...

إلى أي مدى تعكس مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإحياء فكرة التدريب العسكري الواسع تحوّلاً جذرياً في نموذج الأمن الأوروبي — من الدفاع ما بعد الوطني إلى عودة الدولة المعبّأة قومياً؟

قرار فرنسا إعادة إحياء الخدمة الوطنية في صيغة برنامج طوعي منظم تحت اسم الخدمة الوطنية التطوعية (Service National Volontaire) يشكّل نقطة تحول ليس فقط في السياسة الدفاعية الفرنسية، بل في الاتجاه العام للتفكير الاستراتيجي الأوروبي. فبعد ثلاثين عاماً من إلغاء التجنيد الإجباري، تعود الحكومة الفرنسية إلى منطق "الجهد الوطني"، وهو تعبير صريح عن قلق عميق حيال هشاشة بنية الأمن الأوروبية الحالية.

من الجيش المهني إلى تعبئة الأمة
صيغة ماكرون الداعية إلى "تعبئة الأمة في وجه الخطر الوجودي" تعكس انتقالاً تدريجياً من النموذج الليبرالي-العولمي للدفاع، القائم على الجيوش المهنية والبنى المتكاملة في إطار الناتو، إلى نموذج المشاركة العامة للمواطنين. هذا التحوّل يتماشى مع الاتجاه السائد في أوروبا الشمالية والشرقية بعد عام 2014، حيث أعادت دول البلطيق وإسكندنافيا إحياء فكرة "الدفاع الشامل".

رمزية القرار الفرنسي لا يمكن التقليل من شأنها. فمنذ أن ألغى جاك شيراك التجنيد الإجباري عام 1997، أصبحت فرنسا نموذجاً لما سُمّي "المجتمع ما بعد التعبئة"، حيث تُعتبر القوات المسلحة أداة مهنية لإسقاط القوة خارج الحدود. عودة ماكرون إلى نموذج المشاركة المدنية تعكس أزمة ثقة في العقيدة القديمة: فالجيش المهني لم يعد ضمانة كافية في عالم تتحول فيه النزاعات المحدودة بسرعة إلى تهديدات تمس الأمن القومي.

من الرمز إلى النظام: ملامح المبادرة الجديدة
برنامج الخدمة الوطنية التطوعية ليس إحياءً مباشراً للتجنيد الإجباري، بل هو صيغة هجينة تجمع بين التعبئة العسكرية والمدنية. يستهدف البرنامج الفئة العمرية بين 18 و25 عاماً، ويمتد لعشرة أشهر مقابل بدل مالي رمزي يبلغ 800 يورو شهرياً. ورغم طابعه الطوعي، إلا أن الخطاب الرسمي لماكرون والقيادة العسكرية يشير بوضوح إلى هدف بناء احتياط وطني يمكن تعبئته سريعاً عند الحاجة.

هذه الصيغة جزء من توجه أوسع تسعى فيه الدول الأوروبية إلى دمج الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي في مشروع دفاعي شامل. فقد أعادت لاتفيا وكرواتيا الخدمة الإلزامية، بينما اعتمدت ليتوانيا والسويد وفنلندا نماذج مختلطة. أما ألمانيا وهولندا، فاقتصرتا على برامج طوعية، لكن النقاش المتصاعد حول العودة إلى التجنيد يعكس إدراكاً متزايداً للهشاشة الأمنية.

ترتكز مبادرة ماكرون على ثلاثة دوافع مترابطة:

أولاً، الدافع العسكري – العملي: النقص في الكوادر، ولا سيما في صفوف الاحتياط. فهدف رفع عدد الاحتياطيين إلى 80 ألفاً بحلول عام 2030 يعكس إدراك الحاجة إلى قاعدة تعبئة أوسع تتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة.

ثانياً، البعد الاجتماعي – السياسي: محاولة ترميم الشعور بالانتماء الوطني لدى جيل فقد الثقة بمؤسسات الدولة. ماكرون تحدث صراحة عن "عقد اجتماعي جديد بين الجيش والأمة".

ثالثاً، البعد النفسي – التعبوي: غرس الاستعداد المعنوي للدفاع عن الوطن. فبحسب استطلاعات الرأي، يؤيد 83% من الفرنسيين فكرة الخدمة التطوعية الإلزامية، لكن ثلث الشباب فقط أبدى استعداداً فعلياً للمشاركة، وهو ما يمثل التحدي الأكبر أمام البرنامج.

بذلك، لا تقتصر المبادرة على إعداد احتياطيين، بل تهدف إلى صياغة هوية مدنية جديدة، تجعل من الخدمة وسيلة لإعادة لُحمة الأمة.

السياق الأوروبي وأزمة الأمن ما بعد الوطني
عودة فرنسا إلى فكرة الخدمة العسكرية الوطنية لا يمكن فصلها عن التحولات الجارية في أوروبا. فالنظام الأمني الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، والقائم على مظلة الناتو والاتحاد الأوروبي، بدأ بالتصدع. طوال ثلاثة عقود، رأت أوروبا في أمنها قضية "عالمية" أكثر منها جغرافية، واعتُبر نشر القوات في المهام الدولية واجباً تضامنياً لا ضرورة دفاعية.

لكن منذ عام 2014 – عام ضمّ شبه جزيرة القرم واندلاع الحرب في دونباس – تغيّر المشهد جذرياً. فقد أصبحت التهديدات محددة جغرافياً، وبدأت دول البلطيق واسكندنافيا ثم بولندا ولتوانيا ولاتفيا وفنلندا بإعادة بناء صناعاتها الدفاعية وتوسيع الاحتياط وإنشاء بنى تحتية للمواجهة. ضمن هذا السياق، لم تعد المبادرة الفرنسية تجربة داخلية، بل جزءاً من عودة أوروبية شاملة إلى مفهوم "الجاهزية الوطنية".

وبحسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI)، ارتفعت نفقات الدفاع في دول الاتحاد الأوروبي بنسبة 37% بين عامي 2015 و2024، وارتفعت حصة الدفاع من الناتج المحلي من 1.3% إلى 2.1%. أما فرنسا، فهي في موقع خاص: دولة نووية ذات حضور عالمي، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بالحفاظ على قدرة الردع القاري. هذا التناقض بين التزاماتها الخارجية ومتطلبات أمنها الداخلي يُفاقم الخلاف بين المؤسسة العسكرية ذات النزعة "الاستطلاعية" والسلطة السياسية التي تطالب الجيش بأن يكون أداة توحيد وطني.

نهاية مرحلة وبداية أخرى
بهذا المعنى، يشكّل مشروع ماكرون إعلاناً عملياً عن انتهاء مرحلة الدفاع ما بعد الوطني. فإذا كانت تسعينيات القرن الماضي قد شهدت حلم "جيش أوروبي بلا قوميات"، فإن المرحلة الراهنة تعيد فكرة "الأمة التي تعود لتصبح جيشاً". وبرامج التجنيد الشاملة في النرويج والسويد وفنلندا خلال العقد الأخير تشهد على هذا الاتجاه، لكنها هناك تُدار بدافع الحاجة العملية، بينما في فرنسا تتحول إلى رسالة رمزية وسياسية عميقة: محاولة لإعادة بناء محور الهوية الوطنية في مجتمع يعاني من الانقسام القيمي وتراجع الثقة بالدولة وتصاعد موجات التطرف.

التفسير السوسيولوجي والاستراتيجي للمبادرة

من منظور نظري، تمثل مبادرة الخدمة الوطنية التطوعية (SNV) انتقالاً إلى نموذج "الدولة القومية القادرة على الصمود" — الدولة التي لا تبقى فيها مسألة الأمن حكراً على المحترفين، بل تتحول إلى مورد مجتمعي موزّع. هذا التحول لا تفسره الاعتبارات العسكرية فقط، بل يمتد إلى العوامل الثقافية والاقتصادية أيضاً.

