غيّرت الانتخابات البرلمانية في العراق عام 2025 خريطة القوى السياسية بشكل واضح، كاشفة عن مسارات يمكن ان تؤثر في مستقبل القرار العراقي وفي توازن النفوذ بين اللاعبين الخارجيين. هذه الانتخابات، السادسة منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، شهدت مشاركة اوسع بكثير مقارنة بالدورات السابقة، وانتهت بفوز التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.
ورغم هذا الفوز، فان غياب الاغلبية الواضحة يجعل العراق مقبلا على مفاوضات طويلة ومعقدة لتشكيل الحكومة. والاهم من الارقام الصعود اللافت لعدد النواب المحسوبين على المعسكر الموالي لايران، وهو ما اثار قلقا واسعا لدى المراقبين بشأن سيادة العراق واحتمالات زيادة التدخل الخارجي في شؤونه.
ما يلي يقدم قراءة معمقة لنتائج الانتخابات، وتوزع القوى السياسية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات بالنسبة لمستقبل البلاد.
نتائج الانتخابات.
الارقام الرسمية لمفوضية الانتخابات اكدت ان تحالف "البناء والتنمية" بزعامة محمد شياع السوداني تصدر السباق بنحو مليون وثلاثمئة الف صوت، متقدما على اقرب منافسيه بفارق كبير. هذا الانجاز منح السوداني الكتلة الاكبر في البرلمان الجديد بحوالي ستة واربعين مقعدا. رئيس الوزراء اعتبر المشاركة الواسعة، التي بلغت ستة وخمسين في المئة مقابل اربعين في المئة فقط عام 2021، دليلا على استعادة الثقة بالمسار السياسي.
في المرتبة الثانية جاءت الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني، مستندا الى ثقله في الاقليم وحاصدا اكثر من مليون صوت، ما يعادل ستة وعشرين مقعدا تقريبا. اما المركز الثالث فكان من نصيب كتلة "التقدم" السنية بزعامة الرئيس السابق للبرلمان محمد الحلبوسي، التي حصلت على نحو تسعمئة وخمسة واربعين الف صوت وما يقارب ثمانية وعشرين مقعدا. بذلك يتشكل مثلث القوة من ممثلي المكونات الشيعية والكردية والسنية.
خلف هذه القوى الرئيسية برزت تكتلات اخرى لا يمكن تجاهلها. "الاطار التنسيقي" الممثل للمعسكر القريب من طهران دخل الانتخابات بعدة قوائم؛ من بينها كتلة "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي التي اقتربت من ثمانية وعشرين مقعدا، وكتلة "السادقون" الجناح السياسي لحركة "عصائب اهل الحق" بحدود سبعة وعشرين مقعدا. كما حقق تحالف "قوى الدولة الوطنية" بقيادة عمار الحكيم وبدعم من حيدر العبادي ما بين خمسة عشر وتسعة عشر مقعدا.
الا ان المفاجأة الابرز جاءت من مرشحين مرتبطين مباشرة بالفصائل المسلحة التي تدعمها ايران. منظمة "بدر" بزعامة هادي العامري حصدت ثمانية عشر مقعدا، وحركة "حقوق" الجناح السياسي ل"كتائب حزب الله" ستة مقاعد، فيما حصلت "فرقة الامام علي" على ثمانية مقاعد، و"سرايا سيد الشهداء" على اربعة. حتى حزب "بابلون" المسيحي المقرب من هذا المعسكر تمكن من ادخال نائبين الى البرلمان.
في المشهد الكردي، عزز الحزب الديمقراطي الكردستاني تفوقه الواضح داخل الاقليم، متقدما بفارق مريح على غريمه التقليدي الاتحاد الوطني الكردستاني الذي تشير النتائج الى حصوله على نحو خمسة عشر مقعدا فقط على مستوى العراق. وفي الساحة السنية، احتفظ تحالف "العزم" بقيادة رجل الاعمال خميس الخنجر بحضور معتبر بلغ نحو خمسة عشر مقعدا، الى جانب مجموعة من المرشحين الذين فازوا عبر قوائم اقليمية متنوعة لا يتجاوز مجموعها عشرة مقاعد.
هكذا يعود البرلمان العراقي ليجسد فسيفساء المجتمع بتوزيع مقاعده البالغ عددها ثلاثمئة وتسعة وعشرين بين الشيعة والسنة والاكراد، اضافة الى ممثلي الاقليات المسيحية والازيدية والتركمانية وغيرها. لكن التركيبة الجديدة تحمل معها مؤشرات واضحة على صعود النفوذ الايراني في قلب الدولة العراقية، ومعه اسئلة ثقيلة حول مستقبل القرار الوطني ومسار الحكومة المقبلة.
العامل المذهبي ونتائج قلبت التوقعات.
خريطة التصويت جاءت، في خطوطها العامة، انعكاسا طبيعيا للتركيبة السكانية والمذهبية في العراق. المحافظات ذات الغالبية الشيعية منحت اصواتها لمرشحين شيعة، فيما حسم السياسيون السنة المشهد في مناطق الغرب والشمال، وحافظت الاحزاب الكردية على ثقلها في اقليم كردستان. هذا المشهد يواصل تكريس المعادلة التي استقرت بعد عام 2003، حيث جرى توزيع السلطات العليا وفق مفتاح طائفي وقومي: رئاسة الوزراء لشيعي، ورئاسة البرلمان لسني، ورئاسة الجمهورية لكردي.
لكن صناديق الاقتراع لم تخل من مفاجآت تحمل دلالات لافتة. محافظة نينوى، ذات الغالبية السنية، سجلت اختراقا غير مألوف حين تصدر الحزب الديمقراطي الكردستاني المشهد، متقدما على القوائم العربية السنية. قدرة الحزب على حشد الاصوات في مناطق مثل سنجار وما حولها منحت مسعود بارزاني نصرا سياسيا مهما خارج حدود الاقليم. في المقابل، شهدت محافظة ديالى ظاهرة معاكسة تماما، اذ فشل المرشحون الاكراد للمرة الاولى منذ عشرين عاما في الفوز باي مقعد، نتيجة ارتفاع المنافسة من المرشحين الشيعة والسنة وتراجع حماسة الناخب الكردي خارج الاقليم.
عامل اخر ترك بصمته بوضوح: موقف الزعيم الشيعي مقتدى الصدر. الرجل الذي كان يمتلك الكتلة الاكبر في البرلمان السابق دعا انصاره الى مقاطعة الانتخابات، واصفا اياها بغير النزيهة. هذه الدعوة اصابت نسب المشاركة في معاقله الرئيسية بالشلل، من بغداد الى النجف، وما رتبته من تراجع التنافس داخل الساحة الشيعية. غياب التيار الصدري عن المضمار افسح المجال امام القوى القريبة من ايران لتحقيق اختراقات واسعة في دوائر عديدة، بعد ان فقد المشهد احد اهم اركانه المعارضة.
مفاوضات تشكيل الحكومة: طريق مليء بالمطبات.
ورغم تقدم تحالف السوداني، فان الفارق الواسع بينه وبين رقم الاغلبية المطلقة يفرض معركة سياسية معقدة. لا كتلة تمتلك ما يقرب من مئة وخمسة وستين مقعدا، ما يجعل تشكيل الحكومة عملية تفاوضية بامتياز، تحتاج لنسج تحالفات عابرة للطوائف. التجربة العراقية تؤكد ان ولادة الحكومات تستغرق اسابيع وربما شهورا، كما حدث عام 2018 حين استمر التجاذب نصف عام، وعام 2021 حين عاش البلد احد عشر شهرا بلا حكومة مستقرة.
السوداني يطمح لولاية ثانية، لكنه يواجه تحديات داخلية تبدأ من بيته السياسي نفسه. تحالفه يمثل مظلة لقوى متباينة؛ من حزبه "الفراطين" الى شخصيات منشقة عن تيارات شيعية اخرى، مرورا بنواب مستقلين وزعامات مناطقية على غرار فالح الفياض وغيره من شيوخ العشائر. ولاءات هذه المجموعات اشبه بموازين حرارة سياسية تتبدل وفقا للمكاسب. وفي زمن مزادات ما بعد الانتخابات قد تعدل هذه القوى بوصلتها نحو منافسي السوداني اذا حصلت على عروض اكثر اغراء.
خصومه داخل البيت الشيعي لا يخفون اعتراضهم على استمرار الرجل في رئاسة الحكومة. حصة رئاسة الوزراء تعد في العرف السياسي "ملفا شيعيا"، والقرار النهائي بشأن المرشح يتخذ بالتوافق بين القوى الرئيسية. نوري المالكي وقيس الخزعلي اعلنا صراحة ان حجم المقاعد لا يخول اي طرف الانفراد بالقرار، مؤكدين ان رئيس الحكومة يجب ان يلتزم بتوجهات القيادة الشيعية الجامعة، وليس ان يعمل بمعزل عنها. هذه الرسائل تعكس خشية النخبة التقليدية من تمدد نفوذ السوداني وتحوله من "مرشح توافقي" الى لاعب يمتلك كتلة وازنة وطموحا سياسيا مستقلا.
للاحتفاظ بالمنصب، سيحتاج السوداني الى ضبط صفوف تحالفه الهش وفتح قنوات تفاهم مع القوى الشيعية المعارضة له. وقد يضطر الى الاستعانة بدعم الاكراد والسنة؛ اذ يلوح الحزب الديمقراطي الكردستاني باستعداد مشروط للتعاون مقابل ضمانات تتعلق بميزانية الاقليم والمناصب السيادية، فيما يبدي كل من محمد الحلبوسي وخميس الخنجر قابلية لدعم السوداني لقاء نفوذ ملموس داخل الحكومة المقبلة، لاسيما في منصب رئاسة البرلمان.
ومع ذلك، قد تذهب الامور باتجاه اكثر تعقيدا. فغياب الدور التوازني لمقتدى الصدر يترك الساحة الشيعية بلا صمام امان سياسي، ما يمنح القوى الموالية لطهران فرصة الدفع بمرشح بديل اذا لم تحصل على ما تريده من السوداني. التجربة القريبة عام 2022 لا تزال ماثلة، حين اجبر الضغط الشيعي الموحد التيار الصدري، الفائز حينها، على الخروج من المعادلة، وفرض رئيس وزراء مقبول لدى هذا المعسكر. اليوم يتكرر المشهد بغياب لاعب كان قادرا على خلط الاوراق، وهو ما قد يفتح الباب امام مفاجآت ثقيلة في معركة اختيار رئيس الحكومة.
تصاعد النفوذ الايراني واعادة رسم موازين القوى داخل البرلمان.
نتائج انتخابات 2025 كشفت من دون مواربة حجم التقدم الذي حققه المعسكر الموالي لايران داخل الحياة السياسية العراقية. تقديرات الخبراء تشير الى ان نحو مئتي نائب من اصل ثلاثمئة وتسعة وعشرين يصطفون، بشكل مباشر او غير مباشر، خلف اجندة طهران او على الاقل لا يتصادمون معها. هذا الرقم يمنح هذا التيار، للمرة الاولى منذ سقوط نظام البعث عام 2003، كتلة قادرة على فرض خياراتها التشريعية والسياسية بلا عوائق كبيرة.
الطيف الموالي لايران يضم في مقدمته الحركات الشيعية المذكورة سابقا، حيث تمتلك معظمها ارتباطات وثيقة بفصائل مسلحة او بقيادات من الحرس الثوري. "عصائب اهل الحق" بسبعة وعشرين مقعدا و"بدر" بثمانية عشر مقعدا يشكلان العمود الفقري لقوة "الحشد الشعبي". كما دخل البرلمان ممثلون سياسيون ل"كتائب حزب الله" و"لواء الامام علي" و"سرايا سيد الشهداء" باكثر من خمسة عشر مقعدا مجتمعين. وتحضر كذلك الاحزاب التقليدية الدائرة في فلك طهران: قائمة نوري المالكي الحاصلة على نحو ثمانية وعشرين مقعدا، الى جانب حزب عمار الحكيم بنحو خمسة عشر مقعدا.
امتداد النفوذ الايراني لا يقتصر على البيت الشيعي. داخل الساحة الكردية، يحافظ الاتحاد الوطني الكردستاني على علاقته التاريخية مع طهران، مشاركا بخمسة عشر نائبا في البرلمان الجديد. وفي المعسكر السني، لا تبدو الكتل الكبرى في وارد السير عكس التيار. كتلة "التقدم" لمحمد الحلبوسي وتحالف "العزم" بزعامة خميس الخنجر يمتلكان معا ما بين اربعين وخمسة واربعين مقعدا، لكنهما لا يشكلان قوة قادرة على الوقوف بوجه التفوق العددي والسياسي للقوى القريبة من ايران. تجربة الحلبوسي المريرة عامي 2022 و2023، حين خسر منصبه بعد ضغوط سياسية وصراعات مفتوحة، دفعت معظم القيادات السنية الى اعتماد نهج حذر وتفادي اي خطاب قد يُفهم على انه تحدي للنظام السياسي الذي باتت تمسك بتفاصيله القوى الموالية لطهران.
في الجهة المقابلة، يظهر المعسكر الرافض للهيمنة الايرانية اقل تماسكاً واقل عددا. هذا المعسكر الذي لا يزيد عدد نوابه على مئة تقريباً، يضم كتلة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني التي تحاول لعب دور توازني بين ايران والغرب والجوار العربي، والحزب الديمقراطي الكردستاني ذو الميول الاقرب الى انقرة وواشنطن، الى جانب تحالف "السيادة" السني وبعض القوى المدنية الصغيرة. لكن هذا التنوع، مع قلة العدد، يضعف قدرتهم على تشكيل جبهة مؤثرة يمكنها الحد من اندفاعة المحور الموالي لايران. المعادلة الحالية ما كانت لتتشكل بهذا الشكل لولا المقاطعة الواسعة التي دعا اليها مقتدى الصدر، والتي اعادت ترتيب الاصوات بشكل صب في صالح خصومه.
صوت الخبراء العراقيين والاقليميين يبدو واحدا: المشهد الجديد يفتح الباب امام سيناريوهات مقلقة. فدخول عدد كبير من ممثلي الفصائل المسلحة الى البرلمان يعني اعطاء شرعية سياسية لمجموعات ما زالت تعمل بمنطق السلاح، وهو ما يضعف مؤسسات الدولة ويقوض ركائز سيادة القانون. كما ان مشاريع الاصلاح التي كان السوداني يسعى اليها، خاصة الحد من نفوذ الميليشيات ومحاولات دمج الحشد الشعبي ضمن المؤسسة الامنية الرسمية، تواجه اليوم جدارا برلمانيا صلبا. الاكثر واقعية ان الكتلة الموالية لايران ستستخدم ثقلها لاحباط اي خطوة يمكن ان تنتقص من نفوذ هذه الفصائل او من مصالح طهران.
بهذا الشكل تتشكل للمرة الاولى منذ عقدين بيئة سياسية تمنح طهران اليد الطولى في ادارة التوازنات داخل بغداد، مع ما يحمله ذلك من تأثيرات على مستقبل الدولة العراقية ومسار قراراتها السيادية.
التداعيات والتحديات: سيادة معلقة بين ضغوط الخارج وانقسام الداخل.
الواقع الذي افرزته انتخابات 2025 وضع العراق امام لحظة حرجة تتقاطع فيها مسارات الداخل والخارج. محللون كثر يعتبرون ما جرى هزيمة استراتيجية للدولة العراقية التي باتت مؤسساتها رهينة صراع النفوذ بين القوى الاقليمية والدولية، وفي مقدمتها ايران. فميزان القوى داخل بغداد مال بشكل واضح نحو محور يربط قراره السياسي بحسابات خارج الحدود، الامر الذي يهدد ركائز السيادة ويجعل مستقبل البلاد اسير تفاهمات تتخذ في عواصم اخرى.
بالنسبة لالولايات المتحدة، صعود التيار الموالي لايران يشكل تحديا مباشرا. واشنطن راهنت طوال السنوات الماضية على تمكين قوى معتدلة تسعى الى الحد من نفوذ الفصائل المسلحة. الادارة الامريكية، التي اعادت ترتيب علاقاتها مع بغداد في عهد الرئيس دونالد ترمب، دعمت حكومة محمد شياع السوداني بوصفها فرصة لاعادة التوازن. المبعوث الرئاسي مارك سافايان شدد مؤخرا على ان “العراق لا يمكن ان يحمل في داخله ميليشيات مرتبطة بالخارج”. الموقف نفسه عبّر عنه وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين. لكن الارقام البرلمانية الجديدة تجعل قدرة السوداني، وامثاله من البراغماتيين، على الصمود موضع شك. فاذا نجحت طهران في توحيد حلفائها وفرض حكومة ذات برنامج صدامي مع واشنطن، قد تخسر الولايات المتحدة الجزء الاكبر من نفوذها الذي استعادته بعد هزيمة تنظيم داعش.
القلق لا يقتصر على الغرب. دول الخليج والاردن تنظر بعين الريبة الى تمدد القوى الموالية لايران داخل بغداد، باعتبار ذلك تهديدا لاستقرار المنطقة. تركيا تتابع بدقة موقف الاحزاب الكردية، لدعمها التقليدي لتيار بارزاني وتحفظها على الاتحاد الوطني الكردستاني الذي ترى انه يقترب اكثر مما ينبغي من طهران.
وفي خلفية هذا المشهد تبرز مخاطر تصعيد عسكري. تسريبات اعلامية تحدثت عن دراسات امريكية – شرق اوسطية لخيارات “ضربات وقائية” ضد مواقع الحشد الشعبي في حال تفاقم المواجهة مع ايران. حتى الان تريّثت واشنطن كي لا تحرج السوداني وتدفعه نحو العزلة. لكن اذا خرجت حكومة عراقية جديدة بعدة معادلات عدائية للولايات المتحدة، فقد تنفتح الابواب امام خطوات اكثر حزما، بينها – وفق خبراء – اعطاء ضوء اخضر لعمليات اسرائيلية تستهدف قواعد الحشد. مثل هذا السيناريو كفيل بادخال العراق مجددا في دوامة صراع اقليمي مفتوح.
في المقابل، يقف المواطن العراقي على مفترق طرق بالغ الحساسية. فالجمهور الذي صبر لعقود ينتظر اصلاحات تعالج مشكلات الحياة اليومية: البنى التحتية المتدهورة، ندرة فرص العمل، الفساد، تراجع التعليم والصحة. لكن حملة 2025 مرت بلا برامج واضحة، اذ انشغلت القوى السياسية بمعارك النفوذ وتقاسم الحصص. هذا الانفصال بين مطالب الشارع واولويات النخب يهدد بموجة جديدة من فقدان الثقة في النظام السياسي، خصوصا مع عزوف نحو تسعة ملايين عراقي عن التسجيل اساسا في سجلات الناخبين، وهو مؤشر صارخ على الاحباط الشعبي، خاصة بين الشباب.
خاتمة.
العراق يقف اليوم على حافة منعطف مفصلي. نسبة المشاركة المرتفعة بعثت اشارة امل، لكنها ترافقت مع صعود قوى تستند الى دعم خارجي وسلطة السلاح اكثر مما تستند الى مشروع وطني جامع. سيادة البلاد باتت معلقة بين نفوذ طهران وحسابات واشنطن وتحركات اللاعبين الاقليميين. وكلما تعمق الحضور الايراني في مؤسسات بغداد، ازداد خطر ان يتحول العراق مرة اخرى الى ساحة مواجهة بالوكالة. امام القيادة الجديدة مهمة شاقة: احتواء الهواجس الطائفية، تهدئة الخصومات، تجنيب البلاد الانزلاق الى صراع اقليمي، واعادة ربط القرار السياسي بمصالح المواطن، لا بمصالح العواصم الخارجية. من دون ذلك، يصعب على العراق تجاوز هذه المرحلة المضطربة وترسيخ سيادته وسط مشهد شرق اوسطي شديد التعقيد.