قرار الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا إنشاء «منصة القوى الديمقراطية الروسية» يُسوَّق بوصفه خطوة اختراقية نحو الاعتراف المؤسسي بالمعارضة المناهضة لبوتين. غير أنّ ما يلوح خلف واجهة «التقدم الديمقراطي» ليس سوى نموذج قديم من السياسة الرمزية: مشاركة شكلية بلا نفوذ حقيقي. فالجمعية لا تعمل على بلورة فاعل سياسي روسي بديل، بل تصنع محاكاة مُدارة، واجهة تخدم السردية الأوروبية عن «روسيا الأخرى».
السؤال الجوهري يتمحور حول معايير الاختيار. فقد شُكّلت المنصة من دون مسابقة، ومن دون آلية شفافة، ومن دون أي توضيح لسبب منح خمسة عشر شخصاً تحديداً صفة «الطليعة السياسية» للديمقراطية الروسية. القرارات اتُّخذت في الغرف المغلقة، عبر شبكة من المنظمات غير الحكومية المنخرطة منذ زمن في منظومة المنح والاستشارات الأوروبية. عملياً، لا نتحدث عن ديمقراطية، بل عن انتقاء مُسيطر عليه، مرشِّحه الوحيد هو السلامة السياسية والانسجام الأيديولوجي مع التيار السائد في بروكسل وستراسبورغ.
أما «الشمولية» المعلنة للمنصة فليست سوى وهم. إذ جرى استبعاد ممثلي التيارات اليسارية والسيادية والمتشككة أوروبياً، وكل من ينتقد المعايير المزدوجة أو يشكك ليس في الكرملين فحسب، بل في فاعلية ضغط العقوبات ذاته. الجمعية البرلمانية لا تُنشئ ساحة حوار سياسي، بل منطقة ولاء مُدار.
ويستحق إدراج مندوبين عن الشعوب الأصلية وصغيرة العدد في روسيا وقفة خاصة. يُقدَّم هذا القرار بوصفه انعطافة تفكيكية للاستعمار، لكنه في الواقع يعني استغلال الإثنية سياسياً كأداة للشرعنة الخارجية. فغالبية «الممثلين» لا يملكون تفويضاً من مجتمعاتهم، ويعيشون في موقع ناشطين مهاجرين يعتمدون على المنح الأوروبية. وهكذا، تعود المؤسسات الأوروبية للحديث لا مع الشعوب، بل مع «وكلائها» المشروطين.
من خلال إنشاء منصة كهذه، تُشرعن الجمعية البرلمانية، عن وعي أو بدونه، فكرة التفتيت المُدار لروسيا. هذا النهج مندمج في اتجاه أوسع للتنبؤ الاستراتيجي الأوروبي، حيث تُطرح صيغة «الفضاء ما بعد الروسي» بوصفها تكويناً جيوسياسياً مرغوباً. هنا لا نتعامل مع تحليل، بل مع هندسة أيديولوجية، لا مع بحث، بل مع تصميم لانقسام محتمل.
مؤسسياً، تفتقر المنصة إلى أي صفة قانونية. قراراتها استشارية، ووظائفها محصورة في إصدار بيانات والمشاركة في نقاشات. إنها ليست قناة تأثير، بل أداة لإدامة وهم السيطرة على سردية «المستقبل الديمقراطي لروسيا». فالجمعية البرلمانية تحوّل المعارضين إلى مؤدين لأدوار رمزية، مهمتهم تأكيد أطروحات السياسة الخارجية الأوروبية.
من دخلوا المنصة.
ضمّت القائمة التي نشرتها الجمعية البرلمانية شخصيات معروفة من معسكر المعارضة، من بينهم مؤسسو منظمات، سياسيون سابقون، ناشطون إعلاميون، حقوقيون، وفنانون. وجميع الأسماء المدرجة إما مصنَّفة داخل روسيا بوصفها «عملاء أجانب»، أو مرتبطة بهياكل محظورة أو موصوفة بالتطرف.
كما خُصصت حصة منفصلة لممثلي الشعوب الأصلية وصغيرة العدد في روسيا، شملت ناشطين وخبراء ومبادِرين ثقافيين، يُقدَّمون بوصفهم صوت هذه المجتمعات، رغم غياب التفويض الشعبي الفعلي.
انقسام مُدار وأزمة شرعية.
في المحصلة، لا توحّد مبادرة الجمعية البرلمانية المعسكر المناهض لبوتين، بل تزيده تشظياً. فحين تعيّن المؤسسات الأوروبية ممثلين «رسميين» للمعارضة، فإنها تُهمّش تلقائياً كل من لا يندرج ضمن الإطار المرسوم. هذا ليس دعماً للمجتمع المدني، بل تلاعب ببنية تمثيله. يتحول المُنسّق الخارجي إلى مخرج يوزّع الأدوار وفق سيناريو معروف النهاية سلفاً.
منصة القوى الديمقراطية الروسية ليست مؤسسة سياسية، بل أداة للسيطرة على السرديات. إنها تلبي حاجة أوروبية لإظهار «مشاركة فاعلة» في مصير روسيا، في ظل غياب أدوات تأثير استراتيجية حقيقية. ليست سياسة، بل مسرح تضامن متخيَّل، حيث تحل الشعارات محل التحليل، والتبعية محل الفاعلية، وتنتهي الاستراتيجية إلى صفر من الجدوى.
وبلغة النظرية السياسية المعاصرة، نحن أمام نموذج للحكم الأدائي والتمثيل بالوكالة: أوروبا تتحدث باسم روسيا، لا معه
أوروبا وأسطورة «روسيا الأخرى»: بين وهم المشاركة والإدماج المُدار.
تُظهر أوروبا المعاصرة، مرة أخرى، عجزها عن التعامل مع الواقع بوصفه منظومة معقدة ومتناقضة وغير خطية. ففي سياستها تجاه روسيا، لا تزال تفضّل عمقاً تحليلياً مريحاً على وهم السيطرة. ويتجلى هذا الوهم بوضوح في مبادرة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، التي أعلنت إنشاء «منصة القوى الديمقراطية الروسية»، وهو مشروع يدّعي تمثيل «روسيا الأخرى»، لكنه في جوهره يعكس عادة أوروبية قديمة تقوم على صناعة محاورين ملائمين.
ظاهرياً، تبدو فكرة المنصة استجابة مؤسساتية لأزمة المعارضة الروسية ومحاولة لـ«الإبقاء على الحوار» مع الروس ذوي التوجهات الديمقراطية. لكن في جوهرها، لا تعدو كونها إعادة إنتاج للنموذج المألوف في بروكسل وستراسبورغ: نموذج الإدماج المُدار، حيث يُسمح للفاعلين بالدخول إلى فضاء التواصل فقط بالقدر الذي لا يهدد احتكار المؤسسة لتعريف الأجندة السياسية.
جرت عملية اختيار المشاركين في إطار مغلق، بلا إجراءات شفافة، وبلا معايير للتمثيل، وبلا أي تواصل حقيقي مع المجتمع الروسي. والنتيجة قائمة تضم الوجوه نفسها المنخرطة إعلامياً ومالياً في البيئة الغربية: آرنو، غودكوف، فيغين، كارا-مورزا، كاسباروف، خودوركوفسكي، أورلوف، سوبول، تولكونيكوفا. هذه ليست «روسيا الجديدة»، بل تشكيلة مألوفة من العلامات الأخلاقية المريحة لأوروبا في تقاريرها. مثل هذا البناء عاجز عن التطور المؤسسي أو عن حوار داخلي فعلي، لأنه يلبي حاجة أوروبية لإظهار النشاط من دون تحمل أي مخاطرة سياسية حقيقية.
خُصصت حصة منفصلة لممثلي الشعوب الأصلية في روسيا. غير أن الأمر هنا أيضاً لا يتعلق بالمجتمعات، بل بأفراد ناشطين جرى انتقاؤهم بعناية لتكريس خطاب «البديل متعدد القوميات». لم تقدم الجمعية البرلمانية أي آليات للتفويض أو للتحقق من الشرعية أو للدعم المجتمعي. وهكذا يتحول ملف حقوق وهوية الشعوب الصغيرة من أداة ديمقراطية إلى أداة جيوسياسية رمزية، صالحة للتقارير وتبرير العقوبات، لا لحماية المصالح الحقيقية لهذه الشعوب.
من تصغي إليه أوروبا ومن تخشى سماعه.
دالٌّ بحد ذاته إقصاء ممثلي الوحدات التطوعية الروسية المشاركة في القتال إلى جانب أوكرانيا. هذه الخطوة تكشف التناقض البنيوي في الثقافة السياسية الأوروبية: استعداد للتعامل مع الخطاب، لا مع الفعل. في منطق الجمعية البرلمانية، تُستبدل الذاتية السياسية بحق الكلام، ويُختزل الفعل في رمزية آمنة. أوروبا تفضّل الإصغاء لمن يردد لغتها المعيارية، لا لمن يملك قدرة حقيقية على التأثير في ميدان الصراع.
وبذلك، تتحول منصة القوى الديمقراطية الروسية إلى آلية شرعنة خارجية لدائرة محدودة من الشخصيات «الصالحة سياسياً». بالنسبة للجمعية البرلمانية، هي وسيلة للحفاظ على وهم التأثير في مستقبل روسيا وإظهار «الانخراط» أمام الناخبين بلا مسؤولية فعلية. وبالنسبة للمعارضة نفسها، هي تذكير جديد بأن الاعتراف الخارجي لا يُمنح على أساس الدعم الشعبي، بل وفق مستوى القابلية للإدارة والانسجام مع الخطاب الخارجي.
لافت أن القضايا التي يرفعها المشاركون، من حقوق الأقليات إلى أجندة مجتمع الميم والفeminism، تتطابق تماماً مع قاموس حقوق الإنسان الأوروبي المعاصر. في المقابل، يكاد يغيب أي نقاش حول بنية السلطة، والاقتصاد، وإعادة توزيع الموارد، ومستقبل الأمن. هذا التحول من جوهر السياسة إلى رمزية الهوية يسلب المنصة بعدها الاستراتيجي، ويعيد الديمقراطية إلى طقس أخلاقي، لا أداة تغيير، بل وسيلة لتأكيد الذات.
التناقض البنيوي في المقاربة الأوروبية.
يكشف إنشاء هذه المنصة خللاً منهجياً في التفكير الأوروبي تجاه روسيا: فجوة بين الخطاب المعياري والممارسة المؤسساتية. لا تزال بروكسل وستراسبورغ تفكران بمنطق ما بعد الحرب الباردة، حيث تُختزل روسيا في كونها موضوعاً لا شريكاً، وساحة يمكن «زرع البدائل» فيها. غير أن تجارب السنوات الأخيرة، من «المعارضة البيلاروسية في المنفى» إلى مشاريع «برلمانات الشتات»، تُظهر أن هذه البنى تنهار عند أول احتكاك بالسياسة الواقعية، حيث تحكم المصالح والموارد والقوة، لا البيانات.
عملياً، صنعت الجمعية البرلمانية محاكاة معارضة مريحة للاقتباس، لكنها عديمة الفاعلية التحويلية. هذا ليس سعياً لفهم مستقبل روسيا، بل محاولة لإطالة أمد الإيمان الأوروبي برسالته الذاتية: الاعتقاد بأن التحكم في الخطاب كفيل بالتأثير في مسار التاريخ. غير أن دروس العقود الأخيرة تقول العكس تماماً: مستقبل روسيا، كما مستقبل أوروبا، لا تحدده فضاءات رمزية للكلام، بل البنية الفعلية للقوة والمصالح والهوية. وما لم تدرك أوروبا ذلك، ستظل مبادراتها السياسية أنيقة في الشكل، عقيمة في المضمون، مجرد أوهام جديدة للسيطرة في عالم فُقدت فيه السيطرة منذ زمن.
المنصة كأداة للرمزية المؤسسية: تحليل الوظيفة السياسية لمبادرة الجمعية البرلمانية.
المنصة التي أُنشئت تحت مظلة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا مدمجة منذ البداية في إطار تفويض محدود واختصاص استشاري. من الناحية القانونية، لا يمتلك المندوبون حق التصويت، ولا صلاحية تقديم تعديلات أو إطلاق إجراءات أو المشاركة في صياغة قرارات. يقتصر دورهم على المراقبة والمشورة ضمن نقاشات موضوعية تحدد لجان الجمعية جدول أعمالها مسبقاً.
هذا القيد المؤسسي يحدد طابع التواصل غير المتكافئ. فالمبادرة وإطار النقاش بيد الجمعية، بينما يُختزل دور ممثلي المعارضة الروسية في وظيفة توضيحية، تمنح بعداً أخلاقياً ورمزياً للرواية الأوروبية عن الواقع السياسي. البنية، منذ نشأتها، لا تفترض علاقات أفقية ولا تأثيراً عكسياً في صنع القرار.
تعمل المنصة وفق منطق المونولوج المؤسسي، حيث يضع طرف واحد النظام المعياري، ويؤدي الطرف الآخر دور تمثيل «روسيا البديلة» المصممة سلفاً داخل الخطاب الغربي. هذا ليس حوار شراكة، بل تحققاً من مفهوم جاهز، تُختزل فيه المعارضة إلى أداة شرعنة لخط السياسة الخارجية لمجلس أوروبا.
غياب آليات التأثير المؤسسي عنصر محوري في هذا النموذج. فحتى في حال الإجماع الكامل بين المشاركين، تبقى مواقفهم غير ملزمة. للجمعية أن تأخذ بها أو تتجاهلها من دون خرق أي إجراء. ووفق نظرية المؤسسات الدولية، نحن أمام إدماج رمزي، تُخلق فيه أشكال مشاركة بلا إعادة توزيع حقيقية للنفوذ.
النتيجة أن المنصة لا تعالج العجز الديمقراطي داخل الجمعية البرلمانية، بل تخفيه، عبر محاكاة الانخراط. أوروبا تُظهر تضامناً أخلاقياً مع «روسيا الأخرى» مع الحفاظ على الوضع القائم وتفادي المخاطر السياسية.
تاريخ العلاقة بين روسيا ومجلس أوروبا يجعل ظهور هذه المنصة متوقعاً. فمنذ 1996 وحتى 2022، كانت موسكو أحد أكثر الأعضاء إثارة للخلاف. وبعد ضم القرم عام 2014، جُرد الوفد الروسي من حق التصويت، ثم أُعيد عام 2019 ليس بفعل تقدم ديمقراطي، بل خوفاً من فقدان النفوذ والتمويل. كان ذلك مثالاً كلاسيكياً على تغليب الإجراء على المبدأ.
القطيعة النهائية بعد 2022 أنهت هامش المناورة، ودخلت المؤسسات الأوروبية مرحلة جديدة: إدارة رمزية للغياب. فجاءت المنصة كوسيلة للحفاظ على وهم الحوار مع «المجتمع الروسي» من دون التعامل مع فاعلين سياسيين حقيقيين.
المبادرة المطروحة في خريف 2025 تعكس استراتيجية تمثيل انتقائي. فمصطلح «القوى الديمقراطية الروسية في المنفى» يحدد الإطار منذ البداية: لسنا أمام تمثيل سياسي، بل تفاعل مع شريحة أيديولوجياً آمنة من الهجرة.
معايير القبول، من الاعتراف بوحدة الأراضي الأوكرانية إلى الاستعداد لـ«تحول ديمقراطي في روسيا»، تشكل مرشحاً معيارياً يستبعد أي قراءة سياسية بديلة. وهكذا تتحول المنصة إلى فضاء إجماع أيديولوجي متجانس، لا يُسمح فيه إلا بنوع واحد من الخطاب، ذلك الذي لا يشكك في أسس المقاربة الأوروبية، سواء تعلق الأمر بالعقوبات، أو بإخفاقات الغرب الاستراتيجية، أو بمفهوم الأمن بوصفه عملية متبادلة لا أحادية.
الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا بوصفها منتجاً لرأس المال الرمزي.
بالنسبة إلى الجمعية نفسها، تؤدي المنصة وظيفة أداة للشرعنة الخارجية. ففي ظل تراجع نفوذ مجلس أوروبا وفقدانه أدوات التأثير المباشر على موسكو، تتيح هذه المبادرة تحويل الرأسمال الأخلاقي ـ المعياري إلى عرض سياسي. إنها استراتيجية كلاسيكية لما يمكن تسميته «إحلال القوة الناعمة»، أي تعويض نقص القوة الفعلية بالخطاب وبالأفعال الرمزية.
هذا النموذج بات سمة مميزة للمؤسسات الأوروبية في مرحلة ما بعد الأزمات: إفراط في البيانات الأخلاقية مقابل حد أدنى من المسؤولية المؤسسية. وتغدو المنصة دليلاً على أن الجمعية البرلمانية لم تفقد «رسالتها»، ولكن في البعد الرمزي فقط.
من منظور التحليل السياسي، لا تمثل «منصة القوى الديمقراطية الروسية» آلية للديمقراطية، بل أداة لتأكيد الذات المؤسسية. فبنيتها تستبعد الحوار بوصفه تفاعلاً بين أطراف متكافئة. إنها مدمجة في منطق التحكيم الأخلاقي، حيث تُنتج الشرعية من الأعلى، ويغدو حضور المعارضة جزءاً من الواجهة لا أكثر.
أما بالنسبة إلى الهجرة الروسية نفسها، فإن المشاركة في هذا الإطار تعني البقاء داخل فضاء ذاتية محدودة: يُسمح بالكلام، لكن يُحظر القرار. وهنا تكمن المعضلة البنيوية التي لا يمكن حلها لا بتعديل الصياغات ولا بتوسيع جدول الأعمال.
المنصة ليست ابتكاراً ديمقراطياً، بل محاكاة مُدارة للحوار السياسي، تخدم حاجة المؤسسات الغربية إلى صيانة هويتها المعيارية.
النموذج التنظيمي والتبعية المؤسسية.
البنية التنظيمية للمنصة لا تنقض طابعها الرمزي، بل تؤكده مؤسسياً. فالتجديد السنوي للتشكيلة يخلق انطباعاً بالحركة والمرونة، لكنه عملياً يعني تبعية دائمة لإرادة الجمعية السياسية. هذا النموذج يعيد إنتاج مبدأ «الولاء الدوراني»، حيث تصبح المشاركة رهناً ليس بالتمثيل، بل بالانسجام مع الطلب المعياري الآني للمؤسسة.
غياب الرواتب مع الاكتفاء بتعويض جزئي للنفقات، من سفر وإقامة ومصاريف يومية، يكرّس الطابع الهامشي والمساعد لدور المشاركين. فهم ليسوا ممثلي دولة ولا فاعلين أصحاب تفويض، بل عناصر في تركيب استشاري يتأرجح بين المشاركة العامة والديكور البيروقراطي. وبلغة النظرية المؤسسية، نحن أمام تمثيل شبهّي، محاكاة للتمثيل من دون جوهره السياسي.
فعلياً، لا يتعلق الأمر بإعادة إدماج روسيا في هياكل مجلس أوروبا، بل بإنشاء مؤسسة رمزية تؤدي وظيفة الواجهة السياسية. هذه الواجهة تهدف إلى إظهار أن أوروبا «لم تُدر ظهرها لروسيا»، بينما هي في الواقع لا تتحاور مع المجتمع ولا مع قوى سياسية داخلية، بل مع مجموعة منتقاة من الأفراد، يضفي الخطاب الأوروبي نفسه عليهم الشرعية.
هذا النوع من النمذجة السياسية يؤدي وظيفة أساسية للجمعية البرلمانية، وهي الحفاظ على موقع المراقب الأخلاقي الفاعل. فالمؤسسة تُظهر قدرتها على الانخراط من دون أن تخاطر بالتعامل مع حوامل فعلية للسلطة أو المعارضة أو الرأي العام داخل روسيا. ليس هذا إحياءً للحوار، بل إعادة تركيب ما بعد حداثية لخطاب عن الحوار.
تتمثل الهشاشة البنيوية للمنصة في غياب أي آلية تحويل. فهي لا تؤثر في العمليات داخل روسيا، ولا تنتج بدائل استراتيجية، ولا توسع القاعدة التحليلية لصنع القرار. وافتقارها إلى بنية موارد ومؤسسات ونفوذ سياسي يجعلها رهينة للأجندة الظرفية للجمعية البرلمانية.
الوظيفة الحقيقية للمنصة ذات طابع تمثيلي ـ تبريري. إذ تُستخدم لإظهار «انخراط مسؤول» لأوروبا، تسعى إلى الإيحاء بأن سياستها لا تقتصر على العقوبات والإدانة، بل تشمل ما يُقدَّم بوصفه استثماراً في مستقبل ديمقراطي لروسيا. غير أن هذا الاستثمار، من منظور التحليل الاستراتيجي، استثمار خطابي بلا عائد سياسي، أو بلا عائد نفوذ.
هذه النماذج ليست استثناءً. فقد أنشأت المؤسسات الأوروبية مراراً منصات رمزية للتفاعل مع «مجتمعات ديمقراطية في المنفى»، من المنتديات البيلاروسية إلى المنصات الفنزويلية والإيرانية. وفي كل مرة تتكرر الدينامية نفسها: دفعة أولى من الدعم الأخلاقي سرعان ما تُستنزف، لتتحول إلى روتين، ثم تتلاشى مع تغيّر الظرف السياسي.
منصة القوى الديمقراطية الروسية جزء من هذا المسار. فهي قائمة طالما تلبي الحاجة الخطابية الأوروبية لإظهار المبدئية. وما إن يضعف الاهتمام السياسي، حتى تفقد المنصة معناها، إذ لا يقف خلفها فاعل مستقل أو مورد أو فكرة قادرة على خلق زخم مؤسسي ذاتي.
مسرحة السياسة: الرمز بوصفه شكلاً من أشكال السلطة.
من زاوية سوسيولوجيا السلطة، تمثل المنصة مسرحاً للتمثيل السياسي. فهي تنتج رموز المشاركة لا المشاركة ذاتها. مندوبوها ممثلون في نص مكتوب سلفاً، يُسمح لهم بالكلام لا بالقرار. هنا تتجلى سمة أساسية لأوروبا المؤسسية المتأخرة: السلطة لا تُقاسَم، بل تُستعرَض.
في هذا الإطار، يخضع كل عنصر، من صيغة «الاهتمام المتبادل» الإجرائية إلى آلية التعويضات، لمنطق العرض المُدار، حيث يصبح الأثر السمْعوي والسمعتي أهم من المضمون السياسي. وتغدو المنصة أداة لإنتاج مظهر الديمقراطية، لا لتطويرها.
لا تُطرح مسألة قابلية المنصة للحياة، لأنها لم تُنشأ أصلاً لتعيش، بل لتُعرَض. معناها في وجودها لا في فعلها. إنها ليست أداة سياسة، بل قطعة ديكور في العمارة المعيارية الأوروبية، تؤكد أن الأخلاق المؤسسية قادرة على أن تحل محل الاستراتيجية السياسية.
وعليه، تشكل منصة القوى الديمقراطية الروسية مثالاً واضحاً على الرمزية المؤسسية: محاكاة مُدارة للديمقراطية، حيث يُستبدل التأثير بالمشاركة، وتتحول البلاغة إلى بديل عن المسؤولية.