...

تحوّلت الحرب الشاملة التي تشنّها روسيا ضد أوكرانيا إلى واحدة من أطول وأقسى حروب القرن الحادي والعشرين. لكن الأهم من طولها وقسوتها أنها غيّرت خلال سنوات قليلة فقط قواعد الاشتباك الحديثة نفسها. في عام 2022 كان كثيرون ما زالوا يفكّرون بمنطق “الأرتال”، و”الاختراقات العملياتية”، و”أوتاد الدروع المدرعة”. أمّا مع مطلع عام 2026 فقد تبدّلت الصورة بالكامل: ساحة المعركة أصبحت شفافة، كل حركة مرصودة، كل خطأ يُدفع ثمنه فوراً، والطائرات المسيّرة تحوّلت إلى الأداة الحاسمة في التكتيك والاستطلاع والضربات الكثيفة.

السؤال لم يعد فقط كم ستستمر هذه الحرب، بل أين ستندلع معاركها الكبرى، وبأي موارد سيصمد الطرفان، وبأي أدوات سيحاول كل منهما قلب الطاولة.

العام الخامس سيكون عام المفترق الحاسم. ليس لأن أحداً “تعب” أو “تراجع”، بل لأن لكل حرب كبرى حدوداً صلبة: حدود الموارد، وحدود نوعية الأفراد، وحدود الاقتصاد، وحدود قدرة المجتمع على الاحتمال. وفي عام 2026 ستبدأ هذه الحدود بالظهور بصورة أكثر قسوة. في الوقت نفسه لم تعد منطقية القتال تشبه حروب مطلع القرن الحادي والعشرين التقليدية، ولا عمليات “مكافحة الإرهاب” في العقود السابقة. لا عمق آمناً هنا. لا ظهر جبهة نظيفاً. حتى مسافة عشرة أو عشرين كيلومتراً عن خط التماس قد تكون منطقة خطر دائم.

إلى متى يمكن أن تستمر الحرب؟

الخلاصة التي تتردّد اليوم في تقديرات أجهزة الاستخبارات الأوروبية واضحة وقاسية: فرص إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في الأشهر المقبلة ضئيلة للغاية، والمفاوضات تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى إدارة شكلية للأزمة منها إلى مسار حقيقي للتسوية. التركيز ينصب على أن موسكو لا تُظهر استعداداً لسلام يقوم على التسوية، بل تسعى إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية التي لم تتغيّر.

ينبغي قول ذلك بصراحة. حين يُذكر لفظ “السلام” علناً فهو يعني أشياء مختلفة تماماً لكل طرف. روسيا تصرّ على سلام بشروطها، وتضع في مقدمة مطالبها انسحاب الجيش الأوكراني من أراضي مقاطعة دونيتسك. في المقابل تعلن كييف استعدادها لمواصلة القتال وترفض التخلّي طوعاً عن دونباس. أمّا الولايات المتحدة، ووفق ما صرّح به الرئيس الأوكراني Volodymyr Zelenskyy، فتسعى إلى إنهاء الحرب قبل شهر يونيو من هذا العام وتمارس ضغوطاً على كييف في هذا الاتجاه.

زيلينسكي قالها بوضوح: الجانب الأمريكي يقترح إنهاء الحرب قبل بداية الصيف، ومن المرجّح أن يدفع الأطراف وفق هذا الجدول الزمني. لماذا قبل هذا الصيف تحديداً؟ لأن الملفات الداخلية في الولايات المتحدة تؤثر في إيقاع السياسة الخارجية، وقد تصبح أكثر إلحاحاً مع حلول الصيف.

في هذا السياق تبدو التقديرات الغربية لقدرة روسيا على مواصلة الحرب براغماتية إلى حد القسوة. السيناريو الذي يوصف بأنه “الأمثل” لروسيا يتحدث عن 18 شهراً إضافياً من القتال ونحو 500 ألف ضحية إضافية مقابل السيطرة على ما تبقى من 20 في المئة من دونباس الخاضعة حالياً لسيطرة أوكرانيا. أمّا السيناريو الأسوأ فيمتد إلى أربع سنوات أخرى ونحو مليوني ضحية.

هناك أيضاً معطى صلب يتعلق بأوكرانيا: الحاجة إلى تعبئة ما لا يقل عن 250 ألف مجند إضافي لاحتواء الهجوم الروسي. المنطق هنا بسيط ومباشر: التفوق العددي للجيش الروسي يُعدّ أحد أبرز أوراق الكرملين.

مع ذلك يؤكد القادة العسكريون الأوكرانيون علناً امتلاكهم الموارد اللازمة لمواصلة الدفاع، شرط استمرار دعم الشركاء. قائد الحرس الوطني الجنرال أولكسندر بيفنينكو شدد على أن قوات الدفاع قادرة على الصمود عاماً أو عامين إضافيين، بطبيعة الحال بدعم أوروبي وأمريكي.

الواقعية التي تطغى على تقديرات معظم المحللين العسكريين تقول إن احتمال انتهاء الحرب فعلياً في عام 2026 ضعيف للغاية. لكن بعضهم يطرح فرضية أن يكون عام 2026 آخر أعوام القتال النشط في هذا الصراع. ليست المسألة معجزة مفاجئة، بل تراكم عوامل استنزاف بنيوية قد تدفع نحو نقطة تحوّل.

لماذا قد يكون عام 2026 عاماً فاصلاً حتى لو لم تنتهِ الحرب؟

مفارقة حروب الاستنزاف أنها نادراً ما تنتهي وفق التقويم. تنتهي حين يفقد أحد الأطراف القدرة على الحفاظ على الجبهة بذات الجودة، لا من حيث العدد فقط، بل من حيث القيادة، والإمداد، والدورات القتالية، والمعنويات، والدعم التقني. قد تبقى الجنود والآليات، لكن يختفي تماسك المنظومة.

لهذا يبدو الحديث عن “الفرصة الأخيرة” في أحيان كثيرة توصيفاً بارداً لحدود الإمكانات لا شعاراً دعائياً. هناك من جهة زخم حرب يصعب كبحه، ومن جهة أخرى مشاكل متراكمة: تراجع نوعية العناصر، ضغط اقتصادي متزايد، اهتراء المعدات، نقص الوقت لتدريب وحدات جديدة، إرهاق مجتمعي. هذه العوامل لا تُنهي الحرب فجأة، لكنها تغيّر إيقاعها.

في عام 2026 ستصبح هذه العمليات أكثر وضوحاً لسببين رئيسيين. الجبهة مشبعة بوسائل الرصد والضرب، ما يجعل الهجمات الكلاسيكية مكلفة إلى حدٍّ بالغ. والمعركة لم تعد صراع “حديد” فحسب، بل صراع بشر أيضاً: مشغلو المسيّرات، وأطقم المدفعية، والفنيون، وفرق الصيانة، وعناصر الاتصالات، أي العمود الفقري للحرب الحديثة.

أين ستدور المعارك الكبرى؟

انتشار القوات مطلع 2026 يشير إلى أن القيادة الروسية تراهن على تحقيق اختراق في اتجاهين رئيسيين، حيث تتمركز تشكيلات كبيرة من عدة جيوش ميدانية. هذان الاتجاهان يبدوان أولوية حملة الربيع والصيف.

الاتجاه الأول: شمال مقاطعة دونيتسك، خط بوكروفسك – ليمان.

الهدف الأول لموسكو خلال العام المقبل هو شمال مقاطعة دونيتسك، أي الشريط الممتد من بوكروفسك إلى ليمان. في قلب هذه المنطقة يقع ما يُعرف بـ”حزام الحصون” الأوكراني: سلافيانسك، كراماتورسك، دروجكيفكا، كوستيانتينيفكا.

ليست مجرد مدن على الخريطة. إنها منظومة دفاع وبنية تحتية وشبكة لوجستية وركيزة صناعية ونقل إقليمي. اختراق هذا “الحزام” يعني فتح الطريق للتقدم اللاحق، وتوجيه ضربة سياسية أيضاً، لأن هذه المدن أصبحت رمزاً لصمود الدفاع الأوكراني في دونباس.

التقديرات تشير إلى أن روسيا تعتزم حشد ما لا يقل عن 200 إلى 250 ألف عسكري للسيطرة على هذه المنطقة. بالتوازي تحاول موسكو الحصول على هذه الأراضي “بالوسائل الدبلوماسية”، إذ يبقى انسحاب القوات الأوكرانية من الجزء الخاضع لسيطرتها في مقاطعة دونيتسك مطلباً روسياً رئيسياً وعقبة مركزية أمام أي مفاوضات جدية.

على مستوى الأرقام تبدو الصورة دقيقة كذلك. نحو 21.5 في المئة من مقاطعة دونيتسك ما زالت تحت سيطرة القوات الأوكرانية. وإذا ما استمرت وتيرة عام 2025، فإن السيطرة الكاملة على المقاطعة قد تحتاج إلى ما لا يقل عن 742 يوماً، أي قرابة عامين.

تفصيل مهم: حتى في المناطق التي تتقدم فيها القوات الروسية، فإنها تدفع ثمناً باهظاً من الوقت والرجال والعتاد. بل إن ثمة تقديرات تشير إلى أن الجيش الروسي بدأ يخرج عن الجدول المخطط له في محور بوكروفسك – ميرنوهراد، بعدما كان من المفترض السيطرة الكاملة على التجمع العمراني هناك بنهاية 2025. ومع حلول فبراير 2026 لا تزال القوات الأوكرانية تسيطر على الأطراف الشمالية للمدينتين.

هذا يعني أن صمود قوات الدفاع الأوكرانية قادر على إرباك خطط الكرملين للتقدم أعمق في دونيتسك. وهنا يبرز سؤال استراتيجي غالباً ما يُتجاهل في النقاشات العاطفية: إذا كان الخصم يتقدم ببطء شديد ويدفع ثمناً هائلاً مقابل كل كيلومتر، فهل من المنطقي تسليم الأرض لتقليل كلفته؟ من منظور عسكري يبدو السؤال أقرب إلى البلاغي. ففي حروب الاستنزاف قد يكون الأهم إرغام الخصم على مواصلة استنزاف موارده، لا البحث عن نهايات سريعة.

الاتجاه الثاني: أوريخيف – زابوريجيا.

الرهان الثاني في الهجوم الروسي يتجه نحو محور أوريخيف – زابوريجيا. القوات الروسية تحاول التقدّم من الجنوب والشرق للاقتراب من المدينة، فيما تنفّذ الوحدات الأوكرانية هجمات مضادة لإبطاء الزخم وكسر نسق التقدّم.

جغرافيا الخطر هنا تُقاس بالكيلومترات. “المنطقة الرمادية” باتت تقع على مسافة تتراوح بين 15 و25 كيلومتراً من الضواحي الجنوبية لزابوريجيا. في حرب اليوم، هذه المسافة لم تعد تمثل “حزام أمان”. إنها مساحة مكشوفة تتعرض فيها خطوط الإمداد، وعمليات الإجلاء، والدورات القتالية، والتعزيزات لضربات المسيّرات والمدفعية بشكل شبه يومي.

المحللون يرصدون مؤشرات على تحضير روسي لهجوم واسع في هذا الاتجاه: تعزيزات إضافية، إعادة تشكيل مجموعات قتالية، تحريك احتياطيات. الاستنتاج الذي يُتداول بوضوح أن معركة كبرى على زابوريجيا ومحيطها تبقى احتمالاً قائماً بقوة في المدى المنظور.

في المقابل، تتحدث تقديرات أخرى عن صعوبات تواجه القيادة الروسية في تنفيذ خططها الاستراتيجية. بعض التشكيلات التي كان يفترض أن تبلغ خطوط الانطلاق للعمليات الهجومية ما زالت عالقة في نطاقات تكتيكية، ولم تصل بعد إلى مواقعها المقررة.

من هنا يبرز طرح يزداد ثقلاً في عام 2026: فشل العمليات في دونيتسك وزابوريجيا قد يتحول إلى “الفرصة الأخيرة للكرملين” لفرض نهاية للحرب بشروطه. الرهان إذاً على اندفاعة كبيرة، لكن كلفتها قد تكون أعلى مما يمكن حتى لدولة اعتادت التعامل ببرود مع خسائرها البشرية أن تتحمّله.

لماذا لم تعد الهجمات الكلاسيكية تنجح؟

العام الأخير كشف عملياً استحالة تنفيذ هجمات تقليدية واسعة على هذا الخط من الجبهة. السبب بسيط ومباشر: المسيّرات جعلت ساحة القتال شفافة بالكامل. لم يعد ممكناً حشد أعداد كبيرة من المدرعات والقوات سراً لاختراق خط الدفاع. أي تركّز للقوة يُرصد سريعاً، وما يُرصد يُستهدف فوراً.

المحاولات المحدودة والفاشلة للاختراق في بعض مناطق مقاطعة دونيتسك عززت هذا الاستنتاج. زمن “الاندفاعة الجماعية” في ظل استطلاع دائم وضربات دقيقة بات محدوداً إلى حد بعيد.

الاختراق الكلاسيكي قد يحدث فقط في حال انهيار كامل على أحد المحاور، أي إذا “انكشف” الخط الأمامي وفقد تماسكه. حينها يغيب مشغلو الطائرات FPV، وتضعف المدفعية، وتتقطع الاتصالات، وتتعطل الدورات القتالية. في مثل هذا السيناريو فقط يمكن تصور انهيار سريع للدفاع.

لهذا تحديداً تحوّل عام 2025 إلى مختبر لتكتيك روسي جديد يوصف بـ”التسلل” أو “الهجوم الزاحف”.

تكتيك الهجوم الزاحف: الاستنزاف البطيء والخطير.

جوهر هذا التكتيك بسيط لكنه مرهق للطرف المدافع. مجموعات صغيرة من المشاة تتسلل تدريجياً إلى خلف المواقع الأوكرانية، غالباً عبر نقاط رخوة أو قطاعات أقل تحصيناً. هناك تتراكم، تنصب كمائن للأفراد والآليات، وتحاول قطع طرق الإمداد. لا نشاهد هنا مشهداً سينمائياً لاختراق مدرع، بل عملية قضم بطيئة للدفاع.

العنصر المضاعف لفعالية هذا الأسلوب هو المسيّرات. يتم استهداف المدفعية، ومواقع مشغلي الطائرات بدون طيار، والآليات. النتيجة أن الخسائر لا تقع فقط على خط الاشتباك، بل أيضاً في طرق الإمداد، وممرات الإخلاء، ونقاط التبديل. ومع الوقت يتآكل احتياطي المقاتلين، وتضطر الوحدات إلى التراجع أو التخلي عن مواقع محددة.

لكن لهذا الأسلوب كلفة مرتفعة أيضاً. هو أقل كلفة من هجوم مدرع واسع، لكنه يستهلك المشاة بوتيرة مستمرة ويتطلب ضغطاً دائماً وتدفقاً لا ينقطع لمجموعات جديدة، ولمشغلي مسيّرات، ولمعدات ووسائل دعم. إنه استنزاف للطرفين، لا عملية رخيصة الثمن.

العنصر البشري: عنق الزجاجة في حرب التكنولوجيا.

عام 2026 سيكون عام البشر بقدر ما هو عام الحديد. النوعية، والعدد، والقدرة على الإدارة باتت محددات مركزية. في حرب عالية التكنولوجيا يبقى الإنسان الحلقة الأضيق. يمكن زيادة إنتاج المسيّرات، وشراء المكوّنات، وتطوير الأنظمة، لكن لا يمكن خلال أشهر قليلة إنتاج آلاف المشغلين المدربين، وأطقم المدفعية، وخبراء الاتصالات، وفرق الصيانة، والضباط الصغار.

يحدث ذلك في ظل إرهاق مزمن، وخسائر متراكمة، ونقص في فترات الراحة، وتآكل نفسي طبيعي في حرب تدخل عامها الخامس. ميزان القوى يتحول تدريجياً إلى ميزان موارد بشرية وقدرة على التعبئة، لا مجرد تعداد على الورق.

المسألة لم تعد كم جندياً يقف في الخط، بل كم جندياً قادراً على الصمود في بيئة مكشوفة بالكامل، تحت ضربات مستمرة على اللوجستيات، مع ضرورة تشغيل منظومة مسيّرات على مدار الساعة.

كلفة حرب الاستنزاف.

قدّر هيئة الأركان الأوكرانية الخسائر الروسية في عام 2025 بنحو 418 ألف عسكري، مقابل نحو 421 ألفاً في عام 2024. موسكو لا تعلّق تقليدياً على أرقامها. لكن حتى لو اعتُبرت هذه الأرقام تقديرية، فإنها ترسم مقياساً واضحاً: مئات آلاف سنوياً، أي حرب تستهلك البشر كما لو كانوا مورداً صناعياً.

القيادة الأوكرانية تقرأ هذه المعادلة بوضوح: المطلوب رفع خسائر الخصم بشكل حاد. وزير الدفاع Mykhailo Fedorov تحدث عن هدف يبلغ 50 ألف قتيل وجريح وأسير شهرياً في صفوف القوات الروسية. في يناير، قُدّر الرقم بنحو 31.7 ألفاً. المنطق أن بلوغ سقف الخمسين ألفاً شهرياً بصورة ثابتة سيضرب ليس فقط التكتيك، بل منظومة الإمداد البشري بأكملها.

غير أن حرب الاستنزاف لا تختزل في رقم واحد. المحلل العسكري Oleksii Melnyk يشدد على أن الضغط على نقطة ضعف واحدة لا يكفي، سواء كانت القوى البشرية أو الاقتصاد. المطلوب استنزاف شامل. وإذا كان هناك حديث عن انهيار جبهة، فيجب أن يكون انهياراً منظومياً: في التجنيد، والإمداد، والإدارة، والمعنويات، واللوجستيات، ونوعية الوحدات في آن واحد.

في هذا السياق تتزايد الإشارات إلى أن مشكلات روسيا لم تعد كمية فقط بل نوعية أيضاً. ثمة تقديرات تتحدث عن احتمال أن يبدأ الاقتصاد الروسي بالتصدع في صيف 2026. إن حدث ذلك، فسينعكس مباشرة على الجيش: العقود، والرواتب، والحوافز، والقدرة على الإنتاج والشراء. حرب تقوم إلى حد كبير على الإغراء المالي تبقى شديدة الحساسية لأي تدهور مالي.

كيف تُجدّد روسيا جيشها وأين الحد الأقصى؟

تشير تقديرات تقريبية إلى أن روسيا كانت تجند في عام 2025 ما بين 32 و35 ألف مقاتل شهرياً. القائد العام للقوات الأوكرانية Oleksandr Syrskyi أعلن أن روسيا جندت خلال عام 2025 نحو 406 آلاف عسكري، أي أقل بنحو عشرة آلاف من خسائرها المقدرة في العام ذاته.

السلطات الروسية كانت قد تحدثت عن 410 آلاف متعاقد في العام الماضي، مقابل 427 ألفاً في 2024 ونحو 480 ألفاً في 2023. إذا وضعت هذه الأرقام على خط واحد يظهر اتجاه يصعب إخفاؤه: وتيرة التجنيد، وفق البيانات الرسمية نفسها، تراجعت بنحو 20 في المئة خلال سنوات قليلة.

هذا مؤشر نفسي بقدر ما هو عسكري. تراجع التجنيد في ظل حرب مستمرة يعني أن نموذج “المال يكفي للجميع” بدأ يتعثر. حين يتعثر التجنيد، تضطر الدولة إما لرفع الرواتب، أو خفض معايير الاختيار، أو تشديد الضغط الإداري. كل خيار يحمل مخاطره: عبء إضافي على الموازنة، تراجع في الكفاءة القتالية، أو توتر داخلي متصاعد.

التعبئة الأوكرانية: الأرقام والظل والمخاطر.

كييف لا تكشف الأرقام الإجمالية للتعبئة. لكن الرئيس Volodymyr Zelenskyy أشار إلى أن متوسط التجنيد الشهري في 2025 تراوح بين 27 و30 ألفاً، أي ما بين 324 و360 ألفاً سنوياً. هذا الرقم لا يشمل من يغادرون وحداتهم فور التحاقهم، ما يعني أن “الصافي” قد يكون أقل.

وزير الدفاع Mykhailo Fedorov تحدث عن وجود نحو مليوني رجل أوكراني مطلوبين بسبب التهرب من التعبئة، إضافة إلى 200 ألف تركوا وحداتهم دون إذن. هذه الأرقام بحد ذاتها تشكل تحدياً قانونياً ومالياً وأخلاقياً وإدارياً للدولة.

خلال 2026 ستسعى السلطات إلى إخراج جزء من هؤلاء “من الظل” عبر نظام عقود تطوعية برواتب مرتفعة ومدة خدمة محددة بوضوح. لكن السؤال يبقى ثقيلاً: هل تتوافر الموارد المالية الكافية؟ وهل سيستجيب المجتمع؟ زيلينسكي دعا الغرب بالفعل إلى دعم مالي لبناء جيش تعاقدي.

من دون شعارات، يمكن تلخيص المعضلة الأوكرانية في ثلاثة محاور خلال عام 2026: إرهاق مجتمع أنهكته أربع أو خمس سنوات من الحرب، ضرورة الحفاظ على الاقتصاد والجبهة الداخلية دون استنزاف كامل، ومسألة العدالة والثقة: من يخدم ومن لا يخدم، من يتحمل العبء ومن يتهرب.

أي اختلال في هذه المعادلة قد يكون أخطر على الصمود من خسارة موقع على الخريطة.

سلاح العام الخامس: كيف نُخرج البشر من منطقة الموت.

حرب عام 2026 ستكون حرب تقليص الوجود البشري في أخطر بقعة على الجبهة. الطرفان يسعيان إلى تقليل مشاركة الجنود في المهام المباشرة على خط التماس وفي ما يُعرف بـ«منطقة القتل»، التي تمتد اليوم من 10 إلى 20 كيلومتراً في العمق. في هذه المساحة يصبح الإنسان هدفاً فور ظهوره تقريباً، وتتحول أي آلية إلى فريسة خلال دقائق.

لتقليل الخسائر، تسرّع كل من أوكرانيا وروسيا تطوير منظوماتها غير المأهولة. من المرجح في عام 2026 أن يتضاعف عدد المقاتلين العاملين في وحدات الطائرات المسيّرة لدى الطرفين. لم تعد المسيّرات مجرد دعم للمشاة، بل باتت الجهاز العصبي للجبهة.

بالتوازي، تحاول قيادة القوات الأوكرانية توسيع استخدام الروبوتات البرية في مهام الإمداد والإخلاء. عام 2025 شهد ارتفاعاً في عدد الشركات المصنعة وأنواع هذه المنظومات. لكن على مستوى الميدان تُوجَّه انتقادات حادة: كثير من هذه الروبوتات ما يزال “منتجاً غير ناضج” رغم كلفته المرتفعة. ضباط في محاور دونيتسك يشيرون إلى أن معظم الأنظمة المورّدة تحتاج إلى تعديلات ميدانية كي تؤدي وظائفها المطلوبة.

أبرز المشكلات تتمثل في ضعف الاتصال، محدودية الوظائف، وصعوبات الحركة في التضاريس المعقدة. ومع ذلك فإن منطق الحرب يدفع باتجاه تطوير هذا القطاع بقوة في 2026. نقل مهام الإخلاء، وتوصيل الذخيرة، والمياه، والوقود، والمواد الطبية إلى الروبوتات يعني ببساطة إنقاذ أرواح. كل مهمة يؤديها جهاز غير مأهول تعني جندياً أقل يدخل إلى مساحة ترصده الكاميرا وتنتظره طائرة FPV.

المسيّرات الاعتراضية و«إرهاب الشاهد»: دفاع جوي جديد.

أحد المجالات التي قد تراهن عليها أوكرانيا لتحقيق تفوق هو إنتاج واستخدام المسيّرات الاعتراضية. هذه المنظومات يُفترض أن تكون الرد على الاستخدام الروسي اليومي لمئات الطائرات الهجومية من طراز «شاهد» ونظائرها.

المفارقة أن هذه المسيّرات أضعف من الصواريخ من حيث القوة التدميرية، لكنها أحياناً أكثر إيلاماً من حيث الأثر التراكمي. أعدادها كبيرة، كلفتها أقل، يمكن إطلاقها على موجات متتالية، تُرهق الدفاعات الجوية، وتستهدف البنية التحتية، وتخلق مناخ تهديد دائم. كما تشير تقديرات إلى أن روسيا طوّرتها تقنياً ووسعت إنتاجها على نطاق واسع.

تتحدث مصادر عسكرية عن استخدام هذه المسيّرات أيضاً ضد الطيران الأوكراني، وفي زرع ألغام في العمق، وضرب أهداف متحركة مثل القطارات، بل وحتى لنقل مسيّرات FPV إلى مسافات بعيدة.

في مطلع العام أنشأت كييف قيادة خاصة لـ«الدفاع الجوي الصغير» لمواجهة هذا التهديد تحديداً. سلاحها الأساسي مسيّرات اعتراضية صغيرة وسريعة تضرب الأهداف في الجو.

التقديرات تشير إلى أن هذه الوسيلة تمكّن الوحدات الأوكرانية من إسقاط ما بين 30 و40 في المئة من المسيّرات الروسية بعيدة المدى. ومع احتساب قابلية إعادة الاستخدام لبعض الاعتراضات، تُقدَّر الفعالية الإجمالية بنحو 70 في المئة، أي أن ثلث الأهداف تقريباً فقط يصل إلى مبتغاه.

