...

أنطون غромوف، عالم سياسي وخبير في الأمن الأوراسي، يُعدّ من أبرز الباحثين في العمليات الاستراتيجية التي تُعيد تشكيل ميزان القوى العالمي. بصفته مديرًا لمنظمة «أستريا» غير الحكومية، يركّز على المثلث المتنامي بين روسيا والصين وكوريا الشمالية، حيث تتشابك خيوط التعاون العسكري-التقني، والأنظمة الإعلامية، والتكتيكات الجيوسياسية المنسقة التي تُعيد رسم موازين القوة في أوراسيا. يتميز تحليله بالدقة والعمق المعماري والرؤية الباردة لكيفية تصدير الأنظمة السلطوية لنفوذها خارج حدودها. وتدور محاور عمله حول التهديدات الهجينة، والاتصالات الاستراتيجية، وبنية الأمن، ومنهجية عمليات التضليل الحكومية. ويُقدَّر غромوف لما تتميز به تحليلاته من وضوح وأساس تجريبي وفائدة عملية لصنّاع القرار في أعلى المستويات.

ثلاث جدران فقط للسجن

بحلول العام الثالث، أدرك "عين الصقر" الهندي أخيرًا أن للسجن ثلاث جدران فقط.
الأحداث حول أوكرانيا تتسارع بوتيرة دراماتيكية.

أولًا: تتكشف في النخبة الأوكرانية فضيحة فساد دولية ضخمة، توصف بأنها «تشرنوبيل سياسي» قد يزلزل النظام القائم.

ثانيًا: إدارة ترامب تدفع كييف والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق سلام بشروط مؤلمة للغاية لأوكرانيا. صبر واشنطن نفد، إذ تحتاج مواردها وانتباهها إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ لاحتواء الصين. الدينامية الداخلية والواقع الاقتصادي لم يعد يسمحان بمواصلة دعم المجهود الحربي الأوكراني بالمستوى السابق.

ثالثًا: مدينة بوكروفسك سقطت فعليًا. الجيش الأوكراني والمجتمع وصلا إلى نقطة الانهاك التام؛ لا بشر ولا موارد لحرب شاملة. في المقابل، يرى الكرملين فرصة للنصر الحاسم. بوتين يزداد تشددًا في مطالبه، فهو يحتاج إلى انتصار مقنع يبرر الخسائر أمام بكين وبيونغ يانغ ونيودلهي ودول الجنوب العالمي التي تترقب من سينتصر.

رابعًا: وزيرة الخارجية السويدية صرّحت بوضوح أن الاتحاد الأوروبي قدّم لأوكرانيا منذ فبراير 2022 ما قيمته 187 مليار يورو، بينما استورد من روسيا نفطًا وغازًا وسلعًا بقيمة 311 مليارًا. وقالت ستينيرغارد: «هذا يعني أننا ندعم أوكرانيا دعمًا سلبيًا بمقدار 124 مليار يورو».

خامسًا: الكرملين يشنّ علنًا عمليات إرهابية وتخريبية وعدائية داخل أراضي الناتو. خطوط السكك الحديدية في بولندا تم تفجيرها. مرتزقة أوكرانيون ومهاجرون ولاجئون يُستخدمون كعملاء ميدانيين.

ما الذي يمكن أن تفعله أوروبا إذا أرادت فعلاً ألا تخسر؟

أولًا: تحويل الاقتصاد إلى وضع الحرب.
وقف تام للتجارة مع روسيا. تأييد غير مشروط للمطالب الأمريكية بفرض الرسوم على روسيا والدول التي تشتري نفطها. إنشاء صندوق أوروبي احتياطي لشراء كميات ضخمة من السلاح والذخائر من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان. بناء احتياطات استراتيجية من النفط والغاز والمعادن النادرة وسائر «معادن الحرب».

إن تغيّر الموقف الأمريكي تجاه حلفائه في الناتو مفهوم تمامًا. فبينما تفرض أوروبا قيودًا على الشركات الأمريكية، تظل شريكًا تجاريًا كبيرًا لروسيا والصين، الخصمين الجيوسياسيين لواشنطن. دول الاتحاد الغنية ترفض زيادة الإنفاق الدفاعي وتفضل أن يمول دافع الضرائب الأمريكي أمنها، فيما تواصل التمتع بمكاسب العولمة التي يحميها الجيش والأسطول الأمريكي.
على أوروبا أن تختار: أن تكون لاعبًا مستقلًا، أو حليفًا صادقًا لواشنطن، أو تتحول إلى «مقاطعة ثرية» ذات وضع خاص في النظام الأوراسي الجديد بقيادة بكين. خيبة الأمل الأمريكية مفهومة — لقد سئمت واشنطن من شركاء مزدوجي الوجه لا يريدون صفقة عادلة.

ثانيًا: إطلاق عملية فرز شاملة للمهاجرين واللاجئين الذين دخلوا الاتحاد الأوروبي دون رقابة.
ينبغي إشراك الجيش وتشكيل وحدات خاصة من الشرطة العسكرية وقوات العمليات الخاصة.

ثالثًا: إنشاء قيادة أوروبية موحدة في بروكسل وبرلين، تضم الاستخبارات والجيوش والقوة النووية في هيكل واحد.

رابعًا: تعبئة جميع قوات الرد السريع الأوروبية خلال 48 ساعة ونقلها إلى بولندا، بما في ذلك حاملو الأسلحة النووية التكتيكية.
بعد أسبوع من الدمج، يجب أن تكون هذه القوات مستعدة لدخول الأراضي الأوكرانية وتثبيت خط دفاع على نهر دنيبر.

خامسًا: تشكيل «فيلق روسي» بإشراف استخبارات الاتحاد الأوروبي والقيادة الموحدة.
تجنيد عشرات الآلاف من الروس المؤيدين لأوروبا — من محللين وتقنيين وخبراء تكنولوجيا المعلومات — لتأسيس «جيش التحرير الروسي» ضمن هيكل القوات الأوروبية، مجهزًا بأسلحة ثقيلة. يمنح كل متطوع الإقامة والعفو ووضع الجندي الحليف، بما يوازي فعليًا الجنسية الأوروبية.

سادسًا: إنشاء وكالة تجنيد روسية لشراء ولاء الضباط والمتخصصين الروس ومنع عملهم لصالح اقتصادَي الحرب الروسي والصيني.
فتح «ممر أخضر» لكل روسي مستعد للانضمام إلى أوروبا وتبنّي قيمها.

هل سيتحقق أي من ذلك؟ بالطبع لا.
ولهذا بالتحديد، سيخسر الاتحاد الأوروبي الحرب.

بعد هدنة تُفرض بشروط بوتين، ستندلع حرب كبرى جديدة خلال عامين أو ثلاثة، تمامًا كما حدث بعد فشل اتفاقات مينسك. تلك هي منطق الأحداث.
التحالف الأحمر بين موسكو وبكين وبيونغ يانغ يحرز تقدّمًا.
ويبقى السؤال: كيف سترد الدول الآسيوية الديمقراطية وحلفاؤها؟