أولاً: البعد الاجتماعي.
منذ أواخر العقد الأول من الألفية، بدأت البنية الاجتماعية الفرنسية تُظهر مؤشرات انقسام متزايد. ووفقاً لبيانات INSEE، يعيش 22% من الشباب بين 18 و25 عاماً تحت خط الفقر في عام 2025، فيما تتجاوز البطالة بينهم 16%، ولا يتعدى مستوى الثقة بالمؤسسات العامة 34%.
في هذا السياق، تأتي الخدمة كأداة تعبئة ولكن أيضاً كقناة للاندماج الاجتماعي، ومدخل لتأهيل الفئات المهمشة خارج المنظومة التعليمية والاقتصادية. لذلك يؤكد ماكرون أن الخدمة الوطنية التطوعية هي "وطنية" أكثر مما هي "عسكرية"، وأنها يجب أن تكون "مدرسة للمواطنة". إنها محاولة لإحياء ما سماه بيير بورديو بـ"التضامن المؤسسي" — أي بناء هوية مشتركة تتجاوز الفوارق العرقية والطبقية والدينية. وفي بلد متعدد الثقافات كفرنسا، يكتسب هذا البعد دلالة مضاعفة.

ثانياً: المنطق الدفاعي – الاقتصادي.
من زاوية الاقتصاد الدفاعي، يسعى مشروع SNV إلى بناء احتياط مرن يحافظ على الكفاءات الأساسية الضرورية للتعبئة عند الحاجة. فالجيوش الحديثة باتت تعتمد على متخصصين مؤهلين: مشغلي طائرات مسيّرة، مهندسين، محللي بيانات، وخبراء في الأمن السيبراني. لذلك، يقوم البرنامج على الدمج بين التدريب العسكري والاختصاصات المدنية، فيتحول التركيز من الكمّ إلى الكفاءة — وهو الاتجاه السائد في جيوش القرن الحادي والعشرين.
وحسب خطة وزارة الدفاع الفرنسية، سيزداد عدد الاحتياطيين من 47 ألفاً إلى 105 آلاف بحلول عام 2035، ضمن منظومة دفاع إقليمي وسايبري متكاملة لحماية البنى التحتية الحيوية. بهذا المعنى، لا يمثل SNV عودة إلى التجنيد فحسب، بل يشكل نواة لبناء "منظومة دفاع وطنية بيئية متكاملة" تعمل فيها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع كجسم واحد.

ثالثاً: البعد السيكولوجي – السياسي.
العنصر الأهم في مبادرة ماكرون هو البعد النفسي. بعد عقدين عاش فيهما المجتمع الفرنسي في "سلام افتراضي"، عادت الحرب لتفرض حضورها في الوعي الأوروبي. ووفقاً لمركز Pew Research Center، اعتبر 67% من الفرنسيين في عام 2024 روسيا "التهديد الأول للأمن القومي"، وهي نسبة غير مسبوقة منذ 1989.
من هنا، تصبح إعادة الخدمة وسيلة لبناء "مناعة معنوية جماعية" — استعداد نفسي يرى الدفاع عن الوطن ليس كواجب الدولة فحسب، بل كمسؤولية فردية لكل مواطن. وهكذا، يعاد تعريف الهوية المدنية: المواطن-المدافع يعود إلى قلب العقد السياسي الفرنسي.

فرنسا في المشهد الدفاعي الأوروبي الجديد
تتجاوز مبادرة ماكرون الحدود الوطنية لتؤثر في بنية الأمن الأوروبي ككل. فللمرة الأولى منذ إطلاق السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي (CSDP)، تعترف فرنسا فعلياً بأن أمن أوروبا لم يعد يستطيع الاتكال على الوجود الأميركي ولا على تفوق الناتو التقني.
ومع تراجع انخراط واشنطن في الشؤون الأوروبية وتركيزها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة استعادة سيادتها الاستراتيجية. في هذا الإطار، يُمكن اعتبار SNV الرد الفرنسي على التحدي المسمى "الاستقلال الدفاعي الأوروبي"، الذي دعا إليه ماكرون منذ عام 2017.
وعلى خلاف النموذج الألماني الذي يركز على التكامل الصناعي والتكنولوجي من خلال مبادرات مثل European Sky Shield Initiative، تبني فرنسا استراتيجيتها على العنصر البشري — أي على فكرة الجاهزية المجتمعية. وهذا النهج أقرب إلى العقيدة الاسكندنافية في "الدفاع الشامل"، حيث تتوحد الدولة والمجتمع في مواجهة التهديدات.

