...

في أرشيفات التصوف الإسلامي المغبرة، تكاد صورة الدرويش تُرسم دائماً بملامح ذكورية: ناسك نحيل في خرقة مرقّعة، قلندر جوّال يتكئ على عصاه، أو مريد يدور في حال من الوجد على خطى جلال الدين الرومي. ترسّخت هذه الصورة في الوعي الأكاديمي والجماهيري إلى حدّ أن مجرد طرح سؤال عن وجود نساء درويشات عُدّ طويلاً إما هامشياً أو محرجاً. غير أنّ النظر إلى التصوف لا بوصفه مؤسسة اجتماعية، بل بوصفه أنطولوجيا طريق، يكشف بوضوح أن الحضور النسائي في التصوف ليس ثانوياً، بل هو حضور تأسيسي.

التصوف، في جوهره الأول، شُيّد طريقاً إلى المنبع، حيث تتلاشى الأدوار الاجتماعية والمراتب والعلامات الجسدية. وليس مصادفة أن يؤكد أحد أعمدة الفكر الإسلامي، محيي الدين ابن عربي، أن المرأة قادرة على بلوغ أي مرتبة في السلّم الروحي، وصولاً إلى مقام القطب، قطب العالم الروحي. لم يكن هذا مجازاً ولا مجاملة لزمن بعينه، بل نتيجة صارمة لمذهبه في وحدة الوجود.

أولاً: نار البصرة، ثورة القلب عند رابعة.

لا تبدأ حكاية الدرويشات مع الطرق والتنظيمات، بل مع انفجار روحي غيّر مسار التصوف كله. في القرن الثامن الميلادي، عاشت في البصرة، أحد أهم مراكز الإسلام المبكر، امرأة صار اسمها نبضاً في قلب التقليد الصوفي: رابعة العدوية القيسية، المتوفاة نحو عام 801. لم تُدوَّن حياتها في المصنفات الكبرى، لكن تجربتها تحولت إلى أسطورة قلبية أعادت تعريف معنى الولاية.

لم تؤسس رابعة طريقة، ولم تترك مدرسة، ولم تبحث عن مريدين. كانت ثورتها أعمق من ذلك: لقد غيّرت دافع السعي الروحي نفسه. قبلها، كانت زهادة المتعبدين المسلمين قائمة على الخوف من العقاب والطمع في الثواب. أما رابعة، فوضعت للمرة الأولى في تاريخ التصوف مفهوم المحبة، حب الله لذاته، في مركز التجربة.

صيغتها الشهيرة، التي نقلتها سلاسل الرواية المبكرة، تقول: اللهم إن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، أما إن كنت أعبدك حباً لك، فلا تحرمني من جمالك الأبدي.

بهذه الكلمات، رسمت رابعة خط الصدع بين لاهوت الخوف ولاهوت الحب. فتحت في التصوف أفق العشق غير المشروط، وحوّلت التدين من علاقة حساب إلى تجربة وجودية.

ثانياً: النار والماء، بلاغة الرمز.

مشهد رابعة وهي تجوب شوارع البصرة ليلاً، تحمل شعلة في يد ودلواً من ماء في يد أخرى، ليس حكاية فولكلورية، بل بياناً رمزياً مكثفاً. كانت تقول إنها تحمل النار لتحرق الجنة، والماء لتطفئ النار، كي لا يعبد الناس الله خوفاً ولا طمعاً، بل حباً خالصاً له.

بهذا الفعل الرمزي، نسفت رابعة التصور التبادلي للعلاقة مع الإله. لم يعد الله عندها قاضياً أو مانحاً للأجر، بل محبوباً يُقصد لذاته، لا بوصف العبد، بل بوصف العاشق.

ثالثاً: الربط والصمت، فضاءات نسائية للتصوف.

إذا كانت الطرق الصوفية الرجالية علنية، هرمية، ومتصلة بالسياسة، فإن الدرويشة النسائية تشكلت في فضاء آخر: فضاء خفي، لكنه بالغ التأثير.

منذ القرن الثاني عشر، وُجدت في بغداد ودمشق ونيسابور والقاهرة رباطات نسائية، كانت في آنٍ معاً دور عبادة وبيوت علم. يذكر المؤرخون مجالس ذكر تقودها شيخات، حيث لم تكتفِ النساء بتلاوة القرآن والحديث، بل استقبلن مريدين، بينهم رجال.

سجّلت كتب التراجم عشرات الأسماء لنساء ناسكات اشتهرن بالعلم والتقوى. لم تكن تلك الرباطات أديرة منعزلة، بل مختبرات فكرية ووجدانية، تبلورت فيها لاهوتيات الحب الصوفي.

رابعاً: السماع خلف الستار، نشوة بلا جنس.

الطريقة المولوية، التي نشأت على يد أتباع جلال الدين الرومي، لم تُقصِ النساء في بداياتها. كان للرومي تلميذات، وكتب بوضوح أن الحب لا يفرّق بين رجل وامرأة، لأن الروح لا جنس لها.

في العهد العثماني، وُجدت سماعخانات نسائية في قونية وإسطنبول وبورصة. وتشير المصادر إلى مجالس ذكر نسائية كانت تُقام سراً في بيوت السيدات، حيث لبست النساء الأزياء الرمزية نفسها، وبلغن مقامات الفناء ذاتها.

الباحثات المعاصرات يلاحظن اليوم عودة الخط النسائي للمولوية في تركيا وأوروبا، انطلاقاً من فكرة أن النشوة ليست جسدية، بل كونية، وأن الدوران ليس طقساً، بل مشاركة في حركة الوجود.

خامساً: القلندرية، حرية بلا هوامش.

القلندرية مثلت الوجه الأكثر راديكالية للتصوف. رفضٌ للأعراف، وتمرد على النظام الاجتماعي. وكان بين القلندريين نساء تحدين البنية الأبوية كاملة. تذكر المصادر نساء تنكرن في زي الرجال، حلقن رؤوسهن، وجبن البلاد كدراويش.

بالنسبة لهن، لم يكن الدروشة مساراً روحياً فحسب، بل احتجاجاً اجتماعياً، وقطعاً مع الأمان والهوية والامتياز. الشجاعة، في تصورهن، لم تكن صفة ذكورية، بل إرادة المضي حتى النهاية.

سادساً: المعلمات الصامتات.

حتى كبار شيوخ التصوف أقرّوا بتأثير النساء. كتب ابن عربي عن معلمته فاطمة بنت المثنى القرطبية، واصفاً إياها بأنها أم روحه. قال إنه لم ير كمالاً يفوق كمالها، وأنها من أهل السر بين الرب والقلب.

لم تتجسد التربية النسائية في مؤسسات، لكنها كانت الحاضن الأعمق لنقل الأدب الصوفي، ذلك الخلق الدقيق للحضور الداخلي.

سابعاً: الشعر بلا وسائط.

الشعر الصوفي النسائي ليس فلسفة موزونة، بل لغة تجربة مباشرة. من رابعة العدوية إلى الأميرة الهندية جهان آرا بيغوم، مؤلفة كتاب مؤنس الأرواح، شكّل شعر النساء شهادة طريق شخصي.

قالت رابعة إن الحب طريقها الذي لا نهاية له. وقالت جهان آرا إن الحج الذي يبدأ في القلب لا يحتاج إلى طرق. في هذه الكلمات، يتجلى أن السفر الحقيقي باطني، لا جغرافي.

ثامناً: الأدب كفلسفة نسائية.

قدّمت النساء للتصوف فهماً خاصاً للأدب، لا بوصفه شكلاً خارجياً، بل فناً لعدم تخريب الفضاء المحيط. زهدهن كان حفظ السكينة وسط ضجيج العالم، وحضوراً بلا تسلط، وفعلاً بلا عنف.

الحجاب، في هذا السياق، ليس قماشاً، بل حالة وعي تصون سر القلب.

تاسعاً: جغرافيا الدرويشات من المغرب إلى الهند.

في الأندلس والمغرب، اتخذ التصوف النسائي طابعاً فكرياً. في قرطبة وإشبيلية، كانت النساء عالمات وحاملات بركة. وفي فاس ومراكش، تولت درويشات حراسة الزوايا ونقل النفَس الروحي.

في مصر وبلاد الشام، وُجدت شبكات صوفية نسائية، خصوصاً في القاهرة الفاطمية والمملوكية. حصلت نساء على إجازات في الحديث، وتحولت بيوتهن إلى مجالس ذكر ليلية، صامتة، لكنها حافظة للتقليد.

في إيران وخراسان، تجلّى التصوف النسائي عبر الشعر والرمز. ذابت الأسماء وبقي الصوت. وهذه مأساة الكلمة النسائية وقوتها في آن.

في الهند، ظهر نموذج فريد، جمع بين الروح والسلطة. جسّدته جهان آرا بيغوم، التي لم تهجر القصر، بل حولت الحكم إلى مقام روحي، فابتكرت شكلاً جديداً من الدروشة: لا الفرار من العالم، بل تحويله من الداخل.

عاشراً: المرأة والولاية، سؤال القداسة.

هل يمكن للمرأة أن تكون ولية؟ التصوف يجيب بنعم مطلقة. أما الخطاب الفقهي، فكثيراً ما يلتف حول السؤال. لكن الواقع الروحي للإسلام عرف الولاية النسائية في كل العصور.

كتب ابن عربي أن الولاية لا تتعلق بجنس ولا بنسب، بل بتحقق الاسم الإلهي في القلب. واعتبر مريم مثالاً للولاية الكاملة، لأنها بلغت تمام الحضور مع الله.

بهذا المعنى، لا تمثل الطبيعة النسائية عائقاً في السلوك، بل ميزة، لأنها أقرب إلى سر الخلق والولادة، أي إلى قلب السر الإلهي ذاته.

الوليّات في التقليد الصوفي

تشير المصادر منذ القرن الثامن الميلادي إلى عشرات النساء الصوفيات اللواتي اعتُرف بهن أولياء، أي أصدقاء لله. لم تُحفظ أسماؤهن في المتون العقدية الرسمية، بل في كتب المناقب الصوفية، والتراجم، والروايات الشفوية. لم تكن الوليّات استثناءً طارئاً، بل شكّلن جزءاً حيّاً من المشهد الروحي في الإسلام المبكر، وكانت قداستهن معروفة ومُعترفاً بها شعبياً قبل أي إقرار لاهوتي.

رابعة العدوية القيسية (713–801) من البصرة تمثل الرمز الأسمى للقداسة النسائية والأساس الأول للتصوف الإسلامي. صار اسمها مرادفاً للحب الخالص لله. كانت تقول إنها لا تعبده خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة، بل حباً له. بهذه الصيغة البسيطة قلبت رابعة التصوف من زهد قائم على المجاهدة إلى طريق عشق. رفضت الزواج والمال وحتى الشهرة، معتبرة أن أي دافع غير الحب يلوّث العبادة. وصفها فريد الدين العطار في «تذكرة الأولياء» بأنها نور تنطفئ أمامه مصابيح الرجال. لم تؤسس طريقة، ولم تتخذ مريدين بالمعنى المؤسسي، لكن تصورها للمحبة الإلهية صار حجر الأساس لتعاليم الجنيد البغدادي وبشر الحافي وسري السقطي والحلاج.

فاطمة النيسابورية في القرن التاسع كانت من أوائل النساء اللواتي اعترف الرجال بسلطتهن الروحية. كانت معلمة لبشر الحافي وذي النون المصري. يصفها السلمي بأنها أم العارفين. قولها إن الحب هو أن يصبح كل ما يُرى حجاباً يخفي المحبوب يلخص جوهر التجربة الصوفية. قال عنها ذو النون إن في نيسابور امرأة ترتجف الأجواء من دعائها. تعليمها عن البصيرة، أي الرؤية الداخلية، صار ركناً في مدرسة خراسان الصوفية.

أم الفضل البغدادية في القرن التاسع انتمت إلى دائرة زهاد بغداد من تلامذة الحارث المحاسبي وسري السقطي. عُرفت بالحكمة والاتزان، ودُوّنت أقوالها ضمن حكايات الصالحين. كانت تقول إن من يطلب الله من أجل الأجر لا يطلبه حقاً. شاركت في مجالس الذكر المختلطة، وكان يُنظر إليها كمرجعية روحية تضاهي شيوخ بغداد.

شهدة البغدادية المتوفاة عام 1178 كانت عالمة بارزة، درّست الحديث في المدرسة المستنصرية. لُقبت بأستاذة الرئيس. تتلمذ على يديها من صاروا لاحقاً شيوخ تصوف كباراً، ومنهم عبد القادر الجيلاني. كانت ترى أن العلم بلا ذوق روحي صوت أجوف، وأن الروحانية بلا علم وهم خطير. في شخصها اجتمع الفقه والحديث والمعرفة الذوقية.

آمنة السهروردية أخت الشيخ شهاب الدين السهروردي شاركت بفاعلية في الحياة الروحية لبغداد في القرن الثاني عشر. عُرفت بلقب آمنة النور. كتبت لأخيها أن القلب عرش الإله، ولا يُنقّى بالدموع بل بالصدق. كانت مفكرة ومرشدة، وقدمت تصوراً للتصوف بوصفه طريق انسجام مع العالم لا انسحاباً منه.

عائشة المنوبية (نحو 1199–1267) من تونس تعد من أشهر وليّات المغرب الإسلامي. كانت من تلامذة أبي حفص الشاذلي ومعاصرة لمؤسس الطريقة الشاذلية. أقامت أذكاراً علنية، وشاركت في مناظرات عامة، وأرشدت رجالاً ونساء. لقبت في التقاليد التونسية بأخت الجنيد، إشارة إلى تكافؤها الروحي مع كبار الشيوخ. قولها إن تجلي الله في صورة أنثى يمنع إنكار كون المرأة مرآته صار شعاراً للأنوثة الصوفية. ما زال مقامها في منوبة مزاراً للمسلمين والمسيحيين واليهود.

بيبي فاطمة سام من خوارزم في القرن الثالث عشر كانت من تلامذة نجم الدين كبرى، وتعد من أوائل النساء اللواتي نلن إجازة كاملة في طريقة رجالية. لُقبت بأم النور. كان تعليمها قائماً على الرؤية النورانية، إذ كانت تقول إن من يرى النور يتجاوز الشكل. وتروي المصادر أنها أنقذت جزءاً من أرشيف الطريقة الكُبروية أثناء الغزو المغولي. لا تزال تُبجّل في خوارزم كولية حامية.

ويمكن إضافة أسماء أخرى مثل خديجة البلخية في القرن التاسع، التي قالت إن ذكر الله يجعل الخلق كله ظلاً، وفاطمة الرَّاعي الدمشقية، وأميرة كلثوم المصرية، وللا زينب بنت المقدم الجزائرية التي قادت زاوية في أواخر القرن التاسع عشر واعترفت بها الإدارة الفرنسية زعيمة روحية.

تحولت قبور هؤلاء النساء إلى مزارات يُقصدها الناس طلباً للبركة والشفاء والمشورة. أُقيمت فوقها أضرحة وزوايا تُتلى فيها القصائد والأذكار وأشعار الرومي والعطار. كثيراً ما استمر التكريم الشعبي قروناً، حتى حين حاول الخطاب اللاهوتي تجاهله. يذكر العطار نحو عشرين اسماً نسائياً، لكن الذاكرة الشفوية الصوفية تحفظ عدداً أكبر بكثير. يؤكد السلمي والجامي أن الوليّات كن جزءاً من السلسلة الروحية على قدم المساواة مع الرجال.

سبق الاعتراف الشعبي بالقداسة النسائية دائماً التنظير اللاهوتي. بالنسبة للعامة، لم تكن الوليّة مفهوماً مجرداً، بل قوة حية للرحمة والنور. هكذا تشكل خط نسائي للولاية، غير معلن لكنه راسخ، هادئ في حضوره، عميق في أثره، وصانع للملامح الباطنية للروحانية الإسلامية. من دون هؤلاء النساء، يفقد التصوف قلبه ورقته وتعاطفه، وتلك الليونة السرية التي أبقته تقليداً حياً حتى اليوم.

الجسد مرآة الإلهي

على خلاف الإسلام المدرسي الذي كثيراً ما قابل بين الجسد والروح، نظر التصوف إلى الجسد كأداة لتجربة الإلهي. قال الرومي إن الجسد ناي تنفخ فيه أنفاس الله.

أضافت الدرويشات إلى هذه الأنثروبولوجيا عمقاً وحساسية خاصة. لم يكن مسارهن إنكاراً للجسد، بل تحويله إلى موضع للتجلي والكشف.

البعدان الذكوري والأنثوي للطريق

وُصف المسار الذكوري غالباً بلغة الصراع والانضباط وكسر النفس، بينما صُوّر المسار الأنثوي بوصفه صهراً وحملاً ونضجاً. ليست هذه بيولوجيا، بل رمزية الخلق، حيث تُستعار المرأة كاستعارة لفعل التكوين الإلهي.

الأمومة في التصوف ليست مجرد واقعة جسدية، بل أيقونة لخلق العالم. ولادة الطفل تصبح رمزاً لولادة القلب العارف بالله. لذلك رفضت كثير من الصوفيات الزهد الشكلي، ورأين في الرعاية والتربية شكلاً من العبادة وذكراً بالفعل.

كما قالت فاطمة النيسابورية إن خبز الخبز للعابرين قد يكون أسمى من صوم النفس.

لتصوف النسائي المعاصر: الاستمرارية والتحوّل

لم يختفِ الدرويش النسائي، بل أعاد تشكيل نفسه، مغيراً لغته وأدواته وحتى جغرافيته. فإذا كانت الوليّات في العصور الوسطى يتحركن داخل فضاء الشرق الإسلامي، من البصرة ونيسابور إلى تونس وخوارزم، فإن القرنين العشرين والحادي والعشرين حملاهن إلى الساحة العالمية. اليوم تُقام مجالس الذكر في باريس ونيويورك، وتُلقى محاضرات في الجامعات الغربية، وتشارك النساء الصوفيات في الحوارات بين الأديان، من دون أن يمسّ ذلك جوهر التقليد.

الدرويشات المعاصرات يواصلن خط الولاية لا بوصفه تحدياً اجتماعياً، بل باعتباره تجسيداً للحضور الداخلي، حضور القلب أمام الحق. هنّ وريثات تقليد الملامتية، أولئك الذين يخفون القداسة تحت قناع العادية اليومية.

أولاً: الشيخة نور الرحمة، من دمشق إلى لندن، التصوف علاجاً للقلب.

تُعدّ الشيخة نور الرحمة واحدة من أبرز المرشدات الروحيات في القرن الحادي والعشرين. تنتمي إلى الطريقة النقشبندية المجددية، وتنحدر من عائلة دمشقية عريقة في التصوف. يعود سندها الروحي إلى الشيخ عبد القادر السعيدي، أحد تلامذة محمد زاهد النقشبندي.

مع اندلاع الحرب في سوريا، انتقلت إلى لندن، حيث أسست مركزاً روحياً يجمع نساءً من خلفيات إسلامية ومسيحية. تمزج في عملها بين الذكر والمراقبة وتزكية النفس، وبين أدوات من العلاج النفسي الحديث وتقنيات التنفس الجسدي. تنطلق في منهجها من فكرة أن القلب مرآة، وأن النور لا يظهر فيها ما دامت معتمة.

تعلّم ما تسميه ذكر القلب، أي الحضور الصامت الذي يعيد للمرأة شعورها بالكرامة والاتصال بالمصدر. تنتشر تلميذاتها اليوم بين دمشق وعمّان وباريس وبرمنغهام، ويصفن هذا المسار بأنه نسوية صوفية بلا شعارات.

ثانياً: فاطمة الزهراء الشاذلية، الذكر في الفضاء الغربي.

في أوروبا، لعبت فاطمة الزهراء الشاذلية دوراً محورياً في حضور الطريقة القادرية الشاذلية. وُلدت في المغرب، واستقرت في فرنسا منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتتلمذت على الشيخ عبد السلام القادري المرتبط بسلسلة الدرقاوي العلوي.

في التسعينيات أسست مركزاً صوفياً في باريس، ثم زاوية ثانية في مرسيليا، حيث تقيم مجالس ذكر نسائية وندوات حول أخلاقيات الوجود الصوفي. تمتاز لقاءاتها بقراءة القرآن والقصائد الروحية، إلى جانب أشعار الرومي وابن عربي وحافظ، بالعربية والفرنسية معاً.

هذا الانفتاح جذب مثقفات وفنانات ونساء يبحثن عن سند روحي خارج الأطر الدينية الصلبة. تؤكد فاطمة الزهراء أن المرأة لا تحتاج إلى سلطة، بل إلى نور، وأن النور معرفة لا تجادل. هكذا تحولت تجربتها إلى جسر بين التصوف الإسلامي ولاهوت المرأة في أوروبا، من دون قطيعة مع الأرثوذكسية.

ثالثاً: خديجة خانم دهبي، الأنوثة الروحية في إيران.

في إيران، تمثل خديجة خانم دهبي وجهاً مركزياً للتصوف النسائي. هي الوريثة الروحية للطريقة النعمتللهية الذهبية، إحدى أقدم الطرق الصوفية الشيعية. تنحدر هذه السلسلة من الشيخ شاه نعمت الله ولي، صاحب المقام الشهير في ماهان.

تلقت خديجة خانم الإجازة الروحية داخل عائلتها، ومنذ التسعينيات تقود الأخوية النسائية للطريقة في طهران. تعقد مجالس تعليمية للنساء، تدرّس فيها الذكر والتركيز القلبي وتأويل الشعر الصوفي، خاصة نصوص الجامي والمولوي.

بفضلها نشأ جيل من الشاعرات والفنانات المتأثرات بالتصوف. ترى أن الله يخاطب المرأة بلغة القلب، لأن القلب هو أول معابده. حظيت بمكانة محترمة حتى في الأوساط الدينية المحافظة، وصُوّر عنها فيلم وثائقي منتصف العقد الماضي.

رابعاً: سامية عاوري، حارسة الروح التركية.

سامية عاوري كانت كاتبة وفيلسوفة ومرشدة روحية بارزة في تركيا الحديثة، وتنتمي إلى الطريقة الرفاعية عبر خط الشيخ كنعان رفعي. نشأت في أسرة عثمانية مثقفة، وتلقت تعليماً كلاسيكياً، ثم أصبحت أقرب تلميذات كنعان رفعي في ثلاثينيات القرن العشرين.

بعد وفاته، تولت إدارة زاويته في إسطنبول، وجعلت منها مركزاً لإحياء التصوف في زمن الجمهورية. في كتبها، جمعت بين الفكر الصوفي والنقد الاجتماعي، ورأت في تربية الروح النسائية أساساً لبناء المجتمع. كانت تقول إن فقدان المرأة لبعدها الروحي يعني فقدان المجتمع لميزان النور.

أسست مؤسسة ثقافية صارت مدرسة لكثير من المثقفين الأتراك. وتميزت تجربتها بربط التصوف بالهوية الثقافية، مؤكدة أن الروحانية الإسلامية قادرة على أن تكون قوة اجتماعية، لا مجرد شأن فردي.

خامساً: فضيلة الشاذلية، تصوف بلا حدود ثقافية.

ولدت فضيلة الشاذلية في الجزائر، ونشأت في كنف الطريقة الدرقاوية العلوية. انتقلت إلى فرنسا في الثمانينيات، حيث أسست إطاراً صوفياً جمع عرباً وأمازيغ وفرنسيين. قادت مجالس ذكر في مدن عدة، وترجمت نصوصاً روحية إلى الفرنسية، وشاركت في حوارات مع راهبات كاثوليكيات.

كانت تردد أن الله ليس مسلماً ولا مسيحياً، بل نور يبحث عن مرآة. حصلت على إجازة الإرشاد الروحي في أوروبا، وأسهمت في نشوء حركة صوفية نسائية فرانكومغاربية ما زالت حية حتى اليوم.

كل هؤلاء النساء، من نور الرحمة إلى سامية عاوري، لا يخضن صراعاً على المكانة، ولا يضعن أنفسهن في مواجهة الرجال. مسارهن خدمة وحضور داخلي. مهمتهن إعادة التوازن بين الجلال والجمال، بين البعدين الذكوري والأنثوي في التجلي الإلهي. لا يُصلحن التصوف من خارجه، بل يعيدن إليه رهافته وتعاطفه وعمقه التأملي، من دون أن يتحول إلى تجريد عقلي جاف.

هكذا تبدو الولاية النسائية في القرن الحادي والعشرين ثورة صامتة، لا مشروعاً سياسياً. الدرويشة اليوم ليست رمزاً للاحتجاج، بل مرآة للنور الإلهي، قادرة على عكس العالم من دون تشويه.

الأسس اللاهوتية: الولاية خارج ثنائية الجنس

مفهوم الولاية، أي الصداقة مع الله، ورد صريحاً في القرآن، حيث لا خوف على أولياء الله ولا هم يحزنون. يؤكد ابن عربي في مؤلفاته الكبرى أن الولاية أسمى من النبوة، ولذلك فهي غير مقيدة بجنس. في رؤيته الكونية، تمثل المرأة بعد الجمال الإلهي، فيما يمثل الرجل بعد الجلال.

الإنسان الكامل، بحسبه، قد يكون رجلاً أو امرأة. فالله لا يميز في الروح، بل في الصور.

النساء في الهاغيوغرافيا الصوفية

تسجّل كتب التراجم الصوفية العربية والفارسية أكثر من ثمانين امرأة من الأولياء. هذه الأسماء لم تكن هامشية ولا نادرة، بل شكّلت جزءاً ثابتاً من الذاكرة الروحية للإسلام. من أبرزهن:

رابعة العدوية القيسية في القرن الثامن، التي كانت أول من صاغ بشكل متكامل ميتافيزيقا المحبة الإلهية، ووضعت مفهوم «محبة الله» في قلب التجربة الصوفية. عبارتها الشهيرة، بأنها لا تحب الله طلباً للثواب بل لأنه أهل للمحبة، وردت في «تذكرة الأولياء» لفريد الدين العطار، وأصبحت نصاً مؤسساً في لاهوت العشق.

فاطمة النيسابورية في القرن التاسع، معلمة ذي النون المصري، يذكرها السلمي في كتابه عن النساء العابدات الصوفيات، وهو من أقدم المصنفات التي تناولت القداسة النسائية بشكل مستقل. حضورها في هذا العمل يؤكد أن المرأة لم تكن فقط متلقية للتجربة الصوفية، بل مصدراً لها ومرجعاً في نقلها.

عائشة المنوبية في تونس في القرن الثالث عشر، تلميذة أبي حفص الشاذلي، وهي حالة نادرة في مغرب تلك المرحلة. قادت مجالس ذكر علنية، وكان لها أتباع من الرجال، ووُثقت حياتها في مناقب مستقلة. شخصيتها جسّدت نموذج الولاية التي لا تختبئ خلف الجدران، بل تتحرك في الفضاء العام بثقة روحية.

بيبي فاطمة سام من خوارزم في القرن الثالث عشر، الابنة الروحية لنجم الدين كبرى. مقامها قرب أورغنج لا يزال من أقدم المزارات النسائية في آسيا الوسطى. حضورها يثبت أن التصوف النسائي لم يكن مقصوراً على المجال العربي، بل امتد عميقاً في الجغرافيا الفارسية والتركستانية.

شهدة البغدادية، المتوفاة عام 1178، كانت عالمة حديث معترفاً بها، وحملت لقب الأستاذة الكبرى. ذِكر اسمها في تراجم مدرسة بغداد يدل على أن الجمع بين العلم الشرعي والذوق الصوفي لم يكن حكراً على الرجال.

جمع السلمي وحده قرابة ثمانين سيرة لنساء صوفيات، مؤكداً أنهن جزء أصيل من السلسلة الروحية، أي من خط الخلافة الباطنية، لا هامشاً لها.

الجسد الأنثوي وأنثروبولوجيا التصوف

النصوص الصوفية الكلاسيكية، من الرومي إلى الجامي، تشدد على البعد الأنطولوجي المقدس للطبيعة الأنثوية. كتب الرومي في المثنوي أن المرأة ليست جسداً، بل نور الله، وأنها خالقة لا مخلوقة. هذه العبارة صارت لاحقاً من أكثر النصوص استدعاءً في الدراسات النسوية الإسلامية.

في التصور الصوفي، الجسد ليس عائقاً أمام الروح، بل موضع تجلٍ. هو مكان الظهور الإلهي في العالم. والمرأة، بحملها سر الولادة، تصبح رمزاً لفعل الخلق ذاته. لذلك فالأمومة في التصوف ليست وظيفة اجتماعية، بل نمط من أنماط التأمل، تجلّي النور في الظاهر.

النساء الدرويشات في العصر الحديث لا ينخرطن في خطاب صدامي حول المساواة، بل يتحركن في منطق الخدمة والحضور، مستكملات خط الملامتية، حيث تُخفى القداسة تحت ستار العادي واليومي.

غياب النساء عن كثير من دراسات التصوف لا يعود إلى فقر في المصادر، بل إلى فقر في زاوية النظر. المصادر موجودة: من المناقب الفارسية والرسائل الشخصية إلى الروايات الشفوية والأرشيفات المحلية. لكن كتابة التاريخ انشغلت بالبنى الذكورية: الطرق، السلاسل، التكايا، بينما انتقلت التجربة النسائية خارج المؤسسات، عبر البيوت، والذاكرة، والعلاقات غير الرسمية.

الدرويشات عشن بين السطور: في المراسلات، وفي سجلات العائلات، وفي العمارة، حيث قامت زوايا نسائية ملاصقة للزوايا الرجالية.

الباحثون المعاصرون، مثل ليلى أحمد، وأنه ماري شيمل، وفاطمة المرنيسي، وفاليري هوفمان، يسهمون اليوم في إعادة هذا البعد النسائي إلى تاريخ التصوف، ليس كإضافة تجميلية، بل كعنصر بنيوي.

المرأة الدرويشة ليست استثناءً ولا زينة رمزية، بل أحد أعمدة الإسلام الباطني. من دون التجربة النسائية، كان التصوف سيفقد الحب والليونة والأخلاق الداخلية، تلك القدرة على الحضور في العالم من دون الذوبان فيه.

يقوم التصوف على توازن الجلال والجمال، وهما ليسا أدواراً اجتماعية، بل مبدأين كونيين. حين يُقصى أحدهما، تفقد التجربة الروحية انسجامها.

المرأة الدرويشة هي القلب الخفي للتصوف، منبع حدسه ورحمته. ومن دونها، كانت الفكرة الصوفية ستبقى جافة، عقلانية، فقهية. إن الحدس النسائي هو الذي ضخ في التصوف نفس الحب، وحوّله من مذهب إلى شعر قلب حي.