قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والذي يُلزم الحكومة خلال 45 يوماً بوضع منظومة من العقوبات الجنائية والمالية والإدارية ضد اليهود الحريديم المتهرّبين من الخدمة العسكرية، يُعدّ نقطة نهاية رسمية لسبعين عاماً من الاستثناء المؤسّسي لقطاع كامل من المواطنين من نظام التجنيد الإلزامي الشامل. المحكمة لم تكتفِ بتأكيد موقفها السابق في حكمي عامي 2017 و2024 بشأن عدم دستورية الإعفاءات الجماعية، بل وصفت تقاعس الدولة عن التنفيذ بأنه "تهرّب جماعي من الخدمة"، ازدادت حدّته بعد حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
على السطح، يبدو القرار تصحيحاً لخلل في توزيع عبء الخدمة. لكن في العمق، تتجاوز القضية هذه الحدود لتطال الأسس الديموغرافية والسياسية للدولة. فالحريديم، الذين يشكّلون نحو 14% من سكان إسرائيل ويُسجّلون أعلى معدلات الولادة في البلاد، يظلون شبه غائبين عن الخدمة العسكرية وعن منظومة الاحتياط. هذه الفجوة تخلق خللاً متزايداً بين مبدأ "الخدمة للجميع" والواقع الذي يستند إلى نواة محدودة من المجنّدين المتحمسين وحملة الاحتياط.
تحوّل في معادلة الأمن والمجتمع والسياسة
إنّ تفكيك منظومة الامتيازات العسكرية للحريديم لا يقتصر على تصحيح قانوني، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل علاقة الدولة بجيشها وبالطائفة الدينية الأكثر نفوذاً سياسياً. كما أنه يضع الحكومة أمام امتحان صعب: هل تستطيع الحفاظ على تماسك المجتمع في ظل حرب طويلة الأمد وإصلاح مؤسساتي عميق دون الانزلاق إلى صراع داخلي مزمن؟
المقاربة المنهجية
يعتمد التحليل على جملة من المقاربات المتداخلة.
أولاً، المقاربة المؤسسية، التي تتناول تطوّر الإطار القانوني لتأجيل الخدمة وقرارات المحكمة العليا (باغاتس) في ضوء القوانين الأساسية ومبدأ "المساواة في العبء". وتشمل مراجعة أحكام 2017 و2024، وصولاً إلى قرار نوفمبر 2025 الذي فتح الباب أمام فرض عقوبات جنائية ومالية على الممتنعين عن الخدمة.
ثانياً، المقاربة الديموغرافية – الهيكلية، بالاستناد إلى بيانات معاهد إسرائيلية رائدة مثل معهد الديمقراطية (IDI) ومعهد الأمن القومي (INSS) ومعهد السياسات اليهودية (JPPI)، لتقدير تأثير النمو السريع للحريديم على استدامة نموذج "الجيش الشعبي" ومنظومة الاحتياط.
ثالثاً، مقاربة العلاقات المدنية – العسكرية، التي تبرز الانقسام بين الفئات التي تتحمّل عبء الخدمة (العلمانيون والصهيونيون المتدينون) وتلك التي تُعفى منها، على خلفية تراجع الثقة بالمؤسسات واعتبار التهديدات الداخلية أكثر خطراً من الخارجية.
رابعاً، المقاربة المقارنة، التي تضع الحالة الإسرائيلية في سياق دولي، من فنلندا التي تطبّق نموذجاً شاملاً للخدمة الإلزامية، إلى كوريا الجنوبية ودول أوروبية طوّرت أنظمة خدمة بديلة تحت تأثير المحاكم الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأخيراً، المقاربة السياسية – الاقتصادية، في ضوء ارتفاع الإنفاق الدفاعي بعد 2023 إلى نحو 8.5% من الناتج المحلي، وتفاقم العجز والدين العام، مع تحذيرات متزايدة من مؤسسات مالية دولية وخبراء إسرائيليين بشأن عدم استدامة الوضع القائم، حيث تترافق الأعباء العسكرية الثقيلة مع ضعف مشاركة قطاعات متنامية في الاقتصاد والضرائب.
