عندما دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولايته الثانية، لم يقدّم للرأي العام مجرد برنامج سياسات، بل روّج لسردية تاريخية كاملة. تحدث عن «عصر ذهبي جديد» وعن استعادة نهائية للهيمنة الاقتصادية والصناعية والجيوسياسية للولايات المتحدة. وبعد مرور عام، يؤكد البيت الأبيض أن الوعد تحقق: الاقتصاد ينمو بوتيرة قياسية، دخول الأميركيين ترتفع، التضخم تمت السيطرة عليه، وأميركا عادت لفرض قواعدها على العالم.
لكن التحليل الاستراتيجي لا يقوم على الشعارات، بل على مقارنة الخطاب بالوقائع. وهنا تحديداً يظهر شرخ بنيوي بين الرواية السياسية والواقع الاقتصادي.
نمو بلا طفرة: البنية، الدوافع، والمخاطر.
الركيزة الأساسية في خطاب الإدارة هي الحديث عن «طفرة اقتصادية غير مسبوقة». غير أن المؤشرات الكلية الفعلية في عام 2025 ترسم صورة مختلفة. فقد بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.1 في المئة فقط، وهو مستوى يلامس حدود الركود أكثر مما يعكس طفرة حقيقية، فيما تشير التوقعات للأعوام 2026–2027 إلى بقاء النمو حول 2 في المئة. هذه الأرقام أدنى من متوسط النمو في الدورة الرئاسية السابقة بين 2021 و2024، حين تراوح المعدل السنوي بين 3 و3.3 في المئة.
هذا التناقض بين الخطاب والواقع ليس تفصيلاً تقنياً، بل مسألة جوهرية. فالاقتصاد الأميركي لم يدخل مرحلة تسارع ما بعد الأزمات، بل انتقل إلى حالة تباطؤ قصوري. نحن أمام ما يُعرف بـ«النمو بلا طفرة»، حيث تبقى المؤشرات الإجمالية إيجابية شكلياً، لكنها لا تعكس توسعاً هيكلياً ولا تحسناً في الإنتاجية.
نمو عام 2025 جاء غير متوازن قطاعياً بشكل واضح. نحو 65 في المئة من الزيادة في الناتج المحلي تحققت بفضل الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وصناعة أشباه الموصلات. شركات عملاقة مثل إنفيديا، مايكروسوفت، أمازون، غوغل وآبل استحوذت على أكثر من 80 في المئة من إجمالي الاستثمارات الرأسمالية في هذا المجال، ما خلق نمواً إحصائياً لا يمتد أثره الحقيقي إلى بقية الاقتصاد.
في المقابل، سجّلت القطاعات التقليدية، من الصناعة التحويلية إلى البناء والنقل والمشروعات الصغيرة، ركوداً أو تراجعاً فعلياً. إنتاج المعدات انخفض بنسبة 0.7 في المئة، وقطاع البناء تراجع 1.2 في المئة، فيما فقد قطاع الأعمال الصغيرة نحو نصف مليون وظيفة مقارنة بعام 2024.
الصورة العامة تكشف اقتصاداً يتركز نموه حول عدد محدود من الشركات العملاقة، بينما تعمل بقية المنظومة عند حدود طاقتها القصوى دون زخم حقيقي.
هذا الخلل، إلى جانب احتكار الاستثمارات التكنولوجية، عمّق فجوة الدخل. الفارق بين أعلى وأدنى شرائح الدخل بلغ مستوى تاريخياً غير مسبوق، حيث يزيد دخل العشر الأعلى ثمانية عشر ضعفاً عن العشر الأدنى. في الوقت نفسه، لم يتجاوز متوسط نمو الأجور 1.3 في المئة، وهو مستوى لا يعوّض حتى التضخم المعتدل البالغ 2.4 في المئة.
مؤشر ثقة المستهلك تراجع بدوره من 115 نقطة مطلع 2025 إلى 98 نقطة في نهاية العام، ما يعكس تشاؤماً متزايداً لدى الأسر الأميركية حيال المستقبل الاقتصادي.
صحيح أن سوق الأسهم يواصل تسجيل ارتفاعات في مؤشري ناسداك وستاندرد آند بورز، لكن هذا الصعود يحمل طابعاً مضاربياً واضحاً. فشركات التكنولوجيا الكبرى باتت تشكل أكثر من 32 في المئة من القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز، ما يجعل السوق شديدة الهشاشة أمام أي صدمة تكنولوجية. مؤسسات مالية كبرى حذرت من ملامح «فقاعة تكنولوجية من الجيل الثاني» تذكّر بسنوات 1999–2000.
إلى ذلك، تجاوز الدين على الشركات 13.5 تريليون دولار، بزيادة سنوية قدرها 6 في المئة، ما يرفع مخاطر الاختناق المالي في حال تشديد السياسة النقدية.
اقتصاد الولايات المتحدة في 2025 لا يعيش طفرة، بل نمواً غير متناظر قائماً على اعتماد تكنولوجي ضيق. هذا النمو لا يستند إلى طلب داخلي واسع ولا إلى تحديث شامل للقاعدة الإنتاجية، بل إلى تضخيم قيمة عدد محدود من الشركات المستثمرة في الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية.
إذا استمرت هذه المعادلة، فقد تواجه البلاد بين 2026 و2027 ركوداً هيكلياً: نمو بلا وظائف، بلا ابتكار واسع، وبلا قيمة مضافة حقيقية. وبدلاً من «عقد ذهبي للريادة التكنولوجية»، قد تدخل الولايات المتحدة مرحلة من اللامساواة الرقمية وثقافة الاستثمار الأحادي، حيث يستفيد فقط عدد ضيق من النخب corporate.
الرسوم الجمركية كضريبة مقنّعة: البنية، التداعيات، والآثار المالية.
السياسة الجمركية أصبحت الأداة المركزية في الاستراتيجية الاقتصادية للرئيس ترامب. في منطق «القومية الاقتصادية» الذي يتبناه البيت الأبيض، تُقدَّم الرسوم على الواردات كوسيلة لتعزيز الخزينة وإعادة توزيع الثروة من المنتجين الأجانب لصالح الدولة الأميركية. لكن الواقع يُظهر أن هذه الرسوم ليست سوى ضريبة خفية تطال المستهلك والشركات في الداخل قبل أي طرف خارجي.
منذ عام 2025، رفعت الإدارة الرسوم على طيف واسع من السلع المستوردة، من الصلب والألمنيوم إلى الإلكترونيات والسيارات والأجهزة المنزلية والمنسوجات. متوسط الرسوم ارتفع من 11 في المئة عام 2023 إلى 27 في المئة عام 2025، ووصل على بعض الواردات الصينية والمكسيكية إلى ما بين 60 و100 في المئة. الإيرادات الجمركية الفيدرالية تجاوزت 125 مليار دولار، بزيادة 45 في المئة عن العام السابق.
غير أن عبء هذه السياسة لم يقع على المنتجين الأجانب، بل على المستوردين الأميركيين وتجار التجزئة والمستهلكين. التقديرات تشير إلى أن نحو 93 في المئة من كلفة الرسوم يتحملها الاقتصاد الأميركي نفسه.
الرسوم تعمل كضريبة استهلاك رجعية، حيث تدفع الأسر ذات الدخل المنخفض نسبة أكبر من دخولها نتيجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية. فقد ارتفعت أسعار الإلكترونيات والسيارات بين 7 و9 في المئة، والملابس والأحذية بين 5 و6 في المئة، ومواد البناء بنحو 12 في المئة.
هذا الارتفاع في التكاليف انعكس على تنافسية الإنتاج المحلي. التضخم بلغ 2.8 في المئة، متجاوزاً المستوى المستهدف، بينما لم ترتفع الدخول الحقيقية إلا بنسبة 1.4 في المئة، ما أدى عملياً إلى خنق الطلب لدى الشرائح الدنيا.
على مستوى الشركات، كانت الخسائر أوضح. الرسوم خفضت وتيرة الاستثمار الصناعي بأكثر من نقطتين مئويتين، كما تكبّد المصدّرون الأميركيون خسائر كبيرة بفعل الإجراءات الانتقامية من الشركاء التجاريين. القطاع الزراعي كان الأكثر تضرراً، حيث تراجع تصدير المحاصيل واللحوم بأكثر من خمس القيمة السنوية، ما أجبر الحكومة على ضخ مليارات الدولارات في شكل دعم مباشر.
بهذا المعنى، تحولت السياسة الجمركية إلى آلية لإعادة توزيع قسرية: الدولة تجبي «ضريبة جمركية» من المواطنين والشركات عبر ارتفاع الأسعار، ثم تعيد جزءاً منها على شكل إعانات للقطاعات المتضررة من سياساتها نفسها.
الرسوم لم تُنعش الصناعة ولم تؤسس لاستدامة مالية حقيقية. هي رفعت إيرادات الخزينة مؤقتاً، لكنها أضعفت كفاءة الإنتاج، خفّضت النمو، وضاعفت الضغوط التضخمية.
في الجوهر، تمثل سياسة ترامب الجمركية شكلاً مقنّعاً من الضرائب، جرى تسويقه كأداة للنهضة الوطنية. لكنها عملياً عملت كضريبة رجعية كبحت الاستهلاك، أضرت بالصادرات، وأثقلت كاهل الأسر الأميركية ورواد الأعمال، مانحة الاقتصاد سراباً مالياً بدل درعٍ حمائي حقيقي.
سوق العمل: وهم الازدهار والتآكل البنيوي للتوظيف.
تعتمد خطابـات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل مكثف على أرقام البطالة ومستويات التوظيف باعتبارها دليلاً على «إحياء العمل الأميركي». في الرواية الرسمية للبيت الأبيض، يُقدَّم ذلك كبرهان على نجاح السياسات الحمائية و«عكس مسار نزع التصنيع». غير أن معطيات عام 2025 الكلية تكشف صورة مغايرة تماماً: سوق العمل يعيش حالة ركود مقنّع خلف مؤشرات تبدو مستقرة ظاهرياً.
معدل البطالة بلغ في ديسمبر 2025 نحو 4.2 في المئة، وهو رقم يوحي للوهلة الأولى بسوق عمل «صحي». لكن هذا المؤشر يخفي اختلالات هيكلية عميقة. فعند استبعاد الوظائف المستحدثة في الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والقطاع الحكومي، يتبين أن القطاع الخاص يسجل أضعف وتيرة خلق وظائف خلال عقد كامل، باستثناء عام الجائحة 2020 وأزمة 2023.
صافي الوظائف الجديدة في القطاع الخاص خلال 2025 لم يتجاوز 1.1 مليون وظيفة، أي أقل بنحو النصف مقارنة بمتوسط 2022–2023 الذي تراوح بين مليونين و2.2 مليون وظيفة سنوياً. أما حصة القطاعات الإنتاجية، كالصناعة والبناء، فانخفضت إلى أقل من 8 في المئة من إجمالي الوظائف الجديدة.
وعلى عكس وعود «إعادة الوظائف من الخارج» وإحياء القاعدة الصناعية، سجّل قطاع التصنيع الأميركي تراجعاً فعلياً. إنتاج الهياكل المعدنية انخفض 2.3 في المئة، وصناعة السيارات 1.7 في المئة، فيما تراجعت الماكينات والمعدات الكهربائية 1.1 في المئة. المؤشر الصناعي العام أظهر انكماشاً سنوياً يقارب 0.8 في المئة، مع فقدان عشرات الآلاف من الوظائف في التصنيع والبناء والنقل والخدمات اللوجستية.
هذا التراجع ليس عرضياً، بل نتيجة مباشرة لارتفاع كلفة المواد الأولية والمكوّنات بسبب الرسوم الجمركية، إضافة إلى نقص اليد العاملة الناتج عن تشديد سياسات الهجرة وتقليص تأشيرات العمل المؤقتة. النتيجة كانت تقلص عرض العمل في القطاعات منخفضة ومتوسطة المهارة بنسبة ملحوظة.
ورغم الحفاظ الشكلي على معدلات التوظيف، فإن جودة الوظائف تتدهور. أكثر من 38 في المئة من الوظائف الجديدة في 2025 تركزت في خدمات منخفضة الأجر مثل رعاية المسنين، التخزين، التوصيل، التنظيف، وتجارة التجزئة. متوسط الأجر في هذه القطاعات لا يتجاوز 17 إلى 19 دولاراً في الساعة، أي أقل بنحو ربع المتوسط العام للاقتصاد.
الأخطر أن الأجور الحقيقية بالكاد تحركت. بعد احتساب التضخم، لم يزد متوسط الأجور سوى 0.9 في المئة، بينما تراجعت فعلياً في التصنيع والبناء بأكثر من 1 في المئة. هذا يعني أن العامل الأميركي، رغم بقائه في سوق العمل، يفقد قدرته الشرائية، ما يضع الاقتصاد في مسار «التوظيف بلا نمو في الدخل»، وهو نمط مألوف في سيناريوهات الركود التضخمي.
الخطر البنيوي لا يقتصر على الحاضر، بل يمتد إلى المستقبل. نسبة المشاركة في سوق العمل انخفضت من 62.7 في المئة عام 2023 إلى 61.9 في المئة في 2025، ما يعني خروج ملايين الأميركيين من القوة العاملة نحو التقاعد المبكر أو العمل الجزئي أو الانسحاب الكامل. الأكثر إثارة للقلق هو تراجع مشاركة الرجال بين 25 و54 عاماً، العمود الفقري للعمل الصناعي، إلى أدنى مستوى منذ سبعينيات القرن الماضي.
سوق العمل في 2025 يصنع وهماً بالاستقرار يخفي تآكلاً هيكلياً عميقاً. نمو الوظائف في الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية يموّه ضعف القطاع الخاص، وتراجع البطالة الإحصائي يغطي على انحدار العمل الإنتاجي. وبدلاً من «نهضة العامل الأميركي»، نجد انتقالاً قسرياً نحو وظائف خدمية منخفضة الجودة، مع نقص في الكفاءات وتراجع في الدخل الحقيقي. هنا تحديداً يتجلى الواقع الفعلي لسوق العمل، بعيداً عن أرقام البيانات الصحافية.
نمو الثروة بلا رفاه: اقتصاد الأوهام المالية.
أحد أعمدة خطاب إدارة ترامب هو صعود سوق الأسهم، الذي يُقدَّم كدليل على «النهضة الاقتصادية الكبرى». لكن هذا الصعود ليس إلا ظاهرة غير متكافئة اجتماعياً. فهو يعكس تضخم قيمة الأصول لدى شريحة ضيقة من الأسر والشركات كثيفة رأس المال، لا تحسناً في مستوى معيشة الأميركيين عموماً.
أغنى 10 في المئة من الأسر يملكون الغالبية الساحقة من الأصول المالية، فيما لا تكاد الحصة المتبقية للسواد الأعظم من السكان تُذكر. لذلك فإن ارتفاع مؤشر ستاندرد آند بورز في 2025 لم يترجم إلى دخل أعلى لمعظم الأسر التي لا تمتلك استثمارات مباشرة في الأسهم.
العائلة المتوسطة ذات الدخل المحدود لا تستفيد من الرسملة البورصية. على العكس، غالباً ما يترافق صعود الأسواق مع ارتفاع أسعار السكن والخدمات وتكاليف الاقتراض، ما يضغط على جودة الحياة. في المقابل، يؤدي تراكم الاستثمارات لدى النخب الثرية إلى تعميق التركّز المالي، حيث بلغ عدم المساواة في الأصول مستويات تاريخية غير مسبوقة.
بهذا المعنى، تعيش الولايات المتحدة نمواً في الثروة من دون نمو في الرفاه، وهي سمة نموذجية لاقتصاد مالي منفصل عن قاعدته الاجتماعية.
حتى على المستوى الدولي، لم يعد الأداء الأميركي متفوقاً كما يُروَّج. العائد النسبي للأسواق الأميركية في 2024–2025 جاء أدنى من عوائد أسواق ناشئة وأوروبية، فيما شهدت الاستثمارات الأميركية في الخارج ارتفاعاً ملحوظاً، ما يعكس شكوك المستثمرين في استدامة التقييمات الداخلية واعتمادها المفرط على الدعم النقدي.
أما التضخم، فرغم تراجعه عن ذروة ما بعد الجائحة، فإنه بقي ضاغطاً في القطاعات الأساسية. أسعار الغذاء والخدمات والإيجارات واصلت الصعود، مدفوعة بكلفة الرسوم الجمركية ونقص اليد العاملة. الأجور الاسمية ارتفعت، لكن الزيادة الحقيقية ظلت محدودة، ما يعني أن الضغط على ميزانيات الأسر لم يتلاشى.
هذا الواقع يضيّق هامش المناورة أمام السياسة النقدية. فأي تشديد إضافي قد يخنق نمواً اقتصادياً ضعيفاً أصلاً. وهكذا، تتضح صورة اقتصاد يعيش على مؤشرات مالية لامعة، بينما يرزح المجتمع تحت ثقل تكاليف معيشية متصاعدة ودخل حقيقي راكد.
سراب الاستثمار: إعلان سياسي بلا رساميل حقيقية.
من أكثر حلقات الخطاب الاقتصادي للبيت الأبيض هشاشة الحديث عن «تريليونات الدولارات من الاستثمارات المستقبلية» في البنية التحتية والصناعة وتكنولوجيا الطاقة. غير أن الجزء الأكبر من هذه الأرقام لا يتجاوز كونه وعوداً سياسية مسطّرة في مذكرات وتصريحات إعلامية، بلا التزامات تعاقدية ولا جداول تمويل فعلية.
تقديرات مؤسسات تحليلية مستقلة تشير إلى أن أقل من ربع المبادرات الاستثمارية المعلنة خلال عامي 2024–2025 تحوّل إلى مشاريع موقّعة فعلياً، وأن جزءاً محدوداً فقط منها حصل على تمويل حقيقي. التجربة التاريخية، كما في برامج سابقة رُوّج لها بالطريقة ذاتها، تؤكد أن هذا النوع من المبادرات نادراً ما يُنفَّذ بأكثر من أربعين في المئة من حجمه المعلن.
السبب بنيوي وبسيط في آن. الاستثمارات التي تُفرَض بالضغط السياسي أو بالتهديدات الجمركية لا تخلق حوافز اقتصادية، بل تولّد نفوراً وفقداناً للثقة. رأس المال لا يتحرك بالشعارات، بل بالاستقرار والتوقعات الواضحة.
النتيجة كانت مباشرة. الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الولايات المتحدة تراجعت في 2025 إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقد، مع انتقال جزء متزايد من الرساميل إلى أسواق تُعد أكثر قابلية للتنبؤ وأقل تقلباً سياسياً.
اقتصاد 2025 يكشف مفارقة نمو غير متوازن.
الثروة تتركز، لكن الدخول راكدة.
التضخم يتباطأ، لكنه لم يُهزم.
الاستثمارات تُعلن، لكنها لا تتحقق.
خلف ما يُسمّى «الازدهار الاقتصادي» تختبئ حالة من التضخم المالي، حيث ترتفع الرسملة من دون مضمون إنتاجي. الثروة الوطنية تتضخم على الورق، فيما يبقى مستوى معيشة الغالبية ثابتاً أو متآكلاً.
الولايات المتحدة دخلت عملياً مرحلة «طفرة الأوهام»، حيث يصعد مؤشر الأسهم بوتيرة أسرع من الأجور، وتكلفة المعيشة أسرع من الناتج المحلي الإجمالي.
البعد الجيوسياسي للاقتصاد: قيادة منغلقة لا جاذبية عالمية.
في ولايته الثانية، منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب استراتيجيته الاقتصادية بعداً جيوسياسياً صريحاً، محولاً الاقتصاد إلى أداة ضغط ممنهج ونفوذ أحادي. لم تعد سياسة «أميركا أولاً» مجرد شعار انتخابي، بل تحولت إلى عقيدة اقتصادية قائمة على استخدام الرسوم الجمركية والعقوبات والحواجز التجارية كسلاح في السياسة الخارجية.
غير أن لهذه المقاربة ثمناً عكسياً. فهي تسرّع تفكك الاقتصاد العالمي، وتدفع حلفاء واشنطن أنفسهم إلى البحث عن قدر أكبر من الاستقلالية، وإلى تعزيز علاقاتهم مع مراكز قوى بديلة في آسيا والجنوب العالمي والخليج.
على مدى عقود، حافظت الولايات المتحدة على هيمنتها عبر بنية مؤسساتية ليبرالية ضمنت لها التفوق المالي والنقدي. لكن الحروب التجارية والتصعيد الحمائي يقوّضان هذه المنظومة من الداخل. خلال عامي 2024–2025، خفّضت عشرات الدول اعتمادها على الدولار في تجارتها الخارجية، موسّعة استخدام العملات الوطنية والعملات الآسيوية والخليجية.
حتى الحلفاء الأوروبيون باتوا ينتهجون سياسة تنويع منهجية في الطاقة والاستثمار، فيما توسّع دول أخرى شراكاتها التجارية خارج الفضاء الغربي. بهذه الوتيرة، تفقد الولايات المتحدة دور «المركز النظامي» للاقتصاد العالمي، لتتحول إلى قطب من بين أقطاب عدة، لا إلى محور الجاذبية الوحيد.
القومية الاقتصادية الترامبية تنزلق تدريجياً إلى عزلة استراتيجية. سياسة العقوبات والضغط التجاري أسهمت في تسريع بناء قنوات مالية بديلة، ما قلّص الوزن النسبي للدولار في الاحتياطيات العالمية إلى أدنى مستوى له منذ عقود. ما كان في السابق مصدر قوة أصبح اليوم عامل مخاطرة جيوسياسية.
النتيجة: ضبابية مؤسسية لا أزمة فورية.
حصيلة العام الأول من الولاية الثانية لترامب ليست انهياراً اقتصادياً، بل حالة عدم يقين مؤسسي. الولايات المتحدة ما زالت تمتلك كل مقومات النمو المستدام: قاعدة تكنولوجية متقدمة، رأس مال ابتكاري، وبنية مالية متطورة. لكن عدم قابلية القرار السياسي للتنبؤ، والصراع بين المؤسسات، وتقلب السياسة الخارجية، كلها عوامل تشل التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
مؤشرات الثقة لدى الشركات والمستهلكين تراجعت بوضوح، والاستثمارات طويلة الأجل انكمشت، في إشارة إلى أن المشكلة لم تعد دورية، بل بنيوية. الاقتصاد الأميركي لا يواجه ركوداً تقليدياً، بل أزمة ثقة في استقراره المؤسسي.
تاريخ السياسة الاقتصادية الأميركية يعلّم أن النمو المستدام مشروط بالقدرة على المراجعة والتصحيح. غير أن المسار الحالي يتسم بعناد مؤسسي، حيث يجري الرد على الاختلالات بتكثيف السياسات نفسها، لا بتعديلها.
محاولات معالجة التشوهات الهيكلية عبر رفع الرسوم والضغط على السياسة النقدية تزيد المخاطر التضخمية وتعمّق برودة الاستثمار. التوقعات للعامين المقبلين تشير إلى تباطؤ إضافي واحتمال متزايد لدخول مرحلة ركود.
خاتمة: خطر الاستنزاف الاستراتيجي.
اقتصاد الولايات المتحدة في 2025 لم ينهَر، لكنه أيضاً لم يدخل عصراً ذهبياً. المسار الحالي يشبه مرحلة تباطؤ هيكلي متأخر، حيث تبقى القوة الشكلية قائمة، فيما تتآكل دينامية التطور.
إذا استمر نهج العزلة الاقتصادية، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام أخطر السيناريوهات: استنزاف استراتيجي بطيء، بلا صدمة كبرى، لكن مع تراجع تدريجي في النفوذ العالمي. وهذا أخطر على قوة عظمى من الهزيمة المباشرة، لأنه يعني فقدان القدرة على التكيف، لا مجرد خسارة جولة في المنافسة.