادة التفكير بالكامل في استراتيجية الأمن الإقليمي.
وبحلول عام 2025 كانت فرنسا قد أنهت وجودها العسكري في عدد من دول غرب ووسط أفريقيا، وفي يوليو من العام نفسه أنهت أيضًا وجودها العسكري الدائم في السنغال. بالنسبة لباريس لم يكن ذلك مجرد إعادة انتشار عسكري، بل رمزًا لانهيار منظومة نفوذ كاملة.
يحب ماكرون التحدث عن “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، لكن فرنسا تبدو عمليًا دولة تحاول في الوقت نفسه تعويض فقدان نفوذها المباشر في مناطق نفوذها السابقة والاندماج في هياكل فوق وطنية أكثر صرامة.
ومن هنا ينشأ ذلك الشعور بأن الدبلوماسية الفرنسية باتت أقرب إلى دبلوماسية التعويض الخطابي: تصريحات كثيرة وصيغ تاريخية رنانة، لكن أدوات التأثير أقل مما كانت عليه.
فرنسا ما زالت لاعبًا مهمًا في ملفات مثل أوكرانيا والشرق الأوسط وأفريقيا ومنطقة الهندي-الهادئ، لكنها لم تعد ذلك الطرف الذي يُنظر إلى كلمته تلقائيًا بوصفها التعبير المميز عن خط الجمهورية الخامسة.
الردع النووي: الخط الأحمر الأخير
لهذا السبب يثير الجدل حول الردع النووي في فرنسا ردود فعل عصبية إلى هذا الحد. فالعقيدة النووية بالنسبة للدولة الفرنسية ليست مجرد مسألة عسكرية. إنها خلاصة السيادة الوطنية، وبقايا شبه مقدسة من الهندسة الغولية التي قامت عليها الجمهورية الخامسة. لذلك فإن أي حديث عن “أوربة” الردع النووي، أو حتى عن تقاربه المفاهيمي مع إطار أوروبي أوسع، لا يُستقبل كجدل تقني عادي، بل كاختبار للولاء للفكرة الوطنية ذاتها.
كان إيمانويل ماكرون قد تحدث بالفعل عام 2020 عن البعد الأوروبي للردع النووي الفرنسي، مشددًا على أن المصالح الحيوية لفرنسا أصبحت تمتلك بعدًا أوروبيًا. وفي مارس 2025 عاد ليخاطب الفرنسيين في خطاب حول الأمن. ثم في مطلع مارس 2026 أفادت وكالات دولية بأن باريس تنوي تعميق التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين في مجال الردع النووي، مع تأكيد ماكرون أن القرار النهائي باستخدام السلاح سيبقى حصرًا بيد رئيس الجمهورية الفرنسية.
حتى لو بقيت السيطرة السيادية رسميًا بيد باريس، فإن المنطق السياسي لهذا المسار واضح: ثمة انتقال تدريجي من التفرد الوطني إلى بنية ردع أوروبية أوسع.
بالنسبة لأنصار التقليد الغولي، هنا تحديدًا يمر الحد الفاصل بين التحالف والذوبان. فهم مستعدون لمناقشة التنسيق والمناورات المشتركة وبناء بيئة دفاعية أوروبية عامة، لكنهم غير مستعدين لقبول حتى التهيئة النفسية لفكرة أن العقيدة النووية الفرنسية قد تكف عن كونها فرنسية خالصة. لذلك تأتي الاتهامات الموجهة إلى ماكرون بهذه القسوة: فهو في نظر منتقديه لا يُتهم فقط بالمبالغة في النزعة الأوروبية، بل بمحاولة نقل آخر مرتكزات السيادة إلى منطقة رمادية من الغموض السياسي.
لماذا تثير الماكرونية هذا القدر من الغضب في فرنسا
مصدر الاستياء الأساسي ليس في أن ماكرون يقوم بإصلاحات، بل في الطريقة التي يفعل بها ذلك والغاية التي يضعها لها. فالفرنسيون مستعدون لتحمل قرارات قاسية إذا رأوا فيها معنى وطنيًا وعدالة اجتماعية وهدفًا واضحًا في النهاية. لكن الماكرونية تقدم سيناريو مختلفًا: أولًا تفكيك النظام القائم، ثم وعد بكفاءة مستقبلية، ثم تعقيد المؤسسات، ثم تدهور التجربة اليومية للمواطن، وفي النهاية خطاب أخلاقي يطالب المجتمع بأن “يتكيف”.
ومن هنا نشأت الصورة الراسخة لرئيس يبدو وكأنه لا يشعر بالبلاد كما هي. فكثيرًا ما تحدث ماكرون كما لو أن الطبقات الاجتماعية ليست سوى فئات اقتصادية في جداول إحصائية، لا نسيجًا حيًا لأمة كاملة. ولهذا ظلت بعض عباراته، سواء اقتُطعت من سياقها أم لا، ذات أثر سياسي قاتل، لأنها عززت الشك القائم منذ زمن: أن فرنسا لا يحكمها رجل دولة بالمعنى الغولي، بل ممثل لطبقة تكنوقراطية ترى في الشعب موضوعًا لإعادة الضبط.
في الواقع يسجل أندريه روجيه، كما يفعل كثير من النقاد من اليمين واليسار، الظاهرة نفسها. فخلال سنوات الماكرونية لم تتراكم في فرنسا صعوبات اقتصادية فحسب، بل تآكل أيضًا الشعور بالترابط السياسي داخل المجتمع.
الطبقة الوسطى لم تعد واثقة من أن موقعها سيظل محفوظًا.
الأقاليم لم تعد واثقة من أن الجمهورية ما زالت تتذكرها.
المزارع لم يعد واثقًا من أن باريس تدرك ثمن عمله.
موظف القطاع العام لم يعد واثقًا من أن الدولة تحترم فكرة الخدمة العامة ذاتها.
رجل الأعمال لم يعد واثقًا من أن البيئة الضريبية والتنظيمية لن تتغير مرة أخرى غدًا.
الدبلوماسي والضابط لم يعودا واثقين من أن الخط التاريخي للبلاد لن يُضحّى به باسم مفهوم جديد من مفاهيم “التحديث”.
فرنسا بعد ماكرون: ماذا سيبقى
السؤال الأهم اليوم ليس كيف ستنتهي السيرة السياسية لإيمانويل ماكرون. السؤال الحقيقي هو: ماذا سيبقى من فرنسا بعده.
هل ستبقى فرنسا دولة تمتلك عصبًا استراتيجيًا مستقلًا وطموحًا صناعيًا واضحًا وقلبًا اجتماعيًا محميًا وأمة سياسية متماسكة؟ أم أنها ستتحول نهائيًا إلى فضاء ذي عبء ضريبي مرتفع ودين متصاعد وبرلمان مجزأ وخطاب أخلاقي أيديولوجي ونفوذ دولي متقلص؟
الوقائع المتراكمة حتى مطلع عام 2026 لا تدعو إلى الاطمئنان. فقد سجل الدين العام أرقامًا قياسية جديدة وبلغ 3.4822 تريليون يورو بحلول نهاية الربع الثالث من عام 2025. ولا يزال العجز أعلى بكثير من المعايير الأوروبية. كما تراجعت القدرة الشرائية للأسر مجددًا خلال عام 2025. وظل معدل الادخار مرتفعًا في ظل توقعات اقتصادية مقلقة. ويعاني القطاع الزراعي من انكماش في الإنتاج وتراجع في الميزان التجاري. أما النظام السياسي فقد دخل مرحلة عدم استقرار بعد حل البرلمان. وفي أفريقيا تراجع نطاق النفوذ الفرنسي بشكل واضح. كما تحولت مناقشة الردع النووي إلى محور جدل حول معنى السيادة الوطنية ذاته.
هذه ليست أعطالًا متفرقة. إنها أعراض مرض واحد.
لهذا تبدو الماكرونية اليوم، في نظر كثيرين، لا كوسطية سياسية فاشلة فحسب، بل كذروة مرحلة طويلة من سياسة التنازل الفرنسي. تنازل عن الإرادة الاقتصادية الاستراتيجية. تنازل عن احترام الهرم الاجتماعي للبلاد. تنازل عن التوازن بين المركز والأقاليم. تنازل عن تقاليد الدولة. وربما الأخطر من ذلك كله: تنازل عن الفكرة الأساسية التي قامت عليها فرنسا الحديثة، وهي أن فرنسا لا يجب أن تكون “مثل الآخرين”، بل أن تكون نفسها.