تشقّ حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد آر فورد» صفحة البحر الكاريبي الهادئة، تاركة خلفها أثراً طويلاً في المياه اللازوردية. أمامها تسير المدمرات والفرقاطات، مرسومةً في خط دفاعي متدرج، بينما تحوم في السماء طائرات الـB-52، تحلّق على بُعد ثلاثين كيلومتراً فقط من السواحل الفنزويلية. تحت القيادة المباشرة للرئيس دونالد ترامب، حشدت الولايات المتحدة ما يقارب عُشر قوتها البحرية في هذه الرقعة. أما العملية، فقد حملت الاسم الرمزي «الرمح الجنوبي».
البيان الرسمي الصادر عن واشنطن، كما أعلنه ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسِت، كان واضحاً وبسيطاً: «العملية تستهدف التنظيمات الإرهابية وعصابات المخدرات». لكن بالنسبة لكاراكاس، ولعواصم المنطقة، ولمراقبي المشهد الدولي، كان الأمر جلياً: هذه ليست سوى مرحلة جديدة من الضغط الطويل لإزاحة نيكولاس مادورو، بعدما فشلت كل الوسائل السابقة ــ من العقوبات والعزلة السياسية إلى محاولات الانقلاب المدعومة من الخارج ــ في تغيير السلطة.
في قصر «ميرافلوريس» الرئاسي، يتابع مادورو المشهد عن كثب. بالنسبة لخصومه في البيت الأبيض، هو «طاغية لا يمكن التنبؤ بخطواته» و«رجل متورط في شبكات المخدرات». أما في نظر حلفائه في موسكو وبكين وطهران، وفي أعين أنصاره من التيار التشافيزي الذين لا يزالون يهتفون باسمه، فهو شيء آخر تماماً: سياسي نجح في البقاء، رجل استطاع أن يحافظ على تماسك النظام وسط حصار غير مسبوق، رغم الانقلابات والعقوبات ومحاولات الاغتيال بالطائرات المسيّرة.
تلك المفارقة البصرية ــ سائق حافلة سابق في مواجهة أضخم حاملة طائرات في تاريخ البشرية ــ تختصر السيرة السياسية لمادورو بأكملها. لقد جاء إلى الحكم في زمن تحولات عالمية، حيث تتفكك الهياكل القديمة، وتُقاس قوة الإمبراطوريات بمدى صمودها أمام الصدمات الخارجية. ورث مشروع الثورة في لحظة كان فيها الحصار الاقتصادي قد بدأ يخنق فنزويلا، بينما كان تشافيز ــ مهندس النموذج البوليفاري ــ يودّع الحياة، مُعلناً مادورو وريثه و«آخر المدافعين عن المتراس» في وجه القوى الخارجية.
طفولة على الهامش
الصحافة الأميركية تبدأ عادةً قصة مادورو من مقعد سائق الحافلة. صورة مريحة تخدم روايتين متناقضتين: خصومه يرون فيها دليلاً على غياب التعليم النخبوي، أما هو فيحوّلها إلى رمز لارتباطه بالطبقة العاملة. لكن سيرة الرجل أعمق وأكثر تعقيداً.
وُلد في 23 نوفمبر 1962 في حي «إل بايي» الشعبي في كراكاس. لم يكن من أبناء الأكاديميات العسكرية التي أنجبت تشافيز، ولا من رواد الصالونات الفكرية اليسارية. نشأته السياسية تشكلت في سبعينيات القرن الماضي، حين خلق ازدهار النفط فجوة طبقية هائلة بين قلةٍ ثرية وغالبية مسحوقة.
كانت عائلته تختلف قليلاً عن محيطها: والده ناشط نقابي، ووالدته معلمة. في بيئة كهذه، ينشأ الوعي السياسي واحترام التعليم بشكل طبيعي، حتى وإن غابت الفرص. في مدرسة «خوسيه آبالوس» لم يكن تلميذاً لامعاً، لكنه انخرط مبكراً في النشاط اليساري، فانضم إلى «الرابطة الاشتراكية» ذات التوجه الماوي، وعمل مع القواعد العمالية، كما كان يعزف الغيتار في فرقة روك تُدعى «إنغما». هذا المزيج بين النضال والثقافة الشعبية سيرافقه طويلاً.
لم يُكمل دراسته الجامعية، إذ كانت الشوارع مدرسته الحقيقية. في الثمانينيات عمل سائقاً في «مترو كراكاس»، حيث لمس واقع العمال بكل تفاصيله: الإرهاق، ضعف التمويل، وتجاهل السلطة لمطالب القاعدة. هناك تعلّم فن الإصغاء والتفاوض واحتواء الغضب، وهي مهارات ستصبح أساس نهجه السياسي لاحقاً.
من خلال نقابة «سِترامِه» التي شارك في تأسيسها كبديل للنقابات الرسمية، نسج شبكته الأولى من العلاقات والثقة. ومن هذا الوسط النقابي اقترب من مجموعة ضباط شباب كانوا يحلمون بثورة داخل الثكنات، يتقدمهم هوغو تشافيز.
السائق والضابط... الثورة والسجن
في فبراير 1992 وقعت محاولة الانقلاب ضد الرئيس كارلوس أندريس بيريس. فشلت المحاولة، وسُجن تشافيز، لكن عبارته الشهيرة قبل دخوله الزنزانة «بور أهورا» («حتى الآن») جعلت من الهزيمة وعداً بانتصار مؤجل.
في سجن «ياري»، حيث احتُجز تشافيز، كان مادورو أحد القلائل من المدنيين الذين سُمح لهم بزيارته. هناك وُضعت البذور الأولى للجناح المدني في المشروع البوليفاري. أصبح مادورو حلقة وصل بين القائد المسجون وأنصاره في الخارج، وفي تلك الفترة التقى سيلسيا فلوريس، محامية تشافيز وشريكته المستقبلية في الحياة والسياسة.
بعد العفو عن تشافيز وتأسيس «حركة الجمهورية الخامسة»، صعد نجم مادورو داخل البنية الجديدة. أصبح نائباً في البرلمان عام 2000 ثم رئيساً له، وتحول زواجه من فلوريس إلى رابط قوي بينه وبين الدائرة الضيقة لتشافيز. جمع بين خلفيته النقابية وصلاته بالمؤسسة العسكرية والحزب، فصار الجسر الذي يربط الأجنحة المختلفة للنظام.
وزير خارجية بنكهة الثورة
في أغسطس 2006 عيّنه تشافيز وزيراً للخارجية، في أوج القوة الاقتصادية والسياسية للمشروع البوليفاري. كانت أسعار النفط المرتفعة تموّل البرامج الاجتماعية الطموحة، بينما كانت كراكاس تتحدى واشنطن علناً، وتجعل من الدبلوماسية امتداداً للثورة.
كرئيس للدبلوماسية، لعب مادورو دور المهندس في بناء محور مناهض لأميركا. عزّز التحالف مع كوبا وساهم في إنشاء كتلة «ألبا» لتكون بديلاً سياسياً عن الهياكل القارية الخاضعة لواشنطن. كما أطلق مشروع «بتروكاريبي» الذي أتاح لدول الكاريبي شراء النفط الفنزويلي بأسعار تفضيلية، ما خلق شبكة نفوذ إقليمية مرتبطة بكاراكاس.
في تلك المرحلة، عمّق علاقاته مع إيران وروسيا والصين، ووقّع اتفاقيات في مجالات الطاقة والدفاع والبنى التحتية، ما عزز استقلالية بلاده عن الضغوط الغربية. كما تبنى خطاب «الجنوب العالمي»، فانتقد حرب العراق، والتدخل الأميركي في أفغانستان، والسياسات الإسرائيلية في فلسطين. وفي عام 2009، كان وراء قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل احتجاجاً على العدوان على غزة، وأعلن لاحقاً الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.
بين عامي 2006 و2012، تشكّلت ملامح «العقيدة المناهضة للإمبريالية» التي أصبحت سمة مادورو الدائمة. لم يكن يرى في الإمبريالية شعاراً دعائياً فحسب، بل منظومة شاملة: هيمنة اقتصادية، قواعد عسكرية، أدوات مالية عبر صندوق النقد الدولي، وسيطرة على أسواق الطاقة ورؤوس الأموال. ومن هنا وُلدت قناعته بأن الصراع مع الولايات المتحدة ليس خياراً، بل قدراً لكل دولة تريد الحفاظ على سيادتها وكرامتها.
الوريث المدني للثورة العسكرية
في ديسمبر 2012، ظهر تشافيز على شاشات التلفزة قبل سفره للعلاج في هافانا، وفي خطابه الأخير أوصى مؤيديه صراحةً بدعم مادورو إذا لم يتمكن من العودة. بهذه الجملة القصيرة، حسم صراع الخلافة الطويل، وسلّم القيادة إلى الجناح المدني متجاوزاً الجنرالات الأقوياء، وعلى رأسهم ديوسدادو كابييو.
بعد وفاة تشافيز في مارس 2013، تولى مادورو مهام الرئاسة فوراً. وفي انتخابات أبريل فاز بفارق ضئيل، طعنت به المعارضة دون جدوى. دخل القصر مستنداً إلى شرعية وصية الزعيم الراحل.
منذ اليوم الأول أدرك أنه لا يمتلك كاريزما تشافيز. أسلوبه الخطابي أكثر هدوءاً، وصورته الإعلامية أقل جاذبية. لكن قوته كانت في امتلاكه أدوات النظام: الحزب، المؤسسة العسكرية، الأجهزة الأمنية، والشرعية الثورية. كان يرى نفسه حارساً للمشروع البوليفاري، حتى لو تطلب ذلك مواجهة حصار اقتصادي خانق وصداماً مفتوحاً مع واشنطن.
تلك القناعة كلّفته كثيراً، لكنها صاغت معادلة حكمه: البقاء ليس انتصاراً فقط، بل ضرورة وجودية في مواجهة عالم يريد إسقاط التجربة من جذورها.
الانهيار الاقتصادي والدوامة الاجتماعية
بعد رحيل تشافيز، بدأ التصدع العميق في البنية الاقتصادية الفنزويلية يظهر بوضوح. فمع الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية، وارتباط ميزانية الدولة شبه الكامل بعائدات شركة النفط الوطنية PDVSA، دخلت البلاد مرحلة انهيار هيكلي. لكن الأخطاء الحكومية فاقمت الأزمة: السيطرة الصارمة على العملة، الفساد الواسع، تدمير الإنتاج المحلي، والتدخل العشوائي في السوق جعلت الاقتصاد هشّاً حتى العظم.
بين عامي 2014 و2021 انكمش الناتج المحلي بنحو ثلاثة أرباع قيمته، في واحدة من أعمق الأزمات التي عرفها العالم في زمن السلم. تحولت التضخمات المتراكمة إلى تضخم مفرط، بلغت ذروته بين عامي 2018 و2019. وحدها عملية "الدولرة الجزئية" والتخلي عن سعر الصرف الثابت أبطأتا الانهيار مؤقتاً. أما المواطن العادي، فقد وجد نفسه وسط كارثة إنسانية: أجور بلا قيمة، أدوية مفقودة، بنية تحتية طاقية متداعية، وصفوف طويلة أمام محطات الوقود في بلد يمتلك أكبر احتياط نفطي في العالم.
بحسب تقديرات أحد المراكز البحثية في واشنطن، فإن العقوبات الأميركية وحدها قد تكون تسببت، بشكل غير مباشر، في وفاة نحو أربعين ألف شخص خلال عامي 2017 و2018، وهو رقم استخدمته كاراكاس مراراً في إدانة سياسة "الضغط الأقصى" الأميركية.
السقوط السريع والهجرة الجماعية
كان مادورو مقيداً بالتزامٍ أيديولوجي تجاه مسار تشافيز، أي نهج المواجهة الصارمة مع واشنطن والدفاع عن نموذج «ثورة الفقراء». ومع اشتداد الأزمة، تحولت العلاقة العدائية مع الولايات المتحدة إلى الهيكل الذي يقوم عليه النظام السياسي. فقد اتهمته واشنطن بالاستبداد والفساد والتورط في شبكات تهريب المخدرات، وفرضت عقوبات قاسية على النفط والمصارف وكبار المسؤولين.
مادورو رفض كل تلك الاتهامات. وأكد أن فنزويلا دولة ذات مؤسسات عاملة ودستور وانتخابات منتظمة، وأن وصوله إلى السلطة تم بوسائل شرعية. وبرأيه، فإن خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان ليس سوى غطاء تستخدمه أميركا لتبرير الحصار الاقتصادي ومعاقبة الشعب الفنزويلي جماعياً.
اتهامات الفساد و«كارتل الشمس» وملفات المخدرات وصفها بأنها «بناء سياسي» من إنتاج وزارة العدل الأميركية لتبرير تغيير النظام. وأشار إلى أن فنزويلا ليست منتجاً رئيسياً للكوكايين، بخلاف كولومبيا أو بيرو أو بوليفيا.
حتى بعض التحقيقات الأميركية اللاحقة أقرت بأن كثيراً من الاتهامات كان مبالغاً فيه أو غير مثبت بالأدلة. لكن في خضم الصراع الجيوسياسي، لم تعد الحقيقة الدقيقة تهم بقدر ما يهم تبرير الضغط.
كما لفت خبراء إلى مفارقة أخرى: فبحسب تقارير المؤسسات الأميركية نفسها، يدخل نحو 74% من الكوكايين إلى الولايات المتحدة عبر المحيط الهادئ وليس عبر الكاريبي، ما يعني أن فنزويلا ليست ممراً أساسياً. إلا أن الاعتبارات السياسية طغت على الحقائق.
بدأت العقوبات بالتدريج: عام 2015 عقوبات شخصية محدودة، عام 2017 قيود على السندات السيادية، ثم في 2019 تجميد أصول PDVSA وحسابات الدولة بمليارات الدولارات. في الداخل، زادت السلطة من قبضتها الأمنية، ورافق احتجاجا عامي 2014 و2017 سقوط عشرات القتلى وتوثيق منظمات دولية لحالات تعذيب واعتقال تعسفي، ما دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق أولي في «جرائم محتملة ضد الإنسانية».
نزيف بشري لا يتوقف
الهجرة الجماعية باتت العنوان الأبرز لعصر مادورو. فبحسب الأمم المتحدة ومؤسسات إقليمية، غادر البلاد نحو 7.9 ملايين فنزويلي، في موجة تُعد من أكبر أزمات النزوح في القرن الحادي والعشرين. توجه معظمهم إلى كولومبيا وبيرو والإكوادور والبرازيل، فيما لجأت أعداد متزايدة إلى الولايات المتحدة وأوروبا.
خصوم النظام يرون في هذا النزوح استفتاءً صامتاً على فشل المشروع البوليفاري: إذا كانت الثورة وُعداً بالعدالة الاجتماعية، فكيف نفسر أن ثلث الشعب اختار الرحيل؟ أما أنصار مادورو، فيرون أن النزوح نتيجة مباشرة للحصار والعقوبات التي خنقت الاقتصاد ومنعت أي استقرار.
في عام 2021، أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة ألينا دوهان أن العقوبات الأميركية والأوروبية فاقمت الأزمة الإنسانية، وحجبت الغذاء والدواء والمعدات الحيوية عن الفقراء، ولا سيما النساء، اللواتي يشكلن أكثر الفئات هشاشة.
غير أن مؤسسات دولية أخرى، بينها صندوق النقد والبنك الدولي، قدّمت تشخيصاً مغايراً: الأسباب الجذرية للأزمة تكمن في الفساد وسوء الإدارة وانهيار المؤسسات، بينما كانت العقوبات مجرد عامل تسريع، لا المصدر الأساس للانهيار.
واقعان في بلد واحد
في خطابه الرسمي، يكرر مادورو المقارنة مع كوبا، متحدثاً عن «حصار اقتصادي ومالي» مفروض على بلاده. ويستخدم عبارة «الإجراءات القسرية الأحادية» لوصف العقوبات، معتبراً أنها تستهدف الشعب لا السلطة. هذا الخطاب أكسبه تعاطف جزء كبير من دول الجنوب العالمي، التي ترى في العقوبات أداة للهيمنة النيوليبرالية أكثر منها وسيلة لحماية حقوق الإنسان.
لكن المشهد الداخلي يقدم صورة مزدوجة: الفقر المدقع في الأحياء الشعبية التي تعتمد على المساعدات الحكومية، مقابل الرفاه المفرط لنخبة جديدة تتعامل حصراً بالدولار. مراكز تسوق فاخرة لا تبعد سوى دقائق عن مناطق تنتظر المساعدات الإنسانية. في هذه المفارقة، تبدو العقوبات عاملاً مهماً، لكنها ليست وحدها المسؤولة عن تشوه النظام الاقتصادي والاجتماعي.
نظام محصّن ضد الانقلاب
صباح الثالث والعشرين من يناير 2019 كان لحظة التحدي الأكبر لمادورو. ففي قلب كراكاس، رفع النائب الشاب خوان غوايدو يده أمام الجماهير معلناً نفسه «رئيساً انتقالياً». وخلال ساعات، سارعت واشنطن إلى الاعتراف به، ولحق بها عدد من العواصم الغربية واللاتينية.
جاء غوايدو من حزب «الإرادة الشعبية»، الذي تبنى فكرة الانتقال الديمقراطي عبر الضغط الخارجي والعقوبات. وتوليه رئاسة البرلمان منحه غطاءً دستورياً لتفعيل مادة «شغور المنصب الرئاسي». بالنسبة للعواصم الغربية، بدا الرجل فرصة لتغيير فنزويلا من دون تدخل عسكري مباشر.
لكن موازين القوى في الداخل كانت أكثر تعقيداً. استطاع غوايدو أن يحشد مئات الآلاف من المتظاهرين، وأن يثير أملاً واسعاً بالتغيير، غير أن المؤسسة العسكرية ــ عماد النظام البوليفاري ــ بقيت وفية لمادورو. لم تفلح الانشقاقات الفردية ولا النداءات الموجهة إلى الضباط في كسر تماسك الجيش.
ومع تراجع الزخم الشعبي، تزايدت الانقسامات داخل المعارضة نفسها، وتفجرت فضائح حول فريق غوايدو، من سوء إدارة الأموال المجمدة إلى تهم بالفساد. وسرعان ما تلاشى بريقه حتى في أوساط حلفائه.
تجربة غوايدو كانت درساً واضحاً في حدود مشاريع التغيير المدعومة من الخارج. فالنظام الذي بناه تشافيز وطوّره مادورو أظهر قدرة على البقاء تفوق تقديرات مراكز القرار الغربية. وبعد أن غادر غوايدو البلاد وتوارى عن المشهد، اعتبره أنصار مادورو دليلاً على فشل الاستراتيجية الأميركية وعجز المعارضة عن بناء مشروع وطني مستقل، لا يقتات من الخارج بل ينبع من الداخل.
لماذا صمد مادورو؟
عندما رفع خوان غوايدو يده معلناً نفسه «رئيساً مؤقتاً»، بدا لكثيرين في واشنطن وكراكاس أن سقوط نظام مادورو بات مسألة أيام. لكن ما لم يكن واضحاً آنذاك هو أن السلطة في فنزويلا كانت قد بنت، خلال أكثر من عقد، منظومة دفاع متعددة المستويات ضد محاولات الإطاحة، سواء الناعمة منها أو الصدامية.
الركيزة الأولى في هذه المنظومة كانت المؤسسة العسكرية. فمنذ عهد تشافيز أُعيدت هيكلة الجيش بحيث يتولى الضباط الأكثر ولاءً المراكز الحساسة في القيادة. وجرى إدماج كبار الجنرالات في منظومة النفوذ الاقتصادي: وزارات، شركات عامة، مرافئ، مناجم، ومشاريع الطاقة والوقود. هكذا نشأت طبقة عسكرية اقتصادية متداخلة المصالح، بات بقاء النظام بالنسبة لها مسألة بقاء شخصي لا قضية أيديولوجية.
في مواجهة الضغط الخارجي، عمّق مادورو هذا الاندماج بين الدولة والجيش، مدركاً أن الولاء العقائدي وحده لا يكفي، وأن المصالح المادية المشتركة هي الضمانة الأنجع. إنها معادلة الأنظمة السلطوية الكلاسيكية: تُشترى الطاعة أولاً، ثم تتحول إلى ضرورة متبادلة.
بحلول عام 2019، كان كل ضابط كبير يدرك أن أي مغامرة انقلابية قد تكلّفه امتيازاته وربما حريته، خصوصاً في ظل تهديدات الملاحقة الدولية. ومع رسائل الدعم الصريحة من موسكو وهافانا، بدا أن محاولة الإطاحة السريعة من الخارج مستحيلة.
وسع مادورو من صلاحيات الجيش الاقتصادية، مانحاً إياه السيطرة على التجارة الخارجية واللوجستيات واستخراج الذهب، وحتى على قطاعات غير رسمية مربحة. خصومه وصفوا ذلك بـ«كارتل الشمس» – شبكة ظلّ عسكرية تتاجر بالمخدرات وتغسل الأموال، وفقاً للرواية الأميركية.
ومع تصعيد واشنطن سياستها، وصلت المواجهة إلى مرحلة التخصيص الشخصي للعقوبات. ففي عام 2020 عرضت الخارجية الأميركية مكافأة قدرها 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال مادورو. ثم ارتفع المبلغ إلى 25 مليوناً مطلع 2025، قبل أن يصل إلى 50 مليوناً في أغسطس من العام نفسه، حين صنّفت وزارة الخزانة الأميركية «كارتل الشمس» منظمة إرهابية دولية يرأسها الرئيس نفسه.
لا شك أن العقوبات دمّرت الاقتصاد وأضعفت مؤسسات الدولة وأرهقت المجتمع. لكنها في الوقت ذاته منحت مادورو سردية تعبئة جاهزة: بإمكانه أن يحمّل «الحصار الإمبريالي» كامل المسؤولية عن الانهيار، فيعفي حكومته من تبعات سوء الإدارة. وهذه الرواية بدت مقنعة لكثير من أنصاره في الداخل.
لكن كلفة هذا النهج كانت باهظة. فقد تعمّق الفساد، وتكوّن «الدولة العميقة» حيث تراجعت سلطة المدنيين أمام الجنرالات وأصحاب المصالح. انهارت شركة النفط الوطنية PDVSA، وتشوّهت الحوافز الاقتصادية، وتراجع الأداء الإداري، بينما نشأت طبقة نافذة تعرف أن سقوط النظام يعني نهاية امتيازاتها وربما ملاحقتها قضائياً، ما جعلها متمسكة ببقائه حتى النهاية.
لم يتوقف التوتر عند حدود فنزويلا. فواشنطن وسّعت دائرة الاشتباه لتطال حتى الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، الذي أُدرج اسمه مؤقتاً في «قائمة كلينتون» بعد خلاف دبلوماسي حاد مع الولايات المتحدة. هكذا أظهرت أميركا مدى مرونتها في استخدام أدوات الضغط المالي في الإقليم.
لكن حماية النظام لم تعتمد على الجيش وحده. فقد أنشأ مادورو بنية أمنية موازية من ميليشيات «الدفاع الشعبي» وشبكات لجان الأحياء، تُستدعى عند أي تهديد خارجي. وفي أغسطس 2025 أعلن أنه قادر على «تعبئة 4.5 ملايين مقاتل» للدفاع عن الوطن. هذه القوة لم تكن مجرد تشكيلات عسكرية رمزية، بل استندت إلى برامج اجتماعية عمرها عقود، مثل الإسكان الشعبي، التي ولّدت شبكات ولاء واسعة ومتجذرة في القواعد الفقيرة.
في نظر معارضيه، تمثل هذه المنظومة دليلاً على ترسيخ الحكم السلطوي المغلف بخطاب الثورة والعدالة. أما أنصاره، فيرون فيها برهاناً على أن «الثورة البوليفارية» تحولت من مشروع فردي إلى هيكل مؤسسي يجمع الحزب والجيش والشارع. والواقع أن هذه التركيبة تحديداً هي التي أنقذت النظام من السقوط.
انتخابات 2024... لحظة مفصلية في مصير الثورة
في 28 يوليو 2024، توجه الفنزويليون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات وُصفت بأنها استفتاء على الثورة نفسها: إما تجديد عهد مادورو، أو الدخول في مرحلة غامضة لا أحد يعرف نهايتها.
بعد أعوام من الانقسامات، تمكنت المعارضة هذه المرة من توحيد صفوفها خلف مرشح واحد هو الدبلوماسي السابق إدموندو غونزالس، بعد استبعاد ماريا كورينا ماتشادو، الشخصية الأكثر شعبية والتي نالت لاحقاً جائزة نوبل للسلام وأهدتها لدونالد ترامب.
أعلنت اللجنة الانتخابية فوز مادورو فور إغلاق الصناديق، لكن المعارضة سارعت لاتهامه بالتزوير وقدمت بيانات موازية تطالب بتحقيق دولي. رفضت الولايات المتحدة وعدة عواصم أوروبية وأميركية لاتينية الاعتراف بالنتائج، معتبرة أن الانتخابات استمرار لدورة سياسية غير شرعية بدأت منذ 2018.
في المقابل، سارعت كوبا ونيكاراغوا وإيران وروسيا والصين إلى تهنئته، معتبرة فوزه انتصاراً جديداً لمحور مقاوم للعولمة الأميركية.
أما الموقف الأكثر لفتاً فكان من البرازيل والمكسيك وكولومبيا، التي دعت إلى الشفافية والهدوء، قبل أن يفاجئ لولا دا سيلفا الجميع في قمة بريكس بكازان بتصريحه: «البرازيل تتحفظ على انضمام فنزويلا إلى بريكس لغياب الوضوح في نتائج الانتخابات». كانت تلك صفعة دبلوماسية مؤلمة لكاراكاس، إذ أظهرت أن حتى الحلفاء الإقليميين باتوا متحفظين في دعم شرعية مادورو.
شرعية هشة وعزلة جغرافية
رسمياً، حصل مادورو على ولاية جديدة. لكن واقعه السياسي يبدو أضعف من أي وقت مضى. فبدلاً من البحث عن مخرج للأزمة المزمنة، اختار سياسة الانكماش الدبلوماسي، قاطعاً علاقاته مع عشر دول في الجوار. وهكذا وجد نفسه معزولاً في محيطه قبل أن تطاله عزلة الغرب.
في خطاباته خلال عامي 2024 و2025، بات يكرر مصطلح «الفاشية» بكثافة. فوصف صعود خافيير ميلي في الأرجنتين بأنه «انبعاث فاشي جديد يحوّل البلاد إلى محمية للأسواق العالمية»، واتهم المعارضة الفنزويلية بأنها جزء من «محور فاشي يمتد من واشنطن إلى بوينس آيرس مروراً بمدريد».
خصومه ردوا بالمثل: بالنسبة لليمين والوسط في أميركا اللاتينية، أصبح مادورو رمزاً لـ«الاستبداد الشعبوي» الذي يختبئ وراء شعارات العدالة الاجتماعية. واعتبروا أن خطابه عن الفاشية مجرد استحضار لأشباح الحرب الباردة في عالم تجاوزها.
غير أن مادورو لا يبدو معنياً كثيراً بهذه السجالات الفكرية. فهو يسعى لتثبيت موقعه داخل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، حيث تتبدل التحالفات وتذوب الأيديولوجيات القديمة. أوروبا تميل إلى اليمين، وترامب يعود إلى البيت الأبيض، وحكومات يمينية في أميركا اللاتينية تتبنى خطاباً مؤيداً لإسرائيل ومعادياً لكوبا وفنزويلا.
في هذا السياق، يحاول مادورو أن يقدّم نفسه رأس حربة لـ«جبهة التضامن المناهضة للفاشية» إلى جانب كوبا وبوليفيا وبعض تيارات اليسار في البرازيل وكولومبيا. ينظّم مؤتمرات ومهرجانات ولقاءات دبلوماسية ترفع شعارات مناهضة العنصرية والصهيونية والإمبريالية.
هذا الخطاب يجد صداه في أوساط اليسار العربي، الذي يرى في مادورو امتداداً للخط الناصري المناهض للاستعمار، لا مجرد وريث لتشافيز. بالنسبة لهؤلاء، المسألة ليست ديمقراطية النظام، بل مدى قدرته على الوقوف بوجه مراكز القوة الإمبريالية، والدفاع عن فلسطين، ومقاومة المد اليميني العالمي.
مادورو يراهن على عالم متعدد الأقطاب... لكن هذا العالم لا يستعجل إنقاذ فنزويلا
تستمر روسيا في دعم مادورو دبلوماسياً ولوجستياً، عبر شحنات الوقود والحبوب وكميات محدودة من المعدات العسكرية. وتقدّم موسكو الرئيس الفنزويلي على أنه زعيم «صمد أمام حرب اقتصادية غير إنسانية». لكن الواقع أن قدرة روسيا اليوم محدودة، إذ إن انخراطها العميق في الحرب الأوكرانية جعل فنزويلا ملفاً ثانوياً في جدول أولوياتها.
أما الشريك الأكثر أهمية فهو الصين. فبكين تموّل مشاريع البنى التحتية والاتصالات وحقول النفط، وتستورد نحو 77 في المئة من صادرات النفط الفنزويلي. وإيران تؤدي دور «الشقيق الاستراتيجي في الحصار»، إذ تواجه العقوبات ذاتها وتشارك كاراكاس الرهان على تحالفات بديلة تتيح الصمود إلى حين ولادة النظام الدولي الجديد.
مع ذلك، لا يرى مادورو في موسكو أو بكين أو طهران ضمانة مطلقة لبقاء نظامه، بل «رئاتٍ للتنفس»: منفذ لبيع النفط إلى آسيا بدل السوق الأميركية، مصدر قروض خارج منظومة صندوق النقد، وشركاء لتوريد التكنولوجيا من الشرق لا من الغرب. كل حلقة من هذه الشبكة تقلل من قدرة واشنطن على خنق الشرايين الاقتصادية للبلاد.
هنا جوهر السياسة الخارجية لمادورو: تقليص الهشاشة عبر تنويع العلاقات التجارية والمالية والتكنولوجية، لا الارتهان إلى راعٍ واحد.
الرهان الأخير لواشنطن
في مواجهة نظام رسّخ نفسه في مؤسساته الأمنية والمالية واكتسب خبرة طويلة في امتصاص الصدمات، اختارت واشنطن استراتيجية الضغط المنهجي من دون تدخل عسكري مباشر. الخبراء يصفونها بـ«النموذج الوسيط»: تفكيك ركائز النظام من دون غزو شامل.
عبّر الرئيس دونالد ترامب عن هذا التحول بعبارة لافتة: «لقد سيطرنا على البحر... والآن ننظر إلى البر».
تقوم الخطة الأميركية على ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول: الضغط العسكري المحسوب.
أي تنفيذ ضربات دقيقة تستهدف مواقع الاستخبارات والبنية الأمنية ومراكز اللوجستيات والاقتصاد غير الشرعي، وهي مفاصل تموّل بقاء النظام. الهدف ليس تدمير الدولة بل زرع شعور دائم بالخطر داخل الحلقة الضيقة للسلطة.
المسار الثاني: العمليات السيبرانية والاستخبارية الخفية.
تُمنح وكالة الـCIA صلاحيات موسّعة لتجميد أموال ضباط، وتعطيل سلاسل القيادة، وبثّ الشك داخل الجيش عبر حملات نفسية وتذكيرهم بنماذج أميركا اللاتينية السابقة، من بنما إلى هايتي، حيث أدت التدخلات إلى انهيار الأنظمة العسكرية.
المسار الثالث: تفكيك تماسك النخبة العسكرية.
تعتمد واشنطن على معادلة بسيطة: كلما زاد الضغط الخارجي، زادت احتمالات أن يختار بعض الجنرالات التضحية بمادورو حفاظاً على المؤسسة العسكرية وضماناتهم الشخصية. فالنخبة العسكرية تحركها المصالح قبل الأيديولوجيا، وإذا اختل توازن تلك المصالح، يصبح الانشقاق خياراً واقعياً.
كراكاس في حالة ترقب ودفاع
التصعيد المفاجئ بث القلق في أروقة السلطة. صحيفة إلباييس الإسبانية تحدثت عن «صمت مطبق» داخل الدائرة التشافيزية العليا: وجوه بارزة مثل ديوسدادو كابييو امتنعت عن أي تصريح علني، ما عكس حالة تردد وحذر غير مسبوقة. بدا أن النظام يدرك أن أدواته التقليدية في الرد استُهلكت، وأن أي كلام غير محسوب قد يُفسر كإشارة ضعف أو انقسام.
مصادر أخرى أكدت أن السلطة انتقلت إلى «وضع التحصين»: تأهب عالٍ، خطاب دفاعي خافت، غياب المبادرات الهجومية. هذا التوجس يعكس قلقاً حقيقياً لدى القيادات العسكرية التي تدرك أن مصيرها مرتبط بقدرتها على اجتياز هذه الموجة الجديدة من الضغط من دون انهيار المؤسسة التي تستند إليها شرعية النظام.
الخطاب كسلاح
أمام هذا المشهد، تحولت اللغة إلى جبهة قتال بحد ذاتها. ففي خطاب ألقاه في 15 نوفمبر 2025، قدّم مادورو نفسه كـ«داوود» يواجه «جالوت»، مؤكداً أن «داوود انتصر دوماً عبر التاريخ»، وأنه اليوم يستند إلى «شعب الله الفنزويلي».
ودعا إلى إنشاء «اللجان البوليفارية المتكاملة للدفاع الشعبي»، وهي صيغة تعبئة جماهيرية واسعة تحت شعار «السلام، السلام، السلام» الذي كرره بالإنجليزية أيضاً، في محاولة لتحويل المواجهة من ميدان عسكري إلى ميدان اجتماعي، بحيث يصعب على الخارج أو الداخل اختراق الجبهة الشعبية المحيطة بالنظام.
استراتيجية أميركية محفوفة بالمخاطر
النهج الأميركي يحمل قدراً عالياً من المجازفة، لكنه في الظروف الراهنة يبدو الخيار الوحيد المتاح. فالتدخل العسكري الكامل مستبعد سياسياً وغير مجدٍ استراتيجياً، والحصار الطويل لم يحقق أهدافه، بينما فقدت ذريعة «مكافحة إرهاب المخدرات» تأثيرها الدعائي.
لذلك تمضي واشنطن في سياسة «الضغط الموجّه»، لضرب المفاصل الحساسة من دون الانزلاق إلى الاحتلال. وفي المقابل، يرد مادورو بخطاب تعبوي يلامس نبرة الميثولوجيا السياسية. ففي نوفمبر قال متحدياً:
«لن نكون أبداً مستعمرة أو عبيداً. سنبقى أحراراً، مستقلين، وسيدين على الدوام... إلى الأبد، إلى الأبد، إلى الأبد».
بهذه اللغة، يحاول الرئيس الفنزويلي أن يُظهر للعالم أنه لا يسعى لتسوية أو تفاوض، بل يخوض معركة وجود، يرى فيها نفسه آخر المدافعين عن السيادة في زمن تتراجع فيه الحدود بين السياسة والبقاء.
هل يسقط مادورو... أم يسقط العالم من حوله؟
تعود الأحداث إلى النقطة الصفر: نوفمبر 2025. إدارة ترامب تعلن انطلاق عملية «الرمح الجنوبي»، وتشنّ ضربات على زوارق تقول إنها «تتبع لشبكات تهريب المخدرات». وتؤكد واشنطن أنها دخلت في «نزاع مسلح غير دولتي» مع البنى الإجرامية الفنزويلية، بينما يردّ كاراكاس بتهديدات صاخبة بتحويل أي تدخل أميركي إلى «فيتنام جديدة».
في الوقت ذاته، تغرق البلاد مجدداً في دوامة اقتصادية: التضخم يتسارع، العملة تنهار، والنزوح لا يتوقف. لكن المفارقة أن النظام يبدو اليوم أكثر تماسكاً مما كان عليه في السنوات الماضية. فبنيته الأمنية الراسخة، وشبكات السيطرة المتغلغلة، والدعم الروسي الصيني الإيراني، كلها أسهمت في تحويل الخطر الخارجي إلى طاقة تعبئة داخلية عززت مناعته.
من هو نيكولاس مادورو حقاً؟
صورة مادورو لا تنسجم مع القوالب الجاهزة. فهو ليس «إرهابياً متخفياً في ثوب الشرعية الانتخابية»، ولا «ثائراً أممياً يحلم بالعدالة الكونية». إنه نتاج مرحلة تاريخية من التحولات الكبرى. سائق حافلة سابق، تعلّم السياسة في الشارع لا في الجامعات، وصل إلى الحكم في لحظة كانت فيها مؤسسات الدولة تتآكل تحت ضغط الاختلالات البنيوية. لم يرث منظومة مستقرة، ولم يتمكن من بناء واحدة جديدة قبل أن تنفجر الأزمة الشاملة.
بغياب أدوات فعالة لضبط الاقتصاد وإدارة التعدد السياسي، لجأ مادورو إلى الاعتماد على المؤسسة الأمنية والعسكرية. لكنه ليس مغامراً سياسياً كما يصوّره خصومه. على العكس، فهو بارع في بناء التحالفات — من هافانا إلى موسكو وبكين وطهران — ويجيد استخدام لغة التحدي للإمبراطورية العالمية لتغذية شرعيته داخلياً وكسب التعاطف في الجنوب العالمي.
أطلق مشاريع اجتماعية ضخمة، أبرزها السكن الشعبي، حافظت على قاعدة دعم ثابتة رغم انهيار الموارد. غير أن الوجه الآخر لا يمكن تجاهله: مادورو يقود دولة تتهمها منظمات دولية بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ويدير اقتصاداً هجينا يجمع بين الاشتراكية الزائفة والفساد والسوق السوداء. في عهده عرفت فنزويلا أكبر موجة هجرة في تاريخها وأعمق انكماش اقتصادي في القرن الحادي والعشرين.
بين المقاومة والسلطة
يتحرك مادورو على الخط الفاصل بين منطقين يعرفهما جيداً الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية: منطق المقاومة في مواجهة الهيمنة الخارجية، ومنطق السلطة في إحكام القبضة الداخلية. بين خطاب التحرر وممارسة الحكم السلطوي، بين الدفاع عن السيادة واحتكار القرار.
اليوم، مادورو شخصية تراجيدية بكل معنى الكلمة: زعيم لا يستطيع التراجع، لأن أي خطوة إلى الوراء قد تطيح بكل ما بناه. وفي الجهة المقابلة، قوة كبرى لا تستطيع أن تتحمل الهزيمة.
هكذا يبدو المشهد الفنزويلي في خواتيم 2025: نظام محاصر لكنه متماسك، وعالم مضطرب لا يعرف إن كان سيُسقط مادورو... أم يسقط معه.