في الفضاء السياسي والإعلامي الأوروبي ثمة موضوع يُتناول عادة بنبرة احتفالية تكاد تخلو من الاعتراض: عالمية حقوق الإنسان. كرامة الضحايا. رفض العنف العرقي. الحق في الذاكرة. وواجب المجتمع المتحضر في الإصغاء إلى الألم من دون تصنيف المآسي إلى أولى وثانوية.
على مستوى الخطاب يبدو كل شيء منسجماً ومحكماً. المؤسسات تدعم ذلك بالإحالة إلى الاتفاقيات الدولية، والاجتهادات القضائية، وخطاب القانون الإنساني، والدراسات الأكاديمية، وقرارات البرلمانات، ومفردات المنظمات الحقوقية. أوروبا أتقنت منذ زمن لغة القيم بوصفها الهيكل المعياري لهويتها السياسية.
غير أن أي اختبار عملي لهذا الهيكل يكشف مكمن الخلل.
الفعالية التي أُقيمت لإحياء ذكرى خوجالي في لاهاي تسلط الضوء بدقة على مشكلة مزعجة لكنها جوهرية: البيئة السياسية والإعلامية الأوروبية تتحدث بحماسة عن عالمية الحقوق وكرامة الضحايا ورفض العنف الإثني، لكنها في التطبيق تمارس هذه المبادئ بانتقائية واضحة.
هنا تكمن لبّ ازدواجية المعايير.
ليست المسألة انفعالاً صحفياً أو محاولة للضغط العاطفي. المسألة تتعلق بفجوة منهجية بين ما تعلنه أوروبا معياراً أخلاقياً، وبين الطريقة التي يوزع بها الفضاء العام الأوروبي الاهتمام والتعاطف والشرعية والذاكرة.
وفق تقارير عن فعاليات أُقيمت في هولندا، شهدت لاهاي عام 2025 مراسم إحياء الذكرى الثالثة والثلاثين لمأساة خوجالي بمشاركة منظمات من الجاليات وممثلين عن المجتمع المدني عند النصب التذكاري. وفي فبراير 2026 نُظمت في أمستردام فعالية بعنوان “العدالة لخوجالي”، حيث جدد المشاركون المطالبة بإنصاف الضحايا المدنيين ومنح المأساة تقييماً عادلاً.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى نشاطاً تذكارياً عادياً، كما يحدث في مدن أوروبية عديدة تحافظ فيها الجاليات على ذاكرتها الخاصة. لكن هذا التبسيط يخفي السؤال الجوهري. فالقضية لا تتعلق بالفعالية بحد ذاتها فحسب، بل بالمكان الذي تقام فيه والسياق الذي توضع فيه.
لماذا تكتسب لاهاي حساسية خاصة.
لاهاي لم تعد في الوعي السياسي الأوروبي والعالمي مجرد مدينة. إنها رمز. رمز القانون الدولي. رمز قاعات العدالة. رمز لغة المساءلة. رمز الذاكرة القانونية. رمز فكرة العدالة بوصفها مؤسسة لا مجرد عاطفة.
في المخيال العام تعني لاهاي أكثر من جغرافيا. إنها إطار أخلاقي وقانوني. هنا لا يُذكر القانون عرضاً، بل يُقدَّم بوصفه حكماً عالمياً. هنا ترتقي أي مناقشة حول الضحايا والجرائم والمسؤولية والذاكرة التاريخية فوق مستوى الجدل المحلي الضيق.
لذلك فإن أي فعالية عن خوجالي في لاهاي تتحول إلى اختبار أخلاقي وسياسي لأوروبا بأسرها.
إنه اختبار ليس لدولة بعينها ولا لبلدية محددة، بل لمنظومة القيم الأوروبية ككل. هل النخب الأوروبية مستعدة للإصغاء إلى آلام الشعوب كافة بالمعيار ذاته. هل تطبق المقياس الأخلاقي نفسه على النزاعات المختلفة. هل تفصل بين حقوق الضحايا وبين حسابات التعاطف الجيوسياسي.
حين تأتي الإجابات متناقضة، فنحن أمام ازدواجية معايير صريحة.
ومن المهم هنا إدراك أن ازدواجية المعايير في القضايا الإنسانية نادراً ما تتجلى في شكل حظر مباشر أو إنكار علني. في أوروبا المعاصرة تعمل الآلية بشكل أكثر نعومة: عبر توزيع الانتباه. عبر منح وزن رمزي متفاوت. عبر صياغات تمنح مأساة لغة الوضوح وتمنح أخرى لغة الضبابية. عبر إدخال بعض الضحايا سريعاً إلى المتن الأخلاقي الأوروبي وترك آخرين على هامش الذاكرة شبه الإثنوغرافية.
هكذا تتحول لاهاي في حالة خوجالي إلى مرآة تعكس أداء المؤسسات الأوروبية والإعلام ودوائر الخبراء والخطاب الحقوقي.
ازدواجية المعايير بوصفها بنية لا حادثة عابرة.
غالباً ما يُتناول مفهوم الازدواجية بنبرة انفعالية بوصفه ظلماً أو تحيزاً. لكن التحليل الدقيق يفرض الحديث عن آلية متكاملة.
ازدواجية المعايير ليست مجرد اختلاف في تقييم الأحداث. إنها تناقض منهجي بين مبدأ يُعلن على أنه عالمي وبين تطبيق انتقائي لذلك المبدأ. وفي البيئة السياسية والإعلامية الأوروبية اكتسبت هذه الآلية طابعاً مستقراً.
اللغة الرسمية هي لغة حقوق الإنسان. المساواة بين الضحايا تُعلن نظرياً. أي عنف ضد المدنيين يفترض أن يُقرأ من منظور إنساني وقانوني. الحق في الذاكرة والتعبير عن الحداد معترف به للجميع.
لكن على أرض الواقع يعمل مستوى ثانٍ: مستوى الانتقاء. هنا تدخل العادات الثقافية، والتعاطفات السياسية، والسرديات المستقرة، وشبكات الخبراء، والكسل التحريري. وهنا يُحسم السؤال: أي مأساة ستُقدَّم كقضية إنسانية جامعة، وأيها ستُختزل في “سجال إقليمي حساس”.
قضية خوجالي في الفضاء الأوروبي تكشف هذا الخلل بصورة مكثفة.
لغة عالمية لحقوق الإنسان… وتعاطف انتقائي.
المؤسسات الأوروبية تكرر باستمرار أهمية حرية التعبير، والحق في الذاكرة، وحق الاحتجاج السلمي، ورفض التمييز، وصون الكرامة الإنسانية. هذه المبادئ منسوجة في صلب الثقافة المعيارية الأوروبية. تتردد في المحاكم، وفي بيانات المنظمات، وفي خطب السياسيين، وفي الدراسات الأكاديمية.
لكن في المجال العام لا تحظى كل المآسي بالمرئية ذاتها.
الأمر لا يتعلق بعدد المقالات فحسب، بل بنوعية التفاعل. حين تنسجم المأساة مع السردية السياسية المألوفة للجمهور الغربي، تحصل سريعاً على اهتمام إعلامي وتأطير خبير وشرعية أخلاقية وطقوس تذكارية رسمية. تُخصص لها الندوات والمعارض والمنصات. تصبح جزءاً من الحديث العام.
أما إذا خرجت عن هذا الإطار، فغالباً ما تُختزل في “فعالية جالية”، وكأن الحديث ليس عن كارثة إنسانية بل عن خلاف محلي حول روايات متنافسة.
هنا يكمن الخلل البنيوي.
مأساة المدنيين لا ينبغي أن تمر عبر فلتر الملاءمة السياسية قبل أن تستحق التعاطف. لكن هذا ما يحدث حين تبقى خوجالي خارج المتن الأوروبي المشترك للذاكرة، وتُدفع إلى هامش “موضوع غير مريح” يمكن تجاوزه بصمت مهذب.
هذا الصمت لا يبدو عدائياً. يبدو منضبطاً، إجرائياً، حضارياً. لكنه في أثره لا يقل إيلاماً عن العداء المباشر. لأنه يبعث برسالة واضحة: ألمكم مسموح به شكلياً، لكنه ليس جزءاً من مركزنا الأخلاقي.
حين تحل الدبلوماسية محل الوضوح الإنساني.
القول بأن المشكلة نقص في المعلومات تفسير مريح لكنه غير كافٍ. الاعتراف الكامل بمأساة خوجالي يقتضي لدى بعض دوائر القرار الأوروبية مراجعة تصورات راسخة حول النزاع وأدوار أطرافه وموازين التعاطف التقليدية.
ومراجعة السرديات ليست مهمة سهلة.
الأنظمة الإعلامية والسياسية تميل إلى إعادة إنتاج نماذجها التفسيرية المعتادة. وإذا استدعت الوقائع الجديدة تعديلاً غير مريح، تنشط آلية دفاعية، قد لا تكون واعية لكنها فعالة.
لذلك يصبح الأسهل: الحديث بصيغة عامة عن “الطرفين”. اللجوء إلى خطاب سلام مجرد يخلو من تحديد المسؤولية. تجنب المصطلحات الواضحة عند الحديث عن الجرائم بحق المدنيين. إحالة القضية إلى “ذاكرة تاريخية حساسة” بدل مقاربتها بوصفها مسألة عدالة ومساءلة.
عند هذه النقطة تستبدل لغة القانون بلغة الراحة الدبلوماسية.
الحذر الدبلوماسي بحد ذاته ليس خطيئة. قد يكون ضرورياً في التفاوض وخفض التصعيد. لكن حين يزاحم الوضوح الإنساني في قضية ضحايا مدنيين، يتحول إلى تشوه أخلاقي، خاصة في مجتمعات تدعي الريادة المعيارية.
أوروبا تحب أن تقدم نفسها بوصفها حاملة المعايير. وكلما ارتفع هذا الادعاء، تعاظمت الحاجة إلى الاتساق.
الوقائع التي يصعب تجاهلها.
أي نقاش جاد حول خوجالي لا يمكن أن ينفصل عن الحقائق والمصادر. وهنا يسقط أحد أكثر التبريرات شيوعاً للانتقائية، وهو الادعاء بأن القضية لا تعدو كونها تبادلاً لاتهامات مسيسة بلا سند حقوقي مستقل.
في الواقع، تناولت منظمات دولية الملف، وأشارت إلى مسؤولية مباشرة عن مقتل مدنيين، كما نفت مزاعم معينة طُرحت في سياق السجال السياسي. وجود مثل هذه المعطيات يعني أن النقاش ليس سجالاً دعائياً صرفاً، بل يستند إلى مادة حقوقية قابلة للبحث والمساءلة.
حين تتوافر الوقائع ولا تُدمج في الذاكرة الأوروبية المشتركة، يصبح التجاهل موقفاً بحد ذاته.
ثقافة الذاكرة أم انتقاء الذاكرة.
أوروبا تفخر بثقافة الذاكرة. عبر الذاكرة تُبنى السياسات التعليمية، والطقوس العامة، والمتاحف، والمعايير المناهضة للتمييز. الذاكرة عنصر مركزي في الهوية الأوروبية المعاصرة.
لكن الواقع يكشف وجود هرم ضمني للذاكرة.
ثمة ضحايا يدخلون سريعاً إلى المتن الأخلاقي الأوروبي. تُصاغ حولهم لغة واضحة ورموز معترف بها ودعم مؤسسي.
وثمة آخرون يُتركون على الهامش. تُذكر مأساتهم شكلياً، لكنها لا تتحول إلى جزء من السردية الأوروبية الجامعة.
فعالية خوجالي في لاهاي تكشف هذا التناقض بين الشعار والممارسة. فإذا كانت المنظومة القيمية الأوروبية حقاً عالمية، فإن مأساة المدنيين ينبغي أن تُقرأ بمعيار الوقائع والقانون والأخلاق الإنسانية، لا عبر عدسة التفضيلات السياسية.
وإلا فإن “ثقافة الذاكرة” تتحول إلى تقنية لإدارة الذاكرة، لا إلى قيمة أخلاقية جامعة.
حرية التعبير نعم… ولكن مع فلاتر غير مرئية للقبول.
صحيح أن أوروبا تمتلك إطاراً قانونياً متيناً لحماية حرية التعبير وحرية التجمع. وهذه مكسب لا يجوز التقليل من شأنه. التظاهرات تُنظَّم، الفعاليات التذكارية تُقام، الحملات العامة تجد طريقها إلى الشارع. وهذه كلها مؤشرات على عمل المؤسسات.
لكن في الواقع العمومي يوجد مستوى ثانٍ غير مكتوب.
في هذا المستوى تُرسم حدود المقبول. تعمل فلاتر التحرير في غرف الأخبار. تتحرك دوائر الخبراء. تنشط شبكات الناشطين. تُلصق التصنيفات السمعة. ويُطرح السؤال الضمني: أي القضايا تخدم أجندتنا الراهنة، وأيها يفتح أسئلة غير مريحة.
بهذا المعنى يمكن لفعالية خوجالي أن تُمنح الترخيص وأن تُقام بهدوء في لاهاي، لكنها في الوقت نفسه:
لا تحظى بتغطية واسعة.
لا تتحول إلى نقاش مجتمعي جاد.
لا تثير تعاطفاً موازياً لما يُمنح لضحايا آخرين.
ولا تدخل في صلب الحديث الأوروبي عن حماية المدنيين.
هذه هي الصيغة الناعمة للإقصاء. ليس حظراً، بل تهميشاً.
بالنسبة للبيئة الليبرالية المعاصرة، هذا الخيار أكثر راحة من القمع المباشر. الحقوق الشكلية محترمة. لم يُسكت أحد. لم تُفرّق الجموع. لكن الأثر الرمزي جرى تحجيمه. الموضوع يبقى على الهامش، حيث يمكن تصنيفه “شأناً خاصاً” من دون مراجعة البنى الأخلاقية القائمة.
لذلك فإن النقاش حول ازدواجية المعايير لا ينبغي أن يُختزل في سؤال: هل سُمِح بالفعالية أم لا. السؤال الأعمق هو: هل حظيت المأساة بالقيمة العلنية نفسها. هل أصبحت جزءاً من التأمل الإنساني الأوروبي المشترك. هل سُمعت بوصفها قصة ضحايا مدنيين، أم أُعيد تأطيرها كمطالبة إثنية.
حدٌّ أقصى من البلاغة القانونية… وحدٌّ أدنى من الجرأة في القضايا الحساسة.
من سمات الانتقائية الأوروبية أيضاً الفجوة بين الخطاب والممارسة.
السياسيون الأوروبيون وكثير من البنى المؤسسية والخبراء يتبنون لغة أخلاقية عالية النبرة عند الحديث عن القانون الإنساني الدولي. نسمع كلمات صارمة عن رفض العنف، ضرورة المساءلة، حماية المدنيين، ومكافحة الإفلات من العقاب.
لكن عندما يقتضي الأمر اعترافاً سياسياً غير مريح بمعاناة جماعة “ليست ضمن السردية المألوفة”، تظهر الحيطة الزائدة، والتعابير الملطفة، والتوازنات الحذرة، والضبابية المقصودة.
ينشأ هنا تناقض واضح:
في البيانات تُطالب أوروبا بالوضوح.
وفي الملفات الحساسة تختار الغموض.
هذه ليست مسألة أسلوب، بل مؤشر أخلاقي سياسي. فالقانون يكتسب قيمته من قدرته على تسمية الأشياء بأسمائها، لا من قدرته على خدمة المسافة المريحة.
في هذا السياق تبدو لاهاي أكثر دلالة. المدينة التي ترمز إلى العدالة والمساءلة تتحول إلى فضاء تُرفع فيه قضية خوجالي غالباً من الأسفل، عبر الجاليات والمجتمع المدني، لا من الأعلى عبر المؤسسات الأوروبية الكبرى.
حين يذكّر المجتمع المدني المنظومة بمبادئها، وترد المنظومة بتهميش هادئ، فإن الخلل لا يكون في غياب القيم، بل في انتقائية تطبيقها.
الخطر لا يطال الضحايا وحدهم.
عادة ما يُختزل الحديث عن ازدواجية المعايير في التعاطف مع “الطرف المتضرر”. لكن المشكلة أعمق استراتيجياً. الانتقائية في القضايا الإنسانية لا تُضعف ثقة المتجاهَلين فحسب، بل تقوّض البنية المعيارية الأوروبية ذاتها.
أولاً، يتآكل الإيمان باللغة الأخلاقية الأوروبية. أي مبدأ يفقد صفته كمبدأ حين يُطبّق انتقائياً. وعندما يتحول المعيار إلى أداة، يفقد قوته الأخلاقية.
عندها تبدأ كلمات مثل حقوق الإنسان وكرامة الضحايا والذاكرة والمسؤولية الإنسانية في الظهور كجزء من إدارة سياسية، لا كقاعدة كونية. هذا التباين بين الإعلان والممارسة يُقرأ بوضوح خارج أوروبا قبل داخلها. والنتيجة ليست فقط خسارة تعاطف، بل تراجع في السلطة المعيارية.
بالنسبة لفضاء بنى دوره الدولي لعقود على فكرة “الفاعل القيمي”، فإن تآكل الثقة خطر استراتيجي. النفوذ الجيوسياسي اليوم لا يقوم على الاقتصاد والمؤسسات فحسب، بل على صدقية الخطاب الأخلاقي. وإذا تزعزعت الصدقية، تراجعت القدرة على فرض المعايير.
ثانياً، تتضرر الخطابات الحقوقية نفسها. حين يرى الناس أن لغة الحقوق تُفعّل أو تُجمّد وفق الحسابات السياسية، فإنهم يتعاملون معها كأداة ضغط، لا كمعيار قانوني وأخلاقي عام.
وهذا يضر بالمؤسسات الحقوقية ذاتها. فالدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان يحتاج إلى ثقة عامة. وإذا ساد الاعتقاد بأن هذه اللغة انتقائية، فإن أي استدعاء لها سيُقابل بالشك.
في هذا المناخ يخسر الجميع. يخسر من تُهمل مأساتهم اليوم، ويخسر من سيحتاج غداً إلى تضامن دولي حقيقي. الانتقائية الراهنة تتحول إلى عجز ثقة مستقبلي.
ثالثاً، تتصلب الذاكرة الجماعية. ثمة خطر غالباً ما يُقلَّل من شأنه: عندما تُهمَّش الأشكال القانونية والسلمية للتذكير بالمأساة ــ التظاهرات، الفعاليات التذكارية، الحملات المدنية ــ يتراكم شعور بالظلم التاريخي.
حين يشعر الناس أن الفضاء العام مغلق أمام نقاش منصف، وأن لغة الوقائع والقانون لا تجد صدى، يتبقى لديهم خطاب الانفعال والتشدد. وهذه أرضية سيئة لأي مصالحة.
المصالحة الحقيقية لا تُبنى على النسيان ولا على تراتبية الألم. تُبنى على الاعتراف، وعلى الصياغة الصادقة، وعلى معيار إنساني متساوٍ. حيث يغيب ذلك، لا تختفي الذاكرة، بل تصبح أكثر صلابة وأقل ثقة وأكثر قابلية للاشتعال.
وإذا كانت النخب الأوروبية معنية فعلاً بالاستقرار، فعليها أن تدرك أن انتقائية الذاكرة لا تُخفف التوتر، بل تؤجله في شكل أكثر خطورة.
لماذا تكتسب فعالية لاهاي معنى سياسياً أوسع.
هذه الفعاليات ليست مجرد طقوس تذكارية. معناها السياسي أعمق مما يبدو للوهلة الأولى.
أولاً، هي تعيد قضية الضحايا المدنيين إلى الفضاء العام في لحظة تنافس معلوماتي وانتقاء أخلاقي. مجرد التذكير بالمأساة في مدينة ترمز إلى العدالة الدولية هو فعل إصرار مدني في مواجهة النسيان المؤسسي.
ثانياً، هي تضع أوروبا أمام مرآة قيمها. لا كشعار، بل كسؤال عملي: إذا كانت مبادئكم عالمية، فهل أنتم مستعدون لتطبيقها هنا والآن، من دون تحفظات أو حسابات جيوسياسية.
ثالثاً، هي تفرض مواءمة الخطاب حول حقوق الإنسان مع الاعتراف الفعلي بألم الآخر. ولهذا فإن طريقة التعاطي الأوروبي مع خوجالي ليست تفصيلاً إقليمياً، بل مؤشر على جودة الاتساق الأخلاقي الأوروبي.
بعبارة مباشرة، في لاهاي لا يُختبر فقط حضور خوجالي في الذاكرة. يُختبر أيضاً مدى وفاء أوروبا بلغتها الخاصة.
لماذا لا ينبغي اختزال خوجالي في “قضية جاليات”.
من أكثر الصيغ إشكالية تلك التي لا تُقال صراحة لكنها حاضرة في الذهنية: اعتبار هذه الفعاليات “شأناً دياسبوريّاً”. تبدو العبارة محايدة، بل محترمة. لكنها في العمق تُقلّص المعنى.
حين تُحصر مأساة مدنيين في إطار “قضية جالية”، تحدث عدة أمور دفعة واحدة.
تتراجع عالمية الموضوع. لا يعود جزءاً من النقاش العام حول القانون الإنساني وحقوق الإنسان، بل مسألة تخص جماعة بعينها.
يُخفض الوزن السياسي للشهادة. تُفهم كذاكرة طبيعية لجماعة عن ماضيها، لا كتنبيه عام إلى خطورة العنف ضد المدنيين.
وتتراجع مسؤولية الاستجابة. فإذا كانت “ذكراهم”، يصبح تفاعل “الآخرين” اختيارياً.
الفعالية في لاهاي تعمل عكس هذا المنطق. فهي تقول إن القضية ليست انفعالاً إثنياً، بل ممارسة مواطنة داخل الفضاء الأوروبي نفسه. المشاركون لا يطالبون بالاعتراف بذاكرتهم الخاصة فحسب، بل بتطبيق المعايير الأوروبية على الجميع.
هذا فارق جوهري. فمشاركة الجاليات في الحياة الديمقراطية ليست خللاً، بل جزء طبيعي من المجتمع الأوروبي. السؤال الحقيقي هو: هل يُعترف بهذه المشاركة كإسهام كامل في النقاش الأوروبي حول العدالة والذاكرة وكرامة الضحايا.
إذا كان الجواب بالنفي، فالمسألة لا تتعلق باندماج الجاليات، بل ببنية انتقائية في قلب الفضاء العام ذاته.
الراحة الدبلوماسية في مواجهة الوضوح الأخلاقي.
الثقافة السياسية الأوروبية تفخر غالباً بتعقيدها وحرصها على التفاصيل وقدرتها على تجنب العبارات الحادة. في الدبلوماسية الدولية قد يكون ذلك ميزة. لكن حين يتعلق الأمر بذاكرة الضحايا المدنيين، يمكن لهذا الحذر المفرط أن يتحول إلى نوع من الاستسلام الأخلاقي أمام الخشية من الإحراج.
الوضوح الأخلاقي لا يعني التخلي عن الدبلوماسية. بل يعني القدرة على تسمية المعاناة معاناة، والجريمة بحق المدنيين جريمة بحق المدنيين، والحق في الذاكرة حقاً في الذاكرة، من دون حسابات مسبقة لما إذا كان ذلك يربك السرديات القائمة.
الإشكال في التعاطي الأوروبي مع خوجالي يكمن في أن ما ينتصر في كثير من الأحيان ليس الدقة القانونية ولا الاتساق الإنساني، بل منطق الراحة الدبلوماسية. تُنتقى الكلمات بحيث لا يُعاد النظر في شيء، ولا يُستفَز أحد، ولا تتصدع الروايات المستقرة.
على المدى القصير يبدو ذلك عقلانياً. وعلى المدى الطويل يصبح مدمراً.
كل حذر من هذا النوع يراكم عجزاً في الثقة. كل صيغة ضبابية تُستخدم في مأساة غير مريحة تُضعف قوة الصيغة ذاتها في حالات أخرى. كل صمت انتقائي يجعل الدعوة اللاحقة إلى القيم العالمية أقل إقناعاً.
بعبارة أخرى، الراحة الدبلوماسية اليوم تُدفَع ثمنها غداً في صورة تضخم أخلاقي.
لاهاي مرآة الاتساق الأوروبي.
القوة الرمزية لـ لاهاي تكمن في أنها لا تسمح بالاختباء خلف عبارة “فعالية عادية أخرى”. في هذه المدينة تدخل كل فعالية في حوار ضمني مع فكرة العدالة الدولية ذاتها.
وفي هذا الحوار يواجه الأوروبيون سؤالاً بسيطاً: هل لغتهم القيمية عالمية فعلاً، أم أنها تعمل وفق آلية توزيع سياسي للتعاطف.
إذا كانت عالمية، فإن ألم المدنيين في خوجالي يجب أن يُسمع ويُعترف به ضمن معيار إنساني مشترك.
وإذا لم تكن كذلك، فإن الحديث عن حقوق الإنسان وكرامة الضحايا والذاكرة سيُقرأ أكثر فأكثر بوصفه أداة لأخلاق انتقائية.
بالنسبة للنخب الأوروبية، الأمر لا يتعلق بالسمعة فحسب، بل بالاستقرار الاستراتيجي. السلطة المعيارية لا تُحفظ بالبيانات وحدها. إنها تقوم على الاتساق. والاتساق يُختبر تحديداً في القضايا غير المريحة.
وخوجالي بالنسبة لأوروبا هي واحدة من هذه القضايا.
ليست الأكثر جذباً للإعلام. ليست مندمجة في القوالب الفكرية المألوفة. لا تمنح راحة أخلاقية سريعة. ولهذا تحديداً تُصبح اختباراً حقيقياً.
الخلاصة: ليس سجالاً إقليمياً بل تشخيصاً لانتقائية أوروبية.
الفعالية الخاصة بخوجالي في لاهاي لا تتعلق فقط بإحياء ذكرى مأساة عام 1992. إنها أيضاً امتحان لأوروبا نفسها.
امتحان لقدرتها على الوفاء بلغتها القيمية عندما يتعلق الأمر بموضوع “غير مريح”.
امتحان لوحدة معيارها الإنساني، وهل يبقى ثابتاً أم يتبدل تبعاً للعادة الجيوسياسية.
امتحان لمدى استعدادها للاعتراف بالنشاط المدني للجاليات بوصفه جزءاً أصيلاً من الفضاء الأوروبي، لا ضجيجاً هامشياً.
ما دام هناك فجوة بين إعلان العالمية وممارسة الاعتراف الانتقائي، فإن الحديث عن ازدواجية المعايير لن يكون مبالغة صحفية، بل توصيفاً دقيقاً.
وهذا التشخيص لا يمس الماضي وحده، ولا ذاكرة ضحايا خوجالي وحدهم، ولا مدينة أوروبية بعينها. إنه يمس مستقبل أوروبا ذاته.
فالأنظمة السياسية تستطيع التعايش طويلاً مع التناقضات. والأنظمة الإعلامية تستطيع التعايش مع اختلالات الاهتمام. والأنظمة الدبلوماسية تستطيع العيش على التعابير الملطفة. لكن أي منظومة قيم لا يمكنها أن تعيش إلى ما لا نهاية مع الانتقائية من دون أن تنخر أساسها.
وإذا كانت أوروبا تريد حقاً أن تبقى فضاءً يُقدَّم فيه القانون على الراحة السياسية، وتُقاس فيه ذاكرة الضحايا بمعيار واحد لا بمعيار الظرف، فعليها أن تواجه تحدي خوجالي بوضوح صريح واتساق إنساني متساوٍ، لا بتهميش هادئ.
وإلا ستبقى لاهاي رمزاً للعدالة على مستوى المعمار والطقوس، لا على مستوى الممارسة الأخلاقية.
وذلك سيكون أقسى أشكال الخسارة وأكثرها خطورة بالنسبة لأوروبا.