...

كيف تتغير القدرة الاستراتيجية لكوبا على الصمود في ظل عقيدة أمريكية جديدة ذات طابع مونروي، تجمع بين الحصار الطاقوي والضغط الأيديولوجي، وما هي مصادر الاستقلال البديلة القادرة على تعويض فقدان المورد الفنزويلي.

كوبا في التشكيل الجديد لنصف الكرة الغربي.

مع نهاية عصر النفط الفنزويلي والعودة إلى الخط المتشدد في واشنطن، تجد كوبا نفسها مجدداً عند تقاطع التبعية الطاقوية والضغط الجيوسياسي. ومع وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة عام 2025، باتت السياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي تعكس عودة واضحة إلى المونروية العقائدية، أي استعادة مجال النفوذ غير المشروط لواشنطن في أمريكا اللاتينية. في هذا السياق، تتحول هافانا إلى حالة اختبار لاستعراض القوة الأمريكية الجديدة، فيما يصبح الحصار الطاقوي أداة لإجبار النظام على التحول السياسي.

كوبا واحدة من قلة نادرة من الدول التي تمكنت من البقاء بعد فقدان راعيين نظاميين: الاتحاد السوفييتي أولاً، ثم فنزويلا لاحقاً. قدرتها على التكيف مع الأزمات جعلت من الجزيرة مختبراً حياً لمرونة الأنظمة السلطوية في زمن العقوبات العالمية وحروب الموارد. غير أن التبعية الطاقوية، والتآكل الديمغرافي، والأزمة البنيوية للاقتصاد، تخلق اليوم خطر الدخول في “حقبة خاصة” جديدة، أي مرحلة بقاء منهجي بأدنى حد من الموارد الخارجية.

التبعية الطاقوية وتحول نموذج البقاء.

على مدى ستة عقود، تطور الاقتصاد الكوبي وفق منطق مقايضة سياسية-طاقوية، حيث كانت الولاءات الخارجية والتضامن الأيديولوجي بمثابة عملة تؤمن الأمن الطاقوي. هذا النموذج، الذي تشكل خلال الحرب الباردة، أصبح أساس قدرة كوبا على الصمود. ففي ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان الاتحاد السوفييتي يزود كوبا سنوياً بما يصل إلى 13 مليون طن من النفط مقابل السكر والنيكل والدعم السياسي. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، انهار اقتصاد الجزيرة: تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 40%، والإنتاج الصناعي بنسبة 60%، وانخفض استهلاك الطاقة إلى أكثر من النصف. كانت تلك “الفترة الخاصة”، حين اختبرت كوبا لأول مرة معنى فقدان الممول الخارجي.

في مطلع القرن الحادي والعشرين، حلت الصيغة الفنزويلية “أطباء مقابل نفط” محل معادلة “سكر مقابل نفط” السوفييتية. بموجب الاتفاقات بين هافانا وكاراكاس، كانت كوبا ترسل سنوياً أكثر من 30 ألف طبيب ومهندس وأستاذ إلى فنزويلا، وتحصل بالمقابل على ما يصل إلى 100 ألف برميل نفط يومياً بأسعار تفضيلية. هذه الآلية وفرت نحو 60 إلى 70% من احتياجات البلاد الطاقوية، وما يصل إلى 15% من عائداتها من العملات الصعبة. ووفق تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والكاريبي، تلقت كوبا بين عامي 2010 و2015 نفطاً ومشتقات نفطية من فنزويلا بقيمة تجاوزت 3 مليارات دولار سنوياً، ما سمح بالحفاظ على عمل النقل والطاقة والصحة والزراعة.

لكن بحلول منتصف عشرينيات هذا القرن، فقد الاقتصاد الفنزويلي نهائياً قدرته على تصدير النفط بشروط تفضيلية. الأزمات السياسية، وتراجع الإنتاج، والعقوبات الدولية، أدت إلى تقليص حاد في الإمدادات. وفي ديسمبر 2025، أعلنت كاراكاس رسمياً تعليق شحنات النفط إلى كوبا بحجة الاحتياجات الداخلية، لتفقد الجزيرة ما يصل إلى 70% من وارداتها النفطية. بات النظام الطاقوي على حافة الانهيار. ووفق بيانات الأمم المتحدة، انخفض الإنتاج الصناعي بحلول نهاية 2025 بنسبة 18%، والزراعة بنسبة 23%، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى مستوى أواخر الثمانينيات، أي نحو 9 آلاف دولار وفق تعادل القوة الشرائية.

أدى العجز الطاقوي إلى سلسلة من التفاعلات المتتالية. شلل النقل واللوجستيات خفّض حجم الشحنات بنسبة 40%، وتقلصت الرحلات الجوية الداخلية بمقدار الثلثين، وبلغ عجز الكهرباء 25%. توقفت جزئياً صناعات الإسمنت والكيميائيات والمواد الغذائية. ففي عام 2025، لم تنتج كوبا سوى 1.4 مليون طن من الإسمنت مقابل 2.3 مليون طن في عام 2018. أصبح التيار الكهربائي غير مستقر، مع جداول انقطاع تصل إلى ثماني ساعات يومياً في هافانا وسانتياغو دي كوبا. وأسفر ذلك عن ارتفاع البطالة، خصوصاً في الصناعة والخدمات، حيث فُقد نحو 120 ألف وظيفة خلال عام واحد.

أما التداعيات الاجتماعية فكانت مدمرة بالقدر نفسه. فبحسب المنظمة الدولية للهجرة، غادر كوبا في عام 2025 وحده نحو 180 ألف شخص، أي ما يقارب 1.6% من السكان، وهي أكبر موجة هجرة منذ أزمة “البالسيروس” عام 1994. اللافت أن المغادرين ليسوا من ذوي المهارات المتدنية، بل من الأطباء والمهندسين والأساتذة. نزيف رأس المال البشري بات مشكلة بنيوية، إذ يضعف الإنتاجية ويقوض التعليم ويهز الولاء الأيديولوجي. جيل الشباب، الذي فقد الثقة بالمستقبل، لم يعد يرى في النموذج الاشتراكي مصدراً للكرامة الوطنية.

هنا يبرز السؤال المحوري: هل تستطيع كوبا تعويض النفط الفنزويلي. الجواب معقد ومتعدد الأبعاد. نظرياً، هناك بدائل. فقد زودت المكسيك هافانا في يناير 2026 بشحنة رمزية قدرها 200 ألف برميل، لكنها، تحت ضغط واشنطن، امتنعت عن توقيع عقد طويل الأمد. البرازيل، رغم فائضها الطاقوي، تفتقر إلى البنية التحتية لمعالجة النفط الفنزويلي الثقيل الذي اعتادت عليه كوبا. أما كولومبيا فتقيدها حاجاتها الداخلية وجغرافيا طرق النقل.

لذلك، تجد كوبا نفسها مضطرة للبحث عن النفط خارج نصف الكرة الغربي. قدمت روسيا في 2025 نحو 1.2 مليون برميل كمساعدة إنسانية، لكن كلفة النقل عبر الأطلسي تجعل هذه الإمدادات غير مجدية اقتصادياً. أما الجزائر وإيران فقد عرضتا صيغ مقايضة: الوقود مقابل خدمات طبية وأدوية ونيكل. وفي يوليو 2025، وقعت هافانا وطهران مذكرة لتوريد ما يصل إلى 20 ألف برميل يومياً، وهو رقم متواضع مقارنة بالماضي. كما أن هذه الصفقات معرضة لمخاطر العقوبات الثانوية، ما يحد من انتظامها.

بالتالي، حتى مع توسيع البدائل، لا تحصل كوبا سوى على “مساحة تنفس” مؤقتة لا ترقى إلى حل مستدام. الاستراتيجية الطويلة الأمد لا تكمن في استبدال مورد نفطي بآخر، بل في تنويع هيكلي لمصادر الدخل. تحاول حكومة دياز-كانيل تعزيز تصدير الخدمات الطبية والتعليمية، وقطاع تكنولوجيا المعلومات، والتكنولوجيا الحيوية. ففي عام 2025 وحده، جلبت البعثات الطبية وصادرات الأدوية نحو 4 مليارات دولار، ما ساعد مؤقتاً على استقرار ميزان المدفوعات.

مسار آخر يتمثل في إحياء دور النيكل والكوبالت ضمن سلاسل التكنولوجيا العالمية. تمتلك كوبا احتياطيات تقدر بنحو 800 ألف طن من النيكل وأكثر من 50 ألف طن من الكوبالت، ما يجعلها من أكبر الموردين في نصف الكرة الغربي. وفي 2025، بلغ تصدير النيكل 1.5 مليار دولار، أي ضعف عائدات السياحة التي ما زالت مكبلة بالعقوبات الأمريكية. ومع التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية وتكنولوجيا البطاريات، قد يتضاعف الطلب على هذه المعادن، ما يرفع عائدات كوبا مرتين أو ثلاثاً بحلول 2030.

غير أن تحقيق هذا الإمكان يتطلب استثمارات وتكنولوجيا وروابط اقتصادية مستقرة، وهي عناصر لا تزال غائبة. كوبا اليوم قادرة على البقاء، لكنها عاجزة عن التطور. هشاشتها الطاقوية تكشف حدود الاستقلال الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين: فبدون الوصول إلى الأسواق العالمية، وبدون تنويع الدخل، وبدون مرونة سياسية، يتحول البقاء إلى جمود. فقدان النفط الفنزويلي لم يكن مجرد صدمة اقتصادية، بل اختبار شامل للنموذج الكوبي، حيث لم يعد السؤال عن الإمدادات، بل عن قدرة الدولة على الحفاظ على طاقتها السياسية والاقتصادية والبشرية في زمن التحولات العالمية.

العامل السياسي-الأيديولوجي: بين الشرعية والولاء.

يمثل النظام السياسي الكوبي المعاصر نموذجاً نادراً لنظام متماسك ظاهرياً لكنه مشحون داخلياً، قائم على ثنائية تجمع بين شرعية كاريزمية مستمدة من إرث ثورة 1959، وولاء تعبوي تضمنه مؤسسات الحزب والجيش والأيديولوجيا الرسمية. هذه الصيغة وفرت الاستقرار لعقود، لكنها تحولت، مع فقدان الرعاة الخارجيين، إلى مصدر أزمة بنيوية. كوبا تعيش اليوم على قصور ذاتي لأسطورة ثورية وانضباط مؤسسي يتآكلان تدريجياً.

الشرعية الكاريزمية المرتبطة بفيديل وراؤول كاسترو لم تعد قابلة لإعادة الإنتاج. الجيل الذي نشأ بعد “الفترة الخاصة” في التسعينيات ينظر إلى الثورة بوصفها أسطورة متحفية لا تجربة حية. ووفق بيانات لاتينوبارومتر لعام 2024، انخفضت الثقة بالحكومة بين من هم دون الثلاثين إلى 42%، أي أقل بعشرين نقطة من الأجيال الأكبر. كما تراجعت المشاركة السياسية، إذ لا تتجاوز عضوية الحزب الشيوعي 6% من السكان، ويزيد متوسط أعمار الناشطين على 55 عاماً، ما يعكس تآكل القاعدة التعبوية.

أما الولاء التعبوي، الركيزة الثانية للنظام، فيتعرض هو الآخر للتآكل. فقد شكل الجيش والحزب تاريخياً منظومة واحدة، يضطلع فيها الضباط بأدوار اقتصادية، مسيطرين على الصادرات والفنادق والبنى التحتية عبر تكتلات اقتصادية عسكرية. لكن التناقضات بين الجناح العقائدي القديم والجناح التكنوقراطي البراغماتي باتت أكثر وضوحاً. الأول يتمسك بالنقاء الأيديولوجي، والثاني يدفع نحو الرقمنة والانفتاح الجزئي.

هذا التوتر يذكّر بمرحلة الاتحاد السوفييتي المتأخرة. فمع بقاء وحدة الحزب شكلياً، تتصاعد الانقسامات داخل النخبة. يطالب التكنوقراط بمزيد من الاستقلالية الاقتصادية والاستثمار الأجنبي، فيما يخشى المحافظون فقدان السيطرة. من مظاهر هذا الانقسام توسع القطاع الخاص: إذ سُجل أكثر من 8 آلاف مشروع صغير ومتوسط بحلول 2025، تسهم بأكثر من 13% من الناتج المحلي، رغم أن الخطاب الرسمي لا يزال يصفها بأنها عنصر “تكميلي”.

في هذا السياق، لا يعود الحديث عن “غورباتشوف كوبي” مسألة شخصية، بل ضرورة بنيوية. النظام يحتاج إلى مصلح قادر على تحرير منضبط دون تفكيك السلطة. يحاول دياز-كانيل أداء هذا الدور، لكن صلاحياته مقيدة بنخب الجيش والحزب. سياساته أقرب إلى “إصلاح بلا إصلاح”: تخفيفات جزئية، رقمنة، منصات تصدير إلكترونية. ورغم أن صادرات الخدمات الطبية والتقنية جلبت 4.2 مليارات دولار في 2024، فإنها لا تتحول إلى نمو مستدام بسبب العزلة المالية والعقوبات.

يبقى الاقتصاد محاصراً داخل مثلث من القيود. الحصار الأمريكي يعزل كوبا عن النظام المالي العالمي. الإصلاح النقدي عام 2021 أدى إلى انهيار قيمة البيزو وتسارع التضخم. غياب الاستثمارات يحرم الإصلاحات من الكتلة الحرجة، إذ لا تتجاوز الاستثمارات الأجنبية 1.3% من الناتج، بينما تحتاج البلاد إلى ما لا يقل عن 10%. هكذا تبدو الإصلاحات شكلية، لا تغير بنية اقتصاد تسيطر الدولة على 75% من مؤسساته.

تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على افتراض أن هذه التناقضات ستقود إلى تآكل داخلي دون تدخل مباشر. تراهن واشنطن على تآكل القاعدة الأيديولوجية، وإحباط الطبقة الوسطى، وانهيار الولاء التعبوي. منذ 2020، تركز الجهود على الحرب المعلوماتية، لا على المعارضة التقليدية، مع تضخيم سرديات “التعب من الثورة” و”الأزمة الإنسانية”. كما أن القيود على تحويلات المغتربين قلصت دخول الأسر، وضربت الطبقة الوسطى في المدن، محدثة فراغاً اجتماعياً يضعف الحوافز للولاء.

هكذا تقف كوبا على أعتاب تحول بنيوي. النظام يبدو متماسكاً من الخارج، لكنه متآكل من الداخل بفعل صراعات الأجيال والمصالح. فقدان الراعي الخارجي كشف هشاشة آليات التعويض الداخلية. يحاول دياز-كانيل الموازنة بين السيطرة والإصلاح، لكن هامش المناورة يضيق. وفي ظل غياب الاستثمارات وتصاعد الضغوط، قد تتحول أي “بيريسترويكا كوبية” إلى تفكك مُدار لا إلى تجديد، وهو بالضبط السيناريو الذي تراهن عليه واشنطن، معتبرة كوبا نموذجاً لتغيير النظام عبر التآكل الداخلي دون إطلاق رصاصة واحدة.

العقيدة الأمريكية الجديدة: من فنزويلا إلى كوبا.

تشير سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أمريكا اللاتينية إلى عودة واضحة لعقيدة مونرو في معناها الإمبراطوري الأصلي، لا باعتبارها أداة لحماية المنطقة من التدخل الخارجي، بل كآلية لتكريس الهيمنة الأمريكية على مستوى نصف الكرة الغربي. بعد فشل التجربة الفنزويلية والانهيار الفعلي لنظام نيكولاس مادورو عام 2024، حدّد البيت الأبيض أولوية جديدة: كوبا، آخر معاقل النموذج الاشتراكي في نصف الكرة الغربي. واشنطن باتت تتحدث علناً عن ضرورة “تفكيك البنى ما بعد الثورية”، ولكن ليس عبر خطاب “نشر الديمقراطية”، بل تحت شعارات التعافي الاقتصادي، وتحرير السوق، و”إحياء المبادرة الخاصة”.

لا يتعلق الأمر بحملة ظرفية أو تكتيك مؤقت، بل باستراتيجية متكاملة ومؤسسية، مدمجة في صلب السياسة الخارجية الأمريكية. تعيين السيناتور ماركو روبيو وزيراً للخارجية كان خطوة رمزية، لكنها في الوقت ذاته ذات طابع بنيوي. روبيو يُعد أحد مهندسي الخط المتشدد ضد كوبا، وصاحب أكثر من ثلاثين مشروع قانون منذ عام 2017 لتشديد العقوبات على هافانا. وهو الذي وقف خلف إعادة تفعيل بنود “قانون هيلمز–بيرتون”، الذي يتيح لمواطنين أمريكيين رفع دعاوى قضائية ضد شركات أجنبية تستثمر في ممتلكات جرى تأميمها في ستينيات القرن الماضي. بين عامي 2020 و2025، استخدمت هذا الحق أكثر من مئتي شركة أمريكية، من بينها كيانات كبرى في مجالات الطاقة والسكر والسياحة البحرية. هذه الدعاوى خلقت ضغطاً قانونياً دائماً على المستثمرين الأوروبيين والآسيويين، ودَفعت كثيرين منهم إلى تجميد أو الانسحاب من مشاريعهم في الجزيرة.

يلعب روبيو أيضاً دور المنسق مع اللوبي الكوبي-الأمريكي في ولاية فلوريدا، وهي القاعدة الانتخابية الصلبة للحزب الجمهوري. يعيش في ميامي وحدها أكثر من 1.3 مليون من أصول كوبية، ويصوت نحو 74% منهم تقليدياً للجمهوريين. بالنسبة لترامب، لا يمثل هؤلاء مجرد خزان أصوات، بل أداة استراتيجية حاسمة، إذ إن الاحتفاظ بفلوريدا، بما تملكه من ثلاثين صوتاً في المجمع الانتخابي، قد يحسم نتيجة السباق الرئاسي. من هنا، تُقدَّم سياسة “تحرير كوبا” للناخب الأمريكي بوصفها مهمة أخلاقية داخلية، لا مغامرة خارجية، تجمع بين الخطاب المعادي للشيوعية والشعبوية القومية.

مع ذلك، يبقى التدخل العسكري خياراً مستبعداً. أمريكا اللاتينية اليوم ليست كما كانت في ثمانينيات القرن الماضي. حتى حلفاء واشنطن، مثل كولومبيا وتشيلي، يعلنون رفضهم الصريح لأي تدخل عسكري. أي غزو مباشر لكوبا سيؤدي إلى انهيار النفوذ الأمريكي في المنطقة، وتقويض بنية منظمة الدول الأمريكية، وعزل واشنطن سياسياً في نصف الكرة الغربي. إضافة إلى ذلك، فإن الصين، التي تمتلك استثمارات في موانئ كوبا، وروسيا، التي تزودها بالمعدات العسكرية والنفط، قد تستغل أي تدخل كذريعة لشن هجوم دبلوماسي واقتصادي مضاد.

لهذا السبب، اختارت إدارة ترامب استراتيجية هجينة تقوم على “الخنق الاقتصادي” و”إعادة التشكيل الداخلي”. ففي عام 2024، وسّعت وزارة الخزانة الأمريكية قائمة العقوبات بموجب قانون ماغنيتسكي لتشمل 43 مسؤولاً كوبياً، و7 مؤسسات حكومية، و13 شركة أجنبية تعمل مع كوبا في مجالي الطاقة واللوجستيات. لكن الضربة الأشد تمثلت في حظر عمليات التحويل المالي عبر ويسترن يونيون وسواها من الوسطاء. ففي حين كانت الجالية الكوبية ترسل إلى البلاد بين 3.5 و4 مليارات دولار سنوياً عام 2019، تراجعت التحويلات بعد القيود إلى نحو 1.8 مليار فقط. هذا الإجراء أصاب مباشرة فئة “العاملين لحسابهم الخاص”، الذين يؤمّنون ما بين 12 و15% من الناتج المحلي، ويشغلون نحو 600 ألف شخص.

في الوقت نفسه، استهدفت العقوبات البعثات الطبية الكوبية المنتشرة في أكثر من ستين دولة. اتهمت واشنطن هافانا بـ”استغلال الأطباء”، ومارست ضغوطاً على الدول المستضيفة ملوّحة بتقليص المساعدات المالية. ونتيجة لذلك، جرى إلغاء بعثات بقيمة تقارب 800 مليون دولار في البرازيل وبوليفيا والإكوادور خلال عامي 2023 و2024. هكذا خسرت كوبا أحد أهم مصادر العملة الصعبة، الذي كان يأتي في المرتبة الثانية بعد السياحة وتصدير النيكل.

الطاقة كانت في صلب هذا الضغط. تعتمد كوبا بنسبة 50 إلى 55% على النفط ومشتقاته القادمة من فنزويلا. بعد إغلاق المسارات الفنزويلية في البحر الكاريبي ضمن عملية “ممر الحرية” عام 2024، تراجعت الإمدادات بنحو الثلث، وبدأت شبكة الطاقة الكوبية تعاني من انقطاعات منتظمة. تُقدَّر الخسائر بنحو 1.1 مليار دولار سنوياً. وزاد الطين بلة حظر بيع المكونات الأمريكية اللازمة لصيانة محطات الكهرباء، ما صعّب إصلاح المعدات القديمة ذات المنشأ السوفييتي.

بالتوازي، صعّدت واشنطن الضغط الإعلامي. تُخصص سنوياً ما بين 25 و30 مليون دولار عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وهيئات أخرى لتمويل وسائل إعلام معارضة ومنصات رقمية ومنظمات غير حكومية تعمل من داخل كوبا وخارجها. وفي عام 2024 وحده، أُنشئ أكثر من 400 حساب ومنصة رقمية مجهولة في إطار برنامج “حرية الإنترنت في كوبا”، تروج لأجندة “الإصلاحات المُدارة” و”الحوار المدني”.

بهذا المعنى، تحولت كوبا إلى ميدان اختبار لنموذج جديد من الإكراه بالعقوبات دون استخدام القوة العسكرية. الهدف ليس تدمير مؤسسات الدولة، بل إعادة توجيهها نحو مسار مرغوب أمريكياً، عبر تحويل تدريجي مُدار. إنها صيغة لتصدير “انتقال ما بعد اشتراكي ناعم”، لا ثورات، بل إعادة تشكيل خاضعة للضغط الخارجي، تتكيف فيها النخب مع منطق السوق الرأسمالي.

بالنسبة للولايات المتحدة، كوبا هي حالة اختبار. إذا نجحت التجربة، يمكن تطبيق النموذج نفسه في نيكاراغوا وبوليفيا، وربما لاحقاً في فنزويلا بعد استقرارها النهائي. بكلمات أخرى، لم تعد كوبا مجرد هدف، بل أصبحت مختبراً تُطوَّر فيه تقنيات تغيير الأنظمة الهجينة: بلا دبابات، لكن بحسابات مصرفية مُجمّدة، بلا غزو، لكن بشبكات طاقة مشلولة، وبلا ثورات، بل بإصلاحات مُدارة. هذا هو الوجه الجديد لعقيدة مونرو في القرن الحادي والعشرين: نيوليبرالية، أداتية، وبراغماتية إلى أقصى حد.

البدائل الجيوـاقتصادية والاستراتيجية.

رغم الحصار الاقتصادي الطويل والخنق المنهجي، تحتفظ كوبا بقدرة لافتة على البقاء الذاتي، مستندة إلى موارد داخلية، وموقع جغرافي فريد، وخبرة مؤسسية متراكمة في التكيف. ليست اقتصاد وفرة، لكنها أيضاً ليست اقتصاد انهيار. إنها نموذج صمود قائم على الاكتفاء النسبي، ورأس مال بشري مرتفع، واستثمار ذكي للثروات الطبيعية.

الميزة الأولى هي الجغرافيا. تقع كوبا في قلب الكاريبي، عند تقاطع طرق التجارة واللوجستيات في نصف الكرة الغربي. تفصل هافانا عن سواحل فلوريدا 180 كيلومتراً فقط. ومع تفاقم أزمة الجفاف في قناة بنما منذ 2023، وتراجع حركة العبور بنحو 40%، بدأ إعادة توزيع للمسارات البحرية العالمية. هذا يفتح نافذة فرص لكوبا كي تتحول إلى مركز عبور وإعادة تصدير وخدمات لوجستية بين أمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا. مشاريع تحديث ميناء مارييل، بمشاركة مستثمرين من البرازيل والصين، تُقدَّر طاقتها المحتملة بما بين 2 و3 مليارات دولار سنوياً إذا نجحت كوبا في ضمان حياد لوجستي وشفافية تشغيلية.

الميزة الثانية هي رأس المال البشري. يتمتع النظام التعليمي الكوبي بمستوى عالٍ من الشمول والكفاءة. تتجاوز نسبة الأمية 99%، ويبلغ متوسط سنوات التعليم أكثر من 11 عاماً. لكن الطب هو العنوان الأبرز. تصدّر كوبا كوادرها الطبية إلى أكثر من 67 دولة، وتدر “الفرق الطبية” نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً، وهو أكبر مصدر للعملة الصعبة، متقدماً على السياحة والزراعة. يعمل أكثر من 30 ألف طبيب وممرض كوبي في الخارج، فيما تنتج الصناعة الدوائية المحلية نحو 70% من احتياجات السوق الداخلية. هذا مكّن الدولة من الحفاظ على الحد الأدنى من المعايير الاجتماعية، وتطوير قطاعات التكنولوجيا الحيوية واللقاحات والبحوث الجينية.

الركيزة الثالثة هي الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النيكل والكوبالت. تمتلك كوبا واحداً من أكبر احتياطيات النيكل عالمياً، وتعد من أبرز حائزي الكوبالت في نصف الكرة الغربي. ومع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية، يتزايد الطلب على هذه المعادن بوتيرة سريعة. في أفضل سنواتها، شكّلت صادراتها نحو 20% من عائدات البلاد من العملات الصعبة. اليوم تراجعت القدرات بسبب نقص الاستثمار، لكن مع دخول رؤوس أموال صينية أو روسية، يمكن إعادة تأهيل المناجم ورفع الإنتاج إلى مستوياته السابقة.

في المحصلة، لا تمتلك كوبا فقط خبرة تاريخية في الصمود تحت العقوبات، بل أيضاً مقومات موضوعية لتحقيق قدر من الاكتفاء الاقتصادي. موقعها الجغرافي، وسكانها المتعلمون، واحتياطياتها المعدنية، تجعل منها لاعباً إقليمياً محتملاً. وإذا توافر حد أدنى من الاستثمارات واستقر التوازن السياسي، يمكن للجزيرة أن تتجاوز منطق البقاء، وتعود إلى مصاف الاقتصادات المستقرة في منطقة الكاريبي.

التموضع في السياسة الخارجية: بين البقاء والتوازن.

كوبا المعاصرة، رغم استمرار الحصار الأمريكي والعجز الاقتصادي المزمن، تُظهر مرونة دبلوماسية لافتة، وتُحسن المناورة بين مراكز قوة أُنهكت لكنها ما زالت فاعلة. هافانا لم تعد تراهن على التعاطف الأيديولوجي، فقد انتهى زمن الرومانسية الثورية المرتبطة بمرحلة فيديل كاسترو. اليوم تتحول كوبا إلى فاعل براغماتي، يصوغ سياسة قائمة على البقاء والتنمية في عالم متعدد الأقطاب، لكنه شديد الاضطراب.

بالنسبة لكوبا، تمثل موسكو اليوم مصدراً للشرعية الرمزية ودعماً اقتصادياً محدوداً. فبعد عام 2014، عززت روسيا تعاونها مع هافانا، وشطبت نحو 90% من ديون بلغت 32 مليار دولار، ووقعت اتفاقات في مجالات الطاقة والزراعة والتعاون العسكري. غير أن الحجم الفعلي للدعم الروسي يبقى متواضعاً. فإمدادات النفط تراجعت منذ 2019 بمقدار أربعة أضعاف، ولم يتجاوز حجم التبادل التجاري في عام 2024 حاجز 500 مليون دولار، وهو رقم هامشي وفق معايير أمريكا اللاتينية. موسكو تنظر إلى كوبا بوصفها رمزاً للصداقة التاريخية وأداة للاستعراض الجيوسياسي أكثر من كونها شريكاً اقتصادياً ذا أولوية. أما هافانا، فتستخدم روسيا كورقة سياسية، ورسالة موجهة للغرب مفادها أن البدائل ما زالت قائمة.

في المقابل، يتحرك بكين بحذر أكبر، ولكن بعمق أوضح. الصين أصبحت الممول التكنولوجي والدائن الأخير لكوبا. إذ يأتي نحو 30% من واردات الجزيرة من الإلكترونيات والمعدات الطبية ووسائل النقل من الصين. ومنذ عام 2021، انطلقت مشاريع مشتركة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وفي عام 2023 بدأت مفاوضات حول استثمارات صينية في استخراج المعادن النادرة، ولا سيما المعادن الحاوية على الإيتريوم في شرق البلاد. بالنسبة للصين، لا تمثل كوبا مجرد نقطة مراقبة جيوسياسية في الكاريبي، بل منصة لاختبار نموذج حضور اقتصادي من دون انخراط عسكري مباشر. بكين تتجنب المواجهة مع واشنطن، وتفضل التمدد الهادئ عبر القروض، وعقود البنية التحتية، والتجهيزات الرقمية.

بالتوازي، تروّج هافانا بثبات لمفهوم “التطبيع الناعم” مع الاتحاد الأوروبي. منذ توقيع اتفاق الحوار السياسي والتعاون عام 2016، تحولت كوبا إلى ساحة اختبار للاتحاد الأوروبي لإظهار استقلالية نسبية عن السياسة الخارجية الأمريكية. تلعب إسبانيا وإيطاليا وفرنسا دوراً محورياً في هذا المسار، حيث يجمع الحضور الأوروبي بين الحنين التاريخي والبراغماتية الاقتصادية. في عام 2024، استثمر الاتحاد الأوروبي أكثر من 160 مليون يورو في البنية التحتية الكوبية، مع تركيز على مشاريع المياه والصحة والتكنولوجيا الزراعية. بالنسبة لبروكسل، تشكل هافانا فرصة لإبراز “الاستقلالية الأوروبية”، أما بالنسبة لكوبا فهي نافذة لتخفيف الضغط العقابي وجذب العملة الصعبة دون الشروط السياسية الصارمة التي تفرضها واشنطن.

أخيراً، تراهن كوبا على إحياء التضامن اللاتيني بروح، لا بأيديولوجيا، المبادرة البوليفارية في مطلع الألفية. الشريكان المحوريان هنا هما المكسيك والبرازيل، وهما دولتان قادرتان على لعب دور العازل أمام الضغوط الأمريكية. الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، يدعوان إلى استعادة الاستقلال الإقليمي وتعزيز الروابط الطاقوية والغذائية الداخلية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية. وفي عام 2025، بدأ تداول فكرة إنشاء آلية جديدة للتكافل الطاقوي، أشبه بـ“بتروكاريبي 2.0”، لكن على أسس عملية خالصة. الحسابات ستكون بالعملات الوطنية، والاستثمارات مشتركة في التكرير والنقل، بدلاً من الشعارات الأيديولوجية والمقايضات التقليدية.

أزمة الطاقة وارتفاع أسعار الغذاء يدفعان أمريكا اللاتينية نحو مزيد من التقارب، وتحاول كوبا أن تقدم نفسها كمركز فكري لهذا المسار، مستندة إلى رصيدها التاريخي. ففي عام 2024، ارتفع حجم التبادل التجاري مع المكسيك بنسبة 38%، ومع البرازيل بنسبة 42%. كما أُعيد تشغيل الرحلات الجوية المباشرة، وتوسعت التبادلات الإنسانية، وأُطلقت برامج مشتركة في المجال الطبي، وهو القطاع التصديري التقليدي لكوبا.

بهذا المعنى، تقوم الاستراتيجية الكوبية الراهنة على اللعب المتزامن على عدة رقع شطرنج. لم تعد كوبا حصناً أيديولوجياً، بل جزيرة للواقعية الدبلوماسية. رهانها يقوم على تعدد المسارات، وعلى التوازن بين موسكو وبكين، وعلى نافذة سياسية أوروبية، وعلى عمق استراتيجي في الجنوب اللاتيني. في عالم باتت فيه حتى القوى العظمى مضطرة لعقد التسويات، تحوّل كوبا ضعفها إلى أداة للبقاء، وتجعل من عزلتها الجيوسياسية مساحة للمناورة.

تحليل السيناريوهات: ثلاث مسارات محتملة.

سيناريو “الاستدامة المجمّدة”. يحتفظ النظام باحتكاره للسلطة، ويستقر الاقتصاد عند مستوى منخفض اعتماداً على عائدات الطب والمعادن. تتحول كوبا إلى نموذج “اشتراكية ما بعد طاقوية” بروابط محدودة مع الخارج.

سيناريو “التحول الداخلي”. تُطلق فئة إصلاحية داخل الحزب إصلاحات اقتصادية محدودة، تشمل تحرير الأعمال الصغيرة، وخصخصة جزئية، وتقنين تبادل العملات. في المقابل، تخفف الولايات المتحدة العقوبات. يبقى النظام قائماً، لكن بصيغة أكثر ليونة، على غرار النموذج الفيتنامي.

سيناريو “الانتقال المُدار”. يؤدي الانهيار الاقتصادي