...

استطلاعات الرأي ولا في صورتها في الخارج. حين تتبدد أوهام «الوضع الطبيعي» يبرز سؤال واحد: ماذا سيبقى إذا لم تأتِ الضربة من الأطراف، بل من قلب النظام نفسه.

إيران ليست غريبة عن هذه المعادلة. أربعة عقود من العقوبات والضغوط والتهديدات والحروب الهجينة والمواجهات المباشرة صاغت لديها مناعة خاصة. لكن المناعة لا تعني الاسترخاء، بل الانضباط. تعني قراءة خريطة المخاطر بعيون باردة وعدم دفن الرأس في الرمال. في ظل التوتر الإقليمي المتصاعد، تعيد طهران هندسة السلطة بما يضمن صمودها حتى في أقسى السيناريوهات.

في هذا السياق تحرك المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي بوصفه استراتيجياً لا رمزاً، فكلف أحد أكثر رجاله ثقة، علي لاريجاني، بضمان استقرار الدولة إذا انزلقت الأمور إلى مواجهة عسكرية. القرار ليس مناورة تكتيكية ولا تبديلاً شكلياً في المواقع، بل خطوة تمس جوهر آلية بقاء الدولة إذا ما استُهدفت مراكز القرار أو حتى القيادة العليا نفسها.

نمط البقاء حسابات دقيقة لا شعارات. قائمة سيناريوهات واضحة: من يتخذ القرار إذا انقطعت الاتصالات، أي مؤسسات تتسلم الصلاحيات تلقائياً، ما هي قنوات الاتصال الاحتياطية، وكيف توزع المهام إذا سقطت «الحلقة الأولى». إنها هندسة باردة بلا انفعال، حيث تختبر الدولة متانة مفاصلها بدل أن تستعرض خطاباً حماسياً.

اختيار لاريجاني في هذا الظرف يبدو منطقياً. الرجل من جيل سياسيين عبروا الحرب والعقوبات وصراعات الداخل ومفاوضات الخارج. يجمع بين خبرة أمنية ومدرسة برلمانية ونَفَس استراتيجي وقدرة على مخاطبة مراكز القوة الدولية. في لحظة قد تتقاطع فيها الجبهة العسكرية مع الشارع والقنوات الدبلوماسية، يصبح هذا النوع من الشخصيات أشبه بمنسق صمود لا مجرد إداري.

المسألة هنا دفاعية لا هجومية. الثقافة السياسية الإيرانية مشبعة بذاكرة تاريخية عن دول تفككت تحت وطأة التدخلات الخارجية. لذلك يسود حذر محسوب، بلا هلع وبلا ارتباك. حين تفكر الدولة في كيفية استمرارها إذا ضُربت عقد القيادة، فذلك مؤشر نضج لا ضعف. الضعف هو الافتراض بأن الضربة لن تأتي. النضج هو الاستعداد لاحتمالها.

خامنئي في هذه المعادلة ليس فقط مرجعاً دينياً، بل مهندس استمرارية. الرهان ليس الحفاظ على توازن اللحظة، بل ضمان أن تبقى المنظومة قائمة حتى في غيابه إذا اقتضى الأمر. في وقت يتحدث خصوم طهران صراحة عن «سيناريو قطع الرأس»، يصبح تجاهل التهديد ضرباً من المقامرة غير المحسوبة. لذلك تبني العاصمة نموذجاً متعدد الطبقات للتماسك، حيث لكل عنصر دوره المحسوب مسبقاً.

نمط البقاء ليس لافتة إعلامية، بل فلسفة حكم. انفعال أقل، بنية أكثر. تصريحات أقل، بروتوكولات مغلقة أكثر. تفاؤل استعراضي أقل، انضباط استراتيجي أكثر. هكذا تتصرف الدول التي تعودت الاعتماد على ذاتها قبل أي شيء آخر.

في مطلع يناير، ومع تصاعد الاحتجاجات الداخلية والتهديدات الصادرة من الولايات المتحدة، حسم خامنئي خياره ووضع ثقله خلف لاريجاني، مانحاً إياه عملياً إدارة دفة الدولة. جاء تثبيت موقعه بمرسوم من الرئيس مسعود بزشكيان في أغسطس 2025، لتبدأ بعدها أجهزة الأمن بالتجمع حوله بوصفه «مركز الثقل» في زمن الأزمة.

منذ ذلك الحين، بات لاريجاني يرسم الخطوط الاستراتيجية الفعلية: من ينسق الكتلة الأمنية، من يدير أكثر الملفات حساسية، من يمسك بملف السيناريوهات إذا تعرضت البلاد لضربة. هذا الصعود السريع دفع بالرئيس بزشكيان، الطبيب الذي دخل السياسة من بوابة الإصلاح، إلى الصف الثاني. وهو نفسه أقر علناً: «أنا طبيب ولست سياسياً»، في اعتراف يعكس طبيعة اللحظة، حيث تميل الأنظمة في أوقات الخطر إلى تسليم القرار لمن يمسكون بخيوط الأمن.

المعطيات حول صعود لاريجاني ونقاشات الدائرة العليا في طهران استندت إلى شهادات مسؤولين حاليين وسابقين ومصادر مطلعة داخل المؤسسة، تحدثوا بشروط تحفظ هوياتهم. الصورة التي تتشكل تشير إلى توسع صلاحيات الرجل خلال الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ.

فهو من أشرف على التعامل الصارم مع الاحتجاجات التي طالبت بإنهاء الحكم الإسلامي، وهو من يدير قنوات التواصل مع الحلفاء الأساسيين، وفي مقدمتهم روسيا، ومع أطراف إقليمية مثل قطر وسلطنة عُمان، إلى جانب إشرافه على مسار التفاوض حول البرنامج النووي مع واشنطن. بالتوازي، يضع تصورات لإدارة البلاد إذا تحولت التهديدات الأمريكية إلى مواجهة مباشرة في ظل تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

الجبهة الداخلية لا تقل خطورة عن الخارجية. الجامعات عادت لتكون مقياس حرارة الشارع. في 21 فبراير 2026 خرج طلاب في عدة جامعات، بينها طهران، في احتجاجات تخللتها احتكاكات مع «الباسيج» الموالية للحكومة، التي تُستخدم تقليدياً أداة ضغط وضبط. وتزامنت التحركات مع مراسم «الأربعين» لضحايا أحداث يناير، وهي في الثقافة السياسية الإيرانية مناسبة تحمل بعداً رمزياً يسمح بالتجمع الجماهيري الذي قد يتحول بسهولة إلى منصة احتجاج.

هكذا تبدو طهران اليوم: لا تعبئة صاخبة ولا استعراض تحدٍ، بل استعداد هادئ وصلب. تحت ضغط متزايد، تراهن الدولة على أن صمودها ليس صدفة، بل نتيجة إرادة ممنهجة للحفاظ على السيادة. وفي هذا يكمن جوهر نمط البقاء.

على هذه الخلفية الداخلية الثقيلة، تتراكب طبقة التهديد الخارجي. الولايات المتحدة كثفت في الأيام الأخيرة حضورها العسكري حول إيران إلى درجة لم يعد الأمر يبدو «مواكبة دبلوماسية»، بل أقرب إلى أداة ضغط صريح. في الفضاء العلني يجري الحديث عن نقل أسراب جوية، وطائرات إنذار مبكر وسيطرة، وزيادة الكثافة القتالية في القواعد الإقليمية، وتعزيز المكوّن البحري. المسألة ليست عدد الطائرات بقدر ما هي بنية الضربة التي تتشكل: استطلاع، تشويش، تزوّد بالوقود، إدارة عمليات، تغطية، لوجستيات. هذا هو العتاد الكامل لأي عملية كبرى.

في هذا المناخ، يكرر علي لاريجاني الخطاب المألوف في القاموس الاستراتيجي الإيراني: دفاع، جاهزية، وعد بردّ حاسم، من دون إعلان نية البدء بالحرب. قال في مقابلة مع Al Jazeera خلال زيارة إلى الدوحة: «نحن مستعدون داخل بلادنا. نحن أقوى مما كنا عليه. خلال الأشهر السبعة أو الثمانية الماضية عالجنا نقاط الضعف. لا نسعى إلى حرب ولن نبدأها، لكن إذا فُرضت علينا فسنرد». رسالة مزدوجة الاتجاه: إلى الداخل لتبرير شدّ الأحزمة، وإلى الخارج لتذكير الجميع بأن للضغط ثمناً.

لكن العقدة الأكثر حساسية تبقى نووية. هنا تتراجع البلاغة وتتقدم الأرقام. وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بلغ المخزون الإجمالي من اليورانيوم المخصب لدى إيران حتى منتصف مايو 2025 نحو 9247.6 كيلوغراماً من حيث كتلة اليورانيوم. وفي الفترة نفسها، سُجل نحو 408.6 كيلوغرامات مخصبة بنسبة 60 في المئة. هذه ليست نسبة عسكرية تقليدية، حيث يُشار عادة إلى 90 في المئة كسقف للسلاح، لكنها تقع في «الممر الحرج» الذي يمكن لقرار سياسي أن يقلّص عبره زمن الانتقال إلى مستوى مختلف تماماً.

من هنا طبيعة الإشارات التفاوضية الراهنة. طهران تلمّح إلى استعداد لمناقشة خفض نسبة التخصيب تحت رقابة الوكالة، لا إخراج المواد من البلاد. في أواخر فبراير 2026 طُرح رقم يقارب 300 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب كأرضية لحل تقني عبر التخفيف. بالنسبة للنظام، التصدير يبدو كصورة استسلام، بينما التخفيف يمكن تسويقه كقرار سيادي من دون المساس بالبنية التحتية.

في هذه النقطة تتضح رهانات المرشد الأعلى علي خامنئي. هو لا يراهن على واجهة تنفيذية بقدر ما يراهن على شخصية تمسك بالخيوط الأمنية والدبلوماسية والتخطيطية معاً. بحسب مصادر مطلعة، كُلّف لاريجاني ودائرة ضيقة من السياسيين والعسكريين بضمان استمرارية النظام ليس فقط في حال ضربة أمريكية أو إسرائيلية، بل أيضاً في أي سيناريو يستهدف القيادة العليا نفسها. المعنى العملي لذلك هو إنشاء «دائرة احتياط»: من يتخذ القرار إذا ضُربت مراكز الاتصال، كيف تُوزع الصلاحيات إذا سقطت الحلقة الأولى، أي مؤسسات تتسلم القيادة تلقائياً، وكيف يُمنع الشلل في الساعات الأولى.

داخل المنظومة الإيرانية تُكتب هذه الخطط بلغة تقنية جافة، لكنها على الأرض تتجسد في تفاصيل ملموسة: قنوات اتصال بديلة، توزيع جغرافي لمراكز القيادة، تعزيز الحماية، اختبار الولاءات، تشديد فرز النخب، تقوية دور الكتلة الأمنية، والتحكم الصارم في السردية الإعلامية. ومع عودة الاحتجاجات إلى الجامعات وتصاعد الاستعراض العسكري الأمريكي، لم يعد السؤال إن كان الضغط سيستمر، بل إلى أي مدى يستطيع النظام تحمّله داخلياً وخارجياً في آن.

شخصية لاريجاني تكتسب وزناً إضافياً من سيرته وشبكة علاقاته. ينحدر من عائلة سياسية ودينية مؤثرة، وترأس البرلمان الإيراني اثني عشر عاماً. وفي عام 2021 أُوكلت إليه مهمة التفاوض حول الاتفاق الاستراتيجي الشامل لمدة 25 عاماً مع الصين، وهو اتفاق قُدّرت قيمته المحتملة بمئات المليارات على مدى ربع قرن. في نظر النخبة الإيرانية لم يكن ذلك مجرد نافذة اقتصادية، بل بوليصة تأمين جيو-اقتصادية: كلما تعمقت الروابط مع قوة كبرى، ارتفع سقف كلفة الضغط الخارجي.

الأزمة الإيرانية اليوم ليست قصة واحدة، بل تراكب ثلاثي. الأول هو الشارع والجامعات حيث يستعيد الاحتجاج لغته. الثاني هو التهديد الخارجي حيث تتجمع أدوات الردع على الحدود وفي البحار. الثالث هو «رياضيات النووي» حيث يتحول كل كيلوغرام وكل نسبة تخصيب إلى ورقة سياسية. وفي القلب رهان على لاريجاني كمدير للبقاء، مكلف بأن يحافظ على تماسك النظام حين تصبح إدارة الدولة أغلى من أي وقت مضى.

إذا قيل الأمر بصراحة، فإن طهران لا تستعد لتصعيد عادي، بل لسيناريو تُختبر فيه الدولة على جميع الخطوط دفعة واحدة. لذلك تبدو خطط البقاء أقرب إلى روتين إداري في بلد تعوّد العيش تحت الظل الثقيل للتهديد، وتعلم كيف يحوّل التهديد إلى مؤسسة.

خامنئي أطلق ما هو أبعد من خطة طوارئ. إنه يبني هندسة خلافة قادرة على امتصاص ضربة في قلب النظام. سلسلة توجيهات وُصفت بأنها شديدة التكنوقراطية: لكل منصب عسكري أو مدني رفيع يعيّنه المرشد شخصياً، حُددت أربعة مستويات تعاقب. وطُلب من كل مسؤول تسمية ما يصل إلى أربعة بدلاء محتملين. السيناريو المفترض ليس سقوط أفراد، بل تعطّل حلقات كاملة من القيادة، واختبار ما إذا كانت آلة الحكم قادرة على العمل فيما تُنتزع مفاصلها تباعاً.

النقطة الأكثر حساسية تمثلت في تفويض صلاحيات اتخاذ القرار في حال انقطاع الاتصال بالمرشد أو مقتله، إلى دائرة ضيقة من الموثوقين. هذا لم يعد «تأميناً احتياطياً»، بل إقراراً بأن سيناريوهات «قطع الرأس» تحولت من نظرية إلى فرضية عملية.

خلال حرب استمرت اثني عشر يوماً مع إسرائيل، وأثناء وجوده في ملجأ آمن، حدّد خامنئي ثلاثة أسماء محتملة لخلافته، من دون إعلانها. ويُعتقد أن لاريجاني لا يندرج ضمن هذا المسار الديني البحت، لأنه ليس مرجعاً شيعياً رفيعاً، وهو شرط جوهري لتولي منصب المرشد. النظام قد يكون مرناً تكتيكياً، لكنه في عناصر شرعيته العقائدية يلتزم قواعده الصارمة.

مع ذلك، لا يمكن تصور الدائرة القريبة من خامنئي اليوم من دون لاريجاني. فهو جزء من مجموعة صغيرة تجمع الذاكرة العسكرية، والآلية البرلمانية، والانضباط البيروقراطي، والعمق الديني. في هذه التركيبة تتقاطع الخبرة الأمنية مع القرار السياسي في لحظة يعتبرها النظام مفصلية.

بعض هذه الاستعدادات جاء نتيجة مباشرة لدروس هجوم إسرائيلي مفاجئ في يونيو، تصفه مصادر بأنه أدى في ساعاته الأولى إلى شلل في قمة الهرم العسكري الإيراني. بالنسبة لأي دولة هذا جرح مؤلم، لكن في نظام تتداخل فيه الشرعية مع الأمن يصبح الأمر صدمة وجودية. إذا كان بالإمكان إسقاط الطابق العسكري العلوي بسرعة، فالحل من منظور طهران هو بناء طابق ثانٍ وثالث ورابع مسبقاً، حتى لا تتوقف الآلة عندما يُضرب السقف.

بعد وقف إطلاق النار، عيّن المرشد الأعلى علي خامنئي، علي لاريجاني أميناً لمجلس الأمن القومي، وأنشأ مجلساً جديداً للدفاع الوطني برئاسة الأميرال علي شمخاني لإدارة الشؤون العسكرية في زمن الحرب. هذه الثنائية تبدو كفصل مقصود للأدوار: مركز للتنسيق الاستراتيجي الشامل، وآخر لإدارة المعركة حين تصبح القرارات أسرع وأقسى وأقل ازدحاماً بالأصوات.

خامنئي يتصرف انطلاقاً من واقع يراه ماثلاً أمامه. يفكر بعقلية من يستعد لكل الاحتمالات، حتى أقساها، ويتعامل مع مسألة الإرث واستمرارية النظام بوصفها مسؤولية شخصية حتى اللحظة الأخيرة. في هذا السياق، لا يبدو توزيع الصلاحيات لعبة أجهزة، بل تخطيطاً متزامناً للخلافة والحرب، لأن تغيير القيادة قد يصبح نتيجة مباشرة لمواجهة عسكرية.

الرواية الرسمية في طهران تفترض أن الضربات الأمريكية احتمال قائم في أي لحظة، رغم استمرار قنوات الاتصال والمفاوضات حول الملف النووي. القوات المسلحة في أعلى درجات الجاهزية، واللغة المستخدمة تعكس قناعة مفادها: الدبلوماسية مستمرة، لكن أبواب الملاجئ يجب أن تُغلق بلا تأخير.

منصات الصواريخ الباليستية تنتشر على طول الحدود الغربية مع العراق، ضمن مدى يسمح باستهداف إسرائيل، كما تُنشر على الساحل الجنوبي للخليج بما يضع القواعد الأمريكية وأهدافاً أخرى في مرمى النار. الجغرافيا هنا رسالة بحد ذاتها: غرباً وفق منطق المدى والممرات، وجنوباً وفق منطق القوس البحري والحضور الأمريكي.

في الأسابيع الأخيرة أغلقت إيران مجالها الجوي مراراً لإجراء اختبارات صاروخية. وفي الخليج جرت مناورات عسكرية تخللها إغلاق مؤقت لمضيق هرمز، الشريان البحري الحيوي لتدفقات الطاقة والتجارة العالمية. حتى الإغلاق القصير لهذا المضيق يقرأه السوق وشركات التأمين وسلاسل الإمداد وغرف العمليات العسكرية في آن. إنه تذكير بأن الضغط على طهران يمكن أن يتحول إلى ضغط على الاقتصاد العالمي.

في خطاباته الأخيرة، حافظ خامنئي على نبرة صارمة. قال إن «أقوى جيش في العالم قد يتلقى ضربة تجعله عاجزاً عن النهوض»، ولوّح بإمكانية إغراق سفن حربية أمريكية متمركزة في المياه القريبة. هذه العبارات ليست انفعالاً عابراً، بل جزء من دفاع نفسي محسوب: رفع كلفة القرار العسكري ودفع الخصم إلى حساب تداعيات الرد وسلسلة التأثيرات اللاحقة.

في حال اندلاع حرب، السيناريوهات لا تقتصر على الجبهة. وفق توصيفات متقاطعة، ستنتشر وحدات خاصة من الشرطة وعناصر الاستخبارات وكتائب «الباسيج» التابعة لـ الحرس الثوري الإسلامي في شوارع المدن الكبرى. المهمة ستكون إقامة نقاط تفتيش ومنع اضطرابات داخلية ورصد أي اختراق محتمل. النظام يستعد لعبء مزدوج: ضربة خارجية وتوتر داخلي يُنظر إليه كرفيق طبيعي للحرب.

التحضير لا يقتصر على التعبئة العسكرية، بل يشمل بقاء النظام سياسياً. تُناقش، بحسب مصادر متعددة، سيناريوهات إدارة البلاد في حال مقتل خامنئي أو كبار المسؤولين، والبحث عن شخصية تؤدي دور «مشغل الطوارئ» القادر على الإمساك بزمام الدولة والتفاوض من موقع صلب إذا شُلّ رأس الهرم. في التداولات يُستحضر مثال نائبة رئيس فنزويلا ديلسي رودريغيز في سياق الترتيبات التي أعقبت أزمات الحكم في كاراكاس، كإشارة إلى الحاجة لشخصية تمسك بالإدارة وتفتح قنوات التفاوض في آن.

في مقدمة الأسماء المتداولة يأتي لاريجاني، يليه محمد باقر قاليباف، ويظهر أيضاً اسم الرئيس الأسبق حسن روحاني، الذي كان قد ابتعد عن الدائرة الضيقة في السنوات الماضية. عودة مثل هذا الاسم إلى الطاولة تعكس براغماتية اللحظة: عند التهديد الوجودي يمكن استدعاء خبرات كانت موضع خلاف إذا اقتضت الضرورة.

لكن لكل مرشح كلفته الرمزية. ثمة ملفات اتهام بالفساد أو ارتباط بانتهاكات حقوقية، بما في ذلك أحداث دامية قيل إن آلاف المحتجين غير المسلحين سقطوا خلالها خلال أيام معدودة. منظمات حقوقية حذرت من أن الأرقام قد تكون أعلى. هذا يجعل مسألة تعيين «وجه المرحلة» أكثر تعقيداً: ليس فقط الحفاظ على تماسك الأجهزة، بل تجنب إشعال الشارع بمجرد اختيار الشخصية.

في المحصلة، تبدو الصورة كخطة وقائية متعددة الطبقات: نظام تعاقب هرمي، دائرة قرار ضيقة، مسارات إدارة موازية، جاهزية صاروخية معلنة، ورقة مضيق هرمز، وإجراءات أمن داخلي معدة سلفاً. ليست استعداداً لأزمة محتملة، بل محاولة لضمان ألا تتحول الأزمة، إن وقعت، إلى نهاية النظام، حتى لو بدأت بضربة في أعلى طوابق السلطة.

لم يعد الحديث عن «سيناريوهات احتياطية» في طهران يُقال همساً. بات جزءاً من الخطاب العلني. ومع ذلك، تدرك النخبة الحاكمة أن أعتى خطط التعاقب لا تلغي حقيقة واحدة: الحرب المباشرة مع الولايات المتحدة، إن وقعت، ستبقى مفتوحة على المجهول. هذا وعي بارد داخل النظام. المرشد الأعلى علي خامنئي أصبح أقل حضوراً في المشهد العام، وكأن قراراته الأخيرة تعكس قناعته بأنه هدف محتمل. ومع ذلك يظل «الغراء» الصلب الذي تتماسك به بنية السلطة. في الأروقة العليا لا يخفون أن غيابه سيجعل الحفاظ على تماسك النظام مهمة شاقة، مهما تعددت درجات السلم الاحتياطي.

على هذه الخلفية، تبدو تحولات الواجهة لافتة. خلال الشهر الأخير ارتفع منسوب الظهور العلني لـ علي لاريجاني، فيما تراجع حضور الرئيس مسعود بزشكيان إلى مستوى أكثر تواضعاً. لاريجاني لا يكتفي بالإدارة من خلف الستار، بل يعرض «قابلية الإدارة». زيارة إلى موسكو للتشاور مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لقاءات مع قادة في الشرق الأوسط، مشاركة في قنوات الاتصال بين المفاوضين الإيرانيين والأمريكيين حول الملف النووي. بالتوازي يعيد تشكيل صورته العامة: مقابلات مطولة، حضور نشط على المنصات، صور مع مواطنين، زيارات لمزارات دينية. ليس أسلوب بيروقراطي يتكئ على البروتوكول، بل سلوك شخصية تجمع حولها شرعية القرار وتقول للنخب وللشارع إن مركز الثقل هنا.

أما بزشكيان، فيبدو أنه تقبّل إعادة توزيع الصلاحيات. الدلالة الأوضح جاءت في ملف يومي لا جيوسياسي. في اجتماع حكومي أقرّ بأنه لجأ إلى لاريجاني طالباً رفع قيود الإنترنت لما تسببه من أذى للتجارة الإلكترونية. تفصيل يبدو تقنياً، لكنه يكشف ميزان القوى الفعلي: حتى الرئيس يحتاج إلى ضوء أخضر من لاريجاني في ملفات اقتصادية داخلية. هنا تتجلى السلطة لا في الألقاب، بل في آلية اتخاذ القرار.

في يناير، ومع اشتداد الاحتجاجات وتصاعد التهديدات الخارجية، حاولت واشنطن فتح قناة مباشرة. المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف سعى، وفق معطيات متداولة، للتواصل مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. السياق كان مشحوناً. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد صرّح علناً بأنه سيوجه ضربة لإيران إذا نُفذت أحكام الإعدام بحق متظاهرين. لم تكن زلة لسان، بل رسالة مباشرة.

ويتكوف أراد معرفة ما إذا كانت الإعدامات ماضية أم أُلغيت. المسألة كانت محاولة لمنع سوء تقدير قد يتحول إلى شرارة عسكرية. في لحظات كهذه، يكفي خطأ في الفهم كي تنفلت السلسلة من عقالها.

اللافت أن عراقجي، التزاماً بالأصول، تواصل مع الرئيس لطلب الإذن بفتح القناة. الرد كان كاشفاً: بزشكيان قال إنه لا يعرف، ونصحه بمراجعة لاريجاني. مكالمة قصيرة، لكنها أشبه بصورة أشعة تكشف البنية العميقة. وزير الخارجية يلجأ إلى الرئيس، والرئيس يحيله إلى لاريجاني. في أنظمة الأزمات يتقدم حق القرار النهائي على لقب المنصب.

لهذا لا يمكن قراءة تصاعد دور لاريجاني كصدفة إعلامية أو طموح شخصي. إنه انعكاس لعملية إعادة تجميع للنظام تحت الضغط. الرهان يتجه نحو الكتلة الأمنية، نحو قنوات خارجية مضبوطة، نحو شخصية قادرة على مخاطبة العسكر والدبلوماسيين والشارع في آن.

قيود الإنترنت، الاتصالات غير المباشرة مع واشنطن، نقاش «الخطوط الحمراء»؛ كلها ليست أحداثاً متفرقة، بل حلقات في مسار واحد. البلاد تستعد للعيش في بيئة يصبح فيها أي خطأ مكلفاً. وفي مثل هذا المناخ تتكثف السلطة بطبيعتها عند من يُنظر إليه حارساً لاستمرارية الدولة لا موزعاً للوعود.

هذا التكثف لا يعني التفكك. على العكس، هو إعادة شدّ للمسامير. النظام لا يتشظى، بل ينكمش إلى نواته الصلبة. تتقلص مساحات الغموض، تختصر دوائر الموافقة، وتُخفض احتمالات الارتجال. حين يُتداول علناً احتمال الضربة، تصبح هذه العقلية شرط بقاء.

في الوقت نفسه، تكشف محاولة فتح قناة مباشرة أن الخطوط الدبلوماسية لم تُقطع تماماً رغم صخب الخطاب. غير أن طهران تصوغها وفق قواعدها. قرار التواصل يُتخذ داخل هرمها لا استجابة لضغط خارجي. هكذا يُعرّف النظام سيادته عملياً.

تصاعد حضور لاريجاني يكتسب، في هذا الإطار، معنى إضافياً. مشاركته في اللقاءات والمشاورات ليست نشاطاً بروتوكولياً، بل رسالة بأن مركز القرار مستقر ويعمل. في بلد يواجه توتراً داخلياً وتهديداً خارجياً في آن، يصبح إظهار «قابلية التحكم» إشارة استراتيجية بحد ذاته.

إيران تجد نفسها في لحظة يمكن لأي قرار فيها أن يتردد صداه بعيداً عن الزمن الراهن. لذلك يتقدم مبدأ الانضباط والحساب على منطق الانفعال. ليست سياسة أعصاب، بل سياسة ميزان.

في المحصلة، قصة ويتكوف وعراقجي وبزشكيان ليست تفصيلاً عابراً. إنها نافذة على كيفية تشكل مركز القوة الفعلي تحت الضغط. حين تكون استمرارية الدولة على المحك، تنتقل الصلاحيات عملياً إلى من يُنظر إليه كضامن للاستمرارية.

هكذا تبدو إيران اليوم. لا تقطع الحوار، ولا تسمح للتهديد بأن يعيد هندسة قرارها. لا تتجاهل المخاطر، ولا تفقد رباطة الجأش. في نمط البقاء تصبح الدولة أكثر صرامة، أكثر عقلانية، وأكثر انضباطاً.

في هذه الصورة تتراجع الألقاب أمام آلية القرار. ومع خطر سوء التقدير، تصبح هذه الآلية هي صمام الأمان ضد الاندفاع. إيران تحت الضغط لا تبدو مرتبكة. تبدو متماسكة بنيوياً. وهذه التماسك، مهما اشتد الظرف، يبقى حجر الزاوية في قدرتها على الصمود.