في أغسطس من عام 2025، لم تُسجَّل في «الساحة القديمة» بموسكو خطابات مدوّية ولا تسريبات مدروسة، بل صمت ثقيل. من دون اجتماعات استعراضية، ومن دون تقارير علنية. في التاسع والعشرين من الشهر ذاته وُقِّع المرسوم الرئاسي رقم 607. ظاهرياً، كان القرار يقضي بإلغاء إدارتين وإنشاء إدارة جديدة. عملياً، كان ذلك تفكيكاً لمنظومة النفوذ الإنساني السابقة وإطلاق هندسة مختلفة للعلاقات الخارجية.
تم حلّ إدارة العلاقات بين الأقاليم والروابط الثقافية مع الدول الأجنبية، وكذلك إدارة التعاون الحدودي. وبدلاً منهما أُنشئت «إدارة الشراكة الاستراتيجية والتعاون» التي عُرفت اختصاراً بـ«أوسبس». الهيكل الجديد جمع صلاحيات الكيانين السابقين، ومنح صلاحيات أوسع. لكن الأهم أن منطق العمل نفسه تبدّل.
النموذج السابق استند إلى أدوات القوة الناعمة: نشر اللغة الروسية، العمل مع الجاليات، البرامج الثقافية، ومنح الدعم للمنظمات الأهلية. هذا البناء تبلور في منتصف العقد الأول من الألفية رداً على «الثورات الملوّنة». كان يتحرك عبر المشاريع التعليمية والروابط الإنسانية. غير أن مطلع العقد الثالث كشف بوضوح تراجع العائد الاستراتيجي.
العقوبات، تفكك سلاسل الإمداد، وعسكرة السياسة في أوروبا وفضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي جعلت الآليات القديمة محدودة الفاعلية. شبكات النخب الموالية بقيت قائمة، لكنها لم تعد تضمن تحكماً سياسياً مستقراً. المشاريع التعليمية صنعت صورة إيجابية، لكنها لم تُنتج تبعية بنيوية.
«أوسبس» جاءت جواباً على هذا التحوّل.
في الثامن من ديسمبر 2025 وُقِّع المرسوم رقم 906 الذي أقرّ النظام الداخلي للإدارة الجديدة. الوثيقة كرّست نموذجاً مختلفاً. لم تعد الإدارة تكتفي بالتحليل، بل مُنحت حق المشاركة في صياغة الاتفاقيات الدولية ووثائق التخطيط الاستراتيجي. تحولت إلى مركز عمليات لمشاريع تدمج الاقتصاد والإعلام والبنية التعليمية والإسناد القانوني في حزمة واحدة.
وزارة الخارجية بقيت واجهة الدبلوماسية. أما «أوسبس» فأصبحت بنيتها التقنية ومحركها التنفيذي.
تبدّل المشرف: من التسويات إلى إدارة المشاريع.
بالتوازي مع إعادة الهيكلة، شهد الجهاز الرئاسي تحولاً مهماً. في سبتمبر 2025 غادر دميتري كوزاك موقعه كمشرف على الملف الخارجي. وانتقل الإشراف إلى النائب الأول لرئيس الإدارة الرئاسية سيرغي كيريينكو.
لم تكن هذه الخطوة إدارية فحسب، بل مفصلية.
مرحلة كوزاك قامت على التفاوض والتفاهمات خلف الأبواب المغلقة. أما مقاربة كيريينكو فمرتكزها المنهجية وإدارة المشاريع. خبرته في «روساتوم» وفي إدارة السياسة الداخلية نُقلت إلى الساحة الخارجية. بدلاً من الدبلوماسية الانفعالية، جرى اعتماد منظومة مؤشرات أداء. وبدلاً من الحلول الظرفية، أُطلقت مشاريع بنيوية طويلة الأمد.
التركيبة الجديدة أقل حضوراً في العلن، لكنها أكثر فاعلية على الأرض. جهاز صغير نسبياً، يضم خبرات متنوعة من مديري إعلام إلى ممثلين عن الأجهزة الأمنية.
لغز التعيين: فاديم تيتوف.
في الرابع والعشرين من أكتوبر 2025 ثبّت المرسوم رقم 777 تعيين فاديم تيتوف رئيساً لـ«أوسبس». لم يكن اسمه الخيار الأكثر تداولاً داخل الأروقة، إذ طُرحت شخصيات ذات حضور إعلامي لافت. لكن الرهان وقع على مدير تنفيذي بعيد عن الصدامات الإعلامية.
وُلد تيتوف في الرابع عشر من مارس 1984 في مقاطعة إيركوتسك. بدأ مسيرته في الصحافة، مقدماً لبرنامج تلفزيوني إقليمي. التعامل مع الرأي العام كان أول أصوله المهنية.
عام 2009 انتقل إلى منظومة «روساتوم». هناك تدرج من العمل في الخدمة الصحفية إلى قيادة هيكل «روساتوم – الشبكة الدولية». المهمة لم تكن تسويق التكنولوجيا النووية فحسب، بل بناء بنية تحتية مرافقة للعقود: برامج تعليمية، شراكات إعلامية، واتفاقيات خدمات طويلة الأجل.
الطاقة النووية تحولت إلى نموذج نفوذ ممتد زمنياً: العقد يعني سنوات من الصيانة، والصيانة تتطلب إعداد كوادر، وإعداد الكوادر يخلق اندماجاً معلوماتياً وقيمياً.
هذه هي الفلسفة التي تقوم عليها «أوسبس».
قرغيزستان كمختبر.
كانت قرغيزستان الساحة الأولى لتجربة النموذج الجديد. الاختيار لم يكن عاطفياً، بل براغماتياً: عضوية في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، استثمارات روسية وازنة، وحجم كبير من العمالة المهاجرة إلى روسيا. الاعتماد المتبادل قائم أصلاً، وكان المطلوب تأطيره مؤسسياً.
في نوفمبر 2025 افتُتح في بيشكيك «المركز الأوراسي للغة الروسية والثقافة». في الشكل، منصة تعليمية. في الجوهر، أداة لبناء ولاء مهني طويل الأمد.
وفي الثالث والعشرين من نوفمبر انطلق بث قناة «نوماد تي في» كمشروع مشترك مرتبط بهياكل إعلامية روسية. البث الثنائي اللغة وفّر غطاءً للامتثال للقوانين المحلية، مع الحفاظ على التواصل مع الجمهور الناطق بالروسية.
الهندسة الإعلامية أصبحت جزءاً من المعمار الاستراتيجي.
الدائرة المالية وآليات الوكلاء.
تمويل المشاريع مرّ عبر منظمات غير ربحية مستقلة. لعبت «المنظمة المستقلة غير الربحية أوراسيا» دوراً محورياً. ضم مجلس أمنائها سياسيين ورجال أعمال قادرين على تأمين الموارد للمبادرات.
هذا النموذج خفّض مستوى الشفافية في تدفقات الأموال، وأتاح الالتفاف على قيود العقوبات. الدولة لم تظهر في الواجهة، لكن التنسيق كان مركزياً ومحكماً.
المسار الإفريقي.
بعد دمج إدارة التعاون الحدودي، اكتسبت «أوسبس» أدوات للعمل في بيئات غير مستقرة. هذه الأدوات نُقلت إلى الساحة الإفريقية.
الصيغة بقيت نفسها: مراكز تعليمية، منصات إعلامية، ومشاريع بنية تحتية عبر كيانات مرتبطة. الفارق كان في الحجم والطموح. إفريقيا تُقرأ في موسكو بوصفها احتياطياً استراتيجياً في زمن الضغط العالمي.
ندوة مغلقة: تأسيس الأيديولوجيا.
في أواخر 2025 عُقدت ندوة مغلقة لموظفي «أوسبس». النقاش دار حول إعادة تعريف القوة الناعمة والانتقال من النشاط الثقافي إلى بناء بنية تحتية للمعاني والروايات.
شارك في اللقاء خبراء من الأجهزة الأمنية، بينهم ضباط ذوو خبرة في الاستخبارات التقنية. الفكرة المحورية كانت الانتقال من ردّ الفعل إلى التحكم الاستباقي بالشروط التي تُنتج الحدث.
هنا تتضح الفلسفة الجديدة: المشروع الإنساني لم يعد فعالية ثقافية عابرة، بل مكوّناً من مكونات الآلية الجيوسياسية.
