...

في عالم السياسة الدولية، هناك رموز لا تحتاج إلى تفسير: جدار برلين، القنبلة الذرية، الدولار، قناة السويس – كلها علامات شكلت تحولات كبرى في النظام العالمي. واليوم، في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، برز رمز جديد غير متوقع لينضم إلى هذه القائمة: السجن. لم يعد السجن مجرد مؤسسة داخلية لتنفيذ العدالة، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية عابرة للحدود، ورافعة للضغط الدولي، ومسرح تمارس فيه الدول سياساتها خارج الإطار القانوني التقليدي.

هذا التحول لا يُصاغ في المؤتمرات الأكاديمية، بل في قلب الميدان السياسي. ويتجسد بأوضح صوره في التحالف بين واشنطن وسان سلفادور – بين الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب، ودولة صغيرة في أميركا الوسطى كان اسمها حتى الأمس القريب مقترناً بحرب أهلية وعصابات "الماراس". الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلة عرض صفقة بدت في ظاهرها مجرد إجراء متعلق بالهجرة: استقبال المهاجرين المرحّلين من أميركا وإيواؤهم في سجن عملاق يدعى CECOT مقابل مبالغ مالية. غير أن ما وراء هذه الصفقة أعمق بكثير.

لقد تحوّلت السلفادور إلى أول "مركز سجون دولي" في العالم – منطقة عقابية خارجة عن السيادة الوطنية التقليدية تتقاطع فيها ملفات الهجرة والأمن والقانون الدولي والاقتصاد والأيديولوجيا. ليست هذه استجابة عابرة لأزمة المهاجرين غير الشرعيين أو تصاعد الجريمة، بل هي محاولة لبناء هندسة جديدة للسيطرة العالمية، حيث يتغير دور السيادة والحدود وحقوق الإنسان جذرياً مقارنة بعصر النظام الليبرالي الذي تَشكّل بعد عام 1945.

ما يحدث اليوم – أي تحويل السجن من أداة للعقاب الداخلي إلى آلية للحكم العالمي – هو جوهر التحول الذي نشهده. فالسلفادور ليست "استثناءً" بل "نموذجاً أولياً" قد تلحق به دول أخرى غداً. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يؤسس تحالف ترامب وبوكيلة لنموذج جديد للنظام العالمي؟ وما هي تداعيات تحويل السلفادور إلى مركز سجون دولي على مستقبل القانون الدولي ونظام الهجرة العالمي؟

من غوانتانامو إلى CECOT: السجن خارج القانون كأداة سياسية

لفهم عمق ما يجري، لا بد من تجاوز قصة المهاجرين الفنزويليين إلى جذور فكرة "السجن خارج الحدود". هذه الفكرة ظهرت للمرة الأولى في الممارسة العسكرية والسياسية الأميركية بعد 11 سبتمبر 2001، حين أنشأت واشنطن في قاعدة غوانتانامو بكوبا منطقة استثنائية يحتجز فيها المعتقلون بلا صفة قانونية واضحة: ليسوا أسرى حرب ولا مدنيين. كانت تلك المساحة قائمة خارج نطاق القضاء الأميركي، وخارج اتفاقيات جنيف، وبعيدة عن الإجراءات القانونية التقليدية.

غوانتانامو لم يكن مجرد معتقل للمشتبه فيهم بالإرهاب، بل مختبراً لإنشاء "منطقة رمادية قانونياً" تستطيع الدولة أن تعمل فيها بلا قيود بحجة "التهديد الاستثنائي". ورغم ما أثارته هذه الممارسة من موجات نقد حادة وتحولها إلى رمز لأزمة القانون الدولي، فإنها كشفت أن الدول في عصر التحديات العابرة للحدود تبحث عن أدوات سيطرة لا تتسع لها القوالب القديمة.

سجن CECOT الضخم في السلفادور، الذي افتتح عام 2023، هو الامتداد المدني لهذه الفلسفة. فإذا كانت غوانتانامو أُنشئت لمواجهة "الأعداء الخارجيين" في سياق الحرب العالمية على الإرهاب، فإن CECOT يُصمم للتعامل مع "التهديدات الداخلية" التي تحولت إلى ظاهرة عالمية – كالهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، والعصابات العابرة للحدود.

والتحول الأهم أن CECOT لا يضم فقط المحكومين قضائياً، بل أيضاً من لم تثبت إدانتهم. أكثر من 75% من الفنزويليين المرحّلين إلى هناك ليست لديهم سوابق جنائية في الولايات المتحدة، وكثيرون منهم وُجهت إليهم الاتهامات استناداً إلى وشومهم أو طريقة لباسهم أو منشوراتهم على وسائل التواصل. نحن أمام سياسة جنائية جديدة قائمة على "الاحتجاز الوقائي" حيث تتعامل الدولة مع الشبهات لا مع الوقائع، وتتآكل فيها معايير الإدانة التقليدية.

السلفادور: مختبر الجغرافيا العقابية

السلفادور دولة صغيرة في أميركا الوسطى يبلغ عدد سكانها نحو 6.5 مليون نسمة. قبل عقد من الزمن فقط، كانت من أخطر دول العالم، إذ بلغ معدل جرائم القتل عام 2015 أكثر من 103 لكل 100 ألف نسمة، وكانت العصابات المسلحة تسيطر على أحياء بأكملها، وفقدت الدولة احتكارها للعنف.

تغير المشهد جذرياً مع وصول نجيب بوكيلة إلى الحكم عام 2019. الرئيس الشاب أطلق حملة غير مسبوقة للقضاء على العصابات: فرض حالة الطوارئ، ألغى الضمانات الأساسية للموقوفين، وزج بعشرات الآلاف في السجون. خلال خمس سنوات، انخفض معدل القتل بأكثر من 19 مرة ليصل إلى 1.9 لكل 100 ألف نسمة. لكن ثمن هذا "النجاح" كان تحوّل السلفادور إلى "دولة سجن"، حيث يقبع خلف القضبان أكثر من 2.6% من البالغين – وهي النسبة الأعلى في العالم.

أصبح CECOT رمزاً لهذه الحقبة الجديدة. فهو "مركز احتجاز الإرهابيين" المصمم لاستيعاب 40 ألف نزيل، ويعمل كدولة داخل الدولة: لا محامين، لا زيارات عائلية، لا نزهات، ولا ليل – فالضوء لا يُطفأ أبداً. وهنا لا يُحتجز أعضاء عصابتي MS-13 وBarrio-18 فقط، بل أيضاً المهاجرون المرحّلون من الولايات المتحدة.

العلاقة بين ترامب وبوكيلة تتجاوز البراغماتية إلى تقارب سياسي واضح. يقول بوكيلة في واشنطن: "يقولون إننا سجنّا الآلاف، وأنا أقول إننا حررنا الملايين". فيرد ترامب مبتسماً: "أترى أنني أستطيع أن أفعل الشيء نفسه؟". هذه العبارة ليست مجرد دعابة، بل تلخص منطق عصر جديد: السجن الجماعي يُقدَّم بوصفه تحريراً للمجتمع، والنظام العقابي يتحوّل إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية.

السلفادور ليست هنا "تابعاً" بل "شريكاً" للولايات المتحدة. فواشنطن تدفع لسان سلفادور 20 ألف دولار سنوياً عن كل مهاجر مرحّل. هكذا تنشأ صيغة تعاون جديدة: بدلاً من بناء مراكز احتجاز على أراضيها، تستأجر أميركا قدرات احتجاز دول أخرى. وإذا كانت قد نقلت مصانعها إلى الخارج في الماضي، فهي اليوم تنقل سجونها.

الهجرة كوجه جديد للحرب

لفهم رؤية ترامب، يجب إدراك أن الهجرة في نظره ليست مشكلة إنسانية بل شكل من أشكال الحرب. إنها تزعزع الاستقرار الداخلي، وتغير التركيبة السكانية، وتزيد معدلات الجريمة، وتقوّض الهوية. وإذا كانت حرباً، فلا بد أن تكون أدواتها عسكرية: الترحيل، الاعتقال، العزل.

خلال العقد الأخير، ارتفع عدد الفنزويليين في الولايات المتحدة بشكل حاد، إذ يزيد عددهم اليوم عن 900 ألف وفقاً لمكتب الإحصاء. ومنذ عام 2018، يتصدر الفنزويليون طلبات اللجوء. وتقول السلطات الأميركية إن من بينهم أعضاء في واحدة من أخطر العصابات في نصف الكرة الغربي، "ترين دي أراغوا"، التي أدرجتها واشنطن على قائمة التنظيمات الإرهابية.

لكن إثبات الانتماء إلى هذه العصابة أمر بالغ الصعوبة. وهنا تظهر نقطة التحول: في سياسة الهجرة التي تعتمدها إدارة ترامب، تحل "افتراض الخطورة" محل "افتراض البراءة". لا يهم إن كانت التهمة مثبتة، المهم أن الشخص قد يكون مرتبطاً بعصابة. وهذا وحده كافٍ لترحيله واحتجازه.

هذا المنطق ينقل سياسة الهجرة إلى فضاء "الأمن الوقائي" القريب من مفاهيم "الحرب على الإرهاب". فإذا كان من الممكن اعتقال "إرهابي محتمل" قبل ارتكاب الجريمة، فلماذا لا يمكن احتجاز "مجرم محتمل"؟ هذه هي النقلة النوعية التي تجعل من ملف الهجرة قضية أمنية لا قانونية.

نظام عالمي جديد للسيطرة: من الحدود إلى السجون

قضية السلفادور تكشف بوضوح أن بنية النظام العالمي للهجرة تشهد تحولاً جذرياً. ففي تسعينيات وأوائل الألفية، كانت الدول مضطرة إلى الموازنة بين مصالحها الاقتصادية والتزاماتها الإنسانية. أما اليوم، فقد انتقلت أدوات السيطرة الصارمة والعزل إلى صدارة المشهد.

الحدود باتت أكثر انفتاحاً أمام رأس المال والتكنولوجيا، وأكثر انغلاقاً أمام البشر. غير أن السيطرة على الحدود لم تعد مرتبطة فقط بخطها الجغرافي، بل انتقلت إلى العمق – إلى السجون والمعسكرات ومراكز الاحتجاز. هناك يتشكل نوع جديد من الفضاء: مغلق مادياً، غامض قانونياً، ومُدار سياسياً.

سجن CECOT لم يعد مجرد مؤسسة عقابية، بل أصبح «عقدة» في شبكة آخذة في التشكل من المناطق العقابية العابرة للحدود، التي يمكن أن تُقام خارج أراضي الدولة، بتمويل أجنبي، وتعمل خارج نطاق السيادة القضائية. وإذا نجح النموذج السلفادوري، فقد تسير على خطاه دول في أميركا الوسطى وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. بالفعل، هناك مقترحات بإنشاء مراكز مماثلة في هندوراس وغواتيمالا والإكوادور.

نحن إذاً على أعتاب نظام عالمي جديد تصبح فيه السجون خارج الحدود القاعدة لا الاستثناء. وفي هذا النظام، لن تكون المحاكم والقوانين وحدها الفاعلة، بل أيضاً الحكومات التي تعرض نفسها كـ«مؤجّرين» لمعتقلي الآخرين.

حين تبادل دونالد ترامب ونجيب بوكيلة في مارس 2025 في البيت الأبيض تعليقاتهما حول «آلاف المسجونين» و«ملايين المحررين»، لم يكونا يستعرضان تقارباً سياسياً فحسب، بل كانا ينطقان بولادة واقع سياسي جديد: واقع يتحول فيه السجن من مؤسسة داخلية إلى أداة للحكم العالمي. في هذا الواقع، لم يعد السجين مجرد مجرم، بل سلعة، وعنصر في صفقة، ومتغير في المعادلة السياسية الدولية. السلفادور اليوم ليست مجرد دولة سجنت 2.6% من سكانها البالغين، بل نقطة مركزية في خريطة ما يمكن تسميته بـ«العولمة العقابية».

اقتصاد السجون: من عبء داخلي إلى سوق عابر للحدود

المنطق الاقتصادي لهذا التحول بسيط وواقعي. فعمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة كانت تواجه دائماً عقبتين أساسيتين: التكلفة والبنية التحتية. إذ تبلغ كلفة احتجاز السجين الواحد في السجون الفيدرالية الأميركية نحو 42 ألف دولار سنوياً، والسجون مكتظة، وبناء مرافق جديدة يثير احتجاجات المجتمعات المحلية والمعارضين البيئيين.

السلفادور تقدم الحل: 20 ألف دولار سنوياً مقابل السجين في CECOT، الذي شُيّد من دون اعتبار للمعايير الليبرالية أو الحساسية السياسية. النتيجة: كلفة أقل إلى النصف، وانعدام شبه كامل للمخاطر السياسية الداخلية. هذه المعادلة قد تصبح مغرية: فإذا تمكنت الولايات المتحدة من التخلص من عشرات آلاف المهاجرين والمجرمين غير المرغوب فيهم عبر السلفادور، فلماذا لا تبرم صفقات مماثلة مع غواتيمالا أو هندوراس أو باراغواي أو الإكوادور؟

في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته «سوق السجناء» – نوع جديد من الأعمال العابرة للحدود حيث تقدم دول الجنوب العالمي قدراتها العقابية للإيجار لصالح دول الشمال. وهذا ليس خيالاً. فبحسب البنك الدولي، هناك اليوم نحو 11.5 مليون سجين في العالم، منهم قرابة مليونين في الولايات المتحدة وحدها. وتكلف المنظومة العقابية الأميركية دافعي الضرائب أكثر من 80 مليار دولار سنوياً. تقليص هذه الكلفة عبر «الاستعانة بمصادر خارجية للسجون» قد يغري الساسة الساعين إلى خفض النفقات وتعزيز السيطرة الداخلية. وإذا كان الحديث اليوم عن مئات الفنزويليين، فقد يصبح غداً عن عشرات الآلاف المرحّلين إلى السلفادور أو غيرها من «الملاذات العقابية».

فجوة قانونية تهدد النظام الدولي

لكن الأمر يتجاوز الاقتصاد. فظاهرة السجون العابرة للحدود تقوّض الأسس التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، والمبني على عالمية حقوق الإنسان وسيادة القانون. ففي النظام القانوني الكلاسيكي، الدولة مسؤولة عن ضمان حقوق من تحتجزهم أو ترحلهم. لكن عندما تنقلهم إلى ولاية دولة أخرى، فإنها فعلياً تُخرجهم من نطاق التزاماتها. هكذا تنشأ «منطقة رمادية قانونياً» تتبدد فيها المسؤولية ويغيب مرتكب الانتهاك.

هذا واضح تماماً في حالة CECOT. السلطات الأميركية تزعم أن المرحّلين الفنزويليين أعضاء في منظمة «ترين دي أراغوا» الإرهابية. لكن الأدلة غائبة، ولم تُعقد محاكمات، وغالباً ما تُبنى الاتهامات على وجود وشوم أو أسلوب ملبس أو سلوك معين. ومع ذلك، يُزجّ بهم بعد ترحيلهم في سجن بنظام أشغال شاقة مدى الحياة، بلا محامين وبلا حق في الاستئناف. من منظور القانون الدولي، هذا انتهاك مباشر للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك لاتفاقية مناهضة التعذيب. لكن من يتحمل المسؤولية؟ الولايات المتحدة تقول إنها لم تعد مسؤولة لأن المرحّلين غادروا أراضيها. والسلفادور تؤكد أنها تتصرف وفق قوانينها. النتيجة: «فراغ قانوني» يمكن أن يُسجن فيه إنسان مدى الحياة من دون محاكمة – ولا أحد يُحاسب.

هذا الفراغ القانوني هو ما يجعل CECOT سابقة خطيرة. فإذا أصبح نقل السجناء إلى دول بمعايير عدالة أدنى ممارسة معتادة، فإن ذلك سيقلب موازين العلاقة بين الدولة والفرد في النظام العالمي. وتُناقش الأوساط المتخصصة بالفعل إمكان إنشاء «مناطق عقابية» تديرها شركات خاصة، أو توقيع اتفاقيات ثنائية بين الدول بشأن احتجاز مواطني دول أخرى. كل ذلك يهدد بتحويل مفهوم السيادة إلى أداة للالتفاف على القانون الدولي، وتحويل حقوق الإنسان إلى مفهوم مشروط بإرادة الدول السياسية.

البعد الجيوسياسي: صدام مع الليبرالية العالمية

لا يقل البعد الجيوسياسي أهمية عن الاقتصادي والقانوني. فالتحالف بين ترامب وبوكيلة لا يقوم فقط على البراغماتية، بل على الأيديولوجيا أيضاً. فكلا الرجلين يقدمان نفسيهما كخصمين للعولمة الليبرالية، ومؤيدين لـ«القبضة الحديدية» والقيم التقليدية. وتعاونُهما بيانٌ سياسي لموجة يمينية جديدة تسعى إلى إعادة تعريف طبيعة السلطة نفسها.

في هذا المنظور، لا تُرى حقوق الإنسان والمؤسسات الدولية كقيم عالمية، بل كأدوات ضغط فرضتها نخب الشمال العالمي. ومن خلال تحويل السلفادور إلى «مركز سجون»، يثبت ترامب وبوكيلة أن نظاماً بديلاً ممكن: نظام تعود فيه الدولة إلى سيادتها المطلقة، وتُقدَّم فيه أمن المجتمع على حقوق الفرد.

لأهمية الجيوسياسية للمشروع: أبعد من حدود أميركا الوسطى

لا تقتصر أهمية مشروع CECOT الجيوسياسية على الساحة الإقليمية، بل تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد بكثير. فأولاً، يعزز هذا المشروع من نفوذ الولايات المتحدة في منطقة شهدت تراجعاً في حضورها خلال السنوات الأخيرة مع صعود نفوذ الصين وروسيا. لقد تحوّلت السلفادور إلى شريك محوري لواشنطن في مجالي الأمن وسياسات الهجرة، فيما يحصل نجيب بوكيلة بالمقابل على مظلة سياسية ودعم مالي يعزز مكانته في الداخل.

ثانياً، قد يصبح نموذج CECOT مرجعاً لدول أخرى تواجه ضغوطاً هجرية متصاعدة. فالدول الأوروبية التي تناقش منذ سنوات إقامة معسكرات للاجئين في شمال أفريقيا تتابع عن كثب التجربة السلفادورية. وقد بدأت بالفعل أصوات في بروكسل تدعو إلى توقيع اتفاقيات مع دول ثالثة تستقبل المهاجرين مقابل مساعدات مالية وتنموية.

لكن لهذا المشروع وجهاً آخر لا يقل خطورة. إذ إن تحويل السجون إلى أداة للسياسة الدولية سيؤدي حتماً إلى توترات مع الدول التي سيُحتجز مواطنوها في هذه «الملاذات العقابية». فقد لجأت فنزويلا بالفعل إلى الأمم المتحدة مطالبة بالإفراج عن مواطنيها المحتجزين في CECOT، ووصفت احتجازهم بأنه غير قانوني. وإذا ما انتشرت هذه الممارسات، قد نشهد اندلاع أزمات مماثلة بين دول أفريقيا وأوروبا، أو آسيا وأستراليا. وستظهر على الساحة الدبلوماسية أزمة من نوع جديد – «أزمات السجون» – حيث لن تكون الأراضي أو الموارد هي موضوع التفاوض، بل مصائر آلاف الأشخاص المحتجزين من دون محاكمة.

الانعكاسات الداخلية: بين صعود الشعبويين وتطرّف المهمّشين

للمشروع أيضاً أثر داخلي عميق. فعمليات الترحيل الجماعي ونقل السجناء إلى الخارج قد تعزز مواقع القوى الشعبوية في الولايات المتحدة وأوروبا التي تبني خطابها السياسي على محاربة الهجرة والجريمة. لكن في المقابل، قد تؤدي هذه السياسات إلى تطرف المجتمعات التي تُستهدف بها. ففي حالة فنزويلا، نتحدث عن نحو ثمانية ملايين شخص غادروا البلاد في السنوات الأخيرة. وتحويل جزء منهم إلى «مشتبه بهم بلا محاكمة» قد يشعل موجة جديدة من المشاعر المعادية لأميركا ويقوّي نفوذ القوى المناهضة للغرب في المنطقة.

من السيطرة على الأراضي إلى السيطرة على البشر

على المدى الطويل، قد تصبح البنية العقابية الناشئة ركناً أساسياً في النظام العالمي الجديد. فإذا كان النفوذ في القرنين التاسع عشر والعشرين يُقاس بالسيطرة على الأراضي والممرات البحرية، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون عصر السيطرة على تدفقات البشر – مهاجرين، لاجئين، سجناء. في هذا السياق، لم يعد السجن نهاية سلسلة العدالة، بل بدايتها. لم يعد نتيجة للجريمة، بل أداة لمنعها. ليس عقوبة فقط، بل سياسة.

وهنا تكمن التحوّلات العميقة التي يجسدها تحالف ترامب وبوكيلة. إنهما لا يبنيان مجرد سجن، بل يضعان أسس نظام عالمي جديد تُعرّف فيه مفاهيم الحرية والقيود لا فقط من خلال القانون، بل أيضاً عبر الجغرافيا السياسية. السلفادور في هذا النظام ليست هامشاً، بل مختبراً للمستقبل، حيث تختبر الدولة جوهر سلطتها ذاته. والسؤال الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم ليس ما إذا كانت هذه التجربة إنسانية أو غير إنسانية، بل ما إذا كانت ستصبح القاعدة.

نحو 2030: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل النموذج العقابي

إذا كانت القضايا الكبرى في ربع القرن الأول من القرن الحادي والعشرين هي المناخ والثورة الرقمية والجائحة، فإن السنوات المقبلة ستضيف إليها قضية جديدة: هندسة السيطرة على تدفقات البشر. فالهجرة والديموغرافيا والأمن والقانون تتشابك أكثر فأكثر لتشكيل هيكل جديد للنظام الدولي. وتحول السلفادور إلى مركز سجون عالمي ليس حدثاً محلياً، بل مؤشر لتحول أوسع بكثير. إنه يعكس بحث دول الشمال العالمي عن أدوات جديدة لإدارة المخاطر والتهديدات عبر نقل أكثر جوانب سياساتها حساسية إلى ما وراء حدودها.

السيناريو الأول: تقنين مراكز السجون وتوسيعها

السيناريو الأرجح هو أن «النموذج السلفادوري» سيُقنَّن ويُعمَّم. فإذا أثبت مشروع CECOT نجاحه – أي خفّف الضغط عن النظام العقابي الأميركي، وخفّض معدلات الجريمة، وقدّم للناخبين نموذجاً لسياسة هجرة صارمة – فسيُبرم المزيد من الاتفاقيات المماثلة مع دول أخرى. ويشير خبراء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نحو 26 دولة في الجنوب العالمي تملك بنية تحتية عقابية فائضة ومستعدة لتأجيرها. في أميركا الوسطى تشمل هذه الدول غواتيمالا وهندوراس ونيكاراغوا، وفي أميركا الجنوبية باراغواي وبوليفيا، وفي أفريقيا أوغندا ورواندا، وفي آسيا الفلبين وكمبوديا.

في هذا السيناريو، ستظهر صيغة جديدة للتعاون الدولي – «اتفاقيات عقابية» – تنقل فيها دولة إلى أخرى ليس فقط السجناء بل أيضاً مسؤولية احتجازهم. وسيؤدي ذلك إلى نشوء شبكة عابرة للحدود من السجون تعمل خارج النطاق القضائي الوطني والاتفاقيات الدولية. بالنسبة إلى دول الجنوب العالمي، سيكون هذا مصدراً للعملات الصعبة ورصيداً سياسياً. أما بالنسبة إلى دول الشمال، فسيكون وسيلة لتصدير الوظائف السياسية الحساسة إلى الخارج.

لكن مخاطر هذا السيناريو واضحة: فهو يخلق حوافز للاعتقالات والترحيلات الجماعية، ويقوّض المعايير القانونية الدولية، ويمهّد الطريق لظهور «دبلوماسية السجون» التي يصبح فيها المعتقلون أوراق مساومة. ومثال اقتراح بوكيلة مبادلة المرحّلين الفنزويليين بالمعتقلين السياسيين لدى نيكولاس مادورو يوضح مدى سهولة تحوّل الأداة العقابية إلى أداة سياسية.

السيناريو الثاني: التفكك الإقليمي والنزعة المحلية

سيناريو أقل طموحاً، لكنه محتمل، يتمثل في إقليمية النموذج العقابي. ففي هذه الحالة، لن تتطور مراكز السجون إلى شبكة عالمية، بل ستُستخدم على نطاق أضيق في مناطق محددة. ستواصل الولايات المتحدة تعاونها مع السلفادور وربما دول أخرى في أميركا الوسطى. وسيؤسس الاتحاد الأوروبي مراكز مماثلة في شمال أفريقيا – في المغرب أو تونس أو مصر – لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين من منطقة الساحل والشرق الأوسط. أما أستراليا فستعزز مراكزها الخارجية في ناورو وبابوا غينيا الجديدة، في حين قد تعود بريطانيا إلى فكرة ترحيل المهاجرين إلى رواندا.

هذا السيناريو أقل خطراً على النظام العالمي من السيناريو الأول، لكنه يرسّخ ازدواجية المعايير في القانون الدولي. فالأمم المتحدة والمحاكم الإقليمية ستواصل تسجيل الانتهاكات، لكن الدول ستستند في ممارساتها إلى «سيادتها الوطنية». وستؤدي هذه الديناميكية إلى زيادة النزاعات القانونية، والخلافات حول تسليم المطلوبين ووضعية السجناء، فضلاً عن تعزيز الاتفاقيات الثنائية على حساب الاتفاقيات الدولية الشاملة.

إضافة إلى ذلك، تحمل الإقليمية خطر زعزعة الاستقرار السياسي في الدول التي تستضيف هذه المراكز. فقد واجهت السلفادور بالفعل توتراً داخلياً بسبب احتجاز آلاف المهاجرين الأجانب. وإذا توسع نطاق هذه الممارسات، فقد تصبح هذه المراكز أهدافاً للهجمات والانتفاضات، وأدوات للضغط على الحكومات.

لسيناريو الثالث: المقاومة وردود الفعل المضادة

وأخيراً، لا يمكن استبعاد سيناريو يشهد مقاومة دولية متزايدة ضد اتساع ظاهرة السجون العابرة للحدود. فالمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان وجّه بالفعل انتقادات حادة لممارسات الترحيل من دون محاكمة واحتجاز المهاجرين في ظروف ترقى إلى مستوى التعذيب. كما ينظر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا تتعلق بنقل السجناء إلى دول ثالثة من دون ضمانات لحقوقهم الأساسية. وإذا ما اتسع نموذج CECOT، سيزداد الضغط من جانب المؤسسات الدولية.

وقد تظهر أيضاً ردود فعل سياسية. فالحكومات اليسارية والليبرالية في أميركا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا قد تسعى إلى تشكيل جبهة ضد ما تسميه «الاستعمار العقابي الجديد»، متهمة الولايات المتحدة وحلفاءها باستخدام دول الجنوب العالمي كـ«مكبات للنفايات البشرية». وسيؤدي ذلك إلى طرح مبادرات بديلة – مثل إنشاء مراكز احتجاز دولية بإشراف الأمم المتحدة أو صياغة اتفاقيات جديدة تنظم نقل السجناء عبر الحدود.

غير أن هذا السيناريو يتطلب مستوى من التنسيق الدولي يبدو بعيد المنال في ظل الانقسام الجيوسياسي المتصاعد. الأرجح أن تكون ردود الفعل جزئية ومحدودة، ما سيسمح للبنية العقابية الجديدة بالتمدد رغم الانتقادات.

ملامح مشتركة: السجون كركيزة للسياسة الدولية الجديدة

رغم تباين السيناريوهات الثلاثة، فإنها جميعاً تؤكد حقيقة واحدة: الهندسة العقابية الجديدة ستصبح أحد أعمدة السياسة الدولية بين عامي 2025 و2030. فهي ستعيد صياغة العلاقة بين الأمن الداخلي والخارجي، وتحوّل القانون الدولي، وتضع موضع تساؤل المفاهيم التقليدية لحقوق الإنسان والسيادة.

وبالنسبة للدول والمؤسسات والشركات، فإن ذلك يخلق مخاطر وفرصاً في آن واحد. ولتقليل الأولى واستثمار الثانية، لا بد من تحركات استراتيجية من الآن.

توصيات للدول:

– يجب صياغة أطر واضحة للاتفاقيات العقابية الدولية، تتضمن ضمانات إلزامية لحقوق السجناء، وتوفير حق الوصول إلى محامين، وآليات رقابة دولية.
– ينبغي إنشاء آليات وطنية للرقابة البرلمانية والقضائية على عمليات نقل السجناء إلى الخارج لمنع الانتهاكات وتسييس هذا الملف.
– على وزارات الخارجية إدراج مسألة الاتفاقيات العقابية ضمن حساباتها في العلاقات الثنائية، خصوصاً مع الدول التي يثير سجلها في مجال حقوق الإنسان مخاوف جدية.

توصيات للمؤسسات الدولية:

– يجب على الأمم المتحدة ومجلس أوروبا إطلاق عملية صياغة اتفاقية دولية جديدة بشأن احتجاز السجناء عبر الحدود، تحدد المعايير الدنيا وتوزع المسؤوليات القانونية.
– على المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من الهيئات القضائية وضع إجراءات خاصة للنظر في القضايا المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان في السجون العابرة للحدود.
– يجب على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ربط تمويل المشاريع العقابية في الدول النامية باحترام المعايير القانونية والشفافية.

توصيات للقطاع الخاص والمجتمع المدني:

– على الشركات الخاصة العاملة في بناء وإدارة السجون تطبيق آليات امتثال تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
– على المنظمات غير الحكومية والجمعيات الحقوقية بناء تحالفات عابرة للحدود لرصد أوضاع السجون الخارجية والدفع نحو الشفافية والمساءلة.

عالم جديد يتشكل: السجون كأداة للسلطة العالمية

العالم الذي يولد من تحالف ترامب وبوكيلة سيكون عالماً يتجاوز فيه السجن حدود الدولة ليصبح جزءاً من هندسة السلطة العالمية. في هذا العالم سيعبر السجناء الحدود بسهولة لا تقل عن حركة رؤوس الأموال والبيانات. في هذا العالم سيُستخدم مفهوم السيادة ليس فقط لحماية المواطنين، بل لاحتجاز مواطني الدول الأخرى. وفيه ستتحول حقوق الإنسان من ضمانة إلى موضوع تفاوض.

السؤال الجوهري لا يتعلق بإمكان وقف هذا المسار – فالتاريخ يثبت أن أدوات السيطرة، متى ظهرت، لا تختفي. السؤال هو: هل سيتمكن المجتمع الدولي من وضع الأطر التي تحول هذا الأداة الجديدة من تهديد إلى مورد؟ الجواب على هذا السؤال سيحدد شكل النظام العالمي في منتصف القرن الحادي والعشرين.

الوسوم: