...

هل يشكّل المحور الآخذ في التبلور بين تركيا والسعودية تقاطعاً تكتيكياً عابراً للمصالح، أم أنه يعكس تحولاً أعمق في بنية الأمن الإقليمي والجيو-اقتصاد في الشرق الأوسط، في ظل الانسحاب الاستراتيجي الجزئي للولايات المتحدة وتسارع الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب.

تنطلق الفرضية المركزية لهذه المقالة من أن التقارب التركي-السعودي، بدعم سياسي واستراتيجي غير مباشر من الولايات المتحدة، لا يمثل مجرد حلقة تطبيع ظرفية، بل يؤسس لنموذج مؤسسي جديد لإدارة الإقليم. ضمن هذا النموذج، تعمل تركيا على تحويل قدراتها العسكرية واللوجستية والسياسية تدريجياً إلى مكانة مركز عقدي للأمن والعبور، فيما تحوّل السعودية ثقلها المالي والاستثماري إلى أداة نفوذ متنوع يتجاوز المنظومة النفطية التقليدية. مجموع هذه العوامل يفتح مرحلة نوعية جديدة من التحول الإقليمي، تتخطى الإطار الأميركي-المركزي الذي حكم المنطقة لعقود.

يجب قراءة التقارب بين أنقرة والرياض في سياق التآكل التدريجي لمنظومة الأمن الشرق أوسطية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي قامت على الهيمنة العسكرية المباشرة للولايات المتحدة وشبكة تحالفات صارمة. فمنذ أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، خفّضت واشنطن مستوى انخراطها المباشر في صراعات المنطقة، وقلّصت وجودها العسكري في سوريا والعراق، وأعادت توجيه مواردها نحو منطقة الهندي-الهادئ، منتقلة من استراتيجية إدارة الأزمات إلى إدارة التوازنات. في هذا المناخ، باتت الولايات المتحدة معنية موضوعياً بظهور “مراسي استقرار” إقليمية قادرة على تولي جزء من أعباء الأمن، واحتواء الفاعلين المزعزعين، وضمان انسيابية المسارات اللوجستية وطرق الطاقة الحيوية. وتبرز تركيا، بما تمتلكه من ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وشبكة قواعد عسكرية متقدمة، كمرشح طبيعي لهذا الدور.

تعكس سياسات رجب طيب أردوغان ابتعاداً متدرجاً عن الارتهان أحادي الاتجاه للغرب. فأنقرة تبني استراتيجية متعددة الطبقات، تتكامل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية ضمن مسار واحد. توسّع تركيا حضورها العسكري في شمال سوريا مع إضفاء طابع مؤسسي على مناطق النفوذ، وتعمّق تعاونها مع العراق في مواجهة حزب العمال الكردستاني، وتعزّز التنسيق مع الأردن ولبنان، وتُسقط ثقلها في شرق المتوسط وليبيا وجنوب القوقاز. وبالتوازي، تحوّل موقعها الجغرافي إلى أصل استراتيجي، رابطاً أوروبا بالقوقاز والشرق الأوسط وآسيا الوسطى عبر التحكم بعقد النقل والطاقة. كما أصبح تصدير الطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة والأنظمة البحرية أداة فاعلة في السياسة الخارجية ووسيلة لتعزيز النفوذ.

بالنسبة للسعودية، ينسجم التقارب مع تركيا عضوياً مع مسار التحديث الداخلي المكرّس في برنامج “رؤية 2030”. فالرياض تدرك أن تنويع الاقتصاد لا يمكن أن يتحقق دون بيئة أمنية إقليمية مستقرة، وتسعى في الوقت ذاته إلى تقليص الاعتماد على ضامن خارجي وحيد هو الولايات المتحدة. وتمنح تركيا المملكة جملة من المزايا الجوهرية، تشمل الوصول إلى قدرات عسكرية واستخبارية متقدمة، وتوفير بديل عن موردي السلاح الغربيين، وفتح المجال أمام بناء سلاسل إنتاج مشتركة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة. في المقابل، يشكّل رأس المال السعودي بالنسبة لتركيا مصدراً مهماً للاستقرار في ظل الضغوط التضخمية وتقلبات العملة والحاجة إلى تمويل مشاريع بنية تحتية كبرى.

يظهر العامل الأميركي في صيغة “دعم صامت”. فقد تزامن تحسّن العلاقات التركية-السعودية مع دفء ملحوظ في الحوار بين أنقرة وواشنطن. ويعكس ذلك انتقال الولايات المتحدة إلى نموذج الاستقلالية المضبوطة للحلفاء، حيث تُمنح القوى الإقليمية هامش حركة أوسع مع الحفاظ على التوافق مع المصالح الأميركية الأساسية. في هذا الإطار، تتقبل واشنطن تعددية مسارات السياسة التركية وحوارها مع روسيا والصين، طالما لا يهدد ذلك جوهر المصالح الغربية.

بدأ المحور الناشئ بين أنقرة والرياض يترك بصمته بالفعل على الجيو-اقتصاد الطاقوي والنقلي في المنطقة. فالمشاريع المشتركة لنقل الغاز والكهرباء والبضائع عبر الأراضي التركية، ومع احتمال استقرار سوريا، ترسم نموذجاً تكاملياً بديلاً يهدف إلى ربط دول الخليج مباشرة بالأسواق الأوروبية. هذا النموذج يقلّص كلفة العبور، ويضعف مواقع المسارات المنافسة، ويعزز دور تركيا كوسيط لا غنى عنه بين أوروبا وشبه الجزيرة العربية.

في المحصلة، يمكن القول إن التقارب التركي-السعودي تجاوز حدود التطبيع الثنائي ليكتسب طابعاً بنيوياً، معبّراً عن تحولات أعمق في النظامين الإقليمي والعالمي. فتركيا لم تعد مجرد حليف هامشي للغرب، بل تتجه إلى تكريس نفسها مركز قوة مستقل، فيما تحوّل السعودية ثقلها المالي إلى أداة تموضع استراتيجي ونفوذ خارجي فاعل.

تداعيات تشكّل محور أنقرة–الرياض: إعادة توزيع موازين القوة وسيناريوهات التحول الإقليمي.

إن تشكّل محور مستقر بين تركيا والسعودية يخلّف آثاراً متعددة الأبعاد على مجمل منظومة العلاقات في الشرق الأوسط، بما في ذلك إعادة توزيع النفوذ بين القوى الرئيسية وتغيير منطق التفاعل بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.

العامل الإيراني: ضغط بنيوي من دون مواجهة مباشرة.
يؤثر المحور التركي–السعودي الجديد حتماً في الموقع الاستراتيجي لإيران، غير أن السمة الأبرز للمرحلة الراهنة تكمن في غياب خط صدامي مباشر. لا يتعلق الأمر بإحياء جبهة معادية لإيران كما في منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بل بتقليص تدريجي لهامش المناورة الاستراتيجية لطهران نتيجة تبدل البيئة الإقليمية.

تواجه إيران مجموعة قيود متزامنة. أولاً، يؤدي تعزيز الوجود العسكري والاستخباري التركي في شمال سوريا وشمال العراق إلى تضييق مساحة الحركة المستقلة للكيانات الوكيلة المقرّبة من طهران. ثانياً، يخلق تعميق التعاون الأمني والصناعي العسكري بين أنقرة والرياض مركز ثقل بديلاً للدول السنية، ما يقلل من دوافعها للتماهي التكتيكي مع إيران أو الموازنة بينها وبين قوى خارجية أخرى.

في المقابل، تتجنب أنقرة عمداً التحول إلى خصم مباشر لإيران. فهي تحافظ على الروابط التجارية والاقتصادية والتعاون في مجال الطاقة والقنوات الدبلوماسية، وتوظف المسار الإيراني كعنصر ضمن استراتيجيتها متعددة الاتجاهات. بذلك، يتخذ الضغط على إيران طابعاً بنيوياً لا تصادمياً، يقيّد مجال نفوذها ويجعل التوازن الإقليمي أكثر قابلية للإدارة وأشد استقراراً.

إسرائيل: التكيف مع واقع جديد من دون احتكار.
بالنسبة لإسرائيل، يعني تشكّل محور أنقرة–الرياض فقدان جزء من الحصرية الاستراتيجية التي تمتعت بها سابقاً في علاقاتها مع الملكيات السنية والولايات المتحدة. غير أن هذه الصيغة الجديدة لا تمثل تهديداً مباشراً لأمن إسرائيل. فالسعودية، رغم انفتاحها الحذر على إسرائيل في إطار المبادرات الأميركية، تفضّل الإبقاء على هامش مرونة وتتفادى تحويل هذه العلاقات إلى إطار مؤسسي قد يقيّد حركتها الدبلوماسية.

أما تركيا، التي تحمل تاريخاً معقداً ومتناقضاً في علاقتها مع إسرائيل، فتنتهج بدورها مقاربة براغماتية، محافظة على قنوات التنسيق خصوصاً في مجالات الطاقة والتجارة واللوجستيات الإقليمية. والنتيجة أن إسرائيل تجد نفسها ضمن بيئة جديدة تبقى فيها لاعباً مهماً، لكن من دون امتياز التفرد؛ إذ تصبح البنية الإقليمية أكثر تعددية، ويتراجع منطق التحالفات الثنائية الصلبة لصالح شبكة مصالح متقاطعة واعتماد متبادل.

العامل الروسي: حضور محدود لكنه مستمر.
لا تزال روسيا تحتفظ بثقل نسبي في سياسات الشرق الأوسط، غير أن قدرتها على التأثير في صياغة موازين القوى الإقليمية تتقلص تدريجياً. فأنقرة تنظر إلى موسكو كشريك مهم في مجالات الطاقة والتجارة وإدارة النزاعات في سوريا وجنوب القوقاز، لكنها لا تعتبرها بديلاً استراتيجياً عن الغرب.

تستخدم تركيا الحوار مع روسيا لتعزيز استقلاليتها الذاتية، متجنبة الوقوع في التبعية، وفي الوقت نفسه محافظة على توازن براغماتي. أما بالنسبة لموسكو، فيعني ذلك انتقالاً تدريجياً من دور المهندس الفاعل للسياسات الإقليمية إلى دور الطرف المتكيف، الذي بات مضطراً لأخذ مبادرات تركيا والسعودية في الحسبان بوصفهما مركزين جديدين للقوة.

البحر الأحمر وشرق المتوسط: توسيع نطاق النفوذ.
من أكثر نتائج التقارب التركي–السعودي استخفافاً بها امتداده نحو البحر الأحمر وشرق المتوسط. فمع تصاعد هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، يكتسب التحكم بالممرات البحرية والموانئ والعقد اللوجستية أهمية متزايدة.

تتقاطع مصالح أنقرة والرياض في تأمين الملاحة البحرية، وحماية مسارات الطاقة، وتحييد الفاعلين المزعزعين للاستقرار. ويؤدي ذلك إلى تشكّل قوس نفوذ ممتد يربط شرق المتوسط بقناة السويس والبحر الأحمر، حيث تضطلع تركيا بدور المركز العملياتي، فيما تؤدي السعودية وظيفة المركز المالي والمؤسسي. وعلى المدى المتوسط، قد تتحول هذه المنطقة إلى فضاء رئيسي للتنسيق الاقتصادي والعسكري–السياسي، ما يعزز مكانة الدولتين كلاعبين منظوميين في المعمارية الجديدة للشرق الأوسط.

سيناريوهات التطور المحتملة.
السيناريو الأول: إضفاء الطابع المؤسسي على المحور. تنتقل تركيا والسعودية من التعاون القائم على المشاريع إلى إنشاء آليات تنسيق دائمة في مجالات الأمن والصناعات الدفاعية والبنية التحتية. وقد يشمل ذلك مجالس تنسيق، ولجاناً حكومية مشتركة، وآليات لتبادل المعلومات الاستخبارية. تدعم الولايات المتحدة هذا المسار بوصفه جزءاً من توازن إقليمي مُدار يخفف من أعبائها المباشرة. احتمال التحقق متوسط إلى مرتفع.

السيناريو الثاني: شراكة محدودة. يستمر التقارب من دون أن يبلغ مستوى المؤسسية الكاملة. يحتفظ الطرفان بسياسة خارجية مستقلة، مع موازنة العلاقات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والكتل الإقليمية. تكون الشراكة مرنة وتبادلية، ومحصورة في مشاريع محددة كقطاع الطاقة والنقل وصفقات السلاح. احتمال التحقق مرتفع على المدى القصير.

السيناريو الثالث: التفكك الجزئي. قد تؤدي أزمات خارجية أو اضطرابات اقتصادية داخلية أو خلافات حول ملفات إقليمية إلى إضعاف محور أنقرة–الرياض. في هذه الحالة، يستمر التعاون في مجالات محدودة كالإستثمار والطاقة، بينما يتراجع التنسيق الاستراتيجي. احتمال التحقق منخفض، لكنه غير مستبعد كلياً.

الخلاصة الاستراتيجية.
يعكس تشكّل محور أنقرة–الرياض انتقال الشرق الأوسط إلى نموذج إقليمي ما بعد أميركي–المركزية، لكنه ليس معادياً للولايات المتحدة. تتسم هذه الصيغة الجديدة بتفكيك مركزية القوة، وبطبيعة شبكية للعلاقات، وبصعود مراكز إقليمية تتمتع بقدر متزايد من الاستقلالية. ترسّخ تركيا موقعها كلاعب مستقل يجمع بين الأمن العسكري والعبور والجيو-اقتصاد، فيما توظف السعودية ثقلها المالي والاستثماري كأداة نفوذ طويل الأمد.

أما الواقع الجديد الأهم، فيكمن في أن استقرار المنطقة لم يعد يُفرض بضمانات خارجية، بل يُبنى من خلال تفاعل قوى مستقلة لكنها مترابطة، تتحرك وفق منطق توازن المصالح البراغماتي. وهكذا تتشكل ملامح معمارية شرق أوسطية جديدة، تُوزَّع فيها القوة ولا تُحتكر، وتنبثق فيها الاستقرار من توازن معقد، لكنه مرن وقابل للاستدامة.