...

دخلت أوروبا مرحلة تاريخية جديدة تهاوت فيها أوهام السياسة الخارجية القديمة، فيما لم تتبلور بعد قواعد مستقرة للنظام القادم. على الجبهة الشرقية، لم تعد التهديدات العسكرية مجرد فرضيات نظرية بعد فبراير 2022، بل تحولت إلى واقع صلب يفرض حساباته. وعلى الضفة الغربية، تلاشت صيغة الوصاية الأمريكية التي اعتادت العواصم الأوروبية الاحتماء بها لعقود، حين كانت واشنطن تتحمل الحصة الكبرى من الأعباء الاستراتيجية، فيما تنشغل أوروبا بنقاشات مطولة وإعلانات قيمية وتمويل أمني متواضع. اليوم، لا تقف أوروبا بين شرق وغرب فحسب، بل تجد نفسها عالقة بين قوة لا تسيطر عليها وارتهان لا تستطيع الفكاك منه بسرعة.

المعضلة الأوروبية لا تكمن في ضعف اقتصادي. على العكس، ما يزال الاتحاد الأوروبي أحد أكبر أقطاب الاقتصاد العالمي. فبحسب بيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد عام 2024 نحو 19.5 تريليون دولار، فيما تجاوز عدد سكانه مطلع عام 2025 حاجز 450 مليون نسمة. إنها سوق عملاقة، وقاعدة صناعية متينة، وبنية مالية متطورة، وتفوق في مجالات العلم والتكنولوجيا، إضافة إلى قوة تنظيمية هائلة تؤثر في الاقتصاد العالمي بأسره. لكن هنا يتجلى التناقض الأوروبي الصارخ: اقتصاد بحجم قوة عظمى، وسلوك أمني أقرب إلى فاعل ثري يفتقر إلى الاستقلال الاستراتيجي.

الحرب في أوكرانيا نسفت هذا الوهم المريح. أعادت التاريخ إلى الواجهة، وأثبتت أن الحدود في أوروبا ليست محصنة بذاتها، وأن النظام الدولي لا يقوم على النصوص القانونية وحدها. والأهم أنها كشفت عمق اندماج أوروبا في البنية العسكرية الأمريكية. فبعد ثلاث سنوات من تعبئة الموارد، لا تزال دول القارة تعتمد على الولايات المتحدة في الردع النووي والاستخبارات والطيران الاستراتيجي وأنظمة الدفاع الصاروخي والأقمار الصناعية، وحتى في مشتريات السلاح. وتشير بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام إلى أن واردات السلاح لدى الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو بين 2020 و2024 تضاعفت أكثر من مرتين مقارنة بالفترة 2015-2019، وأن 64% من هذه الواردات جاءت من الولايات المتحدة. بكلمات أخرى، بدأت أوروبا إعادة التسلح، لكن قسطاً كبيراً من هذا المسار يعزز المجمع الصناعي العسكري الأمريكي أكثر مما يبني استقلالية أوروبية فعلية.

تتضاعف أهمية هذه المعادلة في ظل التحول الذي رسخه الرئيس الأمريكي ترامب، إذ انتقلت السياسة الخارجية الأمريكية من خطاب القيادة الأيديولوجية إلى منطق الصفقة الصارمة. لم تعد واشنطن ترى نفسها “حارسة النظام” كما في السابق، بل طرفاً يفرض شروطه ويعيد توزيع الأكلاف ويستخدم الضغط الاقتصادي بالقدر نفسه الذي يستخدم فيه أدوات القوة العسكرية والدبلوماسية. يكفي النظر إلى السياسة التجارية في الأشهر الأخيرة. فرغم الاضطرابات القانونية الجزئية حول الرسوم الجمركية، واصلت إدارة ترامب استخدام التعرفة أداةً للإكراه الجيوسياسي. وقد اضطر الاتحاد الأوروبي في 2025 إلى قبول اتفاق إطاري يتضمن رسوماً أمريكية بنسبة 15% على معظم السلع الأوروبية، فيما بقيت الرسوم أعلى على الصلب والألمنيوم وبعض السلع الحساسة. وفي فبراير 2026، جاءت موجة جديدة من الرسوم والزيادات المؤقتة لتؤكد أن التحالف لا يلغي الضغط الاقتصادي، بل يعيد تشكيله.

الخلاصة الأولى واضحة: لم يعد بإمكان أوروبا أن تبني استراتيجيتها على افتراض أن الولايات المتحدة “ستأتي في اللحظة الحرجة وتحل كل شيء”. قد تأتي. وقد ترسل الفاتورة. قد تدعم. وقد تطالب بتنازلات في التجارة والطاقة والقطب الشمالي والمعايير الصناعية والتنظيم الرقمي وصفقات الدفاع. بالنسبة لترامب، السياسة الخارجية ليست منظومة التزامات طويلة الأمد، بل سوق مفتوحة للمساومة والضغط. وهنا يكمن الانفصال الجذري عن المرحلة التي نشأت فيها أجيال كاملة من النخب الأوروبية.

ومع ذلك، فإن الخطاب التبسيطي عن “أفول أوروبا” لا يصمد أمام الوقائع. أوروبا لا تتفكك ولا تتحول إلى متحف سياسي. بل أظهرت السنوات الأخيرة أن النظام الأوروبي، تحت الضغط، قادر على التحرك أسرع مما توقع منتقدوه. فقد بلغت النفقات الدفاعية الإجمالية لدول الاتحاد في 2024 نحو 343 مليار يورو، مع توقعات بارتفاعها إلى 381 مليار يورو في 2025، أي ما يعادل نحو 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا يعني زيادة سنوية بنحو 11%، وارتفاعاً يقارب 63% مقارنة بعام 2020. كما تدفع المفوضية الأوروبية بخطة “إعادة تسليح أوروبا / الجاهزية 2030”، التي تستهدف تعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو عبر مرونة مالية أكبر، وأداة ائتمانية بقيمة 150 مليار يورو، وتعزيز دور بنك الاستثمار الأوروبي، وتشجيع المشتريات المشتركة. بعبارة صريحة، بدأت أوروبا تدفع ثمن أمنها بالأرقام لا بالشعارات.

غير أن المال وحده لا يصنع الفعالية الاستراتيجية. وهنا يبدأ النقاش الأكثر إيلاماً. لعقود، بنت أوروبا فضاءً ما بعد تاريخي يقوم على المعايير والإجراءات والتسويات وقوة التنظيم. لكن في عالم تعود فيه مناطق النفوذ بالقوة، لا تكفي اللوائح. يمكن أن تكون عملاقاً في صياغة المعايير ومتأخراً في إنتاج الذخيرة. يمكن أن تقود أجندة المناخ وتعتمد في الوقت نفسه على الخارج في مكونات عسكرية حساسة. يمكن أن تتحدث عن القيم فيما مخازنك الدفاعية محدودة وقدراتك الصناعية العسكرية غير مهيأة لحرب طويلة. هذا التناقض بين الطموح المعياري والقاعدة المادية هو جوهر الأزمة الأوروبية الراهنة.

يزيد المشهد تعقيداً السياق الاقتصادي. ففي ربيع 2025 خفضت المفوضية الأوروبية توقعات النمو إلى 1.1% للاتحاد و0.9% لمنطقة اليورو، مشيرة إلى أن الرسوم الأمريكية وحالة عدم اليقين التجاري من أبرز أسباب التراجع. وهنا المفارقة الكبرى: أوروبا مطالبة بإعادة التسلح، وتمويل أوكرانيا، والحفاظ على التزاماتها الاجتماعية، وإعادة هيكلة قطاعي الطاقة والصناعة، والتكيف مع الضغط الاقتصادي الأمريكي، وكل ذلك في ظل نمو بطيء وتكلفة اقتراض مرتفعة واستقطاب سياسي داخلي. أي أن الاستقلال الاستراتيجي يولد في مناخ اقتصادي صعب، لا في زمن الرفاه.

مع ذلك، أظهرت الأزمة الأوكرانية حقيقة غالباً ما تُغفل: حين تنسحب الولايات المتحدة جزئياً، لا تصاب أوروبا بالشلل بالضرورة. فقد ارتفعت المساعدات الأوروبية لأوكرانيا في 2025 بشكل ملحوظ، إذ زادت المساعدات العسكرية بنسبة 67%، والمالية والإنسانية بنسبة 59% مقارنة بمتوسط الأعوام 2022-2024. صحيح أن هذا لم يعوض بالكامل تراجع الدعم الأمريكي، إذ بقي إجمالي الدعم العسكري أقل بنحو 13% من متوسط السنوات السابقة، لكن الرسالة السياسية واضحة: أوروبا قادرة على تحمل عبء أكبر مما اعتادت. السؤال لم يعد عن القدرة، بل عن الاستدامة والحجم.

تقف أوروبا اليوم عند مفترق طرق تاريخي. إذا أرادت أن تكف عن كونها بساطاً مريحاً تسير عليه القوى الكبرى، فعليها التخلي عن ثلاث عادات قديمة. أولاً، الخلط بين الثراء والقوة. فالثراء بلا حماية رصيد قابل للابتزاز. ثانياً، دفن القرارات الاستراتيجية تحت ركام الإجراءات البيروقراطية، لأن البطء في زمن التنافس الصلب يتحول إلى شكل من أشكال نزع السلاح الذاتي. ثالثاً، الاعتقاد أن الزمن يعمل دائماً لصالحها. الواقع أن الزمن يعاقب المترددين: من لا ينتج، ولا يستثمر، ولا يوحد مشترياته، ولا يبني سلاسله التكنولوجية، يتراجع.

المطلوب من أوروبا ليس مجرد رفع الإنفاق، بل إعادة تعريف السيادة في القرن الحادي والعشرين. السيادة اليوم تعني القدرة على إنتاج الذخيرة بالكميات المطلوبة. تعني حماية السماء. تعني الاستعداد لحرب استنزاف إن فُرضت. تعني الصمود تحت ضغط العقوبات والرسوم والطاقة. وتعني قبل كل شيء عدم الارتهان الحاسم لراعٍ خارجي واحد، حتى وإن بقي هذا الراعي حليفاً رسمياً.

الطريق لن يكون سهلاً. فقد عاشت أوروبا طويلاً على رصيد تاريخي وفرته لها القوة الأمريكية وهندسة الأمن ما بعد الحرب العالمية الثانية. اليوم يُغلق ذلك الرصيد. وسيتعين عليها أن تدفع بنفسها. غير أن في هذه اللحظة الصعبة تكمن فرصتها الحقيقية. ليس في الحنين إلى عالم قديم، ولا في انتظار من يحرسها من جديد، بل في الانتقال المؤلم من رفاهية حضارية إلى نضج استراتيجي.

أفضلية الصين وثمن الطمأنينة الأوروبية الطويلة.

إذا أزلنا الضجيج الإعلامي ونظرنا إلى الحصيلة الاستراتيجية الجافة للأعوام الأخيرة، تتضح الصورة بلا لبس: المستفيد غير المباشر الأكبر من الحرب الأوكرانية كان الصين. ليس لأن بكين حققت نصراً عسكرياً مدوياً، ولا لأنها فرضت أيديولوجيا جديدة على العالم، بل لأنها أتقنت فن استثمار إنهاك الآخرين. فيما انخرطت روسيا في صراع مكلف وطويل، ووجدت أوروبا نفسها تحت ضغط أمني واقتصادي مزدوج، وبدأت الولايات المتحدة في عهد ترامب تتحدث مع حلفائها بلغة الصفقة لا الشراكة، عززت الصين ميزتها الأهم: القدرة على الانتظار، وتكديس الموارد، وتوسيع الأسواق، وتحويل اعتماد الآخرين إلى أوراق نفوذ بيدها.

من هنا تبدو أحاديث “محور سلطوي موحد” أقرب إلى تبسيط مخل. الواقع ليس كتلة صلبة من لاعبين متساوين، بل شبكة من اختلالات القوة، تتقدم فيها الصين تدريجياً بوصفها الشريك الأكبر، فيما تنزلق روسيا إلى موقع الشريك التابع. بالنسبة لبكين، تمثل موسكو اليوم مصدراً للمواد الخام، وسوقاً واسعة للمنتجات الصناعية الصينية، وأداة ضغط جيوسياسي على الغرب، وأصلاً دبلوماسياً يمكن توظيفه من دون تحمل العبء الأكبر للكلفة العسكرية والمالية. بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2024 مستوى قياسياً عند 244.8 مليار دولار. لكن خلف هذا الرقم اللافت يكمن اختلال متزايد: روسيا تغرق أكثر في الاعتماد على الأسواق الصينية والبنية المالية واللوجستية والتكنولوجية الصينية، فيما تتسع هوامش الحركة أمام بكين. لم يعد الأمر شراكة متكافئة، بل علاقة يميل ميزانها بوضوح.

الأهم أن الصين حولت الأزمة الأوكرانية إلى رافعة لتوسيع نفوذها الخارجي. كثيرون في أوروبا سارعوا إلى إعلان مبادرة “الحزام والطريق” مشروعاً متعباً فقد زخمه، لكن الأرقام تقول العكس. في 2025 سجلت المبادرة نحو 128.4 مليار دولار في عقود الإنشاء، و85.2 مليار دولار في الاستثمارات. ولم يعد الحديث مقتصراً على طرق وموانئ وجسور، بل امتد إلى الطاقة، وصناعة البطاريات، والبنية الرقمية، والمجمعات الصناعية، والممرات اللوجستية طويلة الأمد. تجاوز الحجم التراكمي للنشاط ضمن هذا الإطار 1.3 تريليون دولار. هذا يعني أن بكين لا تكتفي بالحضور في أوراسيا وأفريقيا وأجزاء من أميركا اللاتينية، بل تعيد ربط هذه المناطق بمنظومتها الاقتصادية بشكل منهجي.

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الاستراتيجية الصينية والنهج الروسي. موسكو سعت إلى تغيير البيئة الدولية بالضغط العسكري والصدمات وكسر التوازنات القائمة. أما بكين فتعيد تشكيل البيئة ذاتها عبر الاستثمار والتجارة وبناء الاعتمادات المتبادلة والسيطرة على سلاسل الإمداد والتغلغل في البنى التحتية الحيوية. المسار أبطأ، لكنه أكثر فاعلية على المدى البعيد. الصين لا تحتاج إلى نصر عسكري مباشر كي تعزز موقعها. يكفي أن ينفق خصومها أكثر، ويتنازعوا فيما بينهم، ويستنزفوا ميزانياتهم، ويضعف تماسكهم الداخلي. هذه هي البيئة التي أفرزتها الحرب الأوكرانية. روسيا تضعف من دون أن تنهار. أوروبا تقلق من دون أن تعيد بناء نفسها بسرعة. الولايات المتحدة تنشغل من دون أن تنسحب كلياً. وفي الأثناء، تحصل الصين على الوقت والمساحة وأدوات التأثير.

في ملف تايوان أيضاً، تتحرك بكين ببرود استراتيجي يتجاوز الخطاب التحذيري السائد. لم تستغل الأزمة الأوكرانية لشن عملية عسكرية خاطفة ضد الجزيرة، رغم أن توقعات كثيرة في 2022 و2023 رجحت ذلك. هذا ليس دليلاً على تردد، بل على حساب دقيق. القيادة الصينية تدرك أن الزمن، حتى الآن، يميل لصالحها. صحيح أن النشاط العسكري حول تايوان تصاعد، وأن عام 2025 شهد تكثيفاً لعمليات في محيط المضيق، حيث شاركت في مناورات أبريل 135 طائرة و38 سفينة، لكن بكين ما زالت تتجنب خطوة قد تفتح باب عقوبات قاسية، وتفكك جزءاً من تجارتها الخارجية، وتربك تدفقات المال وسلاسل الشحن البحري.

الصين اليوم ليست في وارد مغامرة قد تهز استقرارها الاقتصادي في مرحلة دقيقة. اقتصادها لم ينهَر كما توقع بعض المعلقين الغربيين، لكنه لم يعد إلى ديناميته السابقة بلا منغصات. سجل النمو في 2025 نحو 5%، مع توقعات بتباطؤ إلى 4.4% في 2026. قطاع العقارات لا يزال يعاني، والمستهلك الداخلي يميل إلى الادخار أكثر من الإنفاق. الرسالة واضحة: بكين تحتاج إلى إدارة دقيقة للمخاطر، لا إلى حرب واسعة. تريد تعزيز نفوذها من دون قطع جذري مع أكبر أسواقها، ومنها الأوروبية. لذلك تعتمد سياسة ضغط محسوب: استعراض قوة، ضغط نفسي ودبلوماسي، لكن من دون عبور الخط الذي يجعل الكلفة باهظة حتى عليها.

أما أوروبا، فتجد نفسها في موقع بالغ الصعوبة. ليس لأنها الأضعف اقتصادياً، بل لأنها عاشت طويلاً في مناخ راحة استراتيجية. أقنعت نخبها نفسها بأن الترابط الاقتصادي العميق يقلل احتمالات الصراع، وأن التجارة تليّن الأنظمة السلطوية، وأن المظلة الأمنية الأمريكية ستُفتح في كل الأحوال. الوقائع نسفت هذه الافتراضات الثلاثة. روسيا أظهرت أن التجارة لا تمنع اللجوء إلى القوة. الولايات المتحدة بيّنت أن التحالف لا يعني حماية مجانية. الصين تؤكد أن الترابط الاقتصادي قد يتحول إلى اعتماد طويل الأمد.

اليوم تواجه أوروبا ضغوطاً من كل الجهات. شرقاً، أزمة عسكرية تفرض إعادة تسلح مكلفة وانضباطاً سياسياً. غرباً، سياسة أمريكية تعامل الأمن كبند قابل للتسعير. وعلى المستوى العالمي، شريك صيني لا تستطيع أوروبا فك ارتباطها به سريعاً من دون أذى اقتصادي بالغ. في 2024 صدّر الاتحاد الأوروبي إلى الصين ما قيمته 213.2 مليار يورو، فيما استورد منها 519 مليار يورو، بعجز تجاوز 300 مليار يورو. هذه ليست أرقاماً مجردة، بل مؤشر على عمق اندماج أوروبا في المنظومة الصناعية والتجارية الصينية، حتى وهي ترفع شعار “خفض المخاطر”.

ولم تعد مسألة الاعتماد مقتصرة على الصين. بعد صدمة الطاقة في 2022، انكشف شكل آخر من الهشاشة: الاعتماد التكنولوجي. إذا كان النفط والغاز الروسيان عقدة الأمس، فإن المنصات الرقمية الأمريكية والخدمات السحابية وبرمجيات الذكاء الاصطناعي هي عقدة اليوم. الشركات الأمريكية تهيمن على طبقات حيوية من البنية الرقمية، فيما تتأخر أوروبا عن الولايات المتحدة والصين في توسيع منصاتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وفي الاستثمار في البنية السحابية، وفي تحويل الابتكار إلى قوة تجارية. المعادلة واضحة: أوروبا خرجت من تبعية طاقية لتجد نفسها أمام تبعية تكنولوجية قد تكون أعمق وأطول أثراً.

لهذا السبب لم يعد الحديث عن “الاستقلال الاستراتيجي” مجرد صيغة بروكسلية أنيقة تتردد في البيانات الختامية. لقد تحول إلى مسألة بقاء ونضج سياسي. لكن لا مجال للخداع الذاتي: الاستقلال لا يُولد من التصريحات والقمم والمفاهيم المصقولة. إنه يحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد، وسياسات صناعية واضحة، وتنسيق عابر للحدود، وقرارات مالية مؤلمة، وتعبئة تكنولوجية شاملة، وقبل كل شيء إلى تحطيم النموذج النفسي القديم الذي اعتبرت فيه أوروبا نفسها مركزاً للمعايير من دون أن تكون مركزاً مكتملاً للقوة. الصين كسبت أفضلية لأنها تفكر منذ زمن بعيد بمنطق المسافة الطويلة: سلاسل الإنتاج، الأسواق، البنى التحتية، وشبكات الاعتماد المتبادل. أما أوروبا فظلت طويلاً أسيرة عالم ما بعد التاريخ، حيث كان يُعتقد أن القواعد ستعمل تلقائياً، وأن القوة الصلبة شأن يخص الآخرين.

من هنا لا يصح تصوير المرحلة الراهنة على أنها “أفول نهائي لأوروبا”، ولا باعتبارها “انتصاراً كاملاً للعالم السلطوي”. الصورة أعقد من ذلك، وبالتالي أخطر. روسيا تستنزف. الولايات المتحدة تعيد تسعير قيادتها. الصين تتقدم، لكنها تفعل ذلك بحساب وحذر، مدركة حدود المخاطرة. أما أوروبا فتدفع ثمن سنوات من الخفة الاستراتيجية. مشكلتها اليوم ليست نقص المال ولا غياب المؤسسات، بل عجز في النضج الجيوسياسي. إذا تمكنت من تحويل الصدمة الحالية إلى إعادة تصنيع، وتوحيد تكنولوجي، واستقلال دفاعي فعلي، فقد يصبح هذا المنعطف لحظة إعادة إطلاق. أما إذا أخفقت، فستترسخ نهائياً كمساحة يتنازع عليها الآخرون. وعندها سيتحول أي تقدم صيني، وأي ضغط أمريكي، وأي أزمة شرقية إلى نقطة ضعف أوروبية تلقائية.

صعود أوروبي جديد أم مهلة أخيرة.

دخلت أوروبا مقطعاً تاريخياً لم تعد فيه العطالة القديمة كافية، فيما الاستراتيجية الجديدة لا تزال قيد التكوين. الأهم ليس أن الأوروبيين بدأوا يتحدثون عن إعادة التسلح والسيادة التكنولوجية والاستقلال الاستراتيجي، بل أن مشروع اللحاق قد انطلق فعلياً. السؤال لم يعد هل هو ضروري، بل هل تملك أوروبا الإرادة السياسية لإنجازه حتى النهاية. فهي مطالبة باللحاق في الدفاع، والصناعة العسكرية، والطاقة، والبنية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ورأس المال، وسرعة اتخاذ القرار، بل وحتى في مسألة أكثر حساسية: الفاعلية السياسية نفسها.

في السنوات الماضية، عاشت أوروبا طويلاً على عوائد مجدها السابق. بقيت ثرية، متقدمة مؤسسياً، ومؤثرة معيارياً، لكنها فقدت تدريجياً قدرتها على تحويل وزنها الاقتصادي إلى قوة جيوسياسية سريعة التأثير. وهنا يكمن جوهر أزمتها. ما يزال الاتحاد الأوروبي أحد أكبر المراكز الاقتصادية في العالم، إذ بلغ ناتجه المحلي في 2024 نحو 19.5 تريليون دولار وفق بيانات البنك الدولي. إنها كتلة اقتصادية هائلة، وقاعدة صناعية وعلمية ومالية ضخمة. غير أن دراما اللحظة الراهنة تكمن في حقيقة بسيطة: الكتلة الاقتصادية وحدها لم تعد كافية. في عالم يعود فيه خطاب الضغوط، والتكتلات، والرسوم الجمركية، والعقوبات، والردع العسكري، والمنافسة التكنولوجية الحادة، يصبح الثراء بلا جاهزية استراتيجية ضمانة ناقصة للأمن.

لهذا لم يعد الحديث عن نهوض أوروبي جديد تنظيراً أكاديمياً. إنه مسألة بقاء سياسي. في 2024 بلغت نفقات الدفاع لدول الاتحاد 343 مليار يورو، ومع توقعات بارتفاعها إلى 381 مليار يورو في 2025، أي بزيادة 11% عن العام السابق ونحو 63% مقارنة بعام 2020. وارتفعت حصة الدفاع إلى 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي. الأرقام الجافة تقول شيئاً واحداً: أوروبا بدأت أخيراً تدفع ثمن أمنها نقداً، لا بالاكتفاء بخطاب القيم والقانون الدولي. أكثر من ذلك، تدفع المفوضية الأوروبية ببرنامج “إعادة تسليح أوروبا / الجاهزية 2030” الذي يستهدف تعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو لتعزيز الإنتاج الدفاعي والمشتريات المشتركة والاستعداد العسكري.

غير أن المال لا يصنع القوة تلقائياً. أوروبا لا تزال مجزأة سياسياً، بطيئة مؤسسياً، ومعتمدة على ركائز خارجية بدرجات مختلفة. من دون تقارب حقيقي بين الدول الأوروبية الكبرى، خصوصاً في التخطيط الدفاعي، والتعاون الصناعي، والسياسة التكنولوجية، والقرارات المالية، قد يبقى التحول الحالي ناقصاً. لقد تعلمت أوروبا درساً قاسياً: الاستقلال الاستراتيجي لا ينبثق من البيانات الختامية ولا من الصيغ البلاغية، بل من مصلحة سياسية مشتركة، وانضباط في الموارد، واستعداد للتخلي عن جزء من الأنانية الوطنية لصالح نتيجة جماعية.

المفارقة أن الضغوط الخارجية هي التي دفعت أوروبا إلى قدر من الحسم لم تكن لتبلغه في زمن الراحة. الحرب الروسية-الأوكرانية حطمت ما تبقى من وهم أن القارة دخلت عصراً خالياً من الحروب الكبرى وإعادة ترسيم الخرائط بالقوة. وسياسة الرئيس الأمريكي ترامب أنهت وهماً أوروبياً آخر: وهم الحماية الأمريكية التلقائية وغير المشروطة وشبه المجانية. واشنطن باتت تنظر إلى التزاماتها التحالفية من زاوية الربح والكلفة والحسابات التبادلية. بالنسبة لأوروبا كان ذلك صفعة قاسية، لكن مثل هذه الصفعات تتحول أحياناً إلى صدمة كهربائية تاريخية تعيد إحياء غريزة البقاء.

السؤال اليوم يُطرح بلا مواربة: إما أن تحوّل أوروبا الأزمة الراهنة إلى لحظة إعادة تشغيل، وإما أن تترسخ كمساحة تتحرك فوقها قوى أكثر صلابة وتنظيماً. القارة اختبرت بالفعل معنى أن تكون بين عدة مراكز ضغط في آن واحد. شرقاً، خطر عسكري يستدعي دعماً طويلاً لأوكرانيا. غرباً، ضغط أمريكي يتخذ أشكالاً تجارية وتكنولوجية وسياسية. وعلى المستوى العالمي، صعود صيني لا يمكن فك الارتباط به سريعاً، ولا الاستمرار في الارتهان له كما في السابق. هذا الواقع هو ما يدفع الأوروبيين إلى مقاومة انزلاقهم نحو الهامشية. قبل سنوات قليلة، كان تعبير “النضج الاستراتيجي الأوروبي” يبدو أقرب إلى صيغة أكاديمية. اليوم أصبح مهمة عملية.

لكن من الخطأ الاعتقاد أن النهوض يمكن أن يقوم على الخوف وحده. الخوف يحشد، لكنه لا يبني مشروعاً طويل الأمد. إذا أرادت أوروبا فرصة حقيقية لصعود جديد، فهي بحاجة إلى برنامج إيجابي. وما تزال تمتلك نقاط قوة لا يملكها كثير من منافسيها: جودة المؤسسات، مستوى التعليم، قاعدة بحثية متقدمة، صناعة متطورة، خبرة في التكامل، بيئة قانونية مستقرة نسبياً، بنية اجتماعية متماسكة، وقدرة على إنتاج حلول تكنولوجية معقدة. المشكلة ليست في غياب الموارد، بل في عجز طويل عن توظيفها كحزمة جيوسياسية واحدة.

وتتجلى أهمية هذا التحول في العلاقة مع بلدان الجنوب العالمي. هنا أيضاً تنتهي مرحلة الثقة الأخلاقية المفرطة. العالم تغير بسرعة. دول مثل الهند وإندونيسيا ونيجيريا والمملكة العربية السعودية والبرازيل وجنوب أفريقيا وفيتنام والمكسيك وتركيا لم تعد تقبل دور الهامش في استراتيجيات الآخرين. هذه الدول تفاوض، وتوازن بين الشركاء، وتلتقط التكنولوجيا والاستثمار حيث تجد المصلحة، وتستمع أقل فأقل إلى الدروس السياسية القادمة من الخارج. تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان نيجيريا قد يقترب من 400 مليون نسمة بحلول منتصف القرن، فيما أصبحت الهند الدولة الأكثر سكاناً في العالم. هذه ليست أطرافاً ثانوية، بل أوزان ديموغرافية واقتصادية وسياسية صاعدة.

بالنسبة لأوروبا، الدرس واضح: لا يمكن منافسة الصين في هذه الساحات بخطاب الوعظ. بكين تعرض بنى تحتية، وقروضاً، وطرقاً، وموانئ، وصناعة، وشبكات رقمية، وقرارات سريعة. أوروبا كثيراً ما تعرض محاضرات وإجراءات مطولة وتربية قيمية. العصر تبدل. هذا لا يعني التخلي عن المبادئ أو تجاهل قضايا الاستبداد وحقوق الإنسان وضعف المؤسسات. لكنه يعني أن السياسة الخارجية لا يمكن أن تُدار من موقع التعالي. إذا أرادت أوروبا الحفاظ على نفوذها، فعليها أن تتقن لغة المنفعة المتبادلة، والاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وفتح الأسواق، والتبادل الاقتصادي الفعلي.

بكلمات أخرى، النهوض الأوروبي المحتمل لن يُقاس فقط بعدد الدبابات والقذائف ومليارات الدفاع. سيُقاس بقدرة القارة على التحول من قارة مطمئنة إلى ماضيها إلى قارة منضبطة نحو مستقبلها. هل تستطيع التفكير بالمصالح إلى جانب المعايير، وبالقوة إلى جانب القواعد، وبالإنتاج إلى جانب الحقوق، وبالاستراتيجية إلى جانب السوق.

وفي الوقت نفسه، يجب ألا تقع في تطرف معاكس، فتقلد خشونة إمبراطوريات أخرى. لن تصبح أوروبا أقوى إذا تحولت إلى نسخة باهتة من الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا. قوتها تكمن في الجمع بين الأفق الطويل، والاستقرار المؤسسي، والكتلة الاقتصادية، والعقلانية السياسية. غير أن تحقيق ذلك يقتضي التخلص من خطرين معاً: الاسترخاء القديم، والذعر الجديد. الأول كلفها كثيراً، والثاني يشل الحركة.

القارة العجوز ليست محكومة بأن تكون قارة متقادمة. لكنها لن تُمنح حق النهوض تلقائياً. عليها أن تنتزعه بإرادة سياسية، وتعبئة صناعية، وتقارب داخلي، ومراجعة صريحة لأخطائها. في عالم تعلو فيه نبرة الإمبراطوريات، لن تحتفظ أوروبا بثقلها إلا إذا تعلمت أن تتصرف كقوة، لا كتعليق على قوة الآخرين. هنا تكمن مفترق اللحظة الراهنة: إما أن تصبح أحد أقطاب العالم الجديد، وإما أن تبقى ساحة يتفاوض الآخرون على مصيرها.