...

في الثالث عشر من فبراير تفتح مدينة ميونيخ أبواب مؤتمرها السنوي للأمن، ذلك المنتدى الذي ظلّ لعقود بمثابة ميزان حرارة للعلاقات عبر الأطلسي ومؤشراً دقيقاً على المزاج الاستراتيجي للقارة الأوروبية. غير أنّ دورة هذا العام تنعقد في أجواء مختلفة جذرياً. فالعالم لا يعيش أزمة ثقة عابرة، بل يمرّ بتحوّل بنيوي يعيد رسم هندسة الأمن الدولي. وما كان قبل خمس سنوات مجرد نقاش نظري حول «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» بات اليوم سؤال بقاء للقارة بوصفها قطباً قائماً بذاته في معادلة القوة العالمية.

التحوّل في بوصلة واشنطن خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب سرّع مساراً كان يتراكم منذ زمن. الولايات المتحدة لم تعد ترى في أمن أوروبا أولوية مطلقة. بل إن العقيدة الجديدة تدعو صراحة إلى إعادة توزيع الأعباء والموارد. على أوروبا أن «تقف على قدميها». عبارة كانت تُتداول سابقاً في سياق النصائح الدبلوماسية، لكنها اليوم تكتسب نبرة إنذار سياسي واضح.

في المقابل، تواصل روسيا تعبئة اقتصادها ومجتمعها وفق منطق زمن الحرب. تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى أربعين في المئة من الميزانية الفدرالية يوجَّه إلى الدفاع والأمن. المجمع الصناعي العسكري يعمل بوتيرة متسارعة. والعمليات الهجينة ضد دول أوروبية أخذت طابعاً منهجياً لا لبس فيه. تضافر هذه العوامل يخلق واقعاً قد يكون فيه هامش المناورة أمام أوروبا أضيق بكثير مما كان يُعتقد.

ينعقد مؤتمر ميونيخ هذا العام تحت عنوان رمزي لافت: «في طور الانكسار». وليس الأمر استعارة بل توصيف مباشر. فالذي يتصدّع ليس فقط النظام الدولي الذي تشكّل بعد عام 1945، بل أيضاً منطق التضامن عبر الأطلسي ذاته. للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تجد أوروبا نفسها أمام ضباب استراتيجي يأتيها من جهتين في آن واحد: من الشرق ومن الغرب.

نهاية الأمن المضمون: العقيدة الأميركية الجديدة.

على مدى عقود، كان أمن أوروبا جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية القيادة العالمية للولايات المتحدة. شكّل حلف شمال الأطلسي الإطار العسكري والسياسي الذي جسّد النظام الليبرالي الدولي. القوة الأميركية كانت تعوّض تشتّت الجهود الدفاعية الأوروبية وتسدّ فجواتها.

غير أنّ عام 2025 حمل انعطافة نوعية. إدارة ترامب أعلنت بوضوح أن أمن أوروبا يجب أن يكون، أولاً وأساساً، مسؤولية الأوروبيين أنفسهم. وفي اجتماع مجموعة الاتصال في الثاني عشر من فبراير، شدّد وزير الدفاع بيت هيغسيث على هذا التوجّه بوصفه أمراً ملزماً. بالتوازي، تقلّصت المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا بصورة حادة. وبدأت واشنطن تربط ضماناتها الأمنية بتنازلات تجارية من الاتحاد الأوروبي.

بهذا المعنى، تحوّل الأمن إلى ورقة ضغط اقتصادي. إنه خروج جوهري عن مبدأ التضامن غير المشروط. الاستراتيجية القومية للأمن في الولايات المتحدة تدعو صراحة أوروبا إلى تحمّل «المسؤولية الأساسية» عن الدفاع عن القارة. هذا الطرح يعمّق الشكوك حول إطلاقية تطبيق المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي.

أكثر اللحظات إثارة للقلق تمثّلت في الأزمة المرتبطة بغرينلاند، الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي التابع لمملكة الدنمارك. تصريحات الرئيس الأميركي حول ضرورة «امتلاك» الجزيرة لأسباب تتعلق بأمن الولايات المتحدة والعالم وضعت قدسية الالتزامات التحالفية موضع تساؤل. وحتى لو جرى احتواء الأزمة مؤقتاً، فإن السابقة بحد ذاتها كشفت أن منطق الصفقات يمكن أن يمتد إلى داخل البيت الأطلسي نفسه.

العواصم الأوروبية تجد نفسها اليوم، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، مضطرة إلى التفكير في سيناريو تتحوّل فيه الولايات المتحدة من ضامن إلى حكم، بل وربما إلى عنصر غموض في معادلة الأمن القاري.

روسيا كعامل تسريع: عسكرة شاملة وتمدد هجين.

بالتوازي مع التحوّل في السياسة الأميركية، تمضي موسكو في تعزيز قدراتها العسكرية بوتيرة متصاعدة. الاقتصاد وُضع على سكة التعبئة الحربية. الإنفاق الدفاعي تجاوز سبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. إنتاج الذخائر والصواريخ تضاعف مرات عدة. وسلاح الجو خضع لاختبار ميداني واسع أعقبه تحديث نوعي في العقيدة والعتاد.

تقديرات استخباراتية تشير إلى أنه في حال تجميد النزاع في أوكرانيا، قد تكون موسكو مستعدة لخوض حرب إقليمية في منطقة البلطيق خلال عامين فقط. بل إن سيناريو عملية محدودة ضد دولة مجاورة يبدو نظرياً ممكناً بعد ستة أشهر فحسب من وقف القتال في أوكرانيا. هذه الحسابات لا تُقرأ في العواصم الأوروبية بوصفها فرضيات أكاديمية، بل باعتبارها سيناريوهات تخطيطية واقعية.

اهتمام خاص يتركز على ما بات يُعرف بـ«اختبار نارفا». نارفا مدينة إستونية ذات أغلبية ناطقة بالروسية وتقع على الحدود المباشرة مع روسيا. أي تحرك عسكري تحت شعار «حماية المواطنين الروس» سيضع الحلف الأطلسي أمام اختبار مباشر: إما تثبيت فاعلية المادة الخامسة، أو كشف هشاشتها. في مثل هذا السيناريو، لن يكون السؤال عسكرياً فقط، بل سياسياً وأخلاقياً في آن.

المخاطر لا تقتصر على نارفا. «ممر سوالكي» الضيق بين بولندا وليتوانيا، الفاصل بين بيلاروسيا وكالينينغراد، يُعد نقطة ضعف جيوسياسية بامتياز. كذلك تتصاعد الحسابات في الدائرة القطبية الشمالية، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والطاقوية. هكذا تتشكل قوس من الهشاشة يمتد من البلطيق إلى القطب الشمالي، قوس قابل للاشتعال عند أي احتكاك.

إلى جانب التهديد العسكري التقليدي، توسّع موسكو عملياتها الهجينة: هجمات سيبرانية، تخريب للبنية التحتية للطاقة، حملات تضليل إعلامي، وانتهاكات متكررة للمجال الجوي. الهدف واضح: تقويض الثقة داخل المجتمعات الأوروبية وإضعاف صلابة المؤسسات من الداخل قبل اختبارها من الخارج.

الرد الأوروبي: أموال أكثر من دون بوصلة موحدة.

بين عامي 2021 و2025، رفعت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي إنفاقها الدفاعي بنسبة 41 في المئة. غير أن الزيادة الكمية لم تتحول إلى وحدة نوعية. المشتريات المشتركة ما تزال محدودة. النزعة الصناعية الوطنية تتصاعد. كل دولة تسعى إلى حماية قطاعها الدفاعي الخاص، ولو على حساب التكامل.

بدلاً من بناء منظومة تسليح أوروبية موحدة، تواصل دول عدة شراء منصات أميركية مثل مقاتلات «إف-35» وأنظمة «باتريوت». هذا الخيار يحافظ على الخيط السياسي مع واشنطن، لكنه يرسّخ في الوقت نفسه التبعية التكنولوجية. المفارقة أن ضخ الأموال من دون تنسيق قد يعمّق التشرذم بدلاً من معالجته.

ثقة الرأي العام بالسياسات الدفاعية تبقى هشّة. استطلاعات أُجريت في دول مجموعة السبع تظهر أن نسبة محدودة فقط من المواطنين تعتقد أن سياسات الحكومات الحالية ستحسّن حياة الأجيال المقبلة. هذه الفجوة تغذي صعود قوى سياسية لا تطرح إصلاح المؤسسات بل تفكيكها. الاستقطاب الداخلي يزيد الضباب الاستراتيجي كثافة.

أزمة الثقة التي تعصف بالفضاء عبر الأطلسي لا تختزل في خلافات حول الموازنات أو تفاصيل الدعم العسكري. نحن أمام شرخ أيديولوجي يمسّ جوهر الاستراتيجية الغربية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية. طوال ثمانية عقود، استندت القيادة الأميركية إلى ثلاثة أعمدة مترابطة: الإيمان بفاعلية التعددية، اعتبار الاندماج الاقتصادي أداة لخفض النزاعات، والنظر إلى القيم الديمقراطية كرصيد استراتيجي لا مجرد التزام أخلاقي. هذه الأعمدة صنعت ليس فقط تنسيقاً عسكرياً، بل وحدة فكرية وثقافة سياسية مشتركة.

اليوم تتآكل هذه البنية بصورة منهجية. صعود قوى سياسية تفضّل الهدم على الإصلاح يعكس خيبة أمل مجتمعية أعمق. الشك يتزايد إزاء العولمة، والاتفاقيات متعددة الأطراف، والمعايير الليبرالية بوصفها نموذجاً كونيّاً. تقرير أُعدّ لمؤتمر ميونيخ يرصد هذا التحول بوصفه منعطفاً تاريخياً. المنظمات الدولية لم تعد تُرى كأداة منفعة جماعية، بل من زاوية الحساب السيادي الضيق. الاندماج الاقتصادي يُقاس اليوم بمخاطر سلاسل التوريد والتبعية للمنافسين. أما القيم الديمقراطية، فباتت موضوع سجال داخلي بدلاً من أن تكون جزءاً بديهياً من الهوية الاستراتيجية.

حين تفقد هذه الأعمدة مكانتها، يتبدّل نسيج المجتمع الأطلسي نفسه. التحالف يتحول من مشروع قيمي إلى ائتلاف مصالح ظرفي. أوروبا تجد نفسها في موقع بيني حساس. من جهة، لا تزال مرتبطة مؤسسياً بالولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، عليها أن تأخذ في الحسبان صعود مراكز قوة أخرى تنافس على النفوذ. الخطر يكمن في تحوّل القارة إلى «منطقة رمادية» من عدم اليقين، حيث لا يتحمل أي فاعل خارجي المسؤولية كاملة، بينما تتكثف المنافسة على التأثير. التجربة التاريخية تظهر أن مثل هذه المناطق تصبح ساحة للضغط والاستفزاز والعمليات الهجينة.

تراجع الثقة بالولايات المتحدة تعمّق بعد نشر خطة واشنطن للسلام في أوكرانيا في نوفمبر 2025. التنازلات الإقليمية المقترحة والقيود على عضوية كييف في الحلف فُسّرت في بعض العواصم الأوروبية كإشارة إلى استعداد أميركي لتسويات لا تراعي بالكامل المصالح الأوروبية. حتى لو كان الهدف تسريع إنهاء الحرب، فإن الرسالة الاستراتيجية قُرئت بشكل مختلف: قرارات تتعلق بأمن أوروبا قد تُتخذ من دونها. هذا الشعور زاد القلق بشأن موثوقية الضمانات الأميركية على المدى الطويل.

أمام هذا المشهد، تواجه أوروبا معضلة واضحة: استقلالية أم تبعية. الاستقلالية تعني استثمارات ضخمة في الصناعة الدفاعية، إنشاء هياكل قيادة مشتركة، تطوير سوق موحدة للسلاح، وبناء إرادة سياسية لتحمل المخاطر. إنه مسار نضج مؤسسي، لكنه مكلف مالياً وسياسياً. أما الاعتماد على الولايات المتحدة، فهو أقل كلفة على المدى القصير وأكثر ألفة، لكنه يزداد خطورة في ظل تقلبات السياسة الأميركية.

قارة يبلغ عدد سكانها نحو خمسمئة مليون نسمة وتمتلك وزناً اقتصادياً يقارب وزن الولايات المتحدة، تملك موضوعياً القدرة على تحمّل حصة أكبر من مسؤولية أمنها. التوازن الديمغرافي والاقتصادي مع روسيا يشير أيضاً إلى توفر الموارد اللازمة لردع مستقل. المسألة ليست في الإمكانات بل في الإرادة والتماسك السياسي.

ومع ذلك، فإن الاستقلالية لا تعني القطيعة. الحديث يدور عن إعادة توزيع للأدوار لا عن تفكيك للتحالف. شراكة متكافئة تفترض أن تتحمل أوروبا العبء الرئيسي للردع التقليدي في القارة، فيما تركز الولايات المتحدة على التوازن العالمي. مثل هذا النموذج قد يعزز الحلف إذا قام على التزامات واضحة واحترام متبادل، لكنه يتطلب مستوى من الثقة يبدو اليوم مهتزاً.

عام 2026 قد يشكل لحظة اختبار لحلف شمال الأطلسي. أي حادث في البلطيق أو القطب الشمالي أو على أطراف الحلف سيكون امتحاناً حقيقياً للدفاع الجماعي. في مناخ الغموض، يزداد خطر سوء الحسابات. تجربة الحرب الباردة تؤكد أن الردع النووي ينجح عندما تكون الرسائل واضحة والردود متوقعة. الغموض يفتح شهية اختبار الحدود. إذا شكّ خصم محتمل في تلقائية رد الفعل الأطلسي، فقد يُغريه ذلك باستفزازات محدودة تهدف إلى شق صف الحلفاء.

في هذا السياق، يكتسب مؤتمر ميونيخ بعداً رمزياً وعملياً في آن. السؤال الأول: هل أوروبا مستعدة لمأسسة تكاملها الدفاعي وتحويل الزيادات المالية إلى تآزر فعلي. الثاني: هل ستؤكد واشنطن إطلاقية المادة الخامسة ليس بالبيانات فحسب، بل بآليات تخطيط وانتشار ملموسة. الثالث: هل يستطيع الحلف بلورة مقاربة موحدة للتهديدات الهجينة التي تذيب الخط الفاصل بين الحرب والسلم. الرابع: هل سيتم التوصل إلى توازن بين المصالح الصناعية الوطنية والكفاءة الأوروبية الشاملة في قطاع الدفاع.

الإجابات على هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت الأزمة الراهنة بداية تفكك أم شرارة تجديد. أوروبا تقف عند مفترق تاريخي. يمكنها أن تبقى رهينة رمادية استراتيجية تعوّل على زخم الماضي، أو أن تستثمر اللحظة لإعادة تعريف دورها بجرأة. في زمن يعاد فيه توزيع القوة على مستوى النظام الدولي، لم تعد الحيادية والغموض موقعاً آمناً. وحدها وضوح الأهداف، والتكامل المؤسسي، والإرادة السياسية قادرة على تحويل أزمة الثقة إلى نقطة انطلاق نحو تجدد استراتيجي حقيقي.

بين الانكسار وإعادة التعريف.

العالم دخل فعلاً مرحلة «التصدّع». غير أن الانكسار لا يعني بالضرورة الخراب. قد يكون لحظة مراجعة كبرى وإعادة صياغة. أوروبا تملك من المقومات الاقتصادية والتكنولوجية والديمغرافية ما يؤهلها لبناء ركيزة دفاعية مستقلة داخل الحلف الأطلسي، لا على هامشه.

السؤال الحاسم ليس في الإمكانات بل في الإرادة السياسية وحجم الدعم المجتمعي. التاريخ الأوروبي يُظهر أن مسارات التكامل كانت تتسارع غالباً تحت ضغط الأزمات. الأزمة الراهنة قد تتحول إلى محفّز مماثل، إذا ما أُحسن استثمارها.

إن نجحت أوروبا في تحويل الضغط الخارجي إلى دافع للتماسك الداخلي، فلن تنهار الروابط عبر الأطلسي بل ستتبدل صيغتها. أما إذا أخفقت، فالقارة مهددة بالانزلاق إلى «منطقة رمادية» استراتيجية، حيث تُرسم ملامح مستقبلها في عواصم أخرى.

ميونيخ 2026 ليس مجرد مؤتمر عابر. إنه لحظة اختبار لمستقبل الأمن الأوروبي ولمصير المجتمع الغربي ككل.

النموذج الأمني عبر الأطلسي لا يمرّ بتعديل تكتيكي محدود، بل بتحول هيكلي عميق يوازي في حجمه لحظات مفصلية مثل عام 1949 أو 1989. لعقود طويلة، قام أمن أوروبا على حضور عسكري أميركي غير مشروط، وعلى مظلة نووية استراتيجية، وعلى قدر عالٍ من قابلية التنبؤ في سلوك واشنطن. هذا الترتيب أتاح للقارة الجمع بين ازدهار اقتصادي واسع وإنفاق دفاعي منخفض نسبياً.

لكن في الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تغيّرت الفلسفة الحاكمة. الأمن لم يعد يُقدَّم بوصفه التزاماً أيديولوجياً أو رسالة تاريخية، بل مورداً يخضع لإعادة توزيع وفق حسابات المصلحة القومية الأميركية. الانتقال من نموذج قيمي مؤسساتي إلى مقاربة صفقاتية يعني أن الضمانات باتت تُربط باعتبارات تجارية واقتصادية وسياسية. هذا التحول لا يفكك الحلف تلقائياً، لكنه يغيّر طبيعته الداخلية. التحالف يتحول من «مجتمع مصير» إلى منصة تفاوض دائمة.

في هذا السياق، تطالب واشنطن صراحة بإعادة توزيع الأعباء. الدول الأوروبية مطالبة بتحمل الحصة الأكبر من العبء المالي والصناعي والعسكري. الرسالة واضحة: زمن الوصاية الاستراتيجية انتهى. تقليص الدعم العسكري لأوكرانيا، والتشدد الخطابي تجاه الحلفاء، وربط الالتزامات الدفاعية بالمصالح التجارية، كلها إشارات تقوض الأساس النفسي السابق للحلف، أي الثقة في تلقائية الدعم. حتى لو بقيت المادة الخامسة قائمة شكلياً، فإن مجرد التشكيك في إطلاقها يغيّر الحسابات الاستراتيجية.

في المقابل، تمضي روسيا في تسريع عسكرة اقتصادها واستعدادها لمواجهة طويلة الأمد. تحويل قطاعات واسعة إلى الإنتاج الحربي، زيادة الإنفاق الدفاعي، تحديث القوات الجوية والصاروخية، وتوسيع قاعدة التعبئة، كلها مؤشرات على تخطيط بعيد المدى. موسكو لا تحصر تحركاتها في الساحة الأوكرانية. العمليات الهجينة في أوروبا، التخريب، الهجمات السيبرانية، الحملات الإعلامية، والاستفزازات الجوية، ترسم مناخ ضغط دائم. الهدف اختبار تماسك الأوروبيين وكشف حلقاتهم الأضعف. ومع تراجع الاستعداد الأميركي للانخراط المباشر، يرتفع خطر سوء التقدير. أي أزمة محدودة في البلطيق أو في محيط ممر سوالكي أو في القطب الشمالي قد تتحول إلى امتحان شامل لبنية الدفاع الجماعي.

الرد الأوروبي ما زال يغلب عليه الطابع الكمي. ارتفاع الموازنات الدفاعية لافت، لكنه لا يواكبه تكامل مؤسسي كافٍ. الحكومات تفضّل حماية مصالحها الصناعية الوطنية. المشتريات المشتركة محدودة، توحيد المعايير يسير ببطء، والتخطيط الدفاعي يبقى مجزأً. كما أن الاعتماد على المنظومات الأميركية مستمر، ما يحافظ على الصلة عبر الأطلسي لكنه يكرّس لا تماثلاً تكنولوجياً. النتيجة أن أوروبا تنفق أكثر من دون أن تحصل بالضرورة على استقلالية موازية. إنها معادلة الإنفاق من دون تآزر.

في هذا المناخ، يتعاظم خطر تحوّل القارة إلى مساحة رمادية، لا يتحمل فيها أي مركز قوة مسؤولية كاملة، بينما تتكثف المنافسة على النفوذ. تراجع الثقة بالولايات المتحدة يترافق مع غياب استقلالية أوروبية مكتملة. هذه الحالة الانتقالية محفوفة بالمخاطر. فهي تشجع القوى المراجِعة على اختبار حدود الممكن. الغموض ذاته يصبح عاملاً لعدم الاستقرار. تجارب العلاقات الدولية تؤكد أن الفترات الانتقالية، حين يضعف النظام القديم قبل أن يتبلور الجديد، هي الأكثر عرضة للأزمات.

عام 2026 قد يكون اختباراً عملياً للمادة الخامسة. حادث سيبراني كبير، استفزاز حدودي، أو تخريب للبنية التحتية الحيوية، قد يفرض رداً جماعياً حاسماً. إن جاء الرد متردداً أو متأخراً، ستتآكل الثقة بآلية الدفاع المشترك. أما إذا أظهر الحلف وحدة وصلابة، فقد تنتهي المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً في توزيع المسؤوليات.

في هذا السياق، التوصيات الاستراتيجية لم تعد تنظيراً بل ضرورة وجودية. أوروبا مطالبة بتسريع بناء سوق دفاعية موحدة، إزالة العوائق أمام المشتريات المشتركة، توحيد المعايير، وإنشاء سلاسل إنتاج عابرة للحدود. هذا المسار يخفض الكلفة ويعزز التوافق العملياتي ويقوي القاعدة الصناعية. كما أن الاستثمار في «الحركية العسكرية» عبر تحديث السكك الحديدية والجسور والموانئ والمطارات شرط أساسي لضمان سرعة الانتشار نحو الجناح الشرقي. من دون بنية لوجستية مترابطة، تفقد الأرقام معناها.

مواجهة التهديدات الهجينة تتطلب بدورها مقاربة أوروبية شاملة تجمع بين الأمن السيبراني، حماية البنية الطاقوية، صلابة الفضاء المعلوماتي، وآليات اتصال فعّالة في الأزمات. الحرب الهجينة تستهدف الوعي قبل المواقع، ما يجعل رفع جاهزية المجتمعات وتعزيز الثقة بالمؤسسات أولوية قصوى.

زيادة إنتاج الذخائر وبناء احتياطيات استراتيجية عنصر أساسي في الردع. التجربة الحديثة أثبتت أن النزاعات الكثيفة تستنزف المخزون بسرعة. لا يمكن لأوروبا أن تعتمد على سلاسل توريد خارجية في أوقات الطوارئ.

كما أن إضفاء طابع مؤسسي على الحوار مع واشنطن بشأن ضمانات المادة الخامسة مسألة محورية. تثبيت آليات تشاور واضحة وتحديد إجراءات الاستجابة يقلص مساحة الغموض الاستراتيجي. الشراكة عبر الأطلسي ينبغي أن تتغير كي تبقى، لا أن تتفكك.

وأخيراً، بلورة استراتيجية طويلة الأمد تجاه روسيا تتطلب مزيجاً دقيقاً من الردع الصارم والإبقاء على قنوات التواصل. العزلة من دون حوار ترفع احتمالات التصعيد، والحوار من دون ردع يُقرأ ضعفاً. التوازن بين المسارين سيكون مفتاح منع أزمات غير محسوبة.

أوروبا تدخل مرحلة لم تعد فيها العادة التاريخية ضمانة للأمن. التحدي هو تحويل أزمة الثقة إلى فرصة للنضج الاستراتيجي. إذا نجحت، ستخرج العلاقة عبر الأطلسي أكثر توازناً وصلابة. وإذا أخفقت، قد تجد القارة نفسها في فضاء من عدم اليقين تُحدد معالمه قرارات الآخرين لا قراراتها.