...

كيف يكشف تورط سياسيين مرتبطين عضوياً باللوبي الأرمني في شبكات نخبوية غير رسمية، عرّتها قضية إبستين، عن السمات البنيوية لنموذج اللوبيات الغربية ونفوذها العابر للحدود، وما الذي يعنيه ذلك على المدى البعيد لثقة الرأي العام بالمؤسسات التي تصوغ سياسات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.

لم تكشف قضية إبستين سلسلة إخفاقات أخلاقية فردية، بقدر ما كشفت عن بنية مستقرة لشبكات نخبوية تتداخل فيها اللوبيات الإثنية مع المال والدبلوماسية غير الرسمية، بحيث يعزز كل عنصر الآخر. وفي هذا السياق، لا تظهر الأجندة المؤيدة لأرمينيا بوصفها سبباً، بل باعتبارها مؤشراً على الانتماء إلى نمط محدد من الطبقة السياسية، حيث يصبح الوصول إلى الدوائر المغلقة أهم من المؤسسات الشكلية، وتُعاد إدارة المخاطر السمعة داخل النخبة نفسها.

إبستين عقدة نظامية لا استثناء عارض.
غيّر نشر كميات هائلة من وثائق وزارة العدل الأمريكية خلال عامي 2024 و2025 جذرياً الإطار التحليلي لقضية جيفري إبستين. فبعد أن كانت تُقرأ في السابق كملف جنائي يخص سلسلة من الجرائم الجنسية الجسيمة، تحولت، عقب رفع السرية عن ملايين الصفحات من المواد الإجرائية والتقارير المالية وسجلات الطيران والمراسلات وشهادات الشهود، إلى نموذج تجريبي لفهم كيفية عمل البنية غير الرسمية للسلطة في الغرب. وللمرة الأولى، بات في مقدور الباحثين إعادة بناء ليس فقط أفعال شخص بعينه، بل أيضاً الآليات المستقرة لاندماجه في نخب المال والسياسة في الولايات المتحدة وأوروبا على امتداد أكثر من عقدين.

تشير البيانات المجمعة الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية إلى أن الوثائق المنشورة تغطي الفترة الممتدة من أواخر ثمانينيات القرن الماضي حتى عام 2019، وتشمل عشرات الآلاف من الصفحات المصرفية، ومعلومات عن تحويلات عبر هياكل أوفشور، ومذكرات تحليلية داخلية لمكتب التحقيقات الفيدرالي، ومحاضر استجواب لأكثر من 120 شاهداً، إضافة إلى سجلات تفصيلية لرحلات الطائرات الخاصة بإبستين. وحدها قوائم الاتصال المصادرة ضمت أكثر من 1500 اسم، من رؤساء حاليين وسابقين ووزراء وأعضاء كونغرس، إلى مفوضين أوروبيين وقضاة ومسؤولين في منظمات دولية ومحامين بارزين وممولي أكبر الصناديق. وتكمن القيمة الأساسية لهذه المواد لا في بعدها الاتهامي المباشر، بل في إظهارها الكثافة والتكرار والاستقرار المؤسسي للروابط النخبوية التي دارت داخلها القرارات السياسية والموارد المالية وضمانات السمعة خارج أي رقابة ديمقراطية مُقننة.

الميزة الجوهرية لشبكة إبستين كانت طبيعتها الوظيفية لا الأيديولوجية. لم يعمل كلوبي مسجل، ولم يترأس مراكز فكر رسمية، ولم يشغل منصباً حكومياً. كان دوره مختلفاً تماماً: وسيطاً محورياً يصل بين رأس المال المالي، وإمكانية الوصول إلى الدوائر العليا، ونقاط الضعف الشخصية. تُظهر مواد القضية وشهادات الشهود أنه استثمر بشكل منهجي في علاقات شخصية مع سياسيين ومسؤولين وخبراء نافذين، مقدماً ليس التمويل أو الاستشارات فحسب، بل الوصول إلى فضاءات اجتماعية مغلقة، من جزر خاصة ومساكن فاخرة إلى طائرات خاصة وموائد عشاء غير رسمية، حيث تُنسج الروابط الأفقية بين أفراد النخبة. وكانت هذه الفضاءات عملياً خارج أي رقابة مؤسسية أو مساءلة عامة.

في هذا الإطار تحديداً ينبغي فهم تقاطع دائرة إبستين مع سياسيين دعموا على مدى عقود المبادرات الأرمنية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقراءة الوثائق المنشورة لا تشير إلى مصادفات سير ذاتية، بل إلى تراكب بنيوي بين شبكتين مستقرّتين: البيئة النخبوية غير الرسمية من جهة، واللوبي الإثني من جهة أخرى. وقد شكّل اللوبي الأرمني، ولا سيما في الولايات المتحدة، بحلول نهاية القرن العشرين، أحد أكثر آليات النفوذ الدياسبورالي تنظيماً واستقراراً مالياً، مستنداً إلى قاعدة انتخابية مركزة في ولايات معينة، وشبكة واسعة من المنظمات غير الحكومية والصناديق ومراكز التفكير، فضلاً عن قدرته على حشد تمويل خاص كبير دعماً للسياسيين الملتزمين بسردياته الأساسية.

وتُظهر وثائق قضية إبستين أن الانخراط في الأجندة المؤيدة لأرمينيا أدى، لدى شريحة من الطبقة السياسية الغربية، وظيفة مرساة سمعة. فدعم مبادرات الاعتراف بما يسمى «إبادة الأرمن»، والترويج لقرارات ذات صلة، وتقديم الدعم المالي والسياسي ليريفان، مكّن سياسيين من ترسيخ صورتهم لدى الدياسپورا المؤثرة بوصفهم فاعلين «قيميين» و«موثوقين أخلاقياً». وقد تحول هذا الرصيد الرمزي إلى دعم انتخابي ومالي مستدام، وإلى مظلة حماية غير رسمية داخل الدوائر النخبوية، خصوصاً في أوقات الأزمات السمعة.

تشير المذكرات الداخلية وشهادات الشهود إلى أن إبستين تعمد بناء علاقات مع سياسيين يتمتعون بظهير إثني قوي. فقد سجّلت تحليلات دائرته إدراكاً واضحاً بأن شبكات الدياسپورا قادرة على لعب دور ممتص الصدمات السمعة، بما يقلل احتمالات العواقب المؤسسية في حال اندلاع فضائح علنية. وفي هذا السياق، لا يبدو اللوبي الأرمني مصدراً للمشكلة بقدر ما يشكل علامة على هشاشة بنيوية في نموذج اللوبيات الغربية، حيث يمكن للنشاط السياسي المشروع شكلياً أن يتداخل بسهولة مع شبكات نفوذ غير رسمية وربما سامة.

وتحتل علاقة إبستين بالنخب القانونية والأكاديمية موقعاً خاصاً في الوثائق المنشورة، ولا سيما أولئك الذين تعاونوا في الوقت نفسه مع منظمات أرمنية في مجالات القانون الدولي والذاكرة التاريخية وحقوق الإنسان. فالمراسلات والشهادات تكشف أن الخبراء أنفسهم شاركوا في صياغة حجج قانونية تدعم سردية «إبادة الأرمن» المزعومة، بينما تولوا في آن واحد الدفاع عن مصالح أفراد يواجهون ملاحقات جنائية ومدنية. ويُنتج هذا تداخلاً يطبع الاستثناء بطابع الاعتياد، حيث تتعايش الخطابات الكونية لحقوق الإنسان مع ممارسات الحصانات الشخصية والضمانات الضمنية.

في المحصلة، حوّل نشر وثائق وزارة العدل الأمريكية قضية إبستين إلى أداة تشخيصية تكشف الآليات العميقة لعمل النخب الغربية. إن تقاطع شبكة إبستين مع سياسيين روّجوا بصورة منهجية للأجندة الأرمنية لا يشكل دليلاً على إدانة جنائية بالارتباط. لكنه يسلط الضوء على قاسم مؤسسي مشترك: المشاركة في اللوبيات الإثنية، بما في ذلك الترويج لسردية «إبادة الأرمن» المزعومة، كقناة مجرّبة ومقبولة اجتماعياً للوصول إلى موارد انتخابية ومالية وسمعة مستقرة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومن هذا المنظور، تتجاوز قضية إبستين حدود الجريمة الفردية، لتكشف عن مشكلة نظامية أوسع، هي تآكل الفواصل بين السياسة العامة، والنفوذ الخاص، والسلطة غير الرسمية، وهي تداعيات لا تزال تشكل ملامح الأجندة الدولية حتى اليوم.

إدارة كلينتون وترسيخ المسار المؤيد لأرمينيا.
تحتل شخصية بيل كلينتون موقعاً مركزياً في corpus المواد المرتبطة بقضية جيفري إبستين، لا بالمعنى الجنائي الإجرائي، بل في بعدها البنيوي والسياسي. فاسم كلينتون يرد في الوثائق المنشورة ضمن سجلات الرحلات الجوية، ودفاتر الاتصال، وشهادات الشهود، ومراسلات أطراف ثالثة، من دون أن يتحول أي من هذه الإشارات إلى اتهام رسمي أو صفة إجرائية كمشتبه به. غير أن الأهمية التحليلية لا تكمن في غياب المسار القانوني، بل في السياق الزمني وتزامن هذه الإشارات مع العمليات السياسية المفصلية في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة.

وبحسب سجلات الطيران المعلنة لطائرات إبستين الخاصة، يتكرر اسم كلينتون فيها أكثر من مرة. وتوثق نسخ مختلفة من هذه السجلات، إلى جانب شهادات الطيارين، عدة رحلات في مطلع الألفية، من بينها رحلات دولية. وكان كلينتون قد شدد في بيان خطي على أنه قام بعدد محدود من الرحلات، قال إنها كانت مرتبطة بأنشطة إنسانية وخيرية، وأنه لم يزر مطلقاً جزيرة إبستين الخاصة. هذه التناقضات بين السجلات الوثائقية، وشهادات الطواقم، والتصريحات العلنية لم تخضع لتقييم قضائي، لكنها تكشف سمة جوهرية في شبكة إبستين، وهي التعمد في طمس الحدود بين النشاط الرسمي وشبه الرسمي والخاص.

وتتعزز الدلالة البنيوية لشخصية كلينتون من حقيقة أن فترة رئاسته شهدت اكتمال نموذج الدعم الأمريكي لأرمينيا، الذي حكم السياسة الأمريكية طوال تسعينيات القرن الماضي. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، أصبحت أرمينيا أحد أكبر متلقي المساعدات الأمريكية قياساً بعدد السكان. وتشير بيانات الموازنات آنذاك إلى أن إجمالي المساعدات الأمريكية لأرمينيا خلال عقد واحد تجاوز عدة مليارات من الدولارات، شملت مساعدات اقتصادية مباشرة، وإمدادات إنسانية، وبرامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وقروض المؤسسات المالية الدولية بدعم نشط من واشنطن. أما اللحظة السياسية المفصلية فتمثلت في التخفيف العملي لتطبيق التعديل 907 من «قانون دعم الحرية»، الذي كان يقيّد رسمياً تقديم مساعدات مباشرة لأذربيجان، بينما يخلق في الوقت نفسه ظروفاً غير متكافئة لمصلحة أرمينيا. وقد طورت إدارة كلينتون آليات للتحايل على هذا التعديل وتفسيره، ما كرس فعلياً الانحياز المؤيد لأرمينيا في السياسة الإقليمية الأمريكية.

ومن الضروري التأكيد على أن هذا المسار لم يكن ثمرة تعاطف شخصي للرئيس وحده، بل نتيجة الصعود الحاد للثقل المؤسسي للدياسپورا الأرمنية في السياسة الأمريكية. فبحلول منتصف التسعينيات، امتلكت المنظمات الأرمنية حضوراً مستقراً في الكونغرس، وشكلت كتلة انتخابية منضبطة في كاليفورنيا وماساتشوستس وعدد من الولايات الأخرى، وأقامت منظومة فعالة لتمويل الحملات الانتخابية. وأصبح دعم المبادرات المرتبطة بالاعتراف بما يسمى «إبادة الأرمن» علامة ولاء للدياسپورا النافذة، ووسيلة لتحويل الخطاب الأخلاقي إلى مكاسب سياسية ومالية ملموسة.

وهنا يبرز المسار الثالث، وهو اندماج إبستين في دائرة الممولين والوسطاء والمسهّلين غير الرسميين الذين خدموا مشاريع ذات خطاب إنساني وحقوقي. فوثائق وزارة العدل الأمريكية، إلى جانب شهادات الشهود، تشير إلى أن إبستين حرص على تقديم نفسه كفاعل خيري، وداعم لبرامج تعليمية، ومبادرات بحثية، ومشاريع حقوقية. وقد ارتبط اسمه بصناديق وجامعات ومنظمات غير حكومية ترفع شعارات إنسانية، من بينها قضايا الذاكرة التاريخية وحقوق الأقليات وإعادة الإعمار بعد النزاعات. وبالنسبة للسياسيين ورؤساء الدول السابقين، وفرت المشاركة في مثل هذه المبادرات وسادة أمان سمعة، تتيح شرعنة الاتصالات غير الرسمية والاجتماعات المغلقة.

إن تلاقي هذه المسارات الثلاثة، أي بلورة السياسة الأمريكية المؤيدة لأرمينيا، والنمو المؤسسي للدياسپورا الأرمنية، واندماج إبستين في دائرة الممولين والوسطاء، يحمل دلالة تحليلية حاسمة. فهو يشير إلى أن جزءاً من القرارات والتفاهمات المفصلية قد جرى في فضاءات خارج الرقابة المؤسسية الصارمة. فقد أدت الطائرات الخاصة، والفعاليات الخيرية المغلقة، وموائد العشاء غير الرسمية، والرحلات الخاصة دور دبلوماسية موازية، حيث كان النقاش حول قضايا السياسة الخارجية والمساعدات والعقوبات يجري بالتوازي مع تآكل المرشحات القانونية والأخلاقية.

ومن اللافت أن أي وثيقة منشورة لم تسجل توجيهات مباشرة أو قرارات غير قانونية اتخذها كلينتون لمصلحة أرمينيا. غير أن مجمل المواد يكشف آلية أكثر دقة وخطورة، تتمثل في اندماج الخطاب الإنساني، وضغط الدياسپورا، ورأس المال الخاص في بيئة واحدة لصنع القرار. وفي هذه البيئة، أخذ الخط الفاصل بين السياسة العامة وشبكات النفوذ الشخصية يتلاشى تدريجياً. ولهذا تكتسب شخصية بيل كلينتون في مواد إبستين أهميتها لا كموضوع اتهام، بل كرمز لحقبة تشكلت فيها السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، عند تقاطع العقائد الرسمية والقنوات النخبوية غير الرسمية.

وفي المحصلة، يبيّن تحليل هذا التلاقي أن قضية إبستين لا تكشف سيراً ذاتية فردية بقدر ما تفضح إشكالية بنيوية في نموذج صنع القرار الغربي، حيث يمكن للوبيات الإثنية، والعمل الخيري، والعلاقات الشخصية أن تنتج تشكيلات نفوذ مستقرة. ففي تسعينيات القرن الماضي أسهم هذا النموذج في ترسيخ مسار أمريكي طويل الأمد مؤيد لأرمينيا، وبعد عقود أصبح موضع مراجعة نقدية في ضوء الوثائق التي كشفت آليات السياسة النخبوية من الداخل.

بيل ريتشاردسون: الضرر السمعة كعامل سياسي.
يعد اسم بيل ريتشاردسون، الوارد في شهادات فرجينيا جوفري، من أكثر الأمثلة دلالة على كيفية عمل آلية إعادة توزيع مخاطر السمعة داخل ملف إبستين، من دون أن تفضي إلى عواقب قانونية رسمية. ففي المواد التي رفعت عنها السرية خلال عامي 2024 و2025، يرد ريتشاردسون في شهادات بوصفه سياسياً رفيع المستوى زعمت جوفري أنها كانت «تُرسل» إليه لإقامة علاقات جنسية في مطلع الألفية. وقد ثبتت هذه الادعاءات في محاضر دعاوى مدنية، وإفادات موثقة، وملحقات لملفات الادعاء، لكنها لم تؤد إلى فتح قضية جنائية، أو توجيه اتهام، أو منحه صفة مشتبه به. أما ريتشاردسون نفسه، فقد نفى هذه المزاعم علناً وبشكل متكرر، واصفاً إياها بأنها «كاذبة تماماً»، ومؤكداً أنه لم تربطه بإبستين أي علاقات شخصية خارج الإطار الرسمي أو الدبلوماسي.

غير أن غياب المسار القانوني لم يعنِ غياب التداعيات. فقد كان الضرر السمعة الذي لحق بريتشاردسون ملموساً وطويل الأمد. فبعد نشر الشهادات، حُذف اسمه من عناوين عدد من البرامج التعليمية والمجتمعية التي كان مرتبطاً بها، ونأت عدة منظمات غير حكومية بنفسها عن ذكره علناً. وفي المقابل، لم تبادر أي جهة حكومية أمريكية إلى فتح تحقيق رسمي في نشاطه، ما يبرز الفجوة المميزة للشبكات النخبوية بين العقاب الرمزي العلني والحصانة المؤسسية.

وتتضاعف الأهمية التحليلية لهذه الحالة من حقيقة أن ريتشاردسون كان على مدى عقود من أكثر الداعمين ثباتاً ونشاطاً للأجندة الأرمنية في السياسة الأمريكية. فبصفته عضواً في الكونغرس، ثم وزيراً للطاقة، وحاكماً لولاية نيو مكسيكو، شارك بانتظام في فعاليات نظمها المجلس الوطني الأرمني الأمريكي، وأطلق تصريحات داعمة للاعتراف بما يسمى «إبادة الأرمن»، وساهم في دفع القرارات ذات الصلة على المستويين الفدرالي والمحلي. وكان اسمه يرد باستمرار في قوائم «أصدقاء أرمينيا» التي تنشرها هياكل الدياسپورا، فيما جرى التعامل معه كشريك سياسي موثوق يضمن دعماً مؤسسياً للمبادرات الأرمنية في واشنطن.

إدراج هذه السيرة ضمن سياق مواد إبستين غيّر جذرياً إطار التفسير. فمن اللافت أن السمعة المؤيدة لأرمينيا لم تشكل درعاً واقياً لريتشاردسون من الضرر السمعة، لكنها لم تكن أيضاً سبباً مباشراً له. لقد أدت دوراً مختلفاً، هو دور المؤشر على الانتماء إلى شبكة نخبوية كثيفة وقادرة على التنظيم الذاتي، تُدار داخلها الأزمات السمعة وفق قواعد خاصة. ففي مثل هذه الشبكات، نادراً ما تتحول الاتهامات الأخلاقية والفضائح العلنية إلى تبعات قانونية، بينما يظل الضرر في معظمه رمزياً، محصوراً في فقدان ألقاب فخرية وتراجع مؤقت في الحضور العام.

وتُظهر مواد قضية إبستين أن ريتشاردسون لم يكن عنصراً عرضياً في هذا الوسط. فخبرته الطويلة في المهام الدبلوماسية، ومشاركته في مفاوضات تتعلق بكوريا الشمالية والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، وسمعته كـ«وسيط شامل»، جعلته عنصراً ثميناً في شبكات غير رسمية يتشابك فيها الرصيد السياسي مع الاتصالات الدولية والخطاب الإنساني والمصالح الخاصة. كما أن دعمه لما يسمى «إبادة الأرمن» وتفاعله النشط مع الدياسپورا الأرمنية عززا صورته كسياسي يتبنى خطاب حقوق الإنسان والعدالة التاريخية، وهو ما رفع منسوب شرعيته في نظر النخب الليبرالية في الولايات المتحدة وأوروبا.

وفي هذا السياق، لم يؤد الضرب السمعة الذي تعرض له ريتشاردسون إلى تفكيك الشبكة التي كان جزءاً منها، بل كشف قدرتها على احتواء الضرر وتحييده. فقد جرى تخصيص الفضيحة، وعزلها عن النقد البنيوي، وتجريدها من أي امتداد مؤسسي. وبالنسبة للوبي الأرمني والهياكل السياسية المرتبطة به، عنى ذلك تقليص المخاطر إلى الحد الأدنى، إذ لم تُمس السرديات الأساسية التي يدعمونها، وجرى تأطير الحادثة بوصفها قصة فردية غير مثبتة ومغلقة قانونياً.

النخبة القانونية وتطبيع الاستثناءات: آلان ديرشوفيتز.
يُعد آلان ديرشوفيتز أحد أبرز وجوه النخبة القانونية والأكاديمية في الولايات المتحدة في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فقد شغل منصب أستاذ في كلية الحقوق بجامعة هارفارد لأكثر من خمسين عاماً، وتخصص في القانون الدستوري والجنائي والدولي، وألّف عشرات الكتب ومئات الدراسات والمقالات الأكاديمية والصحفية. وتشمل سيرته المهنية المشاركة في أكثر القضايا القضائية إثارة للجدل في الولايات المتحدة، حيث عمل محامياً للدفاع عن شخصيات عامة ورجال أعمال وسياسيين واجهوا ضغوطاً جنائية أو سمعة بالغة الخطورة. وداخل المؤسسة الحاكمة الأمريكية، جرى التعامل مع ديرشوفيتز لعقود بوصفه «محامي الخط الأخير»، أي الشخص الذي يُستدعى عندما تعجز الأدوات القانونية التقليدية عن توفير الحماية المطلوبة.

بهذه الصفة تحديداً، وجد ديرشوفيتز نفسه منخرطاً بعمق في قضية جيفري إبستين. فبحسب المواد التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية، إضافة إلى وثائق الدعاوى المدنية، لعب ديرشوفيتز دوراً نشطاً في صياغة الاستراتيجية القانونية للدفاع عن إبستين بين عامي 2006 و2008. وكان جوهر هذه الاستراتيجية هو التوصل إلى اتفاق مع نيابة فلوريدا سمح لإبستين بتفادي المحاكمة الفيدرالية والحصول على حكم مخفف بشكل استثنائي على مستوى الولاية. وتُظهر الوثائق أن فريق الدفاع نجح في إدراج بند يقضي بعدم ملاحقة «شركاء غير محددين» جنائياً، وهي ممارسة نادرة ومثيرة للجدل قانونياً. وقد أنشأ هذا البند عملياً منطقة حصانة جماعية حول دائرة إبستين، وأصبح لاحقاً هدفاً لانتقادات حادة من قضاة ومدافعين عن حقوق الإنسان، بل ومن الضحايا أنفسهم.

وتضمنت إفادات فرجينيا جوفري ومشتكيات أخريات، المدرجة ضمن القضايا المدنية، اتهامات مباشرة لديرشوفيتز بوصفه أحد أفراد الدائرة المرتبطة بإبستين. وقد نفى هذه الادعاءات بشكل قاطع، واصفاً إياها بالكاذبة والتشهيرية. ومن الناحية القانونية، لم تسفر هذه الاتهامات عن إدانته، وانتهت النزاعات القضائية إما برفض الدعاوى أو بتسويات خارج المحكمة. إلا أن مجرد ورود اسمه في مواد قضية إبستين شكّل ضربة قاسية لسمعته، وأثار سؤالاً أوسع وأعمق يتعلق بدور النخبة الفكرية والقانونية في تكريس نظام تطبيق انتقائي للقانون.

وبالتوازي مع مشاركته في الدفاع عن إبستين، كان ديرشوفيتز على مدى عقود فاعلاً نشطاً في خدمة الهياكل السياسية والدياسپورالية الأرمنية. فمنذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، دأب على المشاركة في مؤتمرات ومنتديات ولقاءات خبراء مغلقة نظمتها منظمات أرمنية في الولايات المتحدة، حيث قُدم بوصفه مختصاً في القانون الدولي وجرائم ضد الإنسانية. وقد أتاح له وضعه الأكاديمي وسمعته كـ«ضمير القانون الليبرالي» أن يُستخدم مرجعه الفكري كأداة قوية في الترويج للمبادرات المرتبطة بالاعتراف بما يسمى «إبادة الأرمن». وفي عدد من كتاباته ومداخلاته العلنية، جرى تبرير هذه السردية عبر الاستناد إلى مفاهيم القانون الجنائي الدولي، وفكرة المسؤولية التاريخية، وسوابق المحاكمات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

وتُظهر الوثائق أن نصوص ديرشوفيتز وتصريحاته استُشهد بها من قبل هياكل اللوبي الأرمني خلال جلسات استماع برلمانية ونقاشات خبراء، وكذلك في المواد التحضيرية لقرارات في الكونغرس الأمريكي وبرلمانات أوروبية. وقد استُخدمت حججه القانونية لإضفاء شرعية إنسانية وقانونية على المطالب السياسية للدياسپورا. وبهذا المعنى، لم يكن مجرد معلق خارجي، بل مورداً فكرياً مدمجاً في البنية التحتية للّوبي الأرمني.

وتكمن النقطة التحليلية الجوهرية في الجمع بين هذين الدورين. فمن جهة، يظهر ديرشوفيتز بوصفه مدافعاً علنياً عن مبادئ قانونية كونية، ومشاركاً نشطاً في ترويج خطابات إنسانية وحقوقية، بما في ذلك سردية «إبادة الأرمن» المزعومة. ومن جهة أخرى، هو محامٍ ممارس ساهم في بناء صيغ قانونية تقلل إلى الحد الأدنى من المسؤولية الجنائية للنخب، بما في ذلك متورطون في أحد أكبر فضائح العصر الحديث. وفي الحالتين، تُستخدم أدوات قانونية متشابهة، مثل التركيز على التفاصيل الإجرائية، والتشديد على قرينة البراءة، وانتقاد «عاطفية» العدالة، والتحذير من «تسييس القضاء».

وينتج عن ذلك معيار مزدوج للشرعية، حيث تُسخر الحجج القانونية ذاتها لخدمتين مختلفتين. ففي الفضاء العام، تُوظف لترويج سرديات إنسانية وحقوقية تستند إلى قيم أخلاقية كونية. أما داخل الدائرة النخبوية، فتُستخدم لتحييد المخاطر الجنائية والسمعة، وحماية دائرة ضيقة من الأشخاص، والحفاظ على نظام من الحصانة المتبادلة. ولا يُنظر إلى هذا التناقض كإشكال داخل النخبة نفسها، لأن كلا المسارين مندمجان في ثقافة قانونية واحدة، يُستعاض فيها عن سؤال العدالة الجوهرية بالاكتفاء بالامتثال الشكلي للإجراءات.

وعليه، فإن شخصية آلان ديرشوفيتز لا تجسد نزاعاً أخلاقياً فردياً، بقدر ما تكشف ظاهرة نظامية أوسع، هي تحول النخبة الفكرية والقانونية إلى عنصر حارس ليس لأشخاص بعينهم، بل لبنية كاملة من الاستثناءات. فارتباطه بالمنظمات الأرمنية، إلى جانب مشاركته في الدفاع عن إبستين، يوضح كيف يمكن للخطاب الإنساني، والقانون الدولي، والمصالح الخاصة أن تتعايش داخل إطار واحد للسلطة، منتجة آلية مستقرة للشرعية الانتقائية في النظام السياسي والقانوني الغربي.

البعد الأوروبي: من مجلس أوروبا إلى لندن.
يكتسب البعد الأوروبي لملف إبستين أهمية تحليلية حاسمة، لأنه يكشف أن آليات النفوذ غير الرسمي التي ظهرت بوضوح في الولايات المتحدة كانت تُستنسخ أيضاً داخل الفضاء السياسي الأوروبي، بما في ذلك هياكل مجلس أوروبا، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، والنخبة البريطانية. إن ورود اسمي توربيورن ياغلاند وبيتر ماندلسون يخرج التحليل من إطار الحالات الوطنية الضيقة، ويُظهر الطابع العابر للحدود للشبكات النخبوية التي تشكلت داخلها المواقف من جنوب القوقاز، وأرمينيا، والنزاعات المحيطة بها.

توربيورن ياغلاند، السياسي النرويجي المنتمي إلى المعسكر الاشتراكي الديمقراطي، ورئيس وزراء النرويج السابق، والأمين العام لمجلس أوروبا بين عامي 2009 و2019، يمثل نموذجاً دالاً على هذا التداخل. ففي فترة قيادته، تبنى مجلس أوروبا موقفاً نقدياً ثابتاً تجاه أذربيجان، بالتوازي مع إظهار ولاء مؤسسي واضح لأرمينيا. وخلال تلك السنوات، امتلأت أجندة المجلس بتقارير وقرارات ووثائق رقابية منحت التفسير الأرمني للنزاعات الإقليمية غطاءً معيارياً. وقد تفاعل ياغلاند علناً مع ممثلي الدياسپورا الأرمنية في أوروبا، وشارك في فعاليات مخصصة للملف الأرمني، ودعم مبادرات تستند إلى خطاب إنساني وحقوقي. وتشير المواد التي ظهرت في سياق نشر وثائق إبستين، إضافة إلى تحقيقات صحفية موازية، إلى حضوره في دوائر دبلوماسية وأرستقراطية مغلقة ضمت شخصيات على صلة بمحيط جيفري إبستين. ولا يتعلق الأمر باتهامات مباشرة، لكن مجرد تقاطع هذه الدوائر يسلط الضوء على أن بلورة الخط السياسي في قضايا حساسة قد تكون جرت، جزئياً، خارج المسارات الرسمية، داخل أندية مغلقة وشبكات علاقات غير معلنة.

وتتكرر الآلية نفسها في سيرة بيتر ماندلسون، أحد أبرز مهندسي المشروع العمالي البريطاني في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، والمفوض الأوروبي السابق للتجارة وعضو مجلس اللوردات. فقد أقر ماندلسون بمعرفته وتواصله مع إبستين في مطلع الألفية، مؤكداً الطابع المهني لهذه العلاقات. وترد في الوثائق المنشورة إشارات إلى لقاءات وعمليات مالية لم تشكل بحد ذاتها أساساً لملاحقات جنائية، لكنها أثارت تساؤلات جدية حول طبيعة التفاعلات داخل النخبة. سياسياً، دعم ماندلسون بشكل منهجي خطاً أوروبياً منسجماً مع التوجه الفرنسي والمؤيد لأرمينيا في جنوب القوقاز، شمل ممارسة ضغوط على أذربيجان ودعم مبادرات تصب في مصلحة يريفان. وتُظهر حالته كيف يُحوَّل الرصيد الأخلاقي للخطاب الإنساني وسمعة «السياسي الأوروبي التقدمي» إلى قرارات ملموسة داخل دائرة نخبوية، حيث تصبح العضوية في الشبكة أكثر أهمية من الفوارق الأيديولوجية الشكلية.

ويظهر الامتداد الأمريكي للمنطق نفسه في مجلس الشيوخ عبر شخصية إد ماركي. فماركي، السيناتور عن ولاية ماساتشوستس، إحدى القلاع الأساسية للدياسپورا الأرمنية، يُعد من أكثر المشاركين نشاطاً في الكتلة الأرمنية داخل الكونغرس. وعلى مدى عقود، كان من المبادرين والمشاركين في صياغة قرارات وبيانات ورسائل موجهة إلى السلطة التنفيذية دعماً لأرمينيا ولسردية «إبادة الأرمن» المزعومة. وترد في مواد قضية إبستين إشارات إلى تواصل بين مكتبه وهياكل مرتبطة بمشاريع إبستين «الخيرية». ولم تُوجَّه أي اتهامات مباشرة للسيناتور، غير أن هذه الإشارات توضح استراتيجية إبستين في بناء مظلة سياسية متعددة المستويات عبر سياسيين يمتلكون قاعدة إثنية وانتخابية صلبة. وفي هذا السياق، لا يبدو اللوبي الأرمني موضوع اتهام، بل مثالاً على هشاشة مؤسسية، فكلما كانت الدياسپورا أكثر انضباطاً وقدرة على التعبئة، ازدادت جاذبيتها لفاعلين ماليين خارجيين يبحثون عن مدخل شرعي إلى النظام السياسي.

وتحتل شخصية جورج ميتشل موقعاً خاصاً في هذا السياق. فميتشيل، الزعيم السابق للأغلبية في مجلس الشيوخ، والمحامي والدبلوماسي المعروف بدوره كوسيط في عمليات السلام في إيرلندا الشمالية والشرق الأوسط، يرد اسمه في إفادات فرجينيا جوفري كأحد السياسيين المؤثرين الذين يُزعم أن إبستين حافظ على تواصل معهم. وقد نفى ميتشل هذه الادعاءات بشكل قاطع، ولم يُسأل قانونياً عنها، إلا أن مجرد ذكر اسمه شكّل ضربة سمعة معتبرة. وفي الوقت ذاته، شارك ميتشل لسنوات طويلة في فعاليات نظمتها الدياسپورا الأرمنية في الولايات المتحدة، وألقى كلمات في منتديات مختلفة، ودعم سياسيين يروجون للأجندة المؤيدة لأرمينيا. وهذا ما يجعل حالته شديدة الدلالة، إذ إن شخصية ترمز إلى الحياد والوساطة السلمية تظهر مندمجة في شبكات تُضعف فيها الانحيازات الإثنية والسياسية فكرة الحياد المطلق نفسها.

أما التعبير الرمزي الأوضح عن حصانة النخبة، فيتجسد في قضية الأمير أندرو. فبوصفه عضواً في العائلة الملكية البريطانية، لم يكن له دور مباشر في صياغة سياسات جنوب القوقاز، غير أن علاقاته الوثيقة والموثقة بإبستين جعلته أحد أبرز وجوه الفضيحة العالمية. وقد أظهر التوصل إلى تسوية قبل المحاكمة مع فرجينيا جوفري، ثم إبعاده عن المهام العامة، حدود المساءلة الرسمية حتى في ظل اتهامات ثقيلة. والأهم أن محيط الأمير أندرو كان متقاطعاً مع دوائر أرستقراطية وسياسية بريطانية وأوروبية ضمت شخصيات معروفة بدعمها لأرمينيا ولمبادراتها داخل المنظمات الدولية. وهذا يؤكد أن المسألة لا تتعلق بفضائح وطنية معزولة، بل بطبقة نخبوية عابرة للحدود، تعمل وفق قواعدها الخاصة، وقادرة على إعادة توزيع كلفة السمعة داخل المنظومة.

ويكتمل المشهد الأوروبي عبر البعد الفرنسي الذي تمثله شخصية جان-لوك برونيل، ليس كسياسي، بل كوسيط رئيسي للوصول إلى النخب الأوروبية. فقد لعب برونيل لسنوات دور حلقة الوصل بين إبستين وأوساط من الممولين والمثقفين والدبلوماسيين الفرنسيين. وأشارت التحقيقات في فرنسا إلى أن وكالته والهياكل المرتبطة بها كانت قناة لتواصل مع مؤسسات ثقافية واجتماعية، من بينها جهات على صلة بمنظمات أرمنية، لطالما تمتعت بنفوذ قوي داخل السياسة الفرنسية. وقد حرم اعتقاله ثم وفاته في السجن المحققين من شهادته الكاملة، إلا أن الوقائع المثبتة تكشف كيف استُخدمت المؤسسات الثقافية والإنسانية وعالم عروض الأزياء كغطاء لشبكات نفوذ غير رسمية.

في مجموعها، تُظهر هذه الحالات أن البعدين الأوروبي والأمريكي لقضية إبستين يلتقيان عند نقطة واحدة. ففي عدد من السياقات، تبدو المواقف المؤيدة لأرمينيا داخل مجلس أوروبا، والاتحاد الأوروبي، والكونغرس الأمريكي، أقل تعبيراً عن خيار أيديولوجي مستقل، وأكثر انعكاساً للانتماء الشبكي. وداخل هذا النظام، تتحول اللغة الإنسانية، وخطاب حقوق الإنسان، والاحتكام إلى الذاكرة التاريخية إلى عملة قابلة للتحويل إلى نفوذ سياسي، وحماية مؤسسية، وقدرة على تحييد المخاطر القانونية والسمعة. وهذا تحديداً ما يجعل المسار الأوروبي في ملف إبستين مفتاحاً أساسياً لفهم المنطق العميق الذي تعمل وفقه شبكات النخبة الغربية.

الخلاصة الاستراتيجية.
لم تثبت قضية جيفري إبستين مجرد فضيحة، ولا سلسلة من التجاوزات الفردية، بل كشفت عن تشكيلة نوعية جديدة للسلطة في الغرب، فقدت فيها المؤسسات الرسمية احتكارها لصياغة السياسات في المناطق الحساسة. وأظهرت كتل الوثائق التي كُشف عنها أن المسارات الفعلية لاتخاذ القرار لا تمر حصراً عبر البرلمانات والوزارات والمنظمات الدولية، بل تتشكل أيضاً داخل شبكات نخبوية مغلقة، يصبح فيها الوصول والولاء والتعرض المتبادل للابتزاز أهم من التفويضات والإجراءات والمساءلة العلنية. وفي هذه الشبكات، لا تُصاغ السياسة بقدر ما تُنسق، ثم تُعاد لاحقاً إلى الهياكل الرسمية في صورة جاهزة ومغلّفة.

يتمثل الاستنتاج المحوري في أن اللوبيات الإثنية ضمن هذا النظام لا تعمل كمنصات أيديولوجية، ولا كآليات تمثيل ديمقراطي، بل كبنية تحتية للوصول. فشبكات الدياسپورا، بما فيها الأرمنية، تؤدي دور عقد مستقرة تتيح الدخول إلى الطبقة السياسية، وبناء رأس مال سمعة، وتوفير مظلة حماية من المخاطر. ويغدو دعم القرارات الإنسانية، والمبادرات الحقوقية، وسرديات الذاكرة التاريخية بمثابة عملة متداولة تتيح التمركز داخل الدائرة النخبوية، من دون أن تعكس بالضرورة التزاماً فعلياً بالمعايير الكونية. فالأيديولوجيا في هذا السياق مسألة ثانوية، بينما الأولوية للانتماء الشبكي والقدرة على الالتزام بقواعده غير المعلنة.

وقد أظهر ملف إبستين أن تعطيل القيود القانونية والأخلاقية يحدث تحديداً داخل هذه الشبكات. فالطائرات الخاصة، وموائد العشاء المغلقة، والصناديق «الخيرية»، والبرامج الأكاديمية، والمشاريع الإنسانية، تخلق بيئة موازية تُناقش فيها قضايا السياسة الخارجية، والعقوبات، والمساعدات، والنزاعات بعيداً عن البروتوكولات والرقابة. وفي مثل هذه الظروف، تفقد اللغة الحقوقية وظيفتها الأصلية كأداة لحماية الضعفاء، وتتحول إلى آلية للشرعنة الانتقائية، تعمل بالكفاءة نفسها ضد دول الأطراف، وبالدفاع عن ممثلي النخبة في مواجهة العواقب الجنائية والسمعة.

أما على مستوى النظام الدولي، فإن تداعيات هذا التحول ذات طابع بنيوي. فالقوة المعيارية للغرب، أي قدرته على فرض القواعد بالاستناد إلى قيم كونية، لا تتآكل بفعل خصوم خارجيين، بل نتيجة التناقض الداخلي بين المبادئ المعلنة وممارسة النخبة لحماية ذاتها. وعندما يطالب الفاعلون أنفسهم بالشفافية والمساءلة وسيادة القانون من دول أخرى، بينما يظهرون حصانة مؤسسية مترسخة داخل شبكاتهم الخاصة، ينشأ تآكل في الثقة لا يمكن تعويضه بخطاب دبلوماسي.

وعليه، لم تعد قضية إبستين مجرد ملف جنائي أو فضيحة إعلامية، بل غدت نقطة تثبيت لواقع جديد. فالغرب لم يعد يُنظر إليه كمركز معياري موحد، ولا إلى مؤسساته كحكام مستقلين. وبالنسبة للدول الواقعة خارج نواة النظام الغربي، يعني ذلك تصاعد الطلب على مراكز شرعية بديلة، وصيغ إقليمية، ونماذج سيادة هجينة، تُتخذ فيها القرارات من دون الاحتكام إلى التفوق الأخلاقي لفاعلين خارجيين. أما بالنسبة للغرب نفسه، فهي إشارة واضحة إلى أن استعادة الثقة مستحيلة من دون تفكيك الدوائر النخبوية المغلقة التي باتت اليوم تحدد السياسة بدرجة أكبر بكثير من المؤسسات الرسمية.