...

كيف يواصل التحول العالمي في الطاقة تسارعه، رغم التراجع الواضح في السياسات المناخية وصعود النزعات المراجِعة في الدول المتقدمة، ليعيد تشكيل ليس فقط منظومة إنتاج الطاقة، بل الأسس العميقة للاقتصاد العالمي ومعادلات الاستقلال الاستراتيجي.

بحلول عام 2025، لم يعد التحول الطاقي نتاج قرارات تنظيمية أو اتفاقيات مناخية دولية. لقد أصبح حصيلة تفاعل معقد بين التقدم التكنولوجي، والمنافسة السوقية، والتحولات البنيوية في الطلب العالمي على الطاقة. ورغم أزمة السياسات المناخية، من انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس، إلى مراجعة التشريعات الخضراء الأوروبية، وصعود الشعبوية السياسية، تشير المعطيات الواقعية إلى مسار لا رجعة فيه: حصة الطاقة المتجددة تجاوزت للمرة الأولى 33 في المئة من إنتاج الكهرباء العالمي، فيما تراجعت حصة الفحم إلى ما دون 30 في المئة.

هذا المسار يكشف مفارقة نظامية جوهرية: التحول الطاقي يحافظ على وتيرة شبه أسية حتى في ظل الشك السياسي. والسبب أن هذا التحول لم يعد أيديولوجيا، بل عملية تكنولوجية واقتصادية خالصة، قوامها تراجع كلفة التقنيات النظيفة، وارتفاع كفاءة الطاقة، وإعادة تشكيل أسواق رأس المال العالمية.

الإطار الكلي للاقتصاد: ديناميات الاستثمار والتحولات البنيوية.

وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، شكّل عام 2025 نقطة انعطاف حقيقية في تاريخ الطاقة العالمي. إذ تجاوز حجم الاستثمارات في الطاقة النظيفة 2.1 تريليون دولار للمرة الأولى، بزيادة 34 في المئة مقارنة بعام 2023، ونحو ثلاثة أضعاف مستويات عام 2019. من هذا المبلغ، وُجّه ما يقارب 780 مليار دولار إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، باعتبارهما المحركين الأساسيين لإزالة الكربون من الاقتصاد العالمي. كما استُثمر نحو 400 مليار دولار في النقل الكهربائي، وبنى الشحن التحتية، وتقنيات البطاريات، في إشارة واضحة إلى تسارع الانتقال من محركات الاحتراق الداخلي إلى الكهرباء بوصفها العمود الفقري للتنقل.

في المقابل، وللمرة الأولى منذ عام 2013، لم تتجاوز الاستثمارات في استخراج ومعالجة ونقل الوقود الأحفوري 1.4 تريليون دولار. ويعكس هذا الاتجاه تحولا طويل الأمد في توزيع رأس المال: الأموال تغادر قطاع الهيدروكربونات حيث تتآكل العوائد المتوقعة، وتتجه نحو قطاعات أكثر استدامة وتقدما تقنيا. ولا تلعب الحوافز الحكومية وحدها الدور الحاسم هنا، بل عوامل السوق الخالصة، وعلى رأسها انخفاض التكاليف وارتفاع الكفاءة.

في عام 2015، لم تكن الطاقة الشمسية مجدية اقتصاديا إلا بفضل الدعم الحكومي. أما في 2025، فقد انقلب المشهد جذريا. خلال عقد واحد، تراجعت الكلفة الرأسمالية لمحطات الطاقة الشمسية بنسبة 72 في المئة، ولطاقة الرياح بنسبة 56 في المئة. كما انخفض متوسط كلفة تخزين الكهرباء، بما في ذلك بطاريات الليثيوم-أيون والصوديوم-أيون، بأكثر من 80 في المئة، ما أتاح الاستخدام الواسع لحلول التخزين ضمن أنظمة التوليد اللامركزي. وبهذا، لم يعد التحول الطاقي مشروعا مكلفا خاصا بالدول الغنية، بل أصبح مجديا اقتصاديا حتى في اقتصادات آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية النامية.

تشير بيانات الوكالة إلى أن 97 في المئة من قدرات التوليد الجديدة عالميا في 2025 جاءت من مصادر متجددة، في مقدمتها الشمس والرياح والطاقة الكهرومائية. وهذا يعني عمليا أن محطات الفحم والغاز توقفت عن التوسع، فيما بدأت دول مثل ألمانيا وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية بإخراج وحدات قديمة من الخدمة بوتيرة متسارعة. وبلغت القدرة المركبة العالمية للطاقة المتجددة أكثر من 5.3 تيراواط، أي ضعف مستواها في عام 2020.

لا تزال الصناعات التقليدية تحتفظ بزخمها، لكن قدرتها على توليد أرباح مستقرة تتآكل. ففي عام 2025، تراجعت الأرباح المجمعة لأكبر خمس شركات نفط وغاز عالمية بنسبة 18 في المئة مقارنة بعام 2023، رغم بقاء أسعار النفط في نطاق مرتفع نسبيا بين 80 و85 دولارا للبرميل. ويعود هذا التناقض إلى ارتفاع تكاليف حصص الكربون، والضغط الضريبي، والمخاطر القانونية، وتراجع جاذبية الاستثمار في مشاريع الاستكشاف والاستخراج.

ما يثير القلق الأكبر في القطاع النفطي هو الخطر البنيوي المتمثل في الأصول العالقة، أي الاستثمارات التي قد تفقد قيمتها السوقية مع تسارع التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون. وتشير تقديرات مراكز بحثية متخصصة إلى أن حجم هذه الأصول قد يبلغ بين 4 و6 تريليونات دولار بحلول منتصف ثلاثينيات هذا القرن، وتشمل احتياطيات غير مستغلة، إضافة إلى بنى تحتية من أنابيب ومحطات ومعامل قد تصبح غير مجدية اقتصاديا.

بذلك، يدخل العالم مرحلة جديدة من التحول الطاقي، حيث لم تعد السياسة المناخية العامل الحاسم الوحيد، بل الحسابات الاقتصادية الصرفة. الطاقة المتجددة لم تعد بديلا، بل باتت الأساس الذي تُبنى عليه منظومة الطاقة العالمية، مع ما يرافق ذلك من تغييرات عميقة في هيكل رأس المال، وسوق العمل، والعمارة المالية، واستراتيجيات كبريات الشركات.

أزمة السياسة المناخية واللا تماثل السياسي.

في عام 2025، دخلت المنظومة السياسية للالتزامات المناخية العالمية مرحلة تفكك عميق. فالنموذج المتعدد الأطراف الذي تأسس على اتفاق باريس فقد تماسكه، لصالح استراتيجيات وطنية وإقليمية متعارضة أحيانا. في الولايات المتحدة، تتجه الإدارة إلى تفكيك الحوافز الفيدرالية للمناخ وتقليص الإنفاق العام على الطاقة الخضراء. وقد جرى شطب بنود دعم الطاقات المتجددة من قانون البنية التحتية لعام 2022، فيما خُفضت الإعفاءات الضريبية لمصنعي الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية بنحو 35 في المئة. وأدى ذلك إلى تراجع ملحوظ في أسهم شركات مرتبطة بالسوق الأميركية.

مع ذلك، فإن هذا التحول نحو براغماتية طاقية لا يحمل نتائج أحادية. فالاقتصاد الأميركي يواصل تغيره البنيوي بدافع السوق. ورغم تراجع الدعم الفيدرالي، تجاوزت الاستثمارات في الطاقة النظيفة داخل الولايات المتحدة 390 مليار دولار في 2025، بزيادة 8 في المئة عن العام السابق. النمو هنا لم تقُده السياسة، بل المنطق الاقتصادي: التحول إلى تقنيات منخفضة الكربون بات أداة تنافسية لخفض التكاليف وتعزيز السمعة في أسواق رأس المال العالمية.

على الضفة الأخرى، واجه الاتحاد الأوروبي أزمة بنيوية في نموذجه المناخي. الركود الاقتصادي، وارتفاع أسعار الطاقة، وموجة نزع التصنيع دفعت بروكسل إلى إعادة النظر في أهداف الصفقة الخضراء. ففي يونيو 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية رسميا تعديل المسار، والسماح باستمرار استخدام المحركات الهجينة والبنزين بعد 2035، بعدما كان الحظر كاملا. كما خُففت معايير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للصناعة، وأُجّل هدف الحياد الكربوني إلى 2055. وقد دعمت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا هذا التوجه تحت شعار التوفيق بين الطموح البيئي والبقاء الاقتصادي.

ورغم كل هذا التذبذب السياسي، فقد تحرر التحول الطاقي من الارتهان لقرارات الحكومات. فاستقلالية التكنولوجيا ومنطق السوق جعلا العملية ذاتية الدفع. حتى مع تقليص الدعم، تبقى مشاريع الطاقة الشمسية والرياح أكثر ربحية من الوقود الأحفوري. العامل الحاسم هو اقتصاد الحجم والانخفاض السريع في كلفة التقنيات. الألواح الشمسية الحديثة تصل كفاءتها إلى 24–26 في المئة، وتراجعت كلفة إنتاجها أربع مرات خلال عشر سنوات. والأمر ذاته ينطبق على أنظمة البطاريات، حيث انخفض متوسط سعر بطاريات الليثيوم-أيون إلى نحو 101 دولار للكيلوواط ساعة في 2025، ما جعل التخزين مجديا حتى في المشاريع الصغيرة.

تشير بيانات الأسواق إلى أن نقطة التعادل لمشاريع الطاقة الشمسية في الصين والهند هبطت إلى 23–25 دولارا للميغاواط ساعة، مقابل 65–70 دولارا قبل خمس سنوات فقط. في المقابل، تتراوح كلفة التوليد بالغاز بين 50 و65 دولارا، وبالفحم بين 70 و80. وفي دول إفريقية عدة، باتت الطاقة الشمسية أرخص من الديزل، بكلفة تقارب 45 دولارا مقابل 120. وهذا يعني أن الطاقة المتجددة تنتصر اقتصاديا حتى من دون دعم أو حصص كربونية.

هكذا، خرج التحول الطاقي في عام 2025 نهائيا من كونه مشروعا سياسيا، ودخل مرحلة الأتمتة السوقية. التطور التكنولوجي، وتراجع الكلفة، وقيام طلب مستقر، جعلت المسار غير قابل للعكس. وحتى في ظل تراجع التشريعات المناخية وعودة بعض الحكومات إلى المصادر التقليدية، فإن محركات الربحية والكفاءة والنضج التقني تضمن استمرارية الانتقال العالمي نحو طاقة نظيفة

الصين والهند: التحول في النموذج التكنولوجي.

أصبح التحول البنيوي في منظومة الطاقة العالمية عام 2025 أكثر وضوحا في آسيا، حيث شكّلت الصين والهند، اللتان تمثلان معا نحو 35 في المئة من الاستهلاك العالمي للطاقة، ملامح جديدة للسوق الطاقي العالمي. فهاتان الدولتان، اللتان كانتا تُصنّفان حتى وقت قريب كأكبر الملوِّثين، باتتا اليوم تحددان إيقاع وحجم الانتقال إلى نموذج نمو منخفض الكربون، واضعتين الأسس لتحول تكنولوجي وصناعي يعمّ المنطقة بأكملها.

الصين، التي لا تزال أكبر منتج ومستهلك للطاقة في العالم، بلغت في عام 2025 عتبة تاريخية غير مسبوقة، إذ تجاوزت القدرة المركبة لمصادر الطاقة المتجددة 1.4 تيراواط، متخطية بذلك إجمالي قدرة محطات الطاقة الحرارية في البلاد. وقد تحقق هذا الإنجاز بفضل استثمارات ضخمة تجاوزت 530 مليار دولار خلال عام واحد فقط، خُصص أكثر من نصفها للطاقة الشمسية وبناء مزارع الرياح في منغوليا الداخلية ومقاطعات قانسو وتشينغهاي. وارتفعت قدرة طاقة الرياح إلى أكثر من 430 غيغاواط، فيما بلغت الطاقة الشمسية نحو 980 غيغاواط، لتؤمن أكثر من 36 في المئة من إجمالي الكهرباء المنتجة في الصين.

ونتيجة لذلك، سجّلت الصين للمرة الأولى في تاريخها انخفاضا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في قطاع الكهرباء بنسبة 1.8 في المئة مقارنة بعام 2024. ويشير هذا التطور إلى بلوغ ذروة الانبعاثات بالفعل في عام 2024، أي قبل خمسة أعوام من التوقعات الواردة في السيناريوهات المناخية المرتبطة باتفاق باريس. وهكذا، تدخل أكبر اقتصاد صناعي في العالم، الذي كان قبل عقد واحد مسؤولا عن أكثر من 30 في المئة من الانبعاثات العالمية، مرحلة الانخفاض المستقر للانبعاثات.

بالتوازي، عززت الصين هيمنتها التكنولوجية والصناعية في قطاع الطاقة النظيفة. فهي اليوم تنتج نحو 70 في المئة من الألواح الشمسية عالميا، و60 في المئة من البطاريات، بما في ذلك تقنيات فوسفات الحديد والليثيوم وبطاريات الصوديوم-أيون من الجيل الجديد. وفي عام 2025، بلغ تصدير الخلايا الشمسية الصينية 190 غيغاواط، بزيادة 22 في المئة عن العام السابق، مع توجيه الشحنات أساسا إلى الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وإفريقيا. وبفضل اقتصاديات الحجم وانخفاض التكاليف، تراجعت كلفة إنتاج الوحدات الشمسية الصينية إلى مستويات قياسية تراوح بين 15 و17 سنتا للواط، ما جعلها بعيدة المنال عن منافسيها في الولايات المتحدة وأوروبا.

أما الهند، فتتحول بسرعة إلى مركز عالمي للطاقة الشمسية منخفضة الكلفة. ففي عام 2025، تجاوزت حصة المصادر غير الأحفورية في القدرة المركبة للبلاد 50.2 في المئة، لتصل إلى 480 غيغاواط. وارتفعت القدرة الشمسية وحدها إلى أكثر من 240 غيغاواط، بزيادة 33 في المئة خلال عام واحد. وانخفض متوسط كلفة إنتاج الكهرباء الشمسية إلى 27 دولارا للميغاواط ساعة، أي أقل بنحو 45 في المئة من المتوسط العالمي، وأرخص بثلاث مرات تقريبا من محطات الغاز. وقد تحقق ذلك بفضل مزيج من العمالة منخفضة الكلفة، والحوافز الضريبية الحكومية، وتوطين الإنتاج على نطاق واسع.

في عام 2025، تضاعفت الطاقة الإنتاجية للمصانع الهندية للألواح الشمسية ثلاث مرات لتبلغ 100 غيغاواط سنويا. كما تشهد البلاد نموا سريعا في مجمعات تصنيع العواكس، ورقائق السيليكون، وأنظمة التخزين، ومكونات تقنيات الهيدروجين. ونتيجة لذلك، تتشكل منظومة تصديرية متماسكة، إذ بدأت الهند بتوريد الألواح الشمسية والبطاريات إلى دول إفريقيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، منافسة الصين في سوق الحلول منخفضة الكلفة الموجهة للاقتصادات النامية.

وبالتوازي، تكثف الهند استثماراتها في بنية الهيدروجين الأخضر والمحطات الهجينة التي تجمع بين الطاقة الشمسية والرياح مع أنظمة التخزين. وقد خُصص لبرنامج “المهمة الوطنية للهيدروجين” عام 2025 تمويل بقيمة 8.6 مليارات دولار، بهدف إنشاء قدرات إنتاج تصل إلى خمسة ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويا بحلول عام 2030.

بهذا المعنى، تتحول آسيا إلى بؤرة العصر الطاقي الجديد. فالصين تجسد النضج الصناعي والهيمنة التكنولوجية، بينما تتحول الهند إلى مختبر عالمي للحلول القابلة للتوسع، الرخيصة والموجهة للتصدير. ومعا، تعيد الدولتان صياغة توازن الطاقة العالمي في القرن الحادي والعشرين، ناقلتين مركز الثقل من الاعتماد على الهيدروكربونات إلى القيادة التكنولوجية في مجال الطاقة النظيفة.

استقلالية الطاقة في الاقتصادات النامية.

أحد أقل نتائج التحول الطاقي العالمي إدراكا، لكنه من أكثرها أهمية استراتيجية، هو إعادة توزيع السيادة في الاقتصاد العالمي. ففي القرن العشرين، كانت التبعية الطاقية تُقاس بالتحكم في احتياطيات النفط والغاز والفحم، وفي الممرات اللوجستية من بحار وأنابيب. أما في القرن الحادي والعشرين، فأصبح العامل الحاسم هو السيطرة على تقنيات تخزين الطاقة، والوصول إلى المعادن النادرة، والقدرة الصناعية في مجال الطاقات المتجددة. لم تعد الهيمنة الطاقية مسألة جغرافيا، بل مسألة قدرة على تصنيع البطاريات، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، وأنظمة التحكم، وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.

في عام 2025، بلغ إجمالي استثمارات الدول النامية في الطاقة الشمسية والرياح نحو 540 مليار دولار، متجاوزا لأول مرة استثمارات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي بلغت قرابة 510 مليارات. ويعكس هذا التحول تغييرا هيكليا في حركة رأس المال العالمي، حيث باتت دول الجنوب العالمي مراكز النمو الأساسية بعد أن كانت مجرد متلقٍ للتكنولوجيا والتمويل. وتبرز في هذا السياق الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا والسعودية وفيتنام، وكل منها تطور نموذجها الخاص للاستقلالية الطاقية.

تظل الصين اللاعب الأكبر، مستحوذة على نحو 40 في المئة من استثمارات الدول النامية. فيما تبني الهند سوقا داخلية واسعة للطاقة الشمسية منخفضة الكلفة، وتصدر المعدات، بينما تركز البرازيل وجنوب إفريقيا على طاقة الرياح والوقود الحيوي. وتبرز السعودية كنموذج لافت، إذ ارتفعت استثماراتها في الطاقة المتجددة ست مرات خلال ثلاث سنوات لتصل إلى 48 مليار دولار، في إطار رؤية 2030 الهادفة لتنويع الاقتصاد. وبحلول 2025، دخلت الخدمة أكثر من 20 غيغاواط من القدرات الشمسية والريحية، مع انخفاض كلفة الإنتاج الشمسي إلى نحو 21 دولارا للميغاواط ساعة، وهو من أدنى المستويات عالميا.

وتقدم باكستان نموذجا فريدا لامركزية سوق الطاقة. فمنذ 2021 وحتى 2025، ارتفعت حصة الطاقة الشمسية من 5 إلى 22 في المئة من مزيج الطاقة، مع اعتماد 80 في المئة من القدرات الجديدة على شبكات مصغرة خاصة وتعاونيات ريفية وأنظمة منزلية. ولم تعد الدولة تبني محطات مركزية، بل تحفز الأفراد والشركات الصغيرة على اعتماد أنظمة مستقلة، ما خفض عجز الطاقة في المناطق الريفية بنسبة 60 في المئة وخلق أكثر من 150 ألف وظيفة. وقد بدأت هذه التجربة بالانتشار في نيبال وبنغلادش والفلبين.

هكذا يتبلور مفهوم جديد هو السيادة الطاقية، أي قدرة الدول على ضمان أمنها الطاقي عبر أدوات تكنولوجية ومالية وسوقية داخلية، لا عبر استيراد الوقود الأحفوري. ويتغير شكل الاعتماد العالمي: فالدول التي كانت مستوردة للطاقة تتحول إلى منتجة ومصدّرة للتكنولوجيا. لم يعد السيادة تُقاس ببراميل النفط، بل بالغيغابايت، والميغاواط، وعدد البطاريات المنتجة. وبالنسبة للدول التي كانت عرضة للصدمات السعرية والسياسية والعقوبات، يصبح ذلك ركيزة للاستقرار طويل الأمد والاستقلال الاستراتيجي.

ويمثل المغرب مثالا ساطعا، حيث يجري بحلول نهاية 2025 تنفيذ مشروع نور ميدلت، الأكبر في إفريقيا، بقدرة 1.6 غيغاواط، يجمع بين الطاقة الشمسية والتخزين الكهرومائي. ويوفر هذا المجمع طاقة على مدار الساعة، ويخفض الاعتماد على واردات الوقود، بكلفة إنتاج تقارب 32 دولارا للميغاواط ساعة، أي أقل بنحو النصف من متوسط أسعار الكهرباء المستوردة من الاتحاد الأوروبي. ولا يكتفي المغرب بتغطية احتياجاته، بل يستعد لتصدير الكهرباء إلى إسبانيا والبرتغال، مؤسسا لنموذج جديد من “تصدير الطاقة النظيفة”.

وتشهد نيجيريا وكينيا وأوغندا مسارات مماثلة. ففي نيجيريا، أُدخل أكثر من أربعة غيغاواط من الأنظمة الشمسية اللامركزية خلال ثلاث سنوات، ما خفض الاعتماد على مولدات الديزل من 28 إلى 11 في المئة. وفي كينيا، يجري تطوير أكبر مزرعة رياح في شرق إفريقيا، فيما تعتمد أوغندا نموذج تعاونيات الطاقة. وفي هذه الدول، لم تعد الطاقة المتجددة مجرد مصدر كهرباء، بل أداة للتصنيع وخلق الوظائف وتعزيز الاستقرار النقدي.

بهذا المعنى، لم يعد التحول الطاقي في عام 2025 شأنا بيئيا أو تكنولوجيا بحتا. لقد أصبح مسألة إعادة توزيع للقوة والموارد في الاقتصاد العالمي. خريطة الطاقة العالمية يعاد رسمها لا بالنفط والغاز، بل بالابتكار والتقنيات وبناء منظومات طاقية مستدامة. السيادة الجديدة هي السيطرة على طاقة المستقبل، وفي هذه المنافسة، يتقدم أولئك الذين كانوا يوما يُصنفون على هامش النظام الطاقي العالمي.

الانعكاسات الجيو-اقتصادية: تشكّل هرمية عالمية جديدة.

التحول الطاقي، الذي انطلق بوصفه مشروعا بيئيا وتكنولوجيا، بات اليوم يعيد تشكيل بنية العلاقات الدولية. وفي صميم هذا التحول تدور معركة السيطرة على التقنيات الحاسمة التي سترسم مستقبل الاقتصاد العالمي. فالبطاريات، والمحللات الكهربائية، والخلايا الشمسية، والعناصر الأرضية النادرة لم تعد مجرد سلع تجارية، بل تحولت إلى أصول استراتيجية قادرة على إعادة توزيع موازين القوة بين الدول. ومع تراجع دور الموارد التقليدية، تنتقل الجغرافيا السياسية تدريجيا من فضاء النفط والغاز إلى ميدان التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل توريد المواد الأولية اللازمة للطاقة النظيفة.

النموذج الأوضح في هذا السياق هو الصين، التي تحولت بحلول عام 2025 إلى القائد المطلق للتحول الطاقي العالمي. فهي تستحوذ على 76 في المئة من الإنتاج العالمي للألواح الشمسية، و65 في المئة من خلايا البطاريات، و60 في المئة من مكونات الليثيوم-أيون، ونحو 80 في المئة من عمليات معالجة العناصر الأرضية النادرة. هذه الأرقام لا تعكس تفوقا اقتصاديا فحسب، بل تؤكد انتقال مركز الثقل التكنولوجي من الفضاء الأطلسي إلى الإندو-باسيفيكي. فقد استثمرت الصين لعقود في البنية التحتية، ومراكز البحث، وقاعدة المواد الخام، ما مكنها من بناء سلسلة متكاملة تبدأ من استخراج الليثيوم والغرافيت وتنتهي بإنتاج البطاريات الجاهزة والوحدات الشمسية.

في المقابل، أدركت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حجم الارتهان لسلاسل التوريد الآسيوية، وحاولا الرد عبر أدوات سياسية واقتصادية. فمبادرات مثل قانون خفض التضخم في الولايات المتحدة، وقانون الصناعة الصفرية الصافية في الاتحاد الأوروبي، تهدف إلى توطين سلاسل الإنتاج وتحفيز الاستثمار وبناء قدرات محلية في البطاريات والمحللات الكهربائية ومكونات الطاقة الشمسية. غير أن تنويع القاعدة التكنولوجية واللوجستية لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها. وتشير تقديرات مؤسسات متخصصة إلى أن بناء بديل مستدام للنموذج الصيني يحتاج إلى ما لا يقل عن خمس إلى سبع سنوات. وحتى عام 2030، ستبقى الصين في موقع الهيمنة، فيما ستؤدي محاولات تقليص الاعتماد عليها إلى ارتفاع كلفة التقنيات واضطرابات مؤقتة في سلاسل الإمداد العالمية.

في هذا السياق، يتحول التحول الطاقي نفسه إلى أداة ضغط اقتصادي من طراز جديد. فإذا كان النفط هو سلاح الجغرافيا السياسية في القرن العشرين، فإن الليثيوم والنيكل والنحاس والخلايا الشمسية هي أدوات القرن الحادي والعشرين. الدول التي تسيطر على استخراج هذه الموارد ومعالجتها تمتلك نفوذا مباشرا على الأمنين الطاقي والصناعي لغيرها. ففي عام 2024، فرضت الصين قيودا على تصدير الغرافيت، وهو مادة أساسية لصناعة البطاريات، ما أدى فورا إلى ارتفاع الأسعار وتعطل إنتاج السيارات الكهربائية في أوروبا والولايات المتحدة. وتتبنى إندونيسيا نهجا مشابها عبر حظر تصدير النيكل الخام، سعيا لجذب الاستثمارات إلى قطاع المعالجة داخل أراضيها.

وهكذا، تتشكل أمام أعيننا خريطة طاقية جديدة، تتراجع فيها الدول النفطية التقليدية لصالح دول تكنولوجية صاعدة. فبدلا من السعودية وروسيا، يتصدر المشهد كل من الصين وكوريا الجنوبية والهند وإندونيسيا. هذه الدول لا توفر المواد الخام فحسب، بل تقود أيضا مسار الابتكار. ووفقا لتقديرات دولية، ستتجاوز حصة آسيا 60 في المئة من الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة بحلول عام 2030، فيما لن تتجاوز حصة أوروبا وأميركا الشمالية مجتمعتين الثلث.

بهذا المعنى، يتحول التحول الطاقي إلى ساحة تنافس عالمي جديدة. وعلى عكس عصر النفط، حيث كانت الجغرافيا هي العامل الحاسم، فإن الصراع الحالي تحدده مستويات التطور التكنولوجي، وسرعة الابتكار، والسيطرة على سلاسل التوريد. من يسيطر على الليثيوم والعناصر النادرة وإنتاج الألواح الشمسية، يسيطر على مستقبل الطاقة والصناعة. وفي هذا المستقبل، يبتعد مركز الاقتصاد العالمي أكثر فأكثر عن الأطلسي، متجها نحو المحيط الهادئ.

ديناميات كهربة قطاع النقل.

دخل قطاع النقل مرحلة إعادة هيكلة تكنولوجية عميقة، وكان عام 2025 نقطة تحول حاسمة، حين خرجت الكهربة من نطاق التجربة المحدودة لتصبح معيارا صناعيا عالميا. ووفقا لبيانات دولية، بلغت حصة السيارات الكهربائية من مبيعات السيارات الجديدة عالميا 26 في المئة، أي ما يعادل 29.5 مليون مركبة. للمقارنة، لم تتجاوز هذه النسبة 17 في المئة عام 2023، و4 في المئة فقط عام 2020. وتتصدر الصين هذا التحول، إذ باتت السيارات الكهربائية تشكل أكثر من 48 في المئة من مبيعاتها الجديدة. وفي أوروبا بلغت النسبة 32 في المئة، بينما وصلت في الولايات المتحدة إلى 18 في المئة، في إشارة إلى تسارع واضح حتى في أسواق لطالما هيمنت عليها محركات البنزين والديزل.

المحرك الأساسي لهذا التحول كان الثورة في تقنيات البطاريات. فقد انخفض متوسط كلفة بطاريات الليثيوم-أيون إلى 87 دولارا للكيلوواط ساعة، مقارنة بـ130 دولارا في عام 2023 وأكثر من ألف دولار في مطلع العقد الماضي. ويُعد هذا المستوى العتبة التي تجعل السيارات الكهربائية أرخص من نظيراتها بمحركات الاحتراق الداخلي حتى من دون دعم حكومي. ففي الصين، تُباع طرازات شعبية بأسعار تقل عن 11 ألف دولار، ما جعلها في متناول الطبقة الوسطى وخلق سوقا جماهيرية حقيقية. وفي المقابل، يتجاوز متوسط سعر السيارة الجديدة بمحرك تقليدي 47 ألف دولار في الولايات المتحدة ونحو 39 ألفا في أوروبا. ولهذا، انتقل أكثر من 60 في المئة من النقل الحضري في الصين إلى الكهرباء، بما في ذلك سيارات الأجرة وخدمات المشاركة.

بالتوازي، امتدت الكهربة إلى قطاع الخدمات اللوجستية. ففي عام 2025، بلغ عدد الشاحنات الكهربائية عالميا نحو 1.2 مليون مركبة، بعدما كان أقل من 50 ألفا فقط في عام 2020. وتستحوذ الصين على نحو 55 في المئة من هذا الأسطول، تليها أوروبا بنسبة 28 في المئة، ثم أميركا الشمالية بنسبة 13 في المئة. وفي الوقت نفسه، يتوسع سوق البنية التحتية للشحن، إذ تُقدّر قيمته بنحو 110 مليارات دولار، مع توجيه أكثر من 60 في المئة من الاستثمارات إلى الصين. وفي الاتحاد الأوروبي، تجاوز عدد نقاط الشحن العامة 1.5 مليون نقطة بنهاية 2025، فيما تعمل الولايات المتحدة على إنشاء شبكة وطنية تضم نصف مليون محطة بحلول 2027.

هذه التحولات تعيد رسم ميزان الطلب العالمي على الطاقة. فبحلول عام 2030، ستؤدي كهربة النقل إلى خفض الطلب العالمي على النفط بنحو 6.5 ملايين برميل يوميا، وهو ما يعادل تقريبا إنتاج دولتين نفطيتين متوسطتي الحجم. وعلى المدى القصير، بات الأثر واضحا بالفعل، إذ تباطأ نمو الطلب على النفط في عام 2025 إلى 0.5 في المئة، وهو أدنى مستوى منذ عقدين. وسُجّل التراجع الأكبر في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث انخفض استهلاك البنزين بنسبة 3 في المئة، فيما شهدت الصين لأول مرة منذ عشرين عاما استقرارا في واردات النفط رغم استمرار نمو الاقتصاد.

مجتمعة، ترسم هذه التطورات ملامح نموذج جديد للطاقة العالمية، يصبح فيه قطاع النقل المحفز الرئيسي للتخلي عن النفط. فالسيارات الكهربائية لم تعد رمزا لنمط حياة بيئي، بل تحولت إلى خيار عقلاني اقتصاديا. وفي المقابل، تواجه الدول المنتجة للنفط تحديا بنيويا طويل الأمد، إذ يضع الانخفاض الهيكلي في الطلب على موردها الأساسي نماذجها التقليدية للإيرادات والميزانيات موضع تساؤل. من هنا، لا تمثل ثورة النقل في عام 2025 مجرد اتجاه تكنولوجي، بل بداية إعادة توزيع واسعة للقوة في الاقتصاد العالمي.

العمارة الطاقية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة: تكيّف بلا حماسة.

على الرغم من الخلافات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي وبين بروكسل وواشنطن، تُظهر الاتجاهات البنيوية خلال السنوات الأخيرة متانة التحول الطاقي واستمراريته. ففي عام 2025، بلغت أوروبا لأول مرة في تاريخها نقطة كانت تُعد قبل عقد من الزمن شبه مستحيلة: الطاقة الشمسية وفّرت 22.1 في المئة من إجمالي إنتاج الكهرباء، والطاقة النووية 21.8 في المئة، وطاقة الرياح 15.8 في المئة. هذا التوازن لا يعكس مجرد تغيير في المزيج الطاقي، بل يؤشر إلى الانتقال من مرحلة الاعتماد الهش إلى مرحلة النضج البنيوي، حيث بات النظام قادرا على تعويض ذروات الطلب الموسمية بمرونة من دون اللجوء إلى الفحم. ووفقا لبيانات الوكالة الأوروبية للبيئة، انخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من قطاع الطاقة في الاتحاد الأوروبي خلال عامي 2024 و2025 بنسبة 17 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة عام 2019، فيما تراجعت حصة الفحم إلى أدنى مستوى تاريخي، دون 10 في المئة من إجمالي مزيج الطاقة. ألمانيا، رغم خروجها الكامل من الطاقة النووية، نجحت في تثبيت نظامها الكهربائي بفضل إنتاج شمسي قياسي بلغ 78 تيراواط ساعة، في حين حققت إسبانيا وهولندا نموا مزدوج الرقم في طاقة الرياح. ومن منظور تكنولوجي، يتقدم الاتحاد الأوروبي بثبات نحو بنية “30–30–30”: ثلاثون في المئة شمس، وثلاثون في المئة رياح، وثلاثون في المئة مصادر منخفضة الكربون، تشمل النووي والكهرومائي، بحلول عام 2030.

في الولايات المتحدة، لا تقل الديناميات إثارة للاهتمام. ووفقا لتوقعات تقرير آفاق الطاقة السنوي لعام 2026، ستصل حصة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء إلى 26 في المئة بحلول عام 2026، أي ضعف ما كانت عليه قبل عشر سنوات. وتبرز ولاية كاليفورنيا كنموذج متقدم، إذ تؤمن الطاقة الشمسية 34 في المئة من إنتاج الكهرباء، متجاوزة الغاز الطبيعي للمرة الأولى. وفي تكساس وأيوا، تسجل طاقة الرياح نموا قياسيا، بينما تخفض المجمعات الشمسية الجديدة في نيفادا وأريزونا كلفة الكيلوواط ساعة إلى 2.5–3 سنتات، وهو مستوى تعجز المصادر الأحفورية عن منافسته. خلال عام 2025، دخلت الخدمة في الولايات المتحدة أكثر من 20 غيغاواط من القدرات الشمسية الجديدة و8 غيغاواط من طاقة الرياح، فيما تجاوزت السعة الإجمالية لبطاريات التخزين الصناعية 18 غيغاواط ساعة. وتشير تقديرات مؤسسات السوق إلى أن الاستثمارات الأميركية في الطاقة النظيفة قد تتجاوز 500 مليار دولار بحلول عام 2027، وهو رقم يوازي تقريبا حجم قطاع النفط والغاز في البلاد.

ومع ذلك، تبقى البنية التحتية الحلقة الأضعف. فأكثر من 70 في المئة من شبكات الكهرباء الأميركية شُيّدت قبل أكثر من أربعين عاما، في زمن المحطات الفحمية المركزية. أما نموذج التوليد اللامركزي الحالي، فيتطلب شبكات جديدة كليا: ثنائية الاتجاه، رقمية، وقادرة على استيعاب عشرات الملايين من الأنظمة الشمسية المنزلية ومحطات شحن السيارات الكهربائية. من دون هذه التحديثات، يظل التحول محدودا بنيويا: فلا يمكن تعميم السيارات الكهربائية إذا كانت الشبكة غير قادرة على تحمّل الأحمال، ولا يمكن توسيع التوليد اللامركزي من دون بنية ذكية متكاملة. من هنا، لا يُعد التحول الطاقي في الولايات المتحدة شعارا سياسيا بقدر ما هو تحد هندسي وبنيوي.

وهنا يتجلى جوهر مفارقة التحول الطاقي المعاصر: التقلبات السياسية، والمعارك الأيديولوجية، والدورات الانتخابية باتت عوامل ثانوية مقارنة بالحالة الفيزيائية للشبكات، وسرعة تحديث البنية التحتية، وعمق التكامل التكنولوجي. لقد دخل كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مرحلة جديدة، تُقاس فيها متانة الطاقة لا بالشعارات، بل بقدرة المحولات، وخوارزميات الموازنة، وحجم الاستثمارات في بنية القرن الحادي والعشرين.

المخاطر النظامية والتناقضات البنيوية للتحول الطاقي.

على الرغم من الزخم القوي للطاقة المتجددة، يرافق التحول الطاقي طيف واسع من المخاطر النظامية القادرة على إبطاء مساره أو تشويهه.

أولا، هناك تركّز تكنولوجي في الإنتاج. فأكثر من 80 في المئة من سلاسل توريد المكونات الحيوية للطاقة المتجددة مرتبطة بشرق آسيا، ولا سيما الصين. هذا الاعتماد يجعل التحول العالمي عرضة للصدمات الجيو-اقتصادية، والعقوبات، والنزاعات التجارية.

ثانيا، يبرز خطر نقص المواد الخام الأساسية. ووفقا لتقديرات البنك الدولي، قد يرتفع الطلب على الليثيوم ستة أضعاف بحلول عام 2035، وعلى النيكل أربعة أضعاف، وعلى النحاس بمقدار مرتين ونصف. وفي عام 2025، ظهرت بالفعل تقلبات حادة في أسعار الكوبالت والغرافيت، ما يهدد بارتفاع كلفة تقنيات تخزين الطاقة.

ثالثا، يخلق التحول الطاقي بطالة بنيوية في القطاعات التقليدية. فقد خسر قطاعا الفحم والنفط والغاز نحو 1.3 مليون وظيفة في عام 2025، في حين جرى خلق نحو 1.9 مليون وظيفة في الطاقات المتجددة. غير أن التفاوت الجغرافي والمهاري بين هذه الوظائف يولد توترات اجتماعية واقتصادية.

وأخيرا، ترتبط استدامة التحول بقدرة البنية التحتية على الاندماج. فالشبكات المصممة للتوليد المركزي لا تتلاءم مع المصادر الموزعة والميكروشَبكات. ومن دون استثمارات واسعة في الرقمنة، والتخزين، والشبكات الهجينة، قد يصطدم التحول بسقف تكنولوجي صلب.

الآثار الكلية: تشكّل اقتصاد سياسي طاقي جديد.

يُعيد التحول الطاقي صياغة الاقتصاد السياسي للنمو العالمي. إذ تشير التقديرات إلى أن مساهمة التقنيات النظيفة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي تجاوزت 4.3 في المئة، وقد تصل إلى 7 في المئة بحلول عام 2030.

في الوقت ذاته، تتعمق حالة الاستقطاب في تدفقات الاستثمار. ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تميل الاستثمارات في الطاقة المتجددة إلى الاستقرار، بينما تنمو في آسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا بمعدلات تتراوح بين 15 و18 في المئة سنويا. هذا التحول في رأس المال يخلق نمطا جديدا من تقسيم العمل العالمي، تصبح فيه الطاقة محركا أساسيا للتصنيع في الاقتصادات النامية.

لكن الوجه الآخر لهذا المسار يتمثل في الضغط المالي. فالدعم الحكومي لتسريع التحول يرفع العبء على الميزانيات العامة، إذ بلغت النفقات العالمية على الحوافز المناخية في عام 2025 نحو 1.2 في المئة من الناتج العالمي. وينشأ هنا خطر اختلال التوازن بين سرعة التحديث التكنولوجي وقدرة المجتمعات على تكييف مؤسساتها الاجتماعية والبنيوية.

الانعكاسات الجيوسياسية: من الاعتماد على الهيدروكربونات إلى التنافس التكنولوجي.

تتحول بنية العلاقات الدولية تدريجيا من منطق “الواقعية الطاقية” إلى منطق “المرتكنتيلية التكنولوجية”. فالسيطرة على القدرات الإنتاجية في مجال التقنيات النظيفة باتت تعادل السيطرة على تدفقات النفط في القرن الماضي.

وفي هذا الإطار، تتبلور تحالفات جديدة. فالهند والإمارات العربية المتحدة تطلقان شراكة عالمية للطاقة الخضراء بخطة استثمارية تبلغ 100 مليار دولار. والصين والسعودية وقعتا اتفاقات في مجالات البطاريات وأنظمة الهيدروجين. فيما يعمل الاتحاد الأوروبي على إنشاء نادي المواد الخام الحيوية لتقليص اعتماده على الإمدادات الآسيوية.

وهكذا، يكتسب مفهوم الأمن الطاقي بعدا جديدا: لم يعد حماية طرق الإمداد، بل حماية السلاسل التكنولوجية. وبذلك، لا يغيّر التحول الطاقي الاقتصاد العالمي فحسب، بل يعيد تعريف مفهوم القوة ذاته. سيادة القرن الحادي والعشرين لا تُقاس باحتياطيات النفط، بل بالحصة في المنظومة الإنتاجية العالمية لتقنيات الدورة منخفضة الكربون.

خاتمة.

دخل التحول الطاقي العالمي مرحلة اللاعودة. سماته الأساسية باتت واضحة: استقلالية تكنولوجية، وكفاءة سوقية، وإعادة توزيع جيو-اقتصادية للنفوذ. الدورات السياسية وأزمات الدبلوماسية المناخية لم تعد قادرة على إيقاف مسار تحركه اقتصاديات الحجم والتقدم التكنولوجي، لا الشعارات ولا النوايا.