...

في مطلع القرن الحادي والعشرين، قطعت أفكار ألكسندر دوغين مسارًا نادرًا ما تسلكه حتى أكثر العقائد صلابة: خرجت من الدوائر الباطنية شبه المظلمة إلى قلب السياسة الكبرى. ميتافيزيقا مناهضة لليبرالية، وحتمية جيوسياسية، وخطاب مسياني، تداخلت لتشكّل سردية تُقرأ فيها السياسة الخارجية الروسية بوصفها تنفيذًا لـ«قدر مقدّس»، لا ثمرة اختيار عقلاني. وجاء مقتل داريا دوغينا بوصفه الحدّ الفاصل الذي منح نظرية «الحرب المقدسة» المجردة وجهًا إنسانيًا، وحوّل البناء الفلسفي إلى أداة للتعبئة العاطفية والسياسية.

الجذور وبنية الرؤية الفكرية.
خرج دوغين من رحم الوسط الفكري السفلي في موسكو أواخر سبعينيات القرن الماضي، من ما عُرف بـ«حلقة يوجينسكي»، المتأثرة بفلسفة يوري ماملييف، وحيدر جمال، وإرث رينيه غينون. هؤلاء واجهوا «الحداثة» بوصفها حضارة تدنيس وفقدان للقدسي، بـ«التقليد» المكتوب بحرف كبير. وعلى هذا الأساس، صاغ دوغين نسخته الخاصة من التقليدانية، حيث تمازجت عناصر الفاشية الغامضة مع جيوسياسة كارل هاوسهوفر وفكرة «الإمبراطورية القارية».

في هذا التركيب تحديدًا تتجلّى جوهرية مشروع دوغين: بناء نموذج عالمي مُقدّس، هرمي، وتوسّعي، لا يكون فيه فاعل التاريخ إلا «حضارة القارة»، أي روسيا.

فكرة «الأقطاب» ونفي السيادات.
في تصريحات حديثة، صاغ دوغين بمنتهى الوضوح منطق النيو-أوراسية الاستراتيجي: في عالم ثلاثي الأقطاب لا مكان للدول الحيادية أو ذات السيادة. أي فضاء لا يدخل ضمن «منطقة قوة» موسكو يتحول تلقائيًا إلى «رأس جسر» لقطب آخر. وبناءً عليه، فإن استقلال أرمينيا أو أذربيجان أو جورجيا أو كازاخستان، وفق المنظور الدوغيني، ليس مجرد أمر غير مرغوب فيه، بل مستحيل جيوسياسيًا.

هذا التصور يوفّر تبريرًا أيديولوجيًا لإخضاع الفضاء ما بعد السوفييتي، لا بلغة الضمّ المباشر، بل عبر مفهوم «الاتحاد الروماني»، الذي يفترض تكاملًا إمبراطوريًا تحت مظلة موسكو. هنا يعيد دوغين إنتاج منطق الحتمية الجيوسياسية الكلاسيكية: القارة في مواجهة البحر، النظام في مواجهة الفوضى، «التقليد» في مواجهة الفردانية الليبرالية.

من الفلسفة إلى تسييس السلطة.
بعد مقتل ابنته في أغسطس 2022، اكتسبت شخصية دوغين وضعًا جديدًا: من منظّر هامشي إلى رمز لـ«المعاناة المقدسة في سبيل روسيا». وتزامن هذا التحول مع إدخال مصطلحاته إلى الخطاب العام للكرملين، حيث أصبحت مفاهيم «تعددية الأقطاب» و«السيادة الحضارية» و«العالم القاري» جزءًا من اللغة الرسمية.

جرى تكييف فكرة «الحرب العظمى بين القارات» لخدمة الدعاية السياسية، وفي صيغتها المبسطة تُشرعن العدوان الروسي بوصفه «نقيضًا للإمبريالية الغربية». غير أن الجوهر ليس مقاومة للهيمنة، بل إنشاء إمبراطورية بديلة تُعلَن هيمنتها الخاصة بوصفها مقدسة.

الوظيفة الأيديولوجية للنيو-أوراسية.
تؤدي نيو-أوراسية دوغين دورًا مزدوجًا. داخليًا، تُستخدم كأداة تعبئة عبر استدعاء الرسالة و«قدر شعب-قارة». وخارجيًا، محاولة لتقديم أيديولوجيا قادرة على جمع «الأنظمة المناهضة للغرب» ضمن ائتلاف ما بعد ليبرالي. لكن هذه البنية، رغم ادعاء عالميتها، إمبريالية في جوهرها: ترفض مبدأ تساوي الفاعلين السياديين، وتقرّ بحق القوة أساسًا للنظام الدولي.

النسخة المعاصرة من أيديولوجيا دوغين ليست بديلًا عن العالم الليبرالي، بل انعكاسه المشوّه. فهي تقوم على نفي العقلانية، والحرية الفردية، والقانون الدولي، وتعيد في بعدها الجيوسياسي إنتاج منطق الحرب الباردة، حيث يُنظر إلى كل إقليم كساحة صراع بين «أقطاب».

بالنسبة لدول جنوب القوقاز، وآسيا الوسطى، وأوروبا الشرقية، فإن قبول هذه الأيديولوجيا أو تجاهلها مسألة بقاء استراتيجي. النموذج الدوغيني لا يعترف بفاعليتها الذاتية، بل يراها مناطق نفوذ واجبة الإدماج في «إمبراطورية جديدة». ومن هنا، فإن النيو-أوراسية ليست فلسفة تعددية أقطاب، بل مفهوم إخضاع شامل متنكر بلباس رسالة ميتافيزيقية.

تطور البراديغم الدوغيني: من تمرّد معادٍ للسوفييت إلى تقديس الإمبراطورية.
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، مرّ دوغين بتحول أيديولوجي يبدو متناقضًا ظاهريًا فقط. فمن خصم شرس للنظام السوفييتي، انتقل إلى النظر إلى الاتحاد السوفييتي بوصفه التجسيد الأخير للدولة المقدسة. كان هذا التحول ثمرة تفاعل طويل مع مصادر مغلقة، وأرشيفات جهاز الأمن، ودراسة آليات السلطة في الحقبة السوفييتية المتأخرة. في قراءته، لم يكن الغرب الليبرالي حامل «التقليد»، بل الإمبراطورية السوفييتية وحدها القادرة على مواجهة تفكك الحضارة العالمية.

في تلك المرحلة، خرج الفيلسوف من الوسط شبه السري إلى الفضاء العام: الصحافة، والتحرير، والنقاشات السياسية. تزامنت عودته مع أزمة السلطة عام 1993، حيث دعم علنًا المدافعين عن «البيت الأبيض» الروسي، واعتبر الهزيمة نهاية «روسيا التاريخية».

جاء الرد على أحداث أكتوبر 1993 بتأسيس الحزب القومي-البلشفي، كمشروع جمع أقصى اليمين وأقصى اليسار في جبهة معادية ليلتسين. كان تحالف دوغين مع الكاتب إدوارد ليمونوف محاولة لتركيب غير قابل للانسجام: قومية راديكالية وثورية يسارية. تحوّل الحزب إلى مختبر هجين، امتزج فيه الاحتجاج الوجودي بجماليات شبه فاشية ورموز غيبية.

سعى دوغين إلى منح الحركة نسقًا فلسفيًا، لكن الواقع جعلها ظاهرة ثقافة شعبية. شاركت فيها شخصيات أيقونية من عالم الثقافة المضادة، مثل ييغور ليتوف وسيرغي كوريوخين. بالنسبة لهم، كان القومي-البلشفي أداءً مسرحيًا أكثر منه مشروعًا سياسيًا. وانتهت محاولة دوغين دخول مجلس الدوما بالفشل، إذ لم ينل سوى أقل من واحد في المئة من الأصوات.

تدريجيًا، ابتعد دوغين عن الأندرغراوند الراديكالي، مدركًا محدوديته كأداة تأثير. وبعد تفكك تحالفه مع ليمونوف ووفاة كوريوخين، ركّز على فتح قنوات نحو السلطة. وبنهاية التسعينيات، بدأ بناء علاقات مع النخبة السياسية، وكان لقاؤه برئيس مجلس الدوما غينادي سيليزنيوف محطة مفصلية أتاحت له الوصول إلى موارد ودوائر قريبة من الحزب الشيوعي والهياكل الرسمية.

عبر سيليزنيوف، دخل دوغين فلك رجال أعمال ورعاة سياسيين لمرحلة الانتقال، من ألكسندر تارانْتسيف إلى فيكتور إسكين وميخائيل غاغلوئيف، رئيس بنك «تمب». وكان الأخير الراعي المالي الأبرز لمبادراته اللاحقة.

بدعم غاغلوئيف، أطلق دوغين حزب «أوراسيا» ليكون منصة لصياغة مفهوم الإمبراطورية القارية. الشريك السياسي الشكلي كان الضابط السابق في الاستخبارات الخارجية بيوتر سوسلوف. خُطط للمشاركة في انتخابات 2003 ضمن تحالف مع «مؤتمر المجتمعات الروسية» بقيادة دميتري روغوزين. لكن المشروع أُفرغ سريعًا من مضمونه، وأُبعد دوغين عن القيادة.

كشفت هذه التجربة عدم قابلية أيديولوجيته للاندماج مع السياسة المؤسسية مطلع الألفية. ورغم خطاب التعددية والتضامن القاري، لم يكن الجهاز مستعدًا للتعامل معه إلا كأداة تعبئة هامشية. عقب الانقسام، أسس «الحركة الأوراسية الدولية» خارج الإطار الحزبي، بصيغة شبكة ذات طموحات جيوسياسية.

ما بعد عام 2000 كان زمن «تقنين» حضور دوغين في الحقل الأكاديمي والخبروي. دُعي إلى مؤتمرات دولية، لا سيما في كازاخستان، حيث نال لقب أستاذ فخري في الجامعة الأوراسية الوطنية باسم ليف غوميليوف. ومع ذلك، لم يُنهِ تعليمه الفلسفي رسميًا إلا عام 1999، حين تخرّج في أكاديمية نوفوتشيركاسك للاستصلاح، ودافع عن أطروحة دكتوراه في روستوف-على-الدون.

حملت أطروحته عنوان «تطور الأسس البراديغمية للعلم»، وهو عنوان يلخّص مسار تفكيره: نفي العقلانية العلمية بوصفها أساس المعرفة، والدعوة إلى عودة المعرفة الميتافيزيقية. العلم، في تصوره، يجب أن يخدم «الحاكم» لا الحقيقة، وهو موقف متجذّر في رؤيته الهرمية للعالم.

في هذه المرحلة، تبلورت وظيفة اجتماعية جديدة للفيلسوف: ليس منظّرًا هامشيًا، بل «مزوّد ميتافيزيقي» للدولة. وهذه الوظيفة ستحدد تحوله اللاحق من ناشط في حركات طرفية إلى مستشار لدوائر تدّعي التخطيط الاستراتيجي.

مع مطلع الألفية، ترسّخ دوغين بوصفه «منظّر حضارة بديلة». غير أن مساره الأكاديمي بقي مثار جدل: شهادة متواضعة، وأطروحة ضعيفة المنهج، لم تمنعه عام 2008 من شغل منصب أستاذ في جامعة موسكو الحكومية. هذا الحضور الرسمي لم يكن اعترافًا علميًا بقدر ما كان تأطيرًا مؤسسيًا لأيديولوجي داخل بنية الدولة.

يؤكد دوغين أن العلم المعاصر لا يصوغ وعي العصر ولا ينتج المعنى. ومن هنا يضع نفسه نقيضًا للعقلانية، مكرّسًا أولوية «المعرفة الميتافيزيقية» على التجريبية. العلم لديه أداة خاضعة للسلطة، لا وسيلة لبلوغ الحقيقة.

العمل المفصلي الذي رسم اتجاه أفكاره كان كتاب «أسس الجيوسياسة» الصادر عام 1997، بدعم مباشر من أكاديمية هيئة الأركان العامة، حيث ألقى محاضرات. سرعان ما اكتسب الكتاب مكانة دليل استراتيجي غير رسمي لجزء من المؤسسة العسكرية.

يقسّم دوغين العالم إلى نمطين أنثروبوجغرافيين: حضارة البحر، أي الغرب الأنغلوسكسوني الليبرالي الفرداني، وحضارة البر، أي روسيا الجماعية الهرمية المقدسة. ويُقرأ الصراع بينهما كـ«حرب قارات» أبدية.

ولانتصار «حضارة البر»، لا يقترح إصلاحات، بل عودة إلى نموذج طبقي صارم، وسلطة عمودية قاسية، وتعبئة أيديولوجية شاملة. ووفق هذا المنطق، ينبغي لروسيا أن تكون نواة كتلة قارية جديدة، إمبراطورية أوراسية تمتد من برلين إلى فلاديفوستوك، مع ألمانيا وإيران واليابان كشركاء محتملين ضد العالم الأنغلوسكسوني.

تحتل أوكرانيا مكانة خاصة في جيوسياسة دوغين. فمنذ أواخر التسعينيات كتب أن «أوكرانيا كدولة لا معنى جيوسياسيًا لها». هذه العبارة، السابقة لعام 2014، تحولت لاحقًا إلى جزء من السردية الرسمية المبررة للتوسع الإقليمي.

العمل الثاني المحوري هو «النظرية السياسية الرابعة»، محاولة لبناء أيديولوجيا بعد سقوط الليبرالية والشيوعية والفاشية. يعلن الحاجة إلى «رؤية عالمية جديدة» توحّد العالم ما بعد الليبرالي حول الهوية الحضارية.

يعتمد في تأسيسها الفلسفي على تقليدانية رينيه غينون وميتافيزيقا يوليوس إيفولا الفاشية. من غينون يستعير مفهوم «التقليد» كمصدر كوني للمعرفة المقدسة، ومن إيفولا عبادة الهرمية واحتقار الفردانية وتبرير السيطرة الشاملة.

في هذا النسق، لا تكون الأرثوذكسية الروسية دينًا فحسب، بل ركيزة ميتافيزيقية لبناء الإمبراطورية. الإنسان ليس ذاتًا تاريخية، بل وظيفة حضارية، وتُستبدل الحرية الفردية بـ«الخدمة لمعنى أعلى».

منذ أواخر العقد الأول من الألفية، وسّع دوغين شبكاته الدولية، محوّلًا الأوراسية إلى مشروع أيديولوجي شبكي. ألقى محاضرات في جامعات تحمل صفة «الأوراسية»، وأنشأ معاهد ومجلات ومنصات لليمين الفكري في أوروبا.

وكان لصلته بالمفكر الفرنسي ألان دو بنوا، زعيم «اليمين الجديد»، أهمية خاصة. على منواله، أسس دوغين مجلة «العناصر» وكيّف خطاب التضامن القاري للسياق الروسي.

تُرجمت نصوصه إلى لغات أوروبية رئيسية، وتواصل مع حركات راديكالية من «يوبيك» المجري إلى مجموعات نيونازية في إيطاليا وفرنسا. هكذا تشكّلت بنية فكرية لـ«أممية يمينية متطرفة» تتخذ من روسيا مركزًا روحيًا.

وفي عام 2018، عُقد لقاء مطوّل بينه وبين ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس ترامب. ورغم غياب نتائج سياسية مباشرة، ثبّت اللقاء رمزيًا تقاطع الخطابات: مناهضة الليبرالية، العداء للحداثة، ازدراء الديمقراطية، وتمجيد «الرسالة الحضارية».

تصدير الأيديولوجيا وتلاقي الخطابات.
على نحو مفارق، حظيت أفكار دوغين، التي وُلدت بوصفها نفيًا للحضارة الغربية، باعتراف داخل الغرب نفسه، وتحديدًا لدى مثقفين يبحثون عن «بديل ما بعد ليبرالي». في هذا السياق، تحولت الأوراسية إلى مرآة أيديولوجية للمحافظية الجديدة والشعبوية الغربية. لغتها هي لغة «الغبن»، و«استعادة العظمة»، و«مقاومة الانحطاط».

لم يكتفِ دوغين بإدماج التقليدانية الروسية في شبكة عالمية لليمين، بل منحها شرعية ميتافيزيقية. صِيَغه عن «موت الليبرالية»، و«عالم التقاليد الجديد»، و«انتفاضة البر في مواجهة البحر» دخلت القاموس المشترك للخطاب المعادي للحرية في زمننا.

وبحلول أواخر العقد الثاني من الألفية، تحولت الجيوسياسة الدوغينية إلى منتج أيديولوجي مُعدّ للتصدير، من قاعات الجامعات إلى منتديات «الأممية المحافظة». ووفق تصور الفيلسوف، كان على روسيا أن تكون قوة عظمى أيديولوجيًا لا عسكريًا فحسب، تفرض على العالم «معيارًا حضاريًا جديدًا».

بين الهامشية والتأثير.
تكمن مفارقة الظاهرة الدوغينية في أن فيلسوفًا تمزج نصوصه بين الغنوصية ومخططات الجيوسياسة وبُنى لغوية ملتبسة، نجح في احتلال موقع «المثقف المعترف به» داخل دوائر غربية محددة. ولا يُفسَّر ذلك بقدراته اللغوية وحدها، من إتقان لغات متعددة وتكييف خطابه مع الجمهور، بل أيضًا بتطابق نبوءاته أحيانًا مع وقائع سياسية لاحقة.

أبرز مثال هو تنبؤه وتبريره للصراع بين روسيا وأوكرانيا. ففي عام 1997، كتب في «أسس الجيوسياسة» أن وجود أوكرانيا دولةً مستقلة «شذوذ جيوسياسي» يناقض «النظام الطبيعي» للقارة، واقترح آنذاك صيغة «حكم ذاتي تحت رقابة استراتيجية من موسكو». وبعد قرابة عقدين، تجسدت هذه الأفكار في ضمّ القرم والحرب، ما أكسبه سمعة «نوستراداموس الروسي»، رغم أن ما قدّمه كان سيناريو أيديولوجيًا أكثر منه استشرافًا تحليليًا.

مفاهيم تُحقق ذاتها.
في الواقع، «تحقق النبوءات» لدى دوغين ليس كشفًا غيبيًا، بل نتيجة عمل طويل لأفكاره في الفضاء العام. فالبراديغم الأوراسي، القائم على ثنائية «الحضارة البحرية» و«الحضارة القارية»، تسلل تدريجيًا إلى خطاب المؤسسات السياسية الروسية. مفاهيم كانت تبدو هامشية في البداية، مثل «العالم متعدد الأقطاب»، و«السيادة الحضارية»، و«الرسالة الخاصة لروسيا»، أصبحت بحلول العقد الثاني جزءًا من اللغة الرسمية.

ومع ذلك، تبقى الفاعلية العملية لنظريته محدودة. خارج الحالة الأوكرانية، أخفقت توقعاته الجيوسياسية. فمحور «موسكو – طهران» الذي علّق عليه آمالًا كبرى لم يتحول إلى تحالف استراتيجي. عمليًا، اكتفى إيران بتوريد مسيّرات وصواريخ، محافظة على براغماتيتها كلاعب إقليمي، لا «حليفًا إمبراطوريًا لحضارة البر».

التدهور الفكري ورمزية «الأستاذ الأوراسي».
تعمّق الأعمال المتأخرة لدوغين الانطباع بأن فلسفته خليط من ميتافيزيقا ارتيابية وانتقائية خطابية. كتبه مفعمة بتكرار مقولات التقليدانية، وبنزعات كارهة للآخر، وبمقاطع عصية على التفسير العقلاني. وحتى في الوسط الأكاديمي، تثير نصوصه الحيرة: مفاهيم مستعارة من أنطولوجيا هايدغر، مثل «الوجود-هنا» و«الهاوية» و«الأصالة»، تتحول لديه إلى محاكاة ساخرة.

أما ما عُرف بـ«التحليل الفلسفي للسلحفاة»، حيث فسّر ميتافيزيقا أغنية أطفال عبر «إيقاظ الهاوية في الوجود-هنا»، فقد صار مادة للتندر، ورمزًا لانحدار الأسلوب. وهذا التوفيق الغريب عنصر مقصود في صورته العامة: يسعى دوغين إلى الظهور بمظهر المستعصي على الفهم، ليصنع هالة «النبي الميتافيزيقي».

التداعيات السياسية وفقدان المكانة الأكاديمية.
على الرغم من مظاهر الشرعنة في العقد الأول من الألفية، بات دوغين داخل المنظومة الأكاديمية شخصية سامة. وبلغ الأمر ذروته بإقالته من كلية علم الاجتماع في جامعة موسكو عام 2014، بعد دعوته العلنية إلى «القتل، القتل، القتل» في سياق أحداث أوديسا. حتى رئيس الجامعة، المعروف بقربه من السلطة، لم يستطع الإبقاء عليه.

جسدت الإقالة القطيعة بين الأوراسية شبه الأكاديمية والانضباط العلمي. وردّ دوغين باتهام إدارة الجامعة ودوائر الدولة بالتآمر ضمن ما سماه «الطابور السادس»، بزعم خضوعه لتأثير «بوتين القمري».

آلية التأثير.
مفتاح فهم صمود الظاهرة الدوغينية يكمن في بنية جمهورها. فهو لم يخاطب يومًا المجتمع الأكاديمي، بل دائرة موالية تتلقى كلامه بوصفه وحيًا لا نقاشًا. داخل دوائر أيديولوجية مغلقة، من القوميين-البلشفيين في التسعينيات إلى المحافظين في العقد الثاني، أدّى دور الوسيط بين الغيبية والسياسة.

دوغين لا يقنع، بل يُوحي. وهذه القدرة الإيحائية، المقترنة بموقف معادٍ للعقل، هي ما ضمن له البقاء في فضاء استُبدلت فيه الحُجّة بمنطق جمالي كارثي.

البحث عن رعاة والتأطير المؤسسي.
بحلول منتصف العقد الثاني، تحول دوغين من منبوذ سياسي إلى شخصية مطلوبة في الفضاء الإعلامي المحافظ. وبعد إخفاقاته السياسية، وإقصائه من الجامعة، وانهيار صلاته السابقة بميخائيل غاغلوييف وبنك «تمب» وشبكة المؤسسات الأوراسية، بحث عن راعٍ جديد. وتولى هذا الدور رجل الأعمال الأرثوذكسي قسطنطين مالوفييف، إمبراطور الإعلام المعروف بدوره في دونباس وتمويله مشاريع موالية للكرملين وكنسية.

كان تعاونهما ذا دلالة رمزية: اندماج الأصولية الدينية بالتصوف الجيوسياسي. وفّر مالوفييف الدعم المالي والمنصة الأيديولوجية. ففي عام 2015 أُطلق تلفزيون «تسارغراد» ليكون «فوكس نيوز الأرثوذكسي». شغل دوغين منصب رئيس التحرير، ثم تفرغ سريعًا للدور الأيديولوجي، منتقلًا إلى مجلس الرقابة مع احتفاظه بصفة الملهم الفكري.

تحالف محافظ ومصنع واقع بديل.
بعد 2017، تحوّل التعاون إلى تكافل غير رسمي بين الأيديولوجيا ورأس المال. نظّم الاثنان محاضرات وجولات «تنويرية» في الأقاليم، روّجا خلالها نظريات مؤامرة عن «حكومة عالمية» و«نشأة مصطنعة للنخب». وكان دوغين يكرر أن النخب السياسية والاقتصادية نتاج «انتقاء هندسي» تديره قوى عابرة للحدود.

انسجمت هذه اللغة مع موجات معاداة العولمة، وشكّلت إطارًا مريحًا للإعلام القومي والإكليريكي.

وفي 2023، أضفى مالوفييف طابعًا مؤسسيًا على التحالف بإنشاء معهد «تسارغراد»، حيث تولى دوغين إدارته. جمع المعهد بين وظيفة مركز تفكير ونادٍ أيديولوجي، ونشط في النشر وتنظيم المؤتمرات والترويج لـ«منتديات المستقبل» الجامعة لتيارات اليمين المتطرف.

واستقطب منتدى «المستقبل 2050» اهتمامًا خاصًا، إذ دُعي إليه محافظون غربيون، بينهم منظّر المؤامرات أليكس جونز وإيرول ماسك، والد إيلون ماسك. مثّل الحدث إعلانًا عن تحوّل دوغين من نبي محلي إلى وسيط بين الخطاب اليميني الروسي والدولي.

الاغتراب عن الكرملين وثنائية «القمري والشمسي».
رغم ادعاء القرب من السلطة، ظلت علاقة دوغين بالكرملين معقدة. حتى 2022، كان يُنظر إليه كصوت من أقصى اليمين لا يمثل السياسة الرسمية. وحتى خلال ضمّ القرم وحرب دونباس، بقي على الهامش، حاضرًا إعلاميًا لا مؤسسيًا.

في مقابلة عام 2020، اشتكى من أن الرئيس «غير مستعد لفهم كتبه»، وأن محيطه «يُصفّي فلسفة المصير الروسي». وفسّر ذلك ميتافيزيقيًا، معتبرًا أن للرئيس «طبيعة مزدوجة»: قمرية ليبرالية غربية، وشمسية إمبراطورية مسيانية. أتاحت له هذه الثنائية تفسير أي خطوة سياسية بوصفها صراعًا بين المبدأين، والحفاظ على صلاحيته الأيديولوجية في كل الأحوال.

التحول بعد المأساة و«الدخول إلى الستراتوسفير».
بعد اغتيال داريا دوغينا في أغسطس 2022، تغيّر المشهد. استثمر الكرملين المأساة لتعزيز الجبهة الداخلية رمزيًا. أرسل الرئيس تعزية للعائلة ومنح داريا وسام الشجاعة بعد وفاتها. هذا الإيماء شرعن دوغين في نظر السلطة، ومنحه صفة «ضحية محارب الأفكار».

وبحسب مصادر مستقلة، دُعي دوغين ومالوفييف مطلع 2023 إلى اجتماع مغلق في الكرملين لمناقشة «الأسس الأيديولوجية لروسيا المستقبل». كان ذلك ذروة مسار طويل نحو الاعتراف الرسمي. وفي العام نفسه، عُيّن دوغين مديرًا للمدرسة السياسية العليا باسم إيفان إيلين في الجامعة الروسية للعلوم الإنسانية، وهي بنية مكرسة لإعداد كوادر الإدارة الأيديولوجية والسياسية.

إيلين بوصفه غلافًا جديدًا لأسطورة قديمة.
إيفان إيلين هو الاسم الذي اعتاد الكرملين استدعاءه باعتباره الأب الروحي لـ«المحافظة الروسية». فلسفته السلطوية وتعاطفه مع الفاشية الإيطالية يجعلان منه رمزًا طبيعيًا للهندسة الأيديولوجية الجديدة. غير أن دوغين نفسه كان يتحدث عنه في مطلع الألفية بنبرة ازدراء واضحة، واصفًا إياه بـ«القومي الرسمي» و«نتاج الروح الألمانية». اليوم، يعيد الفيلسوف تأويل إيلين بوصفه «أفلاطون السلطة الروسي»، ويدمجه بالكامل في تصوره عن «الدولة الحضارية».

لا يعكس هذا التحول تطورًا فكريًا بقدر ما يكشف عن محاكاة سياسية. دوغين تكيف مجددًا مع الطلب السائد: محافظة منهجية قابلة للإدارة. والفارق أن غطاءه هذه المرة هو رأس المال الرمزي لإيلين، الفيلسوف الذي اقتبس منه بوتين مرارًا.

مفارقة رمزية ونظرة غربية.
تزامن الاعتراف بدوغين داخل روسيا مع تصاعد سميّته خارجها. في الغرب يُنظر إليه بوصفه مهندسًا أيديولوجيًا للنيواستعمار الروسي و«منظّر حروب من نمط جديد». ومع ذلك، وبمفارقة لافتة، منحه الغرب ذاته وزنًا فكريًا لسنوات. ففي عام 2014 أدرجته مجلة فورين بوليسي ضمن قائمة أكثر مئة مفكر تأثيرًا في العالم، إلى جوار شخصيات متناقضة أيديولوجيًا، بينها زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي.

هذا التجاور رمزي. إنه يعكس الطبيعة المزدوجة لدوغين: بين الفيلسوف والداعية، بين المنظّر والمتطرف، بين نبي الإمبراطورية وأسير أساطيره الخاصة.

في المحصلة، لم يصبح دوغين «مهندس روسيا المستقبل»، بل تحول إلى عرض أيديولوجي لها، علامة على زمن تُستبدل فيه الاستراتيجية بخطاب لا عقلاني، وتُسخَّر فيه الفلسفة لتبرير القوة.

وهم التأثير والوظيفة الرمزية.
رغم أن الإعلام الغربي والروسي يصف ألكسندر دوغين دوريًا بـ«أيديولوجي الكرملين» أو حتى «عقل العالم الروسي»، ظل تأثيره الفعلي في صنع القرار اسميًا. لم يمتلك صلاحيات رسمية، ولم ينخرط في أجهزة السلطة، ولم يحز وزنًا مؤسسيًا. شخصيته أقرب إلى عنصر في أسطورة سياسية منها إلى آلية حكم حقيقية.

حتى حين تلاقت أفكاره، مثل إنكار الدولة الأوكرانية أو مفهوم «الإمبراطورية الأوراسية» أو تقديس القوة، مع خطاب مسؤولين روس، لم يكن ذلك نتيجة تأثير مباشر، بل لأن السلطة استعارت لغته التصويرية لتبرير خياراتها. بهذا المعنى، كان دوغين مورّدًا رمزيًا للميتافيزيقا، تشكّل أطروحاته خلفية لغوية لا أداة سياسة.

الحدّ الكاريكاتوري للفلسفة.
حتى في زمن ذروة شهرته، كانت محاضراته في جامعة موسكو تُستقبل بوصفها طُرفة أكثر منها حدثًا فكريًا. ضحكات الطلبة المتحفظة وتعليقات الزملاء الساخرة رافقت عروضه. المصطلحات الثقيلة، والإحالات الفوضوية إلى غينون وهايدغر وإيفولا وغوميليوف، حوّلت كل ظهور إلى مزيج من الغيبية والمسرح والتهويل الكوميدي.

أبرز الأمثلة كانت فكرته عن «الدبكة بوصفها حركة مقدسة»، حيث اقترح جمع ملايين الناس ليمسكوا الأيدي ويشكّلوا «دائرة عملاقة بين بسكوف وفليكيه لوكي» تعبيرًا رمزيًا عن وحدة روسيا. هذا المثال ليس نكتة عابرة، بل يكشف جوهر منهجه: الأسطورة والطقس والاستعارة تحلّ محل الاستراتيجية، فيتحول التفكير السياسي إلى طقس شعائري.

جمهور واسع وجماعة شبه دينية.
مع ذلك، يحتفظ دوغين بجمهوره. مونولوجاته الطويلة والمتعرجة عن مصير روسيا و«حرب القارات» و«المهمة الشمسية لبوتين» تنتشر بانتظام في أوساط المحافظين الراديكاليين، وفي منصات يمينية خارجية تبحث عن صلة رمزية بـ«العالم البديل» لموسكو.

في هذه البيئات، لا يُقرأ دوغين كمحلل، بل كنبي لتحول حضاري. نصوصه ومقابلاته تؤدي وظيفة نصوص مقدسة. يعلّق على الأحداث العالمية، ويتحدث عن «انهيار الغرب» و«الحرب الكونية بين النخب» و«نظام روحي جديد»، موفّرًا غلافًا فلسفيًا وهميًا للعنف السياسي.

حدود العدوى الأيديولوجية.
هل يمكن أن تنتقل أيديولوجيا دوغين إلى صلب السياسة الروسية؟ حتى الآن، لا. رغم تقاطع خطاب الكرملين مع أطروحاته، تحافظ السلطة على مسافة منه خشية سُمّيته. تعاطفه مع الفاشية، وصلاته بأوساط نيونازية، ودعواته إلى العنف، ونشوته الميتافيزيقية، تجعل منه شخصية غير صالحة للخطاب الرسمي.

بالنسبة للنخبة الروسية، دوغين رمز مريح لا شريك. هو جزء من المشهد الثقافي لا من النظام السياسي. يُستحضر اسمه كديكور فكري يوحي بـ«عمق الروح الروسية»، من دون أن يُمنح وصولًا فعليًا إلى مراكز القرار.

شخصية في نكتة التاريخ.
اليوم، يبدو ألكسندر دوغين شخصية طقسية في المسرح السياسي الروسي أكثر منه مهندسًا له. أفكاره، المشبعة بغيبية عتيقة وشبه فلسفة وبُنى ارتيابية صريحة، تعيش في المجال الرمزي، كأثر فكري لزمن بحث أيديولوجي في تسعينيات القرن الماضي.

يُستدعى حين يلزم إطلاق «الكلمات الكبيرة» عن مصير روسيا وصدام الحضارات، لكنه في الواقع يبقى هامشيًا بنكهة الطرافة. نصوصه تتحول إلى ميمات، اقتباساته إلى نكات، ومحاضراته إلى فولكلور.

وربما في ذلك تكمن وظيفته الحقيقية: ليس مهندس إمبراطورية جديدة، بل أسطوريها، صانع قاموس لمرحلة تبادلت فيها الأسطورة والسلطة المواقع منذ زمن.