لكن العقبة في التوسّع ليست في عدد المسيّرات المنتجة، بل في عدد المشغلين المدربين. مرة أخرى، يعود كل شيء إلى الإنسان. ويضاف إلى ذلك عامل حاسم آخر: منظومات الرادار القادرة على كشف الأهداف الجوية وتزويد الطواقم بالإحداثيات في الوقت المناسب.

الذكاء الاصطناعي: الجبهة التالية.

يمكن تقليل الاعتماد على مهارة المشغل عبر دمج أنظمة ذكاء اصطناعي في المسيّرات الاعتراضية. عندها تتولى الخوارزميات التعرف على الهدف، والتثبيت، والتوجيه، وتنفيذ الضربة، ما يرفع الفعالية ويخفف عبء التدريب.

الرهان على الذكاء الاصطناعي أوسع من ذلك. وزير الدفاع الأوكراني Mykhailo Fedorov أعلن عن توجه نحو مزيد من الأتمتة في ساحة المعركة، من الرؤية الحاسوبية وتحليل البيانات إلى أسراب المسيّرات. الهدف طموح: جعل أوكرانيا أول دولة قادرة على التنبؤ بالهجمات المعادية وإحباطها عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي في الحرب ليس خيالاً عن روبوتات مستقلة بالكامل، بل تسريع دورة اتخاذ القرار. من يرى أسرع، ويفهم أسرع، ويوزع الأهداف أسرع، ويوجه النيران أسرع، يوفر الأرواح ويربح الوقت. وفي الجبهة، الوقت قد يكون أغلى من كيلومتر أرض.

الدفاع الجوي أم الصواريخ بعيدة المدى: معضلة الأولويات.

في مجتمع يعيش تحت القصف تبدو فكرة “إغلاق السماء” بديهية. لكن في حسابات الجبهة قد تكون الأولوية مختلفة. في هذه المرحلة تميل كفة الحاجة إلى السلاح الهجومي بعيد المدى.

امتلاك صواريخ بعيدة المدى فعالة يمنح القوات الأوكرانية القدرة على ضرب مواقع الإنتاج ومنصات الإطلاق داخل العمق الروسي، أي معالجة التهديد من جذوره. الدفاع من دون قدرة على ضرب المصدر يتحول إلى عمل لا ينتهي في اعتراض النتائج فقط.

لو طُرح خيار بين عشرين منظومة دفاع جوي متقدمة وعشرين صاروخاً بعيدة المدى، فإن التفكير قد يميل إلى الصواريخ، ليس لأن الدفاع الجوي غير مهم، بل لأن السلاح البعيد المدى يعيد تشكيل هندسة التهديد نفسها.

الباليستيات الأوكرانية والضربات العميقة: «سابسان» و«نبتون» و«فلامينغو».

حتى وقت قريب، شكّل ضعف القدرات الصاروخية عائقاً أمام كييف في الرد بالمثل على ضربات موسكو. لكن السلطات الأوكرانية أعلنت في نهاية العام الماضي بدء الإنتاج التسلسلي واستخدام صاروخها الباليستي «سابسان»، إضافة إلى صواريخ كروز «نبتون» و«فلامينغو».

هيئة الأركان الأوكرانية تحدثت في مطلع 2026 عن استخدام «فلامينغو» لضرب مخازن عسكرية في مقاطعة فولغوغراد، وميدان تدريب «كابوستين يار» في أستراخان، ومصنع عسكري في أودمورتيا.

الشركة المصنعة «Fire Point» أشارت بدورها إلى استعدادها لإطلاق إنتاج تسلسلي لصواريخ باليستية محلية، ووصفت الأمر بأنه مسألة أسابيع قليلة.

من الناحية العسكرية، تمنح الباليستيات المحلية أوكرانيا فئة جديدة من القدرات. هذه الصواريخ أكثر فاعلية في ضرب مخازن السلاح ومراكز القيادة ومواقع تمركز القوات، وأصعب اعتراضاً بسبب سرعتها العالية وارتفاع مسارها. إنها لا تضيف أداة جديدة فحسب، بل ترفع كلفة بقاء الأهداف في العمق.

الباليستيات الروسية: رقم قياسي وحدود الاعتراض.

تطوير أوكرانيا لقدراتها الباليستية يأتي أيضاً رداً على الاستخدام الروسي المكثف لهذا السلاح. في يناير 2026 استخدمت روسيا رقماً قياسياً بلغ 91 صاروخاً باليستياً لضرب أهداف أوكرانية، بينها منشآت طاقة. لم يُعترض سوى نحو الثلث.

هذا الرقم يعكس أمرين بوضوح. أولاً، حجم التهديد. وثانياً، حدود أي منظومة اعتراض مهما كانت متطورة في مواجهة استخدام كثيف لأهداف عالية السرعة. الصواريخ الباليستية فئة من التهديد يصعب “إغلاقها” بالكامل. يمكن تخفيف أثرها، لكن ضمان تصفيره شبه مستحيل.

بندول الحرب: ما الذي يمكن أن يُغيّر الميزان؟

امتلاك أوكرانيا لقدرات باليستية محلية قد يدفع ميزان القوى إلى التحرك. لكن في هذه الحرب لكل حركة بندول وجهٌ مقابل. يمكن للميزان أن يرتد في الاتجاه المعاكس إذا قرر الغرب، الذي يمول كييف ويزودها بالسلاح، تقليص دعمه أو وقفه بشكل حاد.

عندها قد تجد أوكرانيا نفسها في أصعب موقع منذ اندلاع الحرب. لأن حرب العام الخامس لم تعد مجرد خطوط تماس. إنها شبكة مترابطة من الإنتاج، والإصلاح، والذخيرة، والدورات القتالية، وتدريب المشغلين، وتشغيل الرادارات، وسلاسل الإمداد، ودعم الاقتصاد والموازنة. في صراع حديث، غياب الدعم المالي والتكنولوجي الخارجي لا يظهر في لحظة واحدة، لكنه يتسلل سريعاً عبر سلسلة من التفاعلات التي تضرب كل عقدة في المنظومة.

خلاصة المشهد: كيف سيبدو عام 2026؟

العام الخامس مرشح لأن يكون عام الرهانات الكبرى والقيود الكبرى في آن معاً.

روسيا ستحاول تحقيق اختراق في محورين رئيسيين: شمال مقاطعة دونيتسك، من بوكروفسك إلى ليمان بما يُعرف بـ«حزام الحصون»، ومحور أوريخيف – زابوريجيا. هنا قد تدور أكبر معارك الربيع والصيف.

الهجمات الكلاسيكية ستبقى باهظة الكلفة. النموذج الأبرز للضغط سيظل “الهجوم الزاحف”: تسلل، تفكيك لوجستي، واستنزاف تدريجي للدفاعات.

العنصر البشري سيتصدر المشهد بوصفه المورد الأكثر ندرة، ولا سيما الكفاءات العالية: مشغلو المسيّرات، الفنيون، خبراء الاتصالات، وقادة الوحدات الصغيرة. كل من روسيا وأوكرانيا ستصطدمان بسقف نوعية التعويض البشري لا كميته فقط.

الحرب ستزداد “لاأهلاً بالبشر” وأكثر اعتماداً على المنظومات غير المأهولة. وحدات الطائرات المسيّرة ستتضاعف عدداً. الروبوتات البرية ستتطور على مراحل متسارعة، ودورها في الإمداد والإخلاء سيأخذ بعداً استراتيجياً.

المسيّرات الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي القصير المدى ستكون محاولة لاحتواء تهديد الطائرات الهجومية الكثيفة. لكن التحدي سيبقى في شبكة المشغلين ومنظومات الرادار، ثم في الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتسريع دورة “الاكتشاف – التوجيه – الإصابة”.

الصواريخ بعيدة المدى والباليستية ستصبح أداة لإعادة رسم منطق العمق. «سابسان» و«نبتون» و«فلامينغو» ليست مجرد أسماء أسلحة، بل محاولة لنقل الحرب إلى الداخل وإجبار الخصم على دفع ثمن مواقع الإنتاج والإطلاق.

الخطر الاستراتيجي الأكبر على أوكرانيا يتمثل في تراجع حاد للدعم الخارجي. أما الخطر الأكبر على روسيا فيكمن في تدهور نوعية وسرعة التجنيد، خصوصاً إذا واجه الاقتصاد ضغوطاً حادة في صيف 2026.

قد لا ينهي عام 2026 الحرب رسمياً، لكنه قادر على تحديد شكل مرحلتها التالية: إما حرب استنزاف لا نهاية واضحة لها، أو حرب تبدأ فيها إحدى المنظومات بفقدان توازنها أسرع من الأخرى. وبهذا المعنى تحديداً، قد يكون العام الخامس آخر أعوام القتال المكثف، لا بقرار سياسي، بل لأن حدود القدرة نفسها ستفرض كلمتها.