من تأجيل مؤقت إلى مأزق دستوري
منذ قيام الدولة عام 1948، مُنح طلاب المدارس الدينية تأجيلاً مؤقتاً للخدمة، وكان عددهم لا يتجاوز 400 طالب. لكن هذا الاستثناء تضخّم ليشمل عشرات الآلاف سنوياً. فبحسب بيانات IDI وJPPI، بلغ عدد الحريديم بين 1.33 و1.39 مليون نسمة، أي قرابة 14% من سكان إسرائيل، بينما يُقدّر عدد طلاب المعاهد الدينية المؤجّلين للخدمة بنحو 63 ألفاً.
في 2017، قضت المحكمة العليا بعدم دستورية قانون الإعفاءات، لكنها منحت الحكومة مهلة لصياغة بديل. إلا أن كل المحاولات فشلت بسبب اعتماد الائتلافات الحاكمة على الأحزاب الدينية.
الحرب التي اندلعت بعد هجوم "حماس" في 7 أكتوبر 2023 غيّرت كل المعادلات. فإسرائيل انخرطت في صراع متعدد الجبهات مع "حزب الله" ووكلاء إيران وغيرهم، ما أدى إلى ارتفاع الإنفاق العسكري إلى مستويات غير مسبوقة بلغت 8.8% من الناتج المحلي وديون تجاوزت 30 مليار دولار إضافية.
وفي هذا السياق، جاء قرار المحكمة في يونيو 2024 ليُلزم الحكومة فعلياً ببدء تجنيد طلاب المعاهد الدينية ووقف تمويل المؤسسات التي ترفض الخدمة. أما قرار نوفمبر 2025 فقد ذهب أبعد، إذ ألزم الحكومة بوضع نظام عقوبات جنائية واقتصادية خلال 45 يوماً، مؤكداً أن الامتناع عن التنفيذ تحوّل إلى "نظام منظم لخرق القانون".
بهذا تكون إسرائيل قد دخلت مرحلة جديدة، انتقلت فيها من "التسوية القطاعية" إلى "تحوّل قضائي قسري" في بنيتها السياسية والاجتماعية. المحكمة باتت فاعلاً مركزياً في إدارة التغيير، في ظل عجز الحكومة عن صياغة تسوية سياسية مع الأحزاب الدينية. وهو ما يفاقم التوتر بين السلطات ويغذّي الشكوك حول شرعية القضاء نفسه في أوساط اليمين الديني.
الديموغرافيا والأمن واستدامة نموذج الجيش الجماهيري
المعادلة الديموغرافية تجعل قضية تجنيد الحريديم ليست مجرد أزمة مساواة، بل مسألة بقاء للنموذج الأمني الإسرائيلي على المدى الطويل.
فقد ارتفع عدد الحريديم من نحو 750 ألفاً في 2009 إلى أكثر من 1.3 مليون في 2023، يشكّلون 14% من السكان، و60% منهم دون العشرين. متوسط الخصوبة في أوساطهم يبلغ 6.4 أطفال للمرأة، مقابل 2.5 فقط لدى اليهود غير الحريديم. وتشير التوقعات إلى أن نسبتهم قد تصل إلى 16% بحلول 2030 و32% عام 2065.
عسكرياً، يعني ذلك أن حصة متزايدة من الفئة العمرية المقاتلة لا تشارك في الخدمة. إذ يخدم نحو 88% من اليهود غير الحريديم، في حين لا تتجاوز نسبة المجنّدين من الحريديم 1.7%. ومع الحرب، بات العبء على الآخرين هائلاً: مئات الآلاف يقضون شهوراً في الخدمة، فيما تبقى أحياء ومدن كاملة خارج الجيش تماماً.
النموذج الأمني الإسرائيلي قام على ثلاثة أعمدة: التفوق التكنولوجي، الدافع الوطني العالي، وقاعدة احتياط واسعة. لكن تضخم النفقات الدفاعية إلى قرابة 9% من الناتج المحلي يضع هذا النموذج على المحك، إذ لا يمكن الاستمرار من دون توسيع قاعدة المجنّدين أو إعادة هيكلة منظومة الخدمة.
اقتصادياً، تنذر هذه الديناميكية بخطر مضاعف. فبحسب دراسات الخبير دان بن دافيد ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فإن أعداداً متزايدة من الشباب الحريديم يتلقّون تعليماً يفتقر إلى المهارات الأساسية، ما يحدّ من قدرتهم على الانخراط في قطاعات الاقتصاد الحديثة. وتظهر البيانات أن 20% فقط من دافعي الضرائب يتحمّلون العبء الأكبر من الإيرادات، بينما نصف السكان تقريباً لا يدفعون ضرائب دخل.
الخطر الاستراتيجي يكمن في أن استمرار هذه الاتجاهات على مدى جيلين قد يقوّض قدرة إسرائيل على تمويل جيشها ودولتها الاجتماعية في آن واحد. وهكذا يتحوّل تجنيد الحريديم من قضية عدالة ومواطنة إلى ركيزة من ركائز الأمن الديموغرافي – الاقتصادي للدولة.
الهندسة الائتلافية والفخ المؤسسي
النظام السياسي الإسرائيلي يكرّس الطابع البنيوي لأزمة تجنيد الحريديم. فبسبب النظام النسبي المنفتح وانخفاض العتبة الانتخابية، تصبح الأحزاب الدينية بيضة القبان في كل ائتلاف حكومي. ولأن أي حكومة تحتاج إلى 61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست لتشكيل أغلبية، فإن الأحزاب الكبرى، مهما بلغت قوتها، تجد نفسها مضطرة إلى التحالف مع كتل صغيرة، من بينها الأحزاب الحريدية التي غالباً ما تملك القدرة على ترجيح الكفة أو إسقاط الحكومة.
خلال حرب 2023–2025 ومع تصاعد مطلب «المساواة في العبء»، تحوّلت هذه المعادلة إلى فخ مؤسسي حقيقي. فوفقاً لاستطلاعات معهد الديمقراطية (IDI) ومراكز أخرى، تؤيد الغالبية الساحقة من الإسرائيليين إصلاح نموذج الخدمة العسكرية للحريديم وتطالب بتوزيع أكثر عدالة للواجبات الأمنية. وتشير بيانات معهد JPPI ومعهد الأمن القومي (INSS) إلى أن التوترات الداخلية باتت تُعدّ اليوم أخطر على إسرائيل من التهديدات الخارجية، إذ أظهر استطلاع في سبتمبر/أيلول 2025 أن 58% من الإسرائيليين يعتبرون الخطر الداخلي التهديد الأكبر، مقابل 30% فقط يخشون التهديدات الخارجية.
في المقابل، تربط الأحزاب الحريدية مشاركتها في أي ائتلاف بالحفاظ على امتيازاتها القديمة أو استعادتها. وخلال عامي 2024 و2025، أدت محاولات تمرير قانون وسط حول الخدمة إلى أزمات حكومية متكررة وانسحاب كتل دينية من الائتلاف أو تهديدها بتجميد الموازنة.
قرارات المحكمة العليا في 2024 و2025 قلّصت هوامش المناورة السياسية إلى حدها الأدنى. فالحكومة لم تعد قادرة على إعادة تفعيل نظام التأجيل الجماعي دون الاصطدام مباشرة بالمحكمة. وفي الوقت ذاته، أخذ القضاء على عاتقه دور "الوكيل الاجتماعي للمساواة" من دون أن يمتلك أدوات لصياغة تسويات سياسية مستقرة بين القطاعات المختلفة. وهكذا تحوّل الخلاف حول تجنيد الحريديم إلى صراع مزدوج: صراع على العدالة في توزيع العبء، وصراع أوسع على حدود سلطة القضاء ومشروعية تدخله في السياسة.
هذه التركيبة تجعل من البنية الائتلافية الإسرائيلية حالة دائمة من عدم الاستقرار. فحتى لو حافظت الحكومة على أغلبية شكلية، فإن كل مرحلة من تنفيذ قرارات المحكمة – من وقف تمويل المعاهد الدينية إلى ملاحقة المتهرّبين – تفتح الباب أمام جولات جديدة من الابتزاز السياسي وتهدد بانتخابات مبكرة وسط حرب طويلة.
الانقسام المدني – العسكري وتماسك المجتمع
من منظور عسكري، يعمّق الجدل حول تجنيد الحريديم الفجوة القائمة بين الفئات التي تتحمّل عبء الخدمة وتلك التي تبقى عملياً خارج المنظومة الدفاعية. هذه الفجوة ليست رقمية فحسب، بل نفسية ومعنوية أيضاً. فبحسب استطلاعات INSS وغيرها، يرى جزء كبير من اليهود الإسرائيليين أن سياسة عدم تجنيد الحريديم تشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي وتقوّض روح التضامن الوطني.
ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تجسّد هذا الانقسام في الميدان. فجنود الاحتياط القادمون من المدن العلمانية أو الصهيونية-الدينية خدموا شهوراً على الجبهات، بينما بقيت المناطق الحريدية شبه معزولة عن التجنيد. إحساس "بإسرائيلين اثنتين" – واحدة تقاتل وأخرى تراقب – تحوّل إلى عامل عاطفي متفجّر يتجاوز الأرقام والإحصاءات.
لكن داخل المجتمع الحريدي نفسه بدأ يظهر تيار محدود يميل إلى المشاركة بشروط دينية صارمة. وحدات مثل كتيبة "نتساح يهودا"، واللواء الجديد "حشمونائيم"، وبرنامج "شلڤ بيت" تشير إلى استعداد فئة صغيرة للانخراط في الجيش ضمن بيئة تحافظ على معاييرهم الشرعية. ومع ذلك، تبقى هذه التجارب محدودة الحجم مقارنة بآلاف الشبان المؤهّلين سنوياً للخدمة.
العقبة الأعمق تكمن في الصورة الذهنية للجيش داخل المجتمع الحريدي، حيث يُنظر إليه كأداة "للعَلمَنة القسرية". فالتجارب التاريخية المرتبطة بقضايا السبت والكوشر والفصل بين الجنسين رسّخت خوفاً من أن الخدمة تهدّد هوية الحريديم الدينية. وتشير الدراسات إلى أن كثيراً من الأسر الحريدية تخشى على أبنائها من الاندماج الثقافي أكثر من الخطر العسكري نفسه.
ومع أن بعض البيانات تُظهر أن نسبة من الحريديم الذين خدموا فعلاً يبتعدون لاحقاً عن نمط الحياة المتشدّد، إلا أن الأبحاث تؤكد أن هؤلاء غالباً كانوا أصلاً في مسار انفصال اجتماعي قبل التجنيد، وأن تأثير الجيش في حد ذاته يُبالغ فيه.
في النهاية، يتّخذ الانقسام المدني – العسكري شكلاً من انعدام الثقة المتبادل: فالأغلبية العلمانية ترى في الحريديم فئة تتهرّب من العبء الوطني، بينما يرى الحريديم في الجيش مؤسسة تهدف إلى إعادة تشكيل شبابهم على النمط العلماني. ومع استمرار الحرب وضغط عائلات الجنود والاحتياط، يمكن أن يتحوّل هذا التوتر إلى خط انقسام اجتماعي عميق شبيه بالشقوق الطائفية التي مزّقت مجتمعات أخرى في المنطقة.
المنظور المقارن: الأزمة الإسرائيلية على خلفية النماذج العالمية للتجنيد
التجربة الإسرائيلية فريدة في تفاصيلها، لكنها ليست معزولة عن العالم. فمقارنة أنظمة التجنيد المختلفة تتيح إدراك مدى تعقيد المعضلة وحدود إمكانيات الحل.
في شمال أوروبا، تمثّل فنلندا النموذج الأكثر شمولاً، حيث يخضع جميع الرجال تقريباً للخدمة الإلزامية لمدة تتراوح بين 165 و347 يوماً، ثم يُنقلون إلى احتياط ضخم يُتوقع أن يبلغ مليون مقاتل بحلول 2031. سرّ نجاح هذه التجربة يكمن في الثقة العالية بين الجيش والمجتمع وغياب قطاعات رافضة مبدئياً لفكرة الخدمة لأسباب دينية أو أيديولوجية.
أما كوريا الجنوبية، فتمثل نموذجاً مغايراً، إذ اضطرت تحت ضغط المحكمة الدستورية والمنظمات الدولية إلى الاعتراف بحق الاعتراض الضميري على الخدمة. لكنها استحدثت بديلاً مدنياً مدته 36 شهراً، أي أطول بكثير من الخدمة العسكرية، ما جعلها أقرب إلى عقوبة منها إلى بديل عادل.
وفي أوروبا، أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية باياتيان ضد أرمينيا (2011) مبدأ اعتبار رفض الخدمة لأسباب دينية جزءاً من حرية الضمير والمعتقد، ما أجبر دولاً عدة على تعديل قوانينها لتوفير خدمة مدنية حقيقية غير عقابية.
أما في الشرق الأوسط، فيقدّم لبنان نموذج التحذير الأقصى: نظام المحاصصة الطائفية الذي صُمّم لضمان التوازن بين المذاهب تحوّل إلى عامل شلل سياسي مزمن وفقدان فعالية الدولة واعتمادها على الخارج.
إسرائيل، بالمقابل، تقف في موقع وسط. فهي تحتفظ بنظام جيش شعبي واسع، لكنها تستثني قطاعات كبيرة، في مقدمتها الحريديم وجزء كبير من المواطنين العرب، ما يجعل مبدأ "الخدمة الشاملة" أقرب إلى شعار رمزي منه إلى واقع فعلي.
وعلى خلاف التجارب الأوروبية التي تتمحور حول حرية الفرد، فإن الحالة الإسرائيلية تتعلق بقطاع ديني كامل يعرّف ذاته من خلال رفضه الجماعي لنموذج الدولة العلمانية ومؤسساتها. إدماج هذا القطاع في الجيش لا يمكن أن يتم بقرارات قضائية أو إدارية فحسب، بل يحتاج إلى تحوّل عميق في العلاقة بين النخب الدينية، والنظام السياسي، وقيادة الجيش – تحوّل يعيد صياغة العقد الاجتماعي ذاته بين إسرائيل ودينها ومواطنيها.
السياق الدولي وتقييم الحلفاء
أزمة تجنيد الحريديم لا تقتصر على الساحة الداخلية؛ فلها أبعاد خارجية تمس مكانة إسرائيل بين حلفائها الغربيين. فإسرائيل تُعدّ شريكاً عسكرياً محورياً للغرب وتمتلك واحدة من أكثر الجيوش تطوراً تكنولوجياً في العالم، فضلاً عن كونها مصدّراً رئيسياً للأسلحة. وتشير بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن شركات الدفاع الإسرائيلية حققت في عامي 2023–2024 نمواً قياسياً في العائدات على خلفية حرب غزة والارتفاع العالمي في الطلب على التسليح.
لكن الحلفاء الذين يستثمرون في أمن إسرائيل سياسياً ومادياً باتوا يراقبون بقلق درجة تماسك المجتمع الإسرائيلي. فتصاعد الشعور داخل إسرائيل بأن التهديدات الاجتماعية – الداخلية أخطر من التهديدات الخارجية، كما تظهره استطلاعات INSS وJPPI، يثير تساؤلات في العواصم الغربية حول قدرة إسرائيل على الصمود الاجتماعي في حرب طويلة.
إلى جانب ذلك، تزايد الضغط المالي بصورة لافتة: الدين العام ارتفع إلى نحو 69% من الناتج المحلي، والعجز إلى قرابة 6.9% في عام 2024 نتيجة الحروب وتضخم الإنفاق الدفاعي. المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف خفّضت بالفعل تصنيفات إسرائيل، ما رفع كلفة الاقتراض وقلّص هامش المناورة الاقتصادية.
بالنسبة للشركاء الخارجيين، فإن إدماج الحريديم في الخدمة العسكرية وسوق العمل ودفع الضرائب يُنظر إليه كاختبار لقدرة إسرائيل على التكيّف مع حرب طويلة من دون تمزّق النسيج الاجتماعي أو انهيار القاعدة الاقتصادية للأمن. ومن هذه الزاوية، تُعتبر أحكام المحكمة العليا في عامي 2024 و2025، رغم صداميتها، نوعاً من التصحيح المؤسسي لمسار كان يقود إلى خلل متزايد في منظومة الدولة.
السيناريوهات الاستراتيجية والتوصيات
في ضوء ما سبق، يمكن رسم أربعة سيناريوهات رئيسية محتملة، قد تتقاطع أو تتعاقب في التطبيق العملي.
السيناريو الأول: تنفيذ شكلي للأحكام القضائية.
تكتفي الحكومة بالحد الأدنى من تطبيق قرارات المحكمة: وقف تمويل المعاهد الدينية التي لا يلتزم طلابها بالتجنيد، فتح بعض القضايا ضد المتهرّبين، وإرسال آلاف الاستدعاءات الرمزية. عملياً، تواصل المنظومة مقاومة أي دمج حقيقي للحريديم، وتبقى البرامج العسكرية محدودة، فيما تتحايل النخب السياسية عبر ثغرات قانونية ومالية. هذا المسار يجنّب التصعيد الفوري لكنه يرسّخ هشاشة طويلة المدى: الديموغرافيا تعمل ضد نموذج الجيش الجماهيري، الثقة بالمؤسسات تتآكل، والمحكمة تصبح الفاعل الوحيد في مشهد سياسي مأزوم.
السيناريو الثاني: الدمج القسري.
تلجأ الدولة إلى تشديد العقوبات الجنائية والاقتصادية ضد المتهرّبين، وتقلّص المساعدات والامتيازات لتفرض ارتفاعاً ملموساً في نسبة المجندين من الحريديم. هذا السيناريو يستند إلى مبدأ المساواة الشكلية لكنه يتجاهل العمق الديني والثقافي للجماعة. قد يحقق نتائج رقمية سريعة، لكنه يهدد بانفجار اجتماعي داخل الأحياء الحريدية، وتصعيد الاحتجاجات، وتعميق الأزمة السياسية. ومن منظور القانون الدولي، فإن فرض الخدمة دون بدائل واقعية قد يعرّض إسرائيل لانتقادات أممية ويضعف دعمها الخارجي.
السيناريو الثالث: الدمج التدريجي عبر الخدمة البديلة.
يقوم على الاعتراف بخصوصية المجتمع الحريدي وبناء نموذج هجين: قسم من الشباب يخدم في وحدات دينية متخصصة مثل "حشمونائيم" أو في مجالات التكنولوجيا والدعم اللوجستي ضمن الجيش مع احترام صارم للضوابط الشرعية، بينما ينخرط القسم الآخر في خدمة مدنية موسعة ضمن مؤسسات مثل الإسعاف والإنقاذ والمنظمات الاجتماعية.
العنصر الحاسم هنا هو إضفاء الطابع المؤسسي على الاتفاقات مع الزعامات الدينية بحيث تُرسّخ في القوانين والأنظمة العسكرية، وليس في تفاهمات مؤقتة تتغيّر بتغيّر الحكومات. وينبغي أن تكون الخدمة البديلة طويلة وشاقة بما يكفي لتُعدّ مساهمة حقيقية، لا مخرجاً سهلاً أو عقوبة مستترة.
السيناريو الرابع: إصلاح مؤسسي شامل لنظام الخدمة.
يتضمن الانتقال من نموذج التجنيد الشامل التقليدي إلى نموذج مختلط يجمع بين الخدمة القصيرة الإلزامية والمكوّن المهني الدائم، مع فرض "خدمة وطنية" لجميع المواطنين – عسكرية أو مدنية – تشمل العرب والحريديم على حد سواء. هذا النموذج معقّد سياسياً لكنه الأكثر انسجاماً مع الحقائق الديموغرافية والاقتصادية، إذ يخفف العبء عن الفئات المقاتلة، ويخلق مسارات واضحة لمشاركة كل المجموعات في الأمن والخدمات العامة، ويُعيد التوازن للموارد البشرية في ظل حرب طويلة الأمد.
منظور الشركاء الدوليين والمؤسسات المالية
من وجهة نظر الحلفاء والمؤسسات الدولية، تتطلّب الاستراتيجية المسؤولة عناصر محددة:
أولاً، الوضوح القانوني والاستقرار المؤسسي. على إسرائيل إنهاء دوامة القوانين المؤقتة والتأجيلات المتكررة التي تزعزع الثقة وتفاقم الأزمات. إطار قانوني مستقر يحدّ من الصدامات بين القضاء والسياسة ويمنح الحلفاء وضوحاً في التوقعات.
ثانياً، الاستثمار في التعليم الأساسي للحريديم ولسائر المجموعات المهمّشة أكاديمياً. فبدون تعليم حديث في الرياضيات والإنجليزية والعلوم، لا يمكن إدماجهم في الاقتصاد المتقدم أو الجيش التكنولوجي، مما يجعل أي خطة للتجنيد الجماعي عبئاً مالياً لا يمكن تحمّله.
ثالثاً، تعزيز الجسور المدنية – العسكرية. عبر برامج تدريب مشتركة، وحدات احتياط مختلطة، ومبادرات تعاونية تجمع العلمانيين والمتدينين والعرب في خدمة وطنية مشتركة. هذه الجسور، كما أظهرت التجربة الفنلندية، هي التي تمنح الخدمة شرعيتها الحقيقية في أعين المواطنين.
رابعاً، الالتزام بالمعايير الدولية لحرية الضمير والدين. فإسرائيل، بوصفها دولة ديمقراطية وسط بيئة استبدادية، معنية بأن لا تُصوَّر سياساتها تجاه الحريديم كممارسات قمعية ضد أقلية دينية. الجمع بين احترام المعتقدات وفرض المشاركة المتوازنة في الدفاع والمصلحة العامة هو الطريق الأمثل لتجنّب المخاطر القانونية والدبلوماسية.
في المحصلة، أزمة تجنيد الحريديم ليست نزاعاً حول نوبات الحراسة في الثكنات، بل مفترق حاسم تلتقي فيه مسارات الديموغرافيا والأمن والسياسة والهوية. وقد وضعت قرارات المحكمة العليا في عامي 2024–2025 حداً لحقبة المماطلة وأدخلت إسرائيل في مرحلة اختبار حقيقي: اختبار لصلابة جيشها من جهة، ولقدرة عقدها الاجتماعي على البقاء متماسكاً من جهة أخرى.