الدائرة الصلبة والهندسة الرقمية للنفوذ.
إذا بدت المرحلة الأولى كإعادة تنظيم إداري، فإن المرحلة الثانية كشفت حجم التحول. «أوسبس» صُممت منذ البداية كهيكل عابر للدوائر: غطاء إنساني، ونواة تحليلية وأمنية في العمق.
أحد المؤشرات كان انتقال المقدم في جهاز الأمن الفدرالي أليكسي كليتشيف إلى الإدارة الجديدة. سيرته لم تكن متداولة علناً. بدأ خدمته في «المركز السادس عشر» التابع للجهاز، وهو الوحدة العسكرية 71330 المتخصصة في اعتراض الاتصالات الإلكترونية وفك تشفيرها وتحليلها. وبحسب تحقيقات أجنبية، يضم هذا المركز عشرة أقسام وأكثر من خمسمئة موظف.
زملاؤه بافيل أكولوف وميخائيل غافريلوف ومارات تيوكوف وُجهت إليهم في الولايات المتحدة اتهامات تتعلق بهجمات إلكترونية على منشآت طاقة ونووية بين عامي 2012 و2017. أهمية هذه الوقائع لا تكمن في تفاصيلها القضائية، بل في مستوى الخبرة التي تُستقطب إلى الجهاز الجديد.
«أوسبس» تدمج خبراء قادرين على التعامل مع البنى الرقمية للدول الأخرى. المشاريع الإنسانية والإعلامية تُستكمل بقدرات على الرصد التقني والتحليل. جمع البيانات، قياس مزاج النخب، ومحاكاة ردود فعل المجتمعات تتحول إلى منظومة واحدة متكاملة.
بهذا المعنى، لم تعد القوة الناعمة مجرد خطاب ثقافي. إنها شبكة معقّدة من أدوات النفوذ، تعمل بهدوء، لكنها تُعيد رسم خرائط التأثير.
الصحافة كمدرسة للتأثير العملياتي.
الشخصية الثانية المحورية في البنية الجديدة كان أنطون ريباكوف. خريج كلية الصحافة في جامعة موسكو الحكومية، بدأ مسيرته في قسم التحقيقات في صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس». في منتصف العقد الماضي، وجدت خبرته طريقها إلى الإدارة الرئاسية.
خضع ريباكوف لتدقيق أمني صارم، ثم عُيّن مرجعاً للملفات الحساسة. كان يُنظر إلى العقيد في جهاز الأمن الفدرالي فاليري ماكسيموف بوصفه مرشده المباشر، وهو المشرف على العمليات الانتخابية في عدد من دول الفضاء السوفييتي السابق. داخل الأروقة، لُقّب ريباكوف بـ«لينين الشاب» بسبب الشبه الخارجي ونزعته إلى التحليل الأيديولوجي. خلف هذا اللقب كانت تكمن صرامة تنظيمية وقدرة على النمذجة المنهجية للمسارات السياسية.
اليوم يتولى ريباكوف الإشراف التحليلي على مشاريع إدارة الشراكة الاستراتيجية والتعاون في آسيا الوسطى. تقاريره تُبنى على مؤشرات كمية واضحة: مدى اختراق السرديات الإعلامية، مستوى الاندماج المؤسسي، وكثافة قنوات الاتصال مع النخب.
الدرع القانوني: هندسة الالتفاف على العقوبات.
العنصر الثالث في المنظومة هو الإسناد القانوني. في ظل نظام عقوبات مشدد، تصبح أي حركة خارجية بحاجة إلى تركيبات قانونية معقدة. لذلك جرى إدماج خبراء متمرسين في أنظمة القيود الدولية.
يُنظر إلى ترشيح أنطون كوريفين لقيادة الكتلة القانونية باعتباره خطوة منطقية. خريج الجامعة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، خدم سابقاً في الاستخبارات العسكرية، ثم انتقل إلى القطاع الخاص، بما في ذلك العمل ضمن هياكل «فولغا غروب»، حيث تولى تصميم آليات للحد من مخاطر العقوبات.
خبرته الأخيرة في الاستشارات المرتبطة بشركات حكومية كبرى وبنوك وفرت له فهماً عملياً لكيفية إدارة مشاريع عابرة للحدود في ظل قيود على الوصول إلى النظام المالي الدولي. بالنسبة للإدارة الجديدة، يعني ذلك طبقة إضافية من المتانة المؤسسية.
الغلاف الخبير: المعهد الوطني لتطوير الاتصالات.
يحتل المعهد الوطني للبحوث في تطوير الاتصالات موقعاً خاصاً في هذه البنية. رسمياً هو مركز تحليلي، وعملياً حلقة وصل بين مؤسسات الدولة والمجتمع الخبير.
يرأس المعهد فلاديسلاف غاسوميانوف، وهو إداري بخلفية في مجالي الأمن وإدارة الشركات. تحت إشرافه تُصاغ مفاهيم الشراكة الاستراتيجية، وتُعد تقارير للمنتديات الدولية، وتُبنى قاعدة خبراء داعمة للمبادرات الخارجية.
وجود هذا المعهد يسمح بإحاطة القرارات السياسية بخطاب أكاديمي يمنحها شرعية معرفية ويضفي عليها طابعاً مؤسسياً.
المساران البلطيقي والمولدوفي.
يحظى الاتجاه البلطيقي باهتمام خاص. الحديث عن احتمال تعيين مكسيم غريغوريف، وهو كاتب وصحافي شارك في أعمال قتالية، يعكس نية خوض سجال تاريخي وإعلامي نشط. صياغة قراءات بديلة للأحداث وإعداد تقارير خبراء يُنظر إليهما كأدوات ضمن الاستراتيجية الشاملة.
أما المسار المولدوفي فيرتبط بمشاريع مالية وإعلامية. استخدام هياكل وسيطة يخفف الحضور المباشر للدولة ويقلل مخاطر التعطيل أو التجميد.
قرغيزستان: الاقتصاد كأساس.
المعطيات الاقتصادية لقرغيزستان تجعلها ساحة مريحة للتجريب. خلال عامي 2025 و2026 ظل حضور رأس المال الروسي في اقتصاد البلاد مؤثراً. الاستثمارات تركزت في الطاقة والقطاع المصرفي والبنية التحتية.
إطلاق منصات إعلامية ومراكز تعليمية في ظل هذا الاندماج الاقتصادي يخلق نموذج اعتماد متبادل مستقر. المكوّن المعلوماتي يجد دعمه في الأرضية المالية.
التماسك الأيديولوجي.
الندوة المغلقة التي عُقدت في موسكو شكلت لحظة مزامنة فكرية. العروض ركزت على الانتقال من رد الفعل الظرفي إلى إدارة بنيوية طويلة الأمد. السيناريوهات السلبية التي طُرحت تمحورت حول تحولات سياسية في دول يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من المحيط الاستراتيجي.
الفكرة المركزية كانت واضحة: الصراع لا يدور حول قرار هنا أو هناك، بل حول منظومة التفسير ذاتها. فقدان السيطرة على قراءة التاريخ والحاضر يعني تآكل النفوذ السياسي.
نموذج متعدد الطبقات.
إدارة الشراكة الاستراتيجية والتعاون تتشكل كنظام متعدد المستويات.
المستوى الأول إنساني: اللغة والثقافة والتعليم.
المستوى الثاني إعلامي: قنوات تلفزيونية ومنصات رقمية وموارد تحليلية.
المستوى الثالث قانوني: حماية من العقوبات وآليات مالية معقدة.
المستوى الرابع أمني ورقمي: رصد وتحليل وكفاءات سيبرانية.
كل طبقة تعزز الأخرى. المشروع يدمج الارتباط الاقتصادي بالمواكبة الإعلامية والحماية القانونية ضمن حزمة واحدة.
أفق التوسع.
كانت قرغيزستان ساحة عرض أولى. إفريقيا تُطرح كمرحلة تالية. هناك يزداد الطلب على حلول البنية التحتية والبرامج التعليمية والشراكات الإعلامية. نماذج الإدارة ذات الطابع المؤسسي تُكيّف لتخدم أهداف النفوذ الحكومي.
الهيكل الجديد يمثل محاولة لجمع المبادرات المتفرقة في منظومة مركزية للتخطيط الاستراتيجي.
من واجهة إنسانية إلى آلية ضغط استراتيجي.
جوهر قصة هذه الإدارة لا يكمن في المراسيم ولا في الأسماء، بل في تحوّل الفلسفة. إذا كانت الآلة الرسمية تعتمد سابقاً على الرموز والشعارات، فهي اليوم تراهن على البنى والهندسة. لم يعد الشعار كافياً، بل المطلوب بنية تحتية متكاملة.
الندوة المغلقة التي سبقت نهاية العام في موسكو، والتي جرى الحديث عنها همساً، كانت لحظة تبلور لهذه الرؤية. حضرها موظفو القطاع الإنساني، محللون، قانونيون، وضباط بخبرة في وحدات تقنية. العنوان المعلن كان أدوات القوة الناعمة. أما المضمون فكان أكثر صرامة بكثير.
الطرح الأساسي تمحور حول أن الذاكرة التاريخية لم تعد مورداً سياسياً كافياً بذاته. الحنين فقد كثيراً من فعاليته. النخب الشابة في آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا الشرقية تنظر إلى التكنولوجيا والأسواق والمعلومات. وبالتالي، يصبح المطلوب بناء اعتماد مؤسسي عميق.
الاعتماد المؤسسي هو المفهوم المفتاح في النموذج الجديد.
الإدارة لا تكتفي بتنسيق مشاريع متفرقة، بل تعمل على تشكيل منظومات متكاملة. المركز التعليمي لا يقتصر على دروس لغة، بل يشمل إعداد مدرسين، برامج تبادل، منحاً، تدريباً عملياً، منصات رقمية، وقواعد بيانات للخريجين. القناة التلفزيونية ليست مجرد نشرات أخبار، بل إنتاج محتوى، دمج تدفقات إعلانية، برامج تحليلية، وبناء شبكة خبراء.
الرقابة الرقمية وعدسة التحليل.
تحليل الكتل الكبرى من البيانات يحتل موقعاً محورياً. وفق مصادر مطلعة، تُستخدم أدوات نمذجة سلوكية متقدمة. مراقبة شبكات التواصل، تحليل الإعلام المحلي، وقياس ردود الفعل على التصريحات تتحول إلى أدوات إدارة.
خبراء بخلفية في الاستطلاع التقني يوفرون الأساس التقني لهذا العمل. مهمتهم لا تقتصر على التدخل المباشر، بل على فهم هندسة الاتصال في الدول المستهدفة: أي منصات تهيمن، من يصوغ الأجندة، وما الموضوعات التي تثير الصدى. انطلاقاً من هذه المعطيات تُصمم البرامج التعليمية والثقافية والإعلامية.
هكذا تكتسب الواجهة الإنسانية هيكلاً رقمياً صلباً، ويغدو النفوذ شبكة متعددة الأبعاد، تعمل بهدوء، لكنها تُعيد تشكيل موازين التأثير.
البلطيق: التاريخ كساحة اشتباك.
يُنظر إلى المسار البلطيقي بوصفه منطقة صدام أيديولوجي حاد. الرهان هنا على السردية التاريخية وخطاب حقوق الإنسان. إعداد تقارير خبراء، نشر دراسات تحليلية، وصياغة قراءات بديلة للأحداث ليست خطوات معزولة، بل مكونات خط منهجي متكامل.
في هذا السياق تبدو شخصية مكسيم غريغوريف دالة. خبرته في العمل ضمن هياكل عامة ونشاطه البحثي والإعلامي يتيحان إنتاج غطاء خبير يُستخدم في النقاشات الدولية. المسألة لا تتعلق بدعاية مباشرة، بل بتراكم نصوص وتقارير تُستدعى لاحقاً في المنابر والمنتديات كمرجعيات تحليلية.
المصفوفة القانونية: التفاف من دون خرق.
النشاط الخارجي تحت ضغط العقوبات يتطلب هندسة قانونية دقيقة. الفريق الذي يتشكل حول أنطون كوريفين يعمل على صوغ آليات تمويل عابرة للحدود عبر كيانات مستقلة وصناديق وسيطة.
الهدف ليس خرق القيود بشكل مباشر، بل توظيف مساحات التأويل داخلها. تُسجَّل المشاريع كبرامج تعليمية أو مبادرات ثقافية. تمرّ التدفقات المالية عبر منظمات غير ربحية، ما يقلص مخاطر التجميد أو الحظر. في الشكل هو تعاون دولي مشروع. في الجوهر شبكة نفوذ محكمة البناء.
إفريقيا: توسيع النطاق.
إذا كانت قرغيزستان ساحة تجريب أولى، فإن القارة الإفريقية تُطرح كوجهة استراتيجية للتوسّع. الطلب هناك يتركز على البنية التحتية والطاقة والقطاعات الاستخراجية والتعليم. نموذج العقود طويلة الأمد مع خدمات مرافقة يُعتمد كقاعدة.
في دول إفريقية عدة يُخطط لإطلاق مراكز تعليمية ومنصات إعلامية وبرامج لإعداد الكوادر الإدارية. عقد لبناء منشأة طاقة يعني سنوات من الصيانة والتدريب. هذه الصيغة تخلق اعتماداً أعمق بكثير من منحة مالية عابرة أو دعم ظرفي.
توليف البيئات المهنية.
السمة الأبرز للنظام الجديد هي جمع كفاءات متباينة داخل إطار واحد. في الوحدة الواحدة يعمل صحافيون، مديرون تنفيذيون، خبراء قانون عقوبات، وضباط بخلفية تقنية. كل طرف يتولى مجاله، لكن المشروع يُصاغ كبنية واحدة مترابطة.
القطاع الإنساني يرسم الإطار المعنوي.
القانوني يوفر الحماية.
التحليلي يحاكي ردود الفعل ويقيس المزاج.
والدائرة الصلبة تراقب البيئة المعلوماتية.
لم يعد الأمر قوة ناعمة بالمعنى الكلاسيكي، بل بيئة مؤسسية مُدارة بعناية.
اتجاهات مقبلة.
تقديرات خبراء تشير إلى اتساع الجغرافيا المستهدفة. إلى جانب آسيا الوسطى وإفريقيا، قد تدخل دول في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية ضمن بؤرة التركيز. الصيغة تبقى ذاتها: بنية تعليمية، توسع إعلامي، وارتباط اقتصادي طويل الأمد.
التحول المؤسسي في أغسطس 2025 لم يكن إجراءً إدارياً عادياً، بل انعطافة مفاهيمية. الأدوات القديمة تراجعت لصالح هندسة تأثير قائمة على المشاريع. النظام أقل صخباً في العلن، وأكثر تشبعاً بالتقنيات في العمق.
إدارة الشراكة الاستراتيجية والتعاون تحولت إلى مركز تنسيق لإدارة هجينة للعلاقات الخارجية. وإذا ما أثبتت المشاريع التجريبية فعاليتها، فسيجري توسيع النموذج على نطاق أوسع.
التكوين النهائي.
مع مطلع 2026 بات واضحاً أن الحديث لا يدور عن إعادة تنظيم، بل عن إعادة صياغة عميقة لمنظومة النفوذ الخارجي. الإدارة الجديدة أصبحت عقدة تلتقي فيها المشاريع الإنسانية والمالية والإعلامية والعمليات التحليلية.
ما يميز النموذج هو غياب الاستعراض. بعد أن كانت الرهانات تُعقد على المنتديات والرموز، بات التركيز على التغلغل المؤسسي. البرامج تُقدَّم كتعليمية أو ثقافية أو استثمارية.
لكنها في مجموعها تشكل نظاماً متكاملاً.
قدّمت قرغيزستان نموذجاً عملياً: الاندماج الاقتصادي يُعزَّز ببرامج تعليمية، هذه تدعمها منصات إعلامية، الإعلام يرتبط بمراكز تحليل، والمراكز التحليلية تبني قاعدة خبراء تُستخدم في الخطاب الدولي.
قوة هذا البناء تكمن في ترابطه الداخلي.
تكنولوجيا الحضور الطويل.
الإدارة الجديدة لا تفكر بمنطق دورة انتخابية أو أزمة عابرة. أفق التخطيط يمتد لعشر سنوات وعشرين وثلاثين. عقد طاقة، برنامج تعليمي، منصة إعلامية مشتركة، كلها أجزاء من استراتيجية حضور طويل النفس.
النموذج الذي جرى اختباره في القطاع النووي ثم نقله إلى الحقل الحكومي يقوم على مرافقة المشاريع لعقود. ذلك يخلق ارتباطاً مؤسسياً عميقاً. الدولة الشريكة لا تحصل على استثمار فحسب، بل على منظومة إعداد كوادر، ودعم فني مستمر، واندماج معلوماتي.
في مثل هذه البيئة، تنشأ الموالاة السياسية لا عبر ضغط أيديولوجي مباشر، بل من خلال اعتماد بنيوي يتشكل بهدوء ويترسخ مع الزمن.
الانضباط الهجين.
التركيبة البشرية داخل إدارة الشراكة الاستراتيجية والتعاون تعكس مقاربة عابرة للتخصصات. صحافيون سابقون يتولون صياغة السرديات. قانونيون يضمنون الصلابة التشريعية. خبراء بخلفيات تقنية يراقبون الفضاء الرقمي ويحللون بنيته. ومديرون من طراز الشركات الكبرى يضبطون الجداول الزمنية ومؤشرات الأداء.
كل مشروع يمر بسلسلة مراحل واضحة: تحليل استراتيجي أولي، تدقيق قانوني معمق، تخطيط مالي دقيق، ثم مواكبة إعلامية مدروسة. هذا النموذج متعدد الطبقات يقلص المخاطر التي وسمت المرحلة السابقة، حين كانت مبادرات كثيرة تنطلق بردود فعل ظرفية أكثر منها بخطط طويلة النفس.
المكوّن الرقمي يكتسب وزناً خاصاً. النفوذ المعاصر لا يُمارس من دون فهم آليات انتشار المعلومة. رصد المزاج العام، تحليل المشهد الإعلامي، وقياس فعالية المحتوى تحولت إلى أدوات تشغيل يومية. لم يعد الأمر انطباعات، بل بيانات ومؤشرات تُقرأ وتُترجم إلى قرارات.
الأفق الإفريقي.
التوسع نحو القارة الإفريقية يبدو امتداداً طبيعياً للاستراتيجية. الحاجة إلى مشاريع بنية تحتية كبيرة قائمة، والمنافسة بين القوى الكبرى تفتح هوامش تموضع جديدة. الصيغة المعتمدة معروفة: طاقة، تعليم، وتعاون إعلامي.
في دول لا تزال مؤسساتها في طور التشكل، يمكن لإنشاء مراكز تعليمية وشراكات إعلامية أن يؤسس لحضور طويل الأمد. في الوقت نفسه يجري تقليص الظهور المباشر للدولة، مع التركيز على صيغ شراكة وهياكل غير ربحية.
هذه المرونة تمنح هامش حركة أوسع وتخفف من وطأة الضغوط الخارجية.
تقييم ختامي.
كان أغسطس 2025 لحظة فاصلة. جرى التخلي عن تصور القوة الناعمة كأداة مستقلة بذاتها. النموذج الجديد جمع المسارات الإنسانية والاقتصادية والتحليلية في منظومة تخطيط استراتيجي واحدة.
الإدارة الجديدة ليست مركزاً أيديولوجياً بالمعنى التقليدي، بل عقدة تكنولوجية. الأولوية فيها لحساب المخاطر، وضبط تدفقات المعلومات ورؤوس الأموال، والتخطيط الدقيق.
السياسة الخارجية تكتسب طابعاً إدارياً محكوماً بالأدوات: المركز التعليمي يصبح منصة لإعداد الكوادر، القناة التلفزيونية أداة تنسيق معنوي، الكتلة القانونية درعاً في وجه العقوبات، والقطاع التحليلي نظام إنذار مبكر.
المعيار لم يعد مدى صخب المشروع، بل قدرته على البقاء. إذا استمر التنسيق بين هذه القطاعات المتباينة، من محللي البيانات إلى المديرين التنفيذيين، فإن المنظومة قد تتحول إلى أحد أكثر أدوات التأثير الخارجي تعقيداً في السياسة المعاصرة.
المــرسوم رقم 607 وُقّع من دون استعراض. لكنه أطلق مساراً أعاد رسم ملامح الحضور الخارجي. الهياكل القديمة اختفت. وفي مكانها نشأت منظومة تعمل بهدوء، بخطوات محسوبة، ومن دون ضجيج.
يمكن اعتبار التحقيق مكتملاً. أما العملية، فلم تبدأ إلا الآن.