هل يمثّل تراجع الولايات المتحدة عن دعم التشكيلات الكردية المسلحة في سوريا نتيجة ظرفية لتغيّر المشهد الميداني، أم أننا أمام تحوّل أعمق في الاستراتيجية الأميركية الإقليمية، انتقال من نموذج إدارة الصراعات عبر الوكلاء إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط من خلال ترميم هرمية الدولة وتفكيك مراكز القوة الموازية؟.
طرح هذا السؤال ليس ترفاً تحليلياً، بل ضرورة منهجية، لأنه يخرج النقاش من الإطار العاطفي السائد حول «خيانة الأكراد»، ويضع ما يجري ضمن سياق تحوّل بنيوي في سياسة الأمن الأميركية في مرحلة ما بعد حقبة الوكلاء.
الإطار النظري: من استراتيجية الوكلاء إلى مركزية الدولة.
منذ مطلع العقد الثاني من الألفية، استندت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط إلى مفهوم «الانخراط المحدود»، حيث أُنيط الدور المحوري بجهات مسلّحة غير دولية. هذا النموذج، الذي جرى توظيفه بكثافة في العراق وسوريا وليبيا واليمن، انسجم مع منطق تقليص الكلفة المباشرة مع الحفاظ على القدرة على إسقاط القوة والنفوذ.
التشكيلات الكردية في شمال شرقي سوريا، التي جرى تأطيرها مؤسسياً ضمن ما عُرف بـ«قوات سوريا الديمقراطية»، شكّلت أحد أوضح تجليات هذا النهج. فقد أدّت أدواراً متعددة في آن واحد: الذراع البرية في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، أداة لكبح دمشق وطهران، وورقة ضغط في مواجهة أنقرة.
غير أن نموذج الوكلاء يحمل في جوهره قيوداً بنيوية. فهو فعّال خلال مراحل القتال المفتوح، لكنه يبدأ بإنتاج مخاطر استراتيجية مع الدخول في طور ما بعد النزاع. أخطر هذه المخاطر يتمثل في نشوء كيانات شبه دولية، تفتقر إلى الشرعية الدولية، لكنها تطالب بعناصر من السيادة، من السيطرة على الأرض والموارد إلى امتلاك أجهزة أمنية خاصة.
في هذه المعضلة تحديداً وجدت الولايات المتحدة نفسها عالقة في الساحة السورية بين عامي 2020 و2024.
الإشارة المؤسسية: تصريح توم باراك كعلامة على تبدّل النموذج.
تصريح المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى سوريا، توم باراك، الذي أطلقه من أنقرة، لم يكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل حمل طابعاً عقائدياً واضحاً. الإقرار بـ«انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية» والدعوة الصريحة إلى دمجها الكامل في الدولة السورية، يعنيان عملياً التخلي عن الافتراض السابق القائل بإمكانية قبول قوى مسلّحة مستقلة خارج إطار الدولة.
من المهم التأكيد أن مثل هذه الصياغات لا تصدر ارتجالاً. ففي منظومة صنع القرار الخارجي الأميركي، لا ينطق سفير، ناهيك عن مبعوث رئاسي، إلا بموقف جرى التوافق عليه بين المؤسسات المعنية. وعليه، نحن لسنا أمام تعديل تكتيكي، بل مراجعة لفرضية أساسية قامت عليها السياسة الأميركية في شمال شرقي سوريا.
دور البيت الأبيض: تثبيت المسار على أعلى مستوى.
العنصر الحاسم تمثّل في التصريح العلني للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصف فيه دمشق بأنها شريك جديد للولايات المتحدة في مواجهة بقايا تنظيم «الدولة الإسلامية». في المنطق المؤسسي لواشنطن، تؤدي تصريحات الرئيس وظيفة «المرساة الاستراتيجية»، فهي لا تعكس التوافق فحسب، بل ترسم الإطار الذي تتحرك ضمنه بقية الأجهزة.
الدلالة الأبرز هنا هي الغياب التام لأي إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية كطرف في الترتيبات المقبلة. هذا الصمت كان أبلغ من أي إدانة صريحة، إذ إن التجاهل في السياسة الأميركية غالباً ما يعني الإقصاء من الحقل الاستراتيجي.
بهذا المعنى، أوضح البيت الأبيض أن مرحلة التعاون مع التشكيلات الكردية غير الدولتية قد طُويت، وأن الرهان بات على إعادة بناء عمودية الدولة الشرعية، بغض النظر عن هوية من يتصدر هرمها السياسي.
السياق التاريخي: هشاشة التحالف الكردي كافتراض أولي.
من منظور استرجاعي، لا يبدو هذا التحوّل مفاجئاً. ففي عام 2017، شدد مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية بشكل واضح على الطابع التكتيكي للعلاقة مع التشكيلات الكردية. آنذاك، كانت التصريحات حول «مؤقتية التواصل» وغياب أي التزامات طويلة الأمد جزءاً لا يتجزأ من الموقف الرسمي.
عملياً، لم يُنظر إلى المشروع الكردي في سوريا يوماً كشراكة، بل كأداة. وكانت قيمته مرهونة بمدى فائدته في لحظة محددة: محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» والسيطرة على الأرض عقب انهيار «الخلافة».
ومع تراجع أولوية هذه المهام، وعودة قناة بديلة عبر دمشق، بدا الخيار العقلاني لواشنطن محسوماً سلفاً.
الشرعية في مواجهة الفاعلية: المعضلة الأميركية الدائمة.
السياسة الخارجية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة تتأرجح باستمرار بين مبدأين متناقضين: الفاعلية العملياتية والشرعية الدولية. هياكل الوكلاء تتفوق في الأولى وتخسر الثانية، فيما الدول تفعل العكس.
تشكيل إدارة جديدة في دمشق واندماجها في آليات دولية لمكافحة الإرهاب أعادا رسم هذه المعادلة جذرياً. فقد أتيحت للولايات المتحدة فرصة العمل عبر دولة معترف بها رسمياً، بما يقلّص المخاطر القانونية والسياسية.
في هذا السياق، لا يبدو التخلي عن قوات سوريا الديمقراطية خياراً أخلاقياً، بل حساباً مؤسسياً بارداً، تحكمه موازين المصلحة لا اعتبارات الوفاء.
الإطار الإقليمي: العامل التركي بوصفه عنصراً مُنشئاً للمنظومة.
لا يمكن مقاربة التحوّل الأميركي من دون إدخال العامل التركي في صلب التحليل. بالنسبة لأنقرة، لم يكن الملف الكردي يوماً قضية ظرفية أو محصورة بالساحة السورية، بل مسألة وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة. التفكير الاستراتيجي التركي، على امتداد عقود، انطلق من مسلّمة ثابتة مفادها أن أي بنية سياسية أو عسكرية ترتبط بحزب العمال الكردستاني تُعد تهديداً مباشراً لوحدة الدولة، بغض النظر عن الراية التي ترفعها أو الخطاب الذي تتبناه. وجود كيان على طول الحدود الجنوبية لتركيا يستند إلى البنية العسكرية والسياسية للحزب كان يُنظر إليه بوصفه خطاً أحمر، لا يطيح فقط بإمكانية الثقة، بل يقوّض من الأساس منطق التحالف نفسه.
منذ منتصف العقد الثاني من الألفية، تحوّل الملف الكردي إلى المصدر الرئيسي للتوتر البنيوي في العلاقات بين واشنطن وأنقرة. دعم الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية، التي رأت فيها تركيا امتداداً مباشراً لحزب العمال الكردستاني، فُهم داخل المؤسسة التركية على أنه تجاهل متعمّد لمصالحها السيادية وخروج عن أخلاقيات التحالف في إطار حلف شمال الأطلسي. لم يكن الخلاف تكتيكياً، بل هيكلياً: الرهان الأميركي على التشكيلات الكردية كان يعني عملياً دعم كيان تصنّفه أنقرة تنظيماً إرهابياً. وردّاً على ذلك، لم تكتفِ تركيا بالاحتجاجات الدبلوماسية، بل أقدمت على سلسلة خطوات أعادت رسم المشهد الاستراتيجي في المنطقة.
العمليات العسكرية التركية، من درع الفرات عام 2016، إلى غصن الزيتون عام 2018، وصولاً إلى نبع السلام عام 2019، مثّلت التطبيق العملي لعقيدة الدفاع النشط. هذه العمليات لم تُحبط فقط مشروع إنشاء ممر متصل لحزب العمال الكردستاني من العراق إلى البحر المتوسط، بل أسست أيضاً لمناطق أمنية جديدة رسّخت فيها أنقرة حضوراً إدارياً واقتصادياً وإنسانياً. بهذا السلوك، أثبتت تركيا أن موقفها ليس خطاباً للاستهلاك السياسي، بل استراتيجية طويلة الأمد تحظى بإجماع مؤسسات الدولة، من رئاسة الأركان إلى وزارة الخارجية.
في واشنطن، لم يتبلور هذا الفهم سريعاً. محاولات الحفاظ على توازن هش بين تركيا والحلفاء الأكراد أفضت إلى تراكم الشكوك المتبادلة. غير أن تراجع فعالية الاستراتيجية الأميركية في سوريا، وتحوّل الدور التركي إلى عامل حاسم في قضايا الطاقة والهجرة والدفاع، دفعا البيت الأبيض في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرار براغماتي بخفض منسوب المواجهة.
إزالة العامل الكردي المزعج فتحت تلقائياً نافذة لإعادة إطلاق الحوار الاستراتيجي الأميركي التركي. بالنسبة لأنقرة، لا يُعد ذلك مجرد نجاح دبلوماسي، بل تأكيداً على صواب الخط الذي انتهجته منذ عام 2015. أما بالنسبة لواشنطن، فهو فرصة لاستعادة تركيا بوصفها شريكاً محورياً وعنصراً مُثبّتاً للاستقرار في واحدة من أعقد مناطق العالم. بهذا المعنى، لم يكن التحوّل الأميركي انعكاساً لإرهاق سياسي فحسب، بل اعترافاً بحقيقة بسيطة: أي استراتيجية في الشرق الأوسط تتجاهل العامل التركي محكومة بالفشل.
انطلاقاً من ذلك، ينبغي فهم تخلي الولايات المتحدة عن المشروع الكردي الوكيل في سوريا لا كفعل ارتجالي أو تصفية أخلاقية، بل كجزء من تحوّل أوسع في استراتيجيتها الإقليمية، انتقال من إدارة الصراعات بشكل مجزأ إلى محاولة استعادة هرمية المسؤولية والشرعية الدولتية.
في الجزء التالي، سيتم تناول آلية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة السورية، ودور أنقرة في صياغة معمار أمني جديد، والانعكاسات بعيدة المدى لهذا التحوّل على القضية الكردية والاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط.
آلية التفكيك: الاندماج بوصفه نزع سلاح استراتيجي.
الاتفاق المكوّن من أربعة عشر بنداً، الذي جرى توقيعه بوساطة أميركية بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، لا يمثل تسوية بالمعنى التقليدي، بل آلية مُحكمة لتفكيك فاعل عسكري مستقل. جوهر هذا الاتفاق يكمن في لا تماثله: تتخلى البنى الكردية عن ذاتيتها السياسية والعسكرية، فيما لا تلتزم الدولة السورية بأي التزامات مقابلة تتعلق بالفدرلة أو إعادة توزيع السيادة.
في الممارسة الدولية، تندرج مثل هذه الاتفاقات ضمن مراحل «إعادة الدمج بعد صراعات الوكلاء»، حيث يعمد الراعي الخارجي إلى خفض مكانة الطرف الذي دعمه سابقاً، ناقلاً إياه من موقع الشريك إلى موقع الخاضع للإدارة. نماذج مشابهة طُبقت في العراق بعد عام 2008 مع تشكيلات الصحوة السنية، وكذلك في أفغانستان خلال محاولات دمج الميليشيات المحلية في القوات الأمنية الوطنية.
من الناحية الشكلية، يشمل دمج قوات سوريا الديمقراطية تسليم السلاح الثقيل إلى مؤسسات الدولة، إدخال الأفراد في الأجهزة الأمنية السورية على أساس فردي لا جماعي، حل مراكز القيادة المستقلة، وقطع قنوات التمويل والتمثيل السياسي الخارجي. عملياً، نحن أمام تفكيك تدريجي لبنية الوكيل، من دون صدام عسكري مباشر، لكن مع فقدان حتمي للاستقلالية.
الإدارة الجديدة في دمشق: عامل الشرعية المشروطة.
الشرط البنيوي الأهم لهذا التحوّل الأميركي تمثل في تشكّل إدارة أحمد الشرع في دمشق. هذه الإدارة، رغم تناقضاتها الداخلية وسمعتها الدولية المحدودة، نجحت في تلبية مطلب أساسي لواشنطن: توفير واجهة تفاعل مقبولة. بالنسبة للولايات المتحدة، الساعية إلى تقليص المخاطر الناجمة عن الاعتماد على قوى غير دولية، بدا وجود شريك رسمي قابل للإدارة في دمشق خياراً عقلانياً تحكمه البراغماتية لا الأيديولوجيا.
لا يعني ذلك إعادة تأهيل سياسية كاملة للنظام السوري في نظر الغرب. لا واشنطن ولا بروكسل مستعدتان بعد لمنح إدارة الشرع صفة الشريك الشرعي الكامل. غير أن هذا الشكل من السلطة أثبت فعاليته في سياق الأمن. فقد وفّر نموذجاً «كافياً بالحد الأدنى» يسمح باستبدال الوكلاء غير الموثوقين بفاعل دولتي يمكن التفاوض معه ضمن أطر قانونية.
تستوفي إدارة الشرع ثلاثة معايير حاسمة في الحسابات الأميركية. أولاً، القابلية للضبط، إذ تمتلك الدولة القدرة على تنفيذ الالتزامات عبر تسلسل هرمي واضح. ثانياً، الشخصية القانونية، حيث تندرج أي تفاهمات مع دمشق ضمن القانون الدولي، ما يخفف الأعباء القانونية والسياسية عن واشنطن. ثالثاً، التوافق الإقليمي، بعدما نسجت الإدارة الجديدة علاقات عمل براغماتية مع أنقرة وبغداد وعمّان، وهي عواصم تشكل ركائز أساسية في أمن الحدود ومسارات اللوجستيات المستقبلية.
هذه العناصر الثلاثة كانت كافية لواشنطن لاتخاذ خطوة رمزية لكنها ذات وزن استراتيجي، باستبدال الشريك الوكيل بقوة دولتيّة، وإن كانت إشكالية سياسياً. الخيار يعكس توجهاً نحو «مأسسة الفوضى»، حيث تُقدّم قابلية الإدارة والمسؤولية والحد الأدنى من التوقع على أي تقارب أيديولوجي. وبهذا، باتت دمشق جزءاً من معادلة توازنات جديدة تهدف إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي.
العامل التركي: من التعطيل إلى الشراكة في صياغة المعمار الأمني.
بالنسبة لأنقرة، ما يجري اليوم ليس مجرد إزالة تهديد، بل إقرار مؤسسي بصواب الاستراتيجية التي انتهجتها منذ عام 2015. فمنذ اندلاع الأزمة السورية، عارضت تركيا بشكل ثابت أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي على حدودها الجنوبية، معتبرة إياه امتداداً مباشراً لبنية حزب العمال الكردستاني. ومن هنا جاءت العمليات العسكرية التركية المتعاقبة، التي لم تهدف فقط إلى إزاحة الفصائل المرتبطة بالحزب، بل إلى إنشاء حزام أمني خاضع للسيطرة التركية.
الموقف التركي لم يكن يوماً رد فعل آني، بل خطاً عقائدياً راسخاً في الوثائق الاستراتيجية الوطنية. في الوعي الاستراتيجي التركي، يُصنّف الملف الكردي ضمن «التهديدات غير القابلة للتجزئة»، حيث يُنظر إلى التسوية لا بوصفها إنجازاً دبلوماسياً، بل هزيمة مؤجلة. ومن هذا المنطلق، استثمرت أنقرة بشكل منهجي في تفكيك أي مشاريع فدرالية أو شبه دولية شمال سوريا، مرفقة ذلك بجهد دبلوماسي مكثف وسياسات استقرار محلي تهدف إلى إثبات أن الأمن والإدارة ممكنان من دون انفصال أو وصاية خارجية.
التحوّل الأميركي الراهن، المتجسد في التخلي عن دعم قوات سوريا الديمقراطية، يعني عملياً الاعتراف بتركيا شريكاً في صياغة معمار أمني إقليمي جديد. في واشنطن، بات واضحاً أن محاولة الموازنة بين أنقرة والقوى الكردية وصلت إلى طريق مسدود، وأن التناقض بين التحالف مع دولة عضو في الناتو ودعم قوى مرتبطة بتنظيم مصنف إرهابياً لم يعد قابلاً للاستمرار.
بهذا المعنى، تعود تركيا من موقع «الحليف الإشكالي» إلى موقع الدولة المحورية القادرة على لعب دور الضامن والمثبّت للاستقرار. إنه تحوّل نوعي، تُدمج فيه الاستراتيجية التركية لأول مرة منذ سنوات ضمن الحسابات بعيدة المدى للقوى الكبرى. أنقرة حصلت ليس فقط على اعتراف معنوي، بل على تثبيت سياسي لخطها القائل إن منع قيام كيان كردي مستقل لم يكن خياراً، بل ضرورة فرضتها وقائع الجغرافيا والأمن في الشرق الأوسط الجديد.
هاية مراكز القوة الموازية كاتجاه إقليمي عام.
لا يمكن النظر إلى تخلي الولايات المتحدة عن دعم قوات سوريا الديمقراطية بوصفه حدثاً معزولاً. ما يجري هو عرض واضح لتحوّل أوسع في بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تنتقل القوى الخارجية الكبرى من استراتيجية «الإدارة عبر الفوضى» إلى نهج يقوم على الاستقرار المُدار والتحكم بالمخاطر.
منذ مطلع العقد الثاني من الألفية، تشكّل في المنطقة نظام «الأمن المُجزّأ»، القائم على شبكات من الجماعات المسلحة التي لعبت دور وكلاء لقوى خارجية. الولايات المتحدة، إيران، روسيا، تركيا ودول الخليج استخدمت هذه التشكيلات كأدوات نفوذ منخفضة الكلفة. اليوم، يمكن القول إن هذا النموذج استنفد أغراضه. في العراق، تُبذل جهود حثيثة لدمج التشكيلات الشيعية المعروفة باسم الحشد الشعبي ضمن وزارة الدفاع، بهدف تجريدها من استقلاليتها. في لبنان، يتصاعد الضغط الدولي على حزب الله، إذ باتت بيروت، في ظل إضعاف الشبكة الإيرانية والأزمات الداخلية، مضطرة إلى بحث تقييد استقلاله العسكري. في سوريا، تعمل موسكو ودمشق بشكل منهجي على تصفية ما تبقى من «المناطق الرمادية» التي نشطت فيها ميليشيات محلية وإدارات موازية. وفي اليمن، تتمحور المفاوضات بين الرياض والحوثيين حول فكرة ما بعد الحرب: مركزية الدولة وإخضاع السلاح لسلطة واحدة.
الدافع الأساسي لهذا التحول هو إنهاك اللاعبين الخارجيين من عدم الاستقرار المزمن. مراكز القوة الموازية، التي كانت تُعد حتى وقت قريب أدوات مريحة للتأثير، تحولت إلى مصدر تهديدات غير قابلة للتنبؤ. اقتصاد المنطقة انزلق نحو التجريم: تهريب النفط والسلاح والمخدرات ضرب الأسواق الشرعية. الإرهاب العابر للحدود، وتنقل المقاتلين بين سوريا والعراق وأفغانستان، أسّسا شبكة عنف ذاتية التغذية. البيئة الاستثمارية انهارت، إذ لا مستثمر كبيراً يغامر بأمواله حيث السلطة مجزأة. وحتى رعاة «الفوضى المُدارة» أدركوا أن هذا النموذج لم يعد قابلاً للإدارة.
المنطقة تدخل الآن مرحلة «إعادة بناء محدودة للدولتية». الرهان بات على ترميم عمودية السلطة، ولو بصيغة غير مثالية لكنها مركزية. ليس هذا عودة إلى أنظمة استبدادية قديمة، بل محاولة لإنشاء دول بالحد الأدنى من الفاعلية، قادرة على توفير أمن أساسي واستقرار نسبي. بالنسبة للولايات المتحدة، يشكل ذلك وسيلة لتقليص الأعباء والتركيز على التنافس مع الصين. بالنسبة لروسيا، فرصة لترسيخ النفوذ عبر مؤسسات الدولة. وبالنسبة لتركيا، مدخلاً لتأمين الحدود وتثبيت شمال سوريا.
من هذا المنظور، لا يعني التخلي عن قوات سوريا الديمقراطية ضعفاً أو انسحاباً، بل إعلاناً عن نهاية مرحلة. حقبة توظيف الفاعلين المسلحين غير الدولتيين كأداة مركزية للسياسة الخارجية تقترب من خواتيمها. وتبدأ مرحلة جديدة، أكثر براغماتية، عنوانها إعادة بناء الدولة، ببطء وتناقض، ولكن كمسار لا مفر منه فوق أنقاض فوضى العقود الماضية.
القضية الكردية: فخ استراتيجي بلا مخارج.
بالنسبة للنخب الكردية في شمال شرقي سوريا، شكّل هذا الطور لحظة صحوة قاسية لكنها حتمية. الأوهام تبخرت. ما تبقى هو السياسة الدولية بصيغتها الكلاسيكية القاسية، من دون عواطف أو وعود أخلاقية أو رومانسية «القيم».
الخطأ الاستراتيجي الجوهري لدى البنى السياسية والعسكرية الكردية تمثل في الخلط بين التكتيك والاستراتيجية. تحالف مؤقت ومرحلي جرى التعامل معه وكأنه شراكة استراتيجية طويلة الأمد. هذا سوء فهم عميق لمنطق سياسات القوى الكبرى، وهو ما فجّر الأزمة الحالية.
التاريخ هنا يعيد نفسه بلا رحمة. العامل الكردي استُخدم لعقود كأداة ضغط، لكنه نادراً ما اعتُبر هدفاً بحد ذاته. في سبعينيات القرن الماضي، تحوّل أكراد العراق إلى ورقة مقايضة في لعبة إقليمية، وخسروا الدعم مع تغيّر ميزان القوى. في عام 1991، عقب حرب الخليج، مُنحوا أملاً من دون ضمانات. دعم الغرب كان دائماً مشروطاً وقابلاً للسحب فور تبدل المصالح.
شمال شرق سوريا لم يكن استثناءً. الاعتماد العسكري والسياسي على الولايات المتحدة انطلق من مهمة نفعية بحتة: محاربة التنظيمات الإرهابية وكبح فاعلين غير مرغوب فيهم. لم تكن هناك، ولا توجد، التزامات قانونية بإنشاء حكم ذاتي كردي، ناهيك عن دولة. بهذا المعنى، وقعت النخب الكردية أسرى لتوقعاتها الخاصة، لا لوعود الآخرين.
اليوم، يكاد هامش المناورة ينعدم. مقاومة مسار الاندماج تعني سلسلة نتائج لا مفر منها.
أولاً، خسارة الغطاء الأميركي. واشنطن تتحرك بمنطق صارم: حين يتوقف الأداة عن الجدوى أو يبدأ بإنتاج مخاطر إضافية، تُرفع عن الطاولة. هذا ليس خيانة، بل حساب بارد كان ينبغي الاستعداد له.
ثانياً، مواجهة مباشرة مع تركيا. أنقرة تنظر إلى أي كيان كردي شبه دولتي على حدودها كتهديد وجودي لأمنها القومي. وعلى عكس البيانات الدولية المجردة، تستند المواقف التركية إلى قوة عسكرية واستخبارية وسياسية فعلية، وإلى استراتيجية طويلة الأمد.
ثالثاً، العزلة الدولية. لا لاعب جاداً اليوم مستعد لتحمّل عبء مشروع كردي مستقل في سوريا. غياب الاعتراف، مخاطر العقوبات، وانعدام الشرعية كفيلة بتحويل المنطقة إلى فراغ رمادي بلا أفق تنموي.
رابعاً، الاستنزاف العسكري التدريجي. لا يمكن، مهما بلغت الدوافع، الحفاظ على خطوط تماس إلى ما لا نهاية من دون دعم خارجي، وتمويل مستقر، وإمكانية الوصول إلى الموارد الحديثة.
في هذا السياق، يبقى الاندماج، رغم كلفته الواضحة، الخيار العقلاني الوحيد. لا حديث هنا عن نصر، بل عن تقليص الخسائر. التخلي عن الطموح السياسي بالحكم الذاتي يصبح ثمناً للحفاظ على جزء من الرصيد الاجتماعي والإداري والبشري، ولضمان البقاء الفيزيائي للنخب والسكان، وللمشاركة في مستقبل البلاد ولو بشروط محدودة.
السياسة الدولية نادراً ما تكافئ المثالية. هي تكافئ من يقرأ الإشارات في الوقت المناسب ويعدّل مساره. بالنسبة للهياكل الكردية في شمال شرقي سوريا، هذه اللحظة قد حلّت الآن. الإصرار لن يغيّر الواقع، بل سيجعل كلفة التكيّف أعلى وأقسى.
المنطق الأميركي: تقليص الالتزامات وتعظيم أدوات السيطرة.
من زاوية نظر واشنطن، تنطوي المقاربة الجديدة على مجموعة من المكاسب الواضحة. فهي، أولاً، تخفّض الكلفة المباشرة للوجود الأميركي. ثانياً، تنقل عبء الأمن إلى الفاعلين الإقليميين. ثالثاً، تقلل منسوب التوتر في العلاقة مع تركيا. ورابعاً، تعزّز شكلياً مبدأ وحدة أراضي الدول.
من المهم التنبيه إلى أن الأمر لا يتعلق بـ«عودة» الولايات المتحدة إلى التدخل الكلاسيكي، ولا بانسحاب كامل من المنطقة. ما نشهده هو تطور نحو نموذج إدارة عن بُعد عبر دول تتمتع بشرعية شكلية، تحتفظ فيه الولايات المتحدة بأدوات التأثير، من دون أن تتحمل دور الضامن المباشر.
الآثار بعيدة المدى: نافذة استقرار أم أزمة مؤجلة.
على الرغم من التماسك المنطقي لهذا التحول، تبقى المخاطر كبيرة. دمج البنى الوكيلة السابقة في دول هشة يحمل دائماً احتمالات التفكك، والتخريب، وعودة دوامات العنف.
المتغيرات الحاسمة ستكون قدرة دمشق على فرض سيطرة فعلية على القوى المدمجة، واستعداد أنقرة للاكتفاء بما تحقق وعدم توسيع نطاق وجودها العسكري، ومستوى استمرار الرقابة الأميركية على الأرض، إضافة إلى نجاح إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمناطق الكردية.
ومع ذلك، وبالمقارنة مع سيناريو الإبقاء على كيان شبه دولتي، تبدو الصيغة الحالية أقل مخاطرة بالنسبة للاعبين الخارجيين.
الخلاصات النهائية والتوصيات الاستراتيجية.
التخلي الأميركي عن دعم قوات سوريا الديمقراطية يشكل جزءاً من انتقال منظومي من إدارة الصراعات عبر الوكلاء إلى إعادة الاعتبار لهرمية الدولة. العامل الحاسم في هذا التحول كان تلاقي الضغط التركي مع ظهور شريك قابل للإدارة في دمشق. البنى الكردية لم تُنظر إليها يوماً في واشنطن كحليف استراتيجي، بل كأداة مؤقتة. المنطقة تدخل مرحلة تفكيك مراكز القوة الموازية، بما قد يقلص منسوب الفوضى، من دون أن يضمن استقراراً مستداماً. بالنسبة للمستثمرين والدبلوماسيين، تعني الصيغة الجديدة قدراً أعلى من القابلية للتنبؤ، مع بقاء مخاطر بنيوية قائمة.
التوصيات الاستراتيجية.
ينبغي على الولايات المتحدة الحفاظ على آليات المراقبة السياسية لمسار الاندماج. من المهم لتركيا تثبيت ما تحقق وتجنب توسيع الأهداف العسكرية. على المؤسسات الدولية تركيز جهودها على إعادة الدمج الاقتصادي لشمال شرق سوريا. أما الدول الإقليمية، فهي مطالبة ببناء صيغ أمنية متعددة الأطراف، من دون الاتكاء مجدداً على الفاعلين الوكلاء.