وعلى المدى المتوسط (2030–2035)، يمكن أن تشكل هذه البرامج الوطنية قاعدة لبناء "بنية دفاعية أوروبية جديدة"، توحّد معايير التدريب وتدمج الاحتياطات العسكرية، مما يؤدي إلى نشوء "اتحاد مدني–عسكري لمجتمعات أوروبا". لكن تحقيق ذلك يتطلب تسويات سياسية معقدة: توحيد الميزانيات، تجنب ازدواجية المهام بين الناتو والاتحاد الأوروبي، والأهم — إعادة تعريف دور المواطن في منظومة الأمن الأوروبي.

تحليل السيناريوهات: النتائج والمخاطر
من الناحية التحليلية، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة لتطور SNV:

  1. سيناريو المؤسسية.
    يتحول البرنامج إلى جزء دائم من البنية الدفاعية الفرنسية. في غضون 10 إلى 15 عاماً، يتبلور احتياط مهني متكامل ضمن منظومتي CSDP والناتو، ما يعزز موقع فرنسا كركيزة للأمن الأوروبي. احتمال التحقق: 45–50%.
  2. سيناريو الرمزية السياسية.
    يبقى المشروع في جوهره رمزياً أكثر منه عملياً. الطبيعة الطوعية والقيود اللوجستية تحدّ من فعاليته، فيتحول إلى أداة دعائية للتربية الوطنية دون تأثير عسكري حقيقي. احتمال التحقق: 35%.
  3. سيناريو الأزمة والتعبئة الجزئية.
    في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية — كصدام مباشر بين الناتو وروسيا أو تفجر أزمات في أفريقيا — قد تتحول SNV إلى منصة لتعبئة سريعة وشبه إلزامية. احتمال التحقق: 15–20%.

كل سيناريو من هذه السيناريوهات يعكس المعضلة الجوهرية أمام فرنسا وأوروبا: كيف يمكن التوفيق بين متطلبات الكفاءة العسكرية والمبادئ الليبرالية–الديمقراطية؟

الاستنتاجات والتوصيات الاستراتيجية
إحياء الخدمة الوطنية في فرنسا هو عرضٌ من أعراض الانتقال من عصر الرفاهية الاستراتيجية إلى عصر البقاء الاستراتيجي. إنها ليست عودة إلى النزعة العسكرية، بل استجابة لتآكل منظومة الأمن الأوروبي التقليدية.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، يمكن تلخيص آثار المبادرة في النقاط التالية:

  • بناء نموذج دفاعي أوروبي جديد. تصبح SNV نواةً لمفهوم يُعيد دمج الأمن في صميم المواطنة.
  • أولوية رأس المال البشري في الدفاع. حروب القرن الحادي والعشرين تُحسم بنوعية المقاتلين ومهاراتهم، لا بعدد الأسلحة.
  • الاستقرار الاجتماعي عبر الخدمة. قد تتحول SNV إلى وسيلة لتقليص التوتر الاجتماعي وتعزيز الاندماج الوطني، خصوصاً بين شباب الضواحي والمهاجرين.
  • خطر التسييس الداخلي. إذا جرى استغلال المبادرة للدعاية الانتخابية أو الخطاب القومي، ستفقد مصداقيتها وتعمّق الانقسام.
  • ضرورة التنسيق الأوروبي. يمكن لـ SNV أن تكون نموذجاً لتأسيس احتياط أوروبي مشترك، ما يستلزم مواءمة مؤسساتية وتوحيداً للمعايير.

وبهذا، تعود فرنسا لتكون مختبراً لأوروبا كما كانت في ستينيات القرن الماضي عند صياغة عقيدتها النووية المستقلة — لكن هذه المرة ليس عبر الردع بالسلاح، بل عبر الردع بالجاهزية المجتمعية.

الوسوم: