...

لم يكن إقرار مشروع الموازنة الفيدرالية الروسية لعام 2026 في مجلس الدوما مجرد خطوة روتينية في التخطيط المالي. بل كان لحظة تحوّل زلزالية، إذ انتقلت البلاد من نموذج يعتمد على تصدير النفط والغاز إلى نموذج تعبوي يجعل من الشعب نفسه مصدر الطاقة المالية. للمرة الأولى منذ مطلع الألفية، تبني موسكو موازنتها ليس على عائدات الموارد الطبيعية، بل على إعادة توزيع مباشرة لدخول المواطنين. شعار «الناس هم النفط الجديد» لم يعد استعارة، بل أصبح استراتيجية مالية قائمة بذاتها.

من الخارج، قد يبدو هذا شأناً داخلياً روسياً، لكنه في الواقع حدث ذو أبعاد دولية أوسع. فروسيا ليست مجرد اقتصاد وطني، بل ركيزة في الهيكل الأوراسي للطاقة، وعنصر محوري في شبكات الغذاء والتسليح العالمية، وعقدة مقاومة للعقوبات الغربية، ونموذج صارخ لكيف تتأقلم الأنظمة السلطوية في القرن الحادي والعشرين مع واقع العزلة عن رؤوس الأموال الأجنبية. وما يجري في الموازنة الروسية اليوم سيؤثر في بنية الاستقرار الاقتصادي والسياسي لعدد من الدول الممتدة من مينسك إلى عشق آباد.

من هيمنة النفط والغاز إلى العسكرة المالية

لفهم لماذا أصبحت موازنة 2026 نقطة اللاعودة، لا بد من التذكير بتطور النموذج الاقتصادي الروسي خلال العقدين الماضيين. فمنذ عام 2000، قامت المنظومة على ثلاثة أعمدة: تصدير الطاقة، عقد اجتماعي شعبوي يربط الكرملين بالمواطنين، وريوع سياسية خارجية وفّرت فائضاً مالياً كبيراً. خلال عقد 2010–2020، شكّلت عائدات النفط والغاز نحو نصف إيرادات الموازنة، مغذية «صندوق الرفاه الوطني» ومخلقة وهماً بالاستقرار. غير أن صدمة العقوبات في 2022 وما تبعها من عسكرة للاقتصاد دمّرت هذا التوازن. أصبحت روسيا دولة تموَّل فيها الرواتب والمعاشات من الديون والضرائب المفروضة على مواطنيها، لا من أرباح الصادرات.

الجزء السائل من صندوق الرفاه تقلّص بنسبة 57% بين 2022 و2025، وبات لا يتجاوز 4.1 تريليون روبل، أي أقل من عجز موازنة عام واحد يقدّر بـ3.7 تريليون. الدين العام ارتفع إلى 19.5% من الناتج المحلي، وهو معدل يبدو متواضعاً بمعايير دولية، لكنه في السياق الروسي يكشف هشاشة استراتيجية: فموسكو للمرة الأولى منذ عشرين عاماً تعيش على الاقتراض الداخلي بفائدة تصل إلى 15% سنوياً.

تحول في المنطق الاقتصادي

هذا التحول يحمل ثلاث نتائج جوهرية. أولاً، استبدلت الدولة مفهوم النمو الاقتصادي بمفهوم «الاستقرار الجيوسياسي». نمو الناتج المحلي عام 2025 لم يتجاوز 1%، والتوقع لعام 2026 هو 1.3%، أي ركود فعلي. لكن الكرملين يرى في هذا الوضع حالة طبيعية، إذ أصبحت معادلة «نمو منخفض مقابل ولاء مرتفع» نمطاً مستقراً للحكم.

ثانياً، تحوّلت السياسة الاجتماعية من أداة توزيع للثروة إلى وسيلة لضبط المجتمع. رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 22%، وزيادة ضرائب الدخل والأرباح، وإلغاء الإعفاءات عن المشاريع الصغيرة، ليست مجرد إجراءات مالية، بل تعبير عن صعود «الاستبداد الضريبي» الذي يبتز المجتمع لتعويض خسارة العائدات الخارجية.

ثالثاً، تتسارع عملية نزع التصنيع تحت شعار «الاستعاضة المحلية». يتوقع البنك المركزي تراجع الاستثمارات بـ0.5% في 2026، فيما تسجل القروض الإنتاجية أدنى مستوياتها منذ عقد. يعود الاقتصاد إلى نموذج السبعينيات: صناعة ثقيلة، قطاع دفاعي ضخم، وإدارة مركزية خانقة.

العقد الاجتماعي الجديد: الضرائب بدل النفط

تتشكل اليوم في روسيا صيغة جديدة للعقد الاجتماعي. فبدلاً من أن يشتري الكرملين الولاء من خلال عائدات النفط والغاز، صار يطالب به مقابل الأمن والاستقرار الرمزي. ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخل الحقيقي، وزيادة الضرائب باتت تُقدَّم على أنها «ثمن الاستقلال». هذه الآلية قائمة على مفهوم «العجز السيادي»: إقناع المواطنين بأن العجز المالي دليل قوة لأنه يمول «الدفاع ومقاومة الغرب». في هذا المشهد، تصبح اللاكفاءة الاقتصادية رأس مال سياسي.

لقد تحولت روسيا عملياً من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الولاء التعبوي.

الاقتصاد كأداة سيطرة داخلية

لم يعد هدف الموازنة تحقيق التنمية، بل تكريس السيطرة. الموازنة الروسية لعام 2026 ليست خطة مالية بل بيان سيادي أيديولوجي يعلن الانفصال عن النظام الاقتصادي العالمي، والاعتماد على تعبئة الموارد الداخلية، وتقييد الحريات الاقتصادية حفاظاً على التماسك السياسي.

أولاً، المركزية المالية المطلقة. موسكو تحتكر الموارد ضمن الصناديق الفيدرالية وتقطع شرايين التمويل عن الأقاليم. التحويلات المالية للمناطق سترتفع بـ18% في 2026، لكن من دون توسيع قواعد إيراداتها، ما يكرّس تبعيتها للنظام المركزي على غرار نموذج الاتحاد السوفييتي.

ثانياً، «عقد الطاعة». زيادة الضرائب لم تعد انتهاكاً لحقوق المواطنين بل تجسيداً للوطنية. شعار المرحلة: «ندفع لنحمي وطننا». استطلاعات «روس ستات» تشير إلى أن أكثر من 60% من الروس يؤيدون زيادة الإنفاق العسكري حتى لو تراجعت قدرتهم المعيشية.

ثالثاً، التضخم الخفي وانعدام الشفافية. التضخم الفعلي تجاوز 8% عام 2025، بينما الأرقام الرسمية لا تتعدى 4%. هنا تكمن طبيعة النظام: السيطرة لا على الاقتصاد، بل على تصور الناس له. الولاء حلّ محل الصراحة.

تنتج هذه المنظومة اقتصاداً «ضعيف الإنتاجية، قوي الانقياد». الدولة لا تحفز النمو بل تعيد توزيع الولاء، وتعوض غياب الاستثمارات الخارجية بطول عمر جهاز السيطرة: قروض موجهة للتسليح، دعم للشركات الحكومية، ضغط ضريبي على القطاع الخاص.

روسيا والعزلة الاقتصادية

خارجياً، تسعى موسكو لإثبات قدرتها على الحياة خارج النظام المالي العالمي، لكن استقلالها الاقتصادي مجرد وهم. اعتمادها على الأسواق الآسيوية والاستيراد الموازي جعلها شريكاً تابعاً لبكين أكثر منها قوة مستقلة. صادرات الطاقة ما زالت تشكّل ركناً في الموازنة، لكنها تحولت إلى نقطة ضعف: فالصين والهند تشتريان النفط الروسي بخصم يصل إلى 40% من الأسعار العالمية، ما يجعل الخام الروسي سلعة من الدرجة الثانية. وفق وكالة الطاقة الدولية، بلغت صادرات روسيا النفطية 7.2 ملايين برميل يومياً في 2025، لكن العائدات تراجعت بـ28% مقارنة بعام 2021.

أما في المجال المالي، فالوضع أكثر ضيقاً: منذ 2022 جُمدت أصول روسية قيمتها 300 مليار دولار في الخارج. ما تبقى من احتياطيات بات في اليوان والدرهم، أي بعملات لا تملك موسكو السيطرة على سيولتها. هذه ليست مجرد هشاشة اقتصادية، بل تبعية استراتيجية لحسن نية الآخرين.

بهذا، تدخل روسيا مرحلة «اقتصاد التعبئة» الكامل، حيث يصبح المواطنون وقود الدولة، والموازنة سلاحاً بيد السلطة لا أداة لخدمة المجتمع.

آليات البقاء: الديون والضرائب والطلبيات العسكرية.

في الظاهر، تبدو موازنة عام 2026 متوازنة: الإيرادات نحو 40 تريليون روبل، والنفقات 44 تريليون، والعجز 3.7 تريليون. لكن تفاصيل هذه الأرقام تكشف التناقض الحقيقي في صميم الاقتصاد الروسي. نصف الإيرادات يأتي من الضرائب المباشرة وغير المباشرة على المواطنين، فيما يذهب أكثر من 30% من النفقات إلى الدفاع والأمن، ولا تتجاوز الحصة المخصصة للاحتياجات الاجتماعية 20%.

بعبارة أخرى، تحوّل روسيا نظامها المالي إلى أداة عسكرية. فبين عامي 2024 و2026 تضاعف الإنفاق الدفاعي تقريباً ليصل إلى 9.6 تريليون روبل، أي ما يعادل 6% من الناتج المحلي، في حين لا يتجاوز متوسط دول «الناتو» 2.3%. موسكو لا تستثمر في النصر بقدر ما تموّل استمرار الحرب. الاقتصاد أصبح وقوداً للجمود السياسي.

أما آلية الاقتراض الداخلي فهي حلقة مغلقة: الدولة تصدر السندات، البنوك تشتريها بأموال المودعين، ثم تحصل هذه البنوك نفسها على دعم حكومي. هذه «الأوتوقراطية ذات المحفظة الواحدة» تمنح مظهراً من الاستقرار، لكنها في الواقع تجمّد الركود وتحافظ عليه كحالة دائمة.

روسيا كنموذج للرأسمالية السلطوية الجديدة.

الاقتصاد الروسي اليوم ليس اشتراكياً مركزياً كما في العهد السوفييتي، ولا رأسمالياً حراً كما في الغرب. إنه خليط يجمع بين رأسمالية الدولة وأيديولوجيا التحكم. يمكن تسميته «الرأسمالية السلطوية الجديدة».

على عكس الصين التي تبني سلطويتها على النمو والابتكار، تعتمد روسيا على الانكماش بوصفه استراتيجية للبقاء. فالتقليص هنا ليس عرضاً جانبياً، بل هو خيار مقصود.
أقل استيراداً يعني أقل اعتماداً على الخارج.
أقل نمواً يعني أقل ضغطاً نحو الانفتاح.
أقل حرية يعني استقراراً أطول للنظام.

هذه الفلسفة تفسر لماذا لا تُعد احتمالات الركود سبباً للقلق، بل علامة على التكيف. في تقرير ديوان المحاسبة جاء حرفياً: «ضعف النمو لا يشكل تهديداً للاستقرار الكلي طالما احتُفظ بالاحتياطيات الهيكلية للإدارة». إنها صيغة جديدة من الثبات: الاستقرار عبر الركود.

النتائج الجيو-اقتصادية.

تحوّل الاقتصاد الروسي يولّد نوعاً من «العزلة الداخلية». فموسكو لا تنسحب من العولمة بقدر ما تنغلق على نفسها، متخلية عن دورها كقاطرة للمشاريع التكاملية في أوراسيا.

وهذا يعني:
تراجع تدفقات الأموال داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة الأمن الجماعي.
تقلص النفوذ الاقتصادي في آسيا الوسطى.
توسع دور الصين وتركيا في التجارة الإقليمية.
تراجع قدرة روسيا على تمويل المشاريع الكبرى في حوض قزوين.

بحسب مفوضية الاتحاد الأوراسي، انخفضت حصة روسيا في تجارة آسيا الوسطى من 42% عام 2013 إلى 26% عام 2024، بينما ارتفعت حصة الصين إلى 37%. موسكو تحتفظ بوجود عسكري، لكنها تفقد جاذبيتها الاقتصادية. المفارقة أن الدولة التي حاولت توسيع نفوذها بالقوة العسكرية تقلّصه اليوم بالركود الاقتصادي.

السيناريوهات والبدائل: ثلاث مسارات محتملة لمستقبل الاقتصاد الروسي.

دخلت روسيا مرحلة يفقد فيها التحليل الاقتصادي التقليدي قدرته على التنبؤ. لم تعد توقعات وزارة التنمية أو تقارير صندوق النقد الدولي تصف الواقع، بل ترصد فقط وتيرة التباطؤ. وسط هذه الضبابية تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة، يرسم كل منها ملامح مختلفة لمستقبل روسيا ودورها الإقليمي.

السيناريو الأول: تثبيت منظومة التعبئة.

وهو الأكثر احتمالاً — استمرار النهج الحالي القائم على المركزية المالية، وضبط المجتمع، وإدارة الركود. في هذا المسار سيبقى النمو بين 0.5 و1.3% سنوياً، بينما تتحول الضرائب إلى المصدر الرئيسي للدخل. رفع ضريبة القيمة المضافة والرسوم والضرائب على الأرباح يصبح وسيلة دائمة لتعويض نقص الإيرادات بالعملة الصعبة.

الثمن الاجتماعي واضح: مزيد من الفقر. تتآكل الدخول الحقيقية مع ارتفاع الأسعار والضرائب، فيما يلجأ الكرملين إلى «رشاوى اجتماعية» موضعية — مكافآت للعسكريين والموظفين والمتقاعدين — لتسكين الغضب الشعبي، مؤسساً اقتصاد ولاء طبقي.

على المدى الطويل ينتج عن ذلك أوتوقراطية متحجرة: نظام يحتفظ بالسيطرة ويفقد القدرة على التطور. الدولة تصبح جهاز توزيع ندرة لا آلية خلق ثروة.

خارجياً يعني هذا المسار استمرار المواجهة مع الغرب، مقابل تبعية أعمق للصين وتركيا كمنافذ تجارية. موسكو ستتخلى نهائياً عن القنوات المالية الغربية لتبني اقتصاداً إقليمياً قائماً على التسويات باليوان والدرهم والليرة.

السيناريو الثاني: الانهيار الاجتماعي-الاقتصادي.

احتماله أقل، لكن أثره سيكون زلزالياً. يتحقق عند اجتماع ثلاثة عوامل: تضخم يتجاوز 10%، وتراجع الدخل الحقيقي بنسبة 5-7%، وتآكل الثقة بالمؤسسات بسبب سياسات ضريبية غير متوقعة.

في هذا السيناريو قد يشهد البلد أزمة سياسية إذا لم تعد الأيديولوجيا قادرة على تبرير العبء الضريبي. الخطر الأكبر أن النظام المالي الجديد يشرعن اللامساواة: الشركات الكبرى المحمية بعقود الدولة تزداد ثراءً، فيما يتحمل صغار التجار والموظفون العبء الضريبي الكامل.

البيانات تشير إلى ركود الاستهلاك المحلي بالفعل؛ فحجم تجارة التجزئة سيرتفع بـ1.1% فقط عام 2026، أي تراجع فعلي بالقيمة الحقيقية. ومع تقلص صندوق الرفاه وازدياد الدين العام، ستقفز خدمة الديون إلى 10% من الإنفاق بحلول 2028 — ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

هذه الدوامة تخلق سلسلة انهيارات: استثمار أقل، وظائف أقل، ضرائب أقل. وفي النهاية، تنكسر السلسلة عند الحلقة الاجتماعية لا المالية. حينها ينتقل المجتمع من «فقر مُدار» إلى «إرهاق جماعي»، حيث يفقد الناس الإيمان بأن العمل والضرائب يقودان إلى حياة أفضل.

هكذا بدأت تحولات كبرى في التاريخ — من الأرجنتين الثمانينيات إلى إيران التسعينيات — وقد لا تكون روسيا استثناءً إن استُنفدت شرعية التعبئة النفسية التي تقوم عليها منظومتها الحالية.

السيناريو الثالث: التكيف الخارجي.

السيناريو الثالث يقوم على التحول نحو الاقتصاد الآسيوي عبر تخفيف الضغط المالي الداخلي مقابل توسيع شبكة العلاقات الخارجية. نجاح هذا المسار مرهون بقدرة الصين وإيران على فتح قنوات تجارية ومالية مستقرة لروسيا.

العنصر المحوري هنا هو «تحالف هوامش الطاقة». فروسيا وإيران وفنزويلا ناقشتا خلال 2024–2025 إنشاء بورصة نفطية بديلة تعتمد على اليوان في التسويات. إذا اكتسب المشروع طابعاً مؤسساتياً، فسيعوض جزئياً الخسائر الناجمة عن العقوبات الغربية. لكنه في الوقت نفسه سيجرد موسكو من استقلالها النهائي، محولاً إياها إلى ملحق طاقوي للصين أكثر من كونها قوة عالمية.

الصين، من جهتها، ستجني فوائد مضاعفة: موارد طاقة رخيصة، سوق تسليح مضمون، وتابع سياسي يمكن عبره اختبار آليات الالتفاف على العقوبات. أما روسيا، فستكسب بقاءً مؤقتاً لنظامها، لكن بثمن غالٍ هو فقدان السيادة الاقتصادية.

فضلاً عن ذلك، لا يمكن للأسواق الآسيوية أن تعوض الغرب من حيث حجم الاستثمارات. ففي عام 2021 شكّلت أوروبا 63% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في روسيا، بينما لم تتجاوز حصة الصين 3.5%. وحتى إذا تضاعف الرقم الصيني، فلن يغطي نزيف رأس المال والتكنولوجيا.

وبالتالي فإن سيناريو «التكيف» يعني البقاء الاقتصادي من دون تنمية — أي الحفاظ على النظام عبر ترسيخ التبعية، لا عبر إصلاحها.

احتمالات التنفيذ والنتائج الكلية.

باستخدام نموذج المحاكاة الاحتمالية، يمكن تقدير نسب تحقق السيناريوهات على النحو التالي:
السيناريو الأول (التثبيت) ≈ 60%،
السيناريو الثاني (الانهيار) ≈ 25%،
السيناريو الثالث (التكيف) ≈ 15%.

وجميعها تؤدي إلى تدهور هيكلي طويل الأمد: تراجع الاستثمارات، جمود تقني، ضمور الابتكار، وتصاعد العبء الضريبي. حتى مع نمو اسمي للناتج بين 1 و1.5%، ستظل روسيا تعاني من تراجع فعلي في مستوى المعيشة، إذ ينمو الاقتصاد بالأرقام بينما يزداد الفقر واقعياً.

الانعكاسات الإقليمية والعالمية.

الاقتصاد التعبوي الروسي يصنع فراغاً جيوسياسياً جديداً. حوض قزوين ومجال ما بعد الاتحاد السوفييتي يفقدان «مركز الجاذبية» التقليدي، ويجدان بدلاً منه لاعباً معزولاً منشغلاً بالبقاء الداخلي.

هذا الواقع يفتح الباب أمام دول أخرى — خصوصاً أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان — لتملأ الفراغ اللوجستي والطاقوي. فممر باكو–تبليسي–جيهان، والمسارات العابرة لقزوين، وممر زنغازور تكتسب أهمية مضاعفة على خريطة التجارة الأوراسية الجديدة.

وإذا فقدت روسيا موقعها كمحور طاقوي، فسيُقاس نفوذها الإقليمي بدرجة هشاشتها لا بقوتها. بين عامي 2026 و2028 تدخل موسكو مرحلة «الاستقرار الركودي»: اقتصاد صامد شكلاً، لكنه يعيش على «حصص الحرب»، يعوّض تراجع العائدات الخارجية بزيادة الضرائب والاقتراض وتوجيه الموارد إلى القطاعات العسكرية والأمنية.

الأرقام تبدو منضبطة: إيرادات بنحو 40.3 تريليون روبل، نفقات 44.1 تريليون، وعجز يقارب 3.8 تريليون (أي نحو 1.6% من الناتج). لكن وراء هذه المعادلة هزّة نوعية: محور الاستقرار المالي انتقل من عائدات التصدير إلى جيوب المواطنين عبر منظومة الضرائب والرسوم. هذه هي ترجمة المعادلة الشهيرة: «الناس هم النفط الجديد».

وزارة المالية نفسها تروّج لرفع ضريبة القيمة المضافة إلى 22% باعتباره «تمويلاً للدفاع والأمن»، ما يكرّس نهج «الاستبداد الضريبي» كسياسة دائمة. ومع تقلص الجزء السائل من صندوق الرفاه إلى نحو 4.1 تريليون روبل وارتفاع كلفة خدمة الدين، يصبح الاعتماد على الموارد الداخلية خياراً قسرياً لا بديلاً مؤقتاً.

في المقابل، تقدم موسكو صورة «السيادة الاقتصادية»، بينما تتعمق تبعيتها فعلياً: الخصم في أسعار النفط الآسيوية يضغط على العائدات، والإنفاق العسكري يستقر عند 7–8% من الناتج، فيما تتفق تقديرات المؤسسات الدولية على أن النمو في 2026 لن يتجاوز 1%.

كيف تُقرأ الأرقام؟

العجز البالغ 1.6% من الناتج «صغير»؟ ربما، لكنه قائم على ضرائب واقتراض داخلي مكلف، أي أنه عجز «على حساب الناس».
رفع ضريبة القيمة المضافة «مجرد نقطتين»؟ في اقتصاد محدود المنافسة، ذلك يعني زيادة عامة في الأسعار وكبحاً للطلب.
هل «ما زال الصندوق موجوداً»؟ نعم، لكن الجزء القابل للاستخدام ضئيل؛ وأي إنفاق طارئ سيعني مزيداً من الديون أو الضرائب.
النمو 1–1.3% «معقول»؟ لاقتصاد يسعى للقيادة الإقليمية، هذا ركود مقنّع.
أما الإنفاق على الدفاع والأمن بنسبة 8%، فهو ليس «استثناءً عابراً»، بل هيكل دائم يلتهم التمويل المدني.

الخلاصة التحليلية.

التحول من «ريع النفط والغاز» إلى «الاستبداد المالي التعبوي» أعاد تشكيل معادلة الداخل والخارج في روسيا. داخلياً، تحوّل العقد الاجتماعي من «الريع مقابل الولاء» إلى «الضرائب مقابل الأمان»، واستُبدلت الثقة بالانضباط الإداري. خارجياً، انسحبت موسكو من دور الموحّد الاقتصادي إلى دور «القلعة المكتفية بذاتها»، فاقدة قدرتها الاستثمارية ومزدادة اعتماداً على الصين. وعلى المدى الطويل، يعني «الاستقرار عبر الركود» تآكلاً بطيئاً في قاعدة الابتكار، وانكماشاً في رفاه السكان رغم نمو الناتج بالأرقام.

موازنة 2026 ليست خطة مالية سنوية، بل «دستور الركود المستدام» الذي سيحكم روسيا حتى نهاية العقد.

مؤشر السيناريوهات للفترة 2026–2028:
المسار الأساسي: عجز بين 1.6 و2% مع تصاعد الضغط الضريبي واستمرار هيمنة النفقات العسكرية (7–8% من الناتج).
المسار الخطِر: صدمة مزدوجة تضخمية وديونية تفكك آلية التعويضات وتخفض الاستهلاك والاستثمار.
مسار التكيف: قنوات آسيوية تؤمن البقاء لا النمو، وتعزز التبعية لبكين، بينما يتسع الفارق التكنولوجي مع الغرب والمنافسين الإقليميين.

الوسوم: