من أبرز ملامح التحول الداخلي في قطاع غزة ظهور بنى جديدة ذات طابع عشائري وميليشياوي تطمح إلى لعب دور بديل عن حركة حماس. المثال الأوضح على هذا المسار هو "جيب حسام الأسطل"، الضابط السابق في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، الذي يتحدى علناً سيطرة الحركة الإسلامية ويقدم للفلسطينيين تصوراً لحياة خارج قبضتها.
في أطراف خان يونس، وتحديداً في قرية "كِزان النجار" المهجورة بعد شهور من المعارك، أنشأ الأسطل مجموعة مسلحة أطلق عليها اسم "القوة الضاربة لمكافحة الإرهاب". أهداف هذا الكيان تتجاوز مجرد الدفاع الذاتي. فهو يطرح نفسه كبديل فعلي لسلطة حماس، واعداً السكان بالحماية والغذاء والمياه والكهرباء، والأهم — التحرر من القمع الذي تمارسه الحركة. "كل من تعب من العيش تحت نير حماس يمكنه القدوم إلينا"، يقول الأسطل مؤكداً أن عشرات العائلات تتواصل معه يومياً، وأن المخيم يستضيف بالفعل عدداً من النازحين. ويضيف أنه يخطط لاستقبال ما بين 300 و400 شخص في المرحلة المقبلة بعد التأكد من خلوهم من أي ارتباطات بالحركة.
نواة نظام موازٍ
هذا الجيب ليس مجرد مركز لتقديم المساعدات الإنسانية، بل هو نواة لنظام إداري موازٍ، كما يؤكد الأسطل نفسه، مدعوم بصمت من إسرائيل ودول غربية. ويقول إنه يتلقى من إسرائيل الغذاء والماء والمعدات العسكرية، وقد تم تركيب ألواح شمسية في المخيم تؤمن الكهرباء رغم استمرار الحصار. وفي أحد التسجيلات المصورة، يعرض دقيقاً وعصائر إسرائيلية بعلامات عبرية، مؤكداً أن "كل الطعام والمياه تأتي من إسرائيل".
وهذا النموذج ليس حالة استثنائية. ففي مدينة رفح المجاورة على الحدود مع مصر، تبرز تجربة مماثلة يقودها ياسر أبو شَبَاب، القائد البدوي الذي يسيطر منذ أشهر على منطقة شرقي المدينة. هناك تم إنشاء مدارس ميدانية ونقاط طبية ومطابخ، وانتقل آلاف الأشخاص للعيش تحت حمايته. وتوجد اتصالات وتنسيق بين المجموعتين. أحد قادة أبو شباب أكد أنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً من "قوى الشعب"، وهي حركة تسعى لإنشاء حزام أمني يمتد من خان يونس إلى رفح بالتعاون مع إسرائيل. "نحن جسد واحد. هدفنا أن يعيش الناس في ظل حمايتنا وبالتفاهم مع الجيران"، قال الرجل مشيراً بوضوح إلى الدور الإسرائيلي.
استراتيجية إسرائيل: دعم الفراغ بدل الإدارة
هذه البنى الجديدة أصبحت جزءاً من واقع إداري جديد في غزة. فإسرائيل لا تسعى لتولي إدارة مدنية مباشرة للقطاع، كما أنها لا ترغب في إعادته إلى سلطة رام الله، لكن دعمها للعشائر والميليشيات التي تملأ الفراغ الإداري ينسجم تماماً مع استراتيجيتها في إضعاف حماس. ففي يونيو 2025، أقر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو علناً بأن إسرائيل تدعم العشائر المناهضة للحركة، وإن كان قد امتنع لاحقاً عن الخوض في التفاصيل.
الأسطل: من حكم الإعدام إلى مشروع «غزة الجديدة»
شخصية الأسطل نفسها تحمل رمزية لافتة. فقد عمل في إسرائيل ثم التحق بأجهزة أمن السلطة الفلسطينية حتى سيطرة حماس على القطاع عام 2007. بعدها اعتقلته الحركة مراراً، بل وحكمت عليه بالإعدام بتهمة المشاركة في اغتيال القيادي الحمساوي فادي البطش في ماليزيا عام 2018 — وهي العملية التي تنسبها تقارير عديدة إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.
"في كل مرة كانوا يعتقلونني لأسباب مختلفة: بتهمة الفساد، أو الاتصال برام الله. كنت منذ البداية معارضاً لهم"، يقول الأسطل. ورغم المخاطر، فهو يرى أن حماس اليوم ضعيفة وفاقدة لدعم أغلبية السكان. ويؤكد أن أكثر من 80% من سكان القطاع لا يريدون عودة الإسلاميين إلى الحكم، لكنهم يخشون القمع إذا حدث ذلك.
"نحاول عبر الإعلام والاتصالات المباشرة إقناع الناس بأن حماس انتهت، ولن يكون هناك «حماس 2»"، يضيف الأسطل، مشيراً إلى تلقيه إشارات دعم كثيرة من سكان القطاع وداعياً "كل من يؤمن بالسلام" إلى الانضمام إلى مشروعه.
ولادة منطق إداري جديد
ظهور جيب الأسطل لا يمثل مجرد محاولة جديدة للمقاومة، بل هو بداية لتشكيل بنية سلطوية بديلة في غزة. فالمبادرات المناهضة لحماس التي كانت حتى وقت قريب متناثرة وسرية، بدأت الآن تكتسب شكلاً مؤسسياً وتنسق فيما بينها وتحظى — والأهم — بدعم خارجي.
إنها مرحلة نوعية جديدة من الأزمة: لم يعد الهدف مجرد إضعاف حماس، بل خلق فضاء لإدارة ما بعد حماس، يستند إلى المجتمعات المحلية والهياكل العشائرية والتعاون مع القوى الخارجية. مثل هذه الجيوب قد تتحول مع الوقت إلى أساس واقع سياسي جديد في غزة، تُستبدل فيه هيمنة الإسلاميين بنظام شبكي مرن ومتعدد الطبقات.
نهاية الاحتكار: الأزمة الداخلية لحماس كمرحلة جديدة في صراع غزة
يعيش قطاع غزة اليوم أعنف تحول داخلي منذ استيلاء حماس على السلطة عام 2007. فبعد أن كان خط المواجهة المسلح لعقدين يتمحور حول "الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل"، باتت الاشتباكات المسلحة تحدث بشكل متزايد بين الفلسطينيين أنفسهم. هذه ليست حوادث عابرة أو نزاعات محلية، بل مؤشرات على أزمة بنيوية عميقة تقوّض أسس سلطة حماس وتفتح الباب أمام مرحلة "ما بعد حماس".
السؤال الذي كان حتى الأمس القريب يبدو مستحيلاً — "ماذا بعد حماس؟" — أصبح اليوم مطروحاً ليس فقط في مراكز الدراسات وغرف عمليات الدول المجاورة، بل أيضاً في شوارع غزة. جيلٌ وُلد وترعرع تحت الحصار يرى في الحركة الإسلامية اليوم عقبة أمام التطور لا درعاً للحماية، ومصدراً للقمع لا رمزاً للمقاومة.
أكبر تحديات حماس لم يعد في تل أبيب ولا في صفوف الجيش الإسرائيلي، بل في بيت لاهيا وخان يونس، في عشائر "جماش" و"دورخاموش" و"المجيدة"، وفي آلاف الناس الذين يملؤون الشوارع بشعارات "ارحل يا حماس" و"نريد أن نعيش". إنه الجبهة الداخلية التي تهدد الحركة أكثر من أي قصف جوي.
السياق التاريخي: من الثورة إلى الجمود
لفهم ما يجري اليوم في غزة لا بد من العودة إلى البدايات التي جعلت من حركة حماس القوة المهيمنة في القطاع. ففي عام 2006 فازت الحركة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني مستفيدة من خيبة الأمل الشعبية إزاء فساد السلطة الوطنية الفلسطينية وضعف أدائها. وبعد عام واحد فقط، أي في 2007، أنهى الانقلاب المسلح الذي قادته حماس وحدة الأراضي الفلسطينية، إذ بقيت الضفة الغربية تحت سيطرة حركة فتح، فيما وقعت غزة بالكامل تحت حكم حماس.
في السنوات الأولى سادت أجواء من النشوة، فقد قدّمت حماس نفسها كـ"الصوت الحقيقي للمقاومة" وبنت شبكة خدمات اجتماعية وحظيت بتأييد شعبي واسع. لكن منتصف العقد الثاني من الألفية حمل معه بداية تآكل شرعية الحركة. الحصار الاقتصادي، والحروب المتكررة مع إسرائيل، وجمود المسار السياسي، وتشديد القبضة السلطوية كلها عوامل أدت إلى تراجع الثقة العامة.
تشير دراسات "مركز بيو" و"الباروميتر العربي" إلى أن نسبة التأييد لحماس التي تجاوزت 60% عام 2010، انخفضت إلى أقل من 30% بحلول 2024. في المقابل ارتفعت نسبة من يطالبون بتغيير السلطة وبناء نظام سياسي جديد في القطاع. في مثل هذه الظروف كان الانفجار الداخلي مسألة وقت لا أكثر.
جبهات الداخل: العشائر والمتمردون ورجال الأمن السابقون
منذ مطلع عام 2025 تحول قطاع غزة إلى مسرح لعشرات الاشتباكات المسلحة بين مقاتلي حماس ومجموعات مسلحة متنوعة، خصوصاً تلك التي تنتمي إلى تشكيلات عشائرية. ففي الفترة بين سبتمبر وبداية أكتوبر وحدها تم تسجيل ما لا يقل عن 18 مواجهة أسفرت عن مقتل 27 شخصاً وإصابة أكثر من 70 آخرين.
من أبرز رموز هذه الدينامية الجديدة ما حدث في بيت لاهيا وحي الصبرة، حيث خاضت مجموعات "جماش" و"دورخاموش" معارك ضارية مع قوات حماس. وقد أثارت مقتل محمد عماد عقول، نجل أحد قادة الجناح العسكري، صدى واسعاً. كما فشلت عملية عسكرية نفذتها حماس ضد عشيرة "المجيدة" في خان يونس، إذ خسرت خلالها 16 مقاتلاً دون أن تنجح في كسر المقاومة. كانت تلك المرة الأولى التي لا يكتفي فيها كيان عشائري بالصمود، بل يرد الهجوم ويثبت أن سلطة حماس لم تعد مطلقة.
وتبرز في هذا السياق شخصيات مثل حسام الأسطل، الضابط السابق في أجهزة أمن السلطة، الذي أنشأ جيباً مستقلاً سماه "المدينة الآمنة" في خان يونس — مساحة صغيرة تبلغ نحو كيلومتر مربع واحد وتضم نحو 200 شخص. لا وجود هناك لأنفاق أو شرطة دينية، بل لحراسة مستقلة وبنية تحتية إنسانية خاصة.
سقوط جدار الخوف: المقاومة الشعبية والاحتجاجات
منذ مارس 2025 تشهد غزة موجات متكررة من المظاهرات الجماهيرية. شعارات مثل "ارحل يا حماس" و"نريد أن نعيش" ترفع لأول مرة منذ سنوات بشكل علني وواسع.
وجاء رد الحركة متوقعاً — حملات اعتقال وتعذيب وإعدامات علنية. ووفقاً لمنظمات حقوقية، أُعدم منذ ربيع 2025 ما لا يقل عن خمسة أشخاص، بينهم نشطاء وقادة محتملون للاحتجاجات. ومن أكثر القضايا صدمة مقتل الشاب عدي نصار الربيع (22 عاماً) الذي اختُطف بعد مظاهرة وأُعيد إلى أسرته وعليه آثار تعذيب وحشي.
لكن القمع لم يوقف موجة الغضب الشعبي، بل زادها اشتعالاً. قنوات "تلغرام" وصفحات "تيك توك" المناهضة لحماس تحصد عشرات الآلاف من المتابعين وتتحول إلى منابر إعلامية بديلة للدعاية الرسمية.
الانهيار الإداري: فوضى إنسانية وتفكك المؤسسات
يتجلى انهيار المنظومة الحاكمة أيضاً في مشهد الإدارة الميدانية. أحد الأمثلة الأكثر وضوحاً ما حدث في نوفمبر 2024 عند معبر كرم أبو سالم، حيث نُهبت 98 شاحنة من أصل 109 تحمل مساعدات إنسانية. وقد وُجّهت أصابع الاتهام إلى مجموعات مسلحة مرتبطة بـ"قوى الشعب" والعشائر المحلية.
ووفقاً لبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، يعيش أكثر من 78% من سكان غزة تحت خط الفقر بحلول منتصف 2025، ويعاني 62% من نقص مزمن في الغذاء، فيما يعاني 47% من الأطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية. كما أن النظام الصحي في حالة انهيار شبه كامل، حيث إن نحو 60% من المستشفيات متوقفة عن العمل أو متضررة.
في ظل هذا الواقع، تتراجع مكانة المؤسسات التقليدية بينما يزداد نفوذ الهياكل العشائرية والميليشيات المحلية، التي تنظر إليها إسرائيل باعتبارها شركاء محتملين في إنشاء سلطات بديلة — خطوة كانت قبل عامين فقط تبدو غير واردة.
نهاية حقبة حماس؟ سيناريوهات ما بعد الإسلاميين وتداعياتها الإقليمية
كل ثورة، مثلها مثل أي نظام سلطوي، تمر بمراحل متوقعة: صعود، ثم ترسيخ، ثم ركود، وأخيراً تفكك. حماس اليوم عالقة بين المرحلتين الأخيرتين. فهي ما تزال تحتفظ بقدرة عسكرية وبسيطرة جزئية على بعض المؤسسات، لكنها فقدت العنصر الأهم — احتكار الشرعية. وهذا لا يعني أن سقوطها وشيك أو حتمي، لكنه يعني أن النظام الذي أقامته يتداعى ولن يعود كما كان.
السؤال الجوهري لم يعد: هل ستبقى حماس؟ بل: ما الذي سيخلفها وكيف سيعيد تشكيل توازن القوى في المنطقة؟ وهنا تظهر ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يحمل كل واحد منها مخاطره وفرصه ليس فقط لغزة، بل للشرق الأوسط بأسره وللسياسات الدولية أيضاً.
السيناريو الأول: «القلعة المحاصرة» — حماس تبقى في الحكم بالقوة
السيناريو الأول يفترض أن حماس ستحتفظ بسيطرتها على القطاع عبر القمع الشديد وتعبئة ما تبقى من مواردها. هذا المسار يقوم على ثلاث ركائز أساسية:
- جهاز العنف: تشير تقديرات المصادر الإسرائيلية إلى أن عدد مقاتلي الجناح العسكري لحماس تقلص بعد عامين من الحرب من نحو 30 ألفاً إلى ما بين 18 و20 ألفاً، لكنها لا تزال قوة معتبرة. كما أن الحركة تكثف جهودها لتجنيد عناصر جدد، بمن فيهم المراهقون والمفرج عنهم من السجون.
- السيطرة على البنية التحتية: رغم الدمار، ما تزال حماس تسيطر على أهم خطوط الاتصال ومستودعات السلاح وشبكة الأنفاق التي تُقدّر أطوالها الإجمالية بـ500 إلى 600 كيلومتر.
- العلاقات الخارجية: إيران وقطر وتركيا ما تزال تحافظ على قنوات اتصال مع الحركة. وحدها الصناديق القطرية حولت في عام 2024 أكثر من 120 مليون دولار كمساعدات إنسانية ومالية، انتهى جزء كبير منها في أيدي مؤسسات تابعة لحماس.
في هذا السيناريو ستلجأ الحركة إلى حملات تطهير واسعة، وتحاول القضاء جسدياً على المقاومة العشائرية وتعزيز قبضتها الأيديولوجية والدينية. وقد يحقق ذلك نتائج على المدى القصير: قمع الاحتجاجات وإجبار المجتمع الدولي على التعامل مع حماس لغياب بديل ناضج.
لكن الكلفة الاستراتيجية واضحة. فـ«القلعة المحاصرة» ستبقى كياناً شبه دولتي معزولاً باقتصاد منهار وأزمة ديموغرافية ومستوى منخفض من الشرعية. سيزداد الضغط الداخلي تدريجياً، وستتقلص المساعدات الخارجية مع مرور الوقت. قد يطيل هذا السيناريو عمر حماس لعامين أو ثلاثة، لكنه لن يعالج جذور أزمتها.
السيناريو الثاني: «التشظي» — السلطة تتفتت إلى جيوب عشائرية
السيناريو الثاني، الذي بدأ فعلياً على الأرض، يتمثل في تفكك السلطة المركزية تدريجياً وانتقال القطاع إلى نظام إدارة متعدد المراكز.
مؤشرات هذا التحول باتت واضحة:
- وفقاً لبيانات "ACLED"، ارتفع عدد الاشتباكات المسلحة الفلسطينية – الفلسطينية بين مارس وأكتوبر 2025 بنسبة 230%، ومعظمها يدور بين حماس والعشائر لا مع إسرائيل.
- يوجد في غزة ما لا يقل عن 12 مجموعة مسلحة لا تخضع لأوامر حماس، منها «قوى الشعب» و«لواء الصبرة» و«أبناء غزة» وغيرها.
- ظهرت في خمسة مناطق (منها خان يونس ورفح وبيت حانون) مناطق شبه مستقلة لا تقوم فيها شرطة حماس بدوريات، فيما تتولى لجان محلية توزيع المساعدات الإنسانية.
في هذا السيناريو، تتحول غزة إلى خريطة فسيفسائية من الجيوب التي تديرها العشائر والمتمردون ورجال الأمن السابقون. ويمكن لإسرائيل والمؤسسات الدولية استخدام هذه المراكز كنقاط انطلاق لمشاريع إدارة مدنية مستقبلية.
أمنياً، سيؤدي ذلك إلى لامركزية في العنف. قد يزداد عدد المواجهات المحلية، لكن قدرة حماس على فرض سيطرة شاملة ستتراجع.
أما من الناحية الجيوسياسية، فالتشظي يخدم مصالح من يسعون لإضعاف المشروع الإسلامي الراديكالي في غزة. إذ يمكن لإسرائيل أن تطبق استراتيجية «فرّق تسد» عبر العمل مع عشائر بعينها وتشكيل تحالفات من الأسفل إلى الأعلى. أما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فيمكنهما الدفع باتجاه الحكم البلدي وتقديم المساعدات عبر الهياكل المحلية.
لكن لهذا السيناريو مخاطره: غياب مركز موحد للسلطة قد يؤدي إلى الفوضى وتصاعد الجريمة وظهور مجموعات متطرفة جديدة. ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو الأكثر واقعية في اللحظة الراهنة.
السيناريو الثالث: «النظام ما بعد حماس» — إدارة جديدة تحت وصاية دولية
السيناريو الثالث هو الأكثر طموحاً والأبعد مدى: إنشاء إدارة مدنية جديدة لا علاقة لها بحماس بدعم من القوى الدولية والإقليمية.
هذا الطرح يُناقش منذ عام 2024، وقد اتُّخذت خطوات عملية في هذا الاتجاه:
- طُرح اسم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير كمنسق محتمل لعملية تشكيل إدارة مؤقتة في غزة.
- أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي استعدادهما لتخصيص أكثر من 6 مليارات دولار لإعادة إعمار البنية التحتية للقطاع، شرط قيام «نموذج حكم فعال وشامل».
- دعمت مصر والأردن إشراك السلطة الفلسطينية في العملية، لكن رام الله ما تزال تتعامل بحذر خشية اتهامها بالتعاون مع الاحتلال.
في هذا السيناريو، يمكن لقوى محلية مثل حسام الأسطل وآخرين من ضباط السلطة السابقين أن يلعبوا دوراً محورياً، إذ توفر لهم علاقاتهم بإسرائيل واتصالاتهم مع الجهات الغربية أرضية لبناء «إدارة من القاعدة».
أكبر تحدٍ أمام هذا السيناريو هو الشرعية. فشريحة واسعة من سكان غزة تنظر بريبة إلى أي إدارة خارجية، كما أن السلطة الفلسطينية فقدت قسطاً كبيراً من رصيدها الشعبي. ومن دون دعم شعبي واسع، قد تبقى هذه الإدارة شكلية بلا نفوذ فعلي.
رغم ذلك، فإن هذا السيناريو يحمل القدرة على كسر الجمود الطويل في مسار الصراع. وإذا ما تحقق، قد تتحول غزة إلى مختبر لنموذج جديد من الحكم الفلسطيني لا يقوم على الأيديولوجيا الإسلامية ولا يعتمد على المواجهة العسكرية مع إسرائيل.
الانعكاسات الجيوسياسية: نحو هندسة جديدة للمنطقة
إن تحوّل غزة سيترك أثره العميق خارج حدودها أيضاً:
- إسرائيل: إضعاف حماس سيقلل خطر الهجمات الصاروخية ويفتح نافذة لهيكلة أمنية جديدة. وقد تنتقل إسرائيل من سياسة «قطع الرأس» إلى سياسة «إعادة تشكيل» القطاع.
- السلطة الفلسطينية: المشاركة في تشكيل الإدارة الجديدة قد تعيد إليها وزناً سياسياً مفقوداً، شريطة أن تنجح في تجاوز صورتها كجهاز بيروقراطي غير فعّال.
- إيران وحلفاؤها: فقدان حماس كموطئ قدم سيقوض استراتيجية «محور المقاومة»، خصوصاً في ظل الضغوط في لبنان وسوريا.
- تركيا وقطر: ستجدان نفسيهما بين الولاء الأيديولوجي لحماس والبراغماتية في علاقاتهما مع الغرب.
- الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: سيحصلان على فرصة لإعادة صياغة أجندتهما الشرق أوسطية ليس عبر "عملية السلام" الفاشلة، بل من خلال خلق فضاء مُدار في غزة.
البعد القانوني: أزمة الشرعية والقانون الدولي
نظام حماس ينتهك اليوم أبسط مبادئ القانون الإنساني الدولي — من الإعدامات خارج نطاق القضاء إلى استخدام البنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية. وقد وثقت "منظمة العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" العديد من حالات التعذيب والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال في القتال.
وهذا يشكل أرضية لنزع الشرعية الدولية عن حماس كفاعل سياسي. ففي عام 2025 ناقش مجلس الأمن مشروع قرار يدعو إلى «إنشاء آليات لإدارة انتقالية في غزة»، وهو ما كان سيعني عملياً الاعتراف بالحركة كعقبة أمام السلام. ورغم أن القرار لم يُعتمد بسبب معارضة الصين وروسيا، إلا أن مجرد طرحه للنقاش يكشف عن تغير عميق في الطريقة التي ينظر بها المجتمع الدولي إلى حماس.
المنطق الجديد للصراع
الخلاصة واضحة: الصراع في غزة لم يعد ثنائياً بين الفلسطينيين وإسرائيل فقط، بل باتت محوره اليوم داخل المجتمع الفلسطيني نفسه. هذا التحول لا يضعف حماس فحسب، بل يفتح الباب أمام ديناميات سياسية جديدة.
انهيار الحركة إن حدث فلن يكون لحظة خاطفة، بل مساراً يمر بثلاث مراحل مترابطة.
- تآكل الشرعية: وهي جارية بالفعل مع اهتزاز الثقة الشعبية وتراجع الاحتكار الرمزي للسلطة.
- تشظي السلطة: في ذروته الآن عبر صعود الجيوب العشائرية والمراكز المحلية المتنافسة.
- تشكيل إدارة جديدة: مرجح أن يبدأ خلال عام إلى عامين مع تبلور هياكل مدنية بديلة.
ما إذا كانت أي من هذه المراحل ستشكّل المحطة النهائية يتوقف على أدوار الفاعلين الخارجيين وموازين القوى الداخلية. لكن المؤكد أن حقبة الهيمنة المنفردة لحماس تقترب من نهايتها.
توصيات: خطوات استراتيجية لفاعلي الإقليم والعالم
- لإسرائيل: الانتقال من استراتيجية الإلغاء إلى استراتيجية البناء البديل. دعم الهياكل العشائرية والإدارات المحلية يجب أن يكون منظماً ومؤسسياً لا عشوائياً.
- للسلطة الفلسطينية: صياغة مقاربة عودة إلى غزة كجزء من ائتلاف واسع للحكم الذاتي المحلي، لا بوصفها السلطة القديمة بثوب جديد.
- للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: ربط التمويل بخطوات محددة لإنشاء مؤسسات إدارة جديدة قابلة للمساءلة.
- للقوى الإقليمية: على مصر والأردن والسعودية الاضطلاع بدور الوسيط في تشكيل إدارة انتقالية تملك تفويضاً اجتماعياً حقيقياً.
- للمنظمات الدولية: إنشاء بعثة رصد ميدانية لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وحفظ الحد الأدنى من النظام خلال المرحلة الانتقالية.
قصة حماس تقف عند منعطف حاسم. التنظيم الذي بدا طويلاً عصياً على الاهتزاز يواجه اليوم تمرّداً من الداخل يهدد وجوده أكثر من أي ضربات خارجية. السؤال لم يعد: هل ستُسقَط حماس، بل: ماذا سيأتي بعدها ومن سيكتب مستقبل غزة السياسي. الجواب عن هذا السؤال سيرسم مصير الفلسطينيين ويعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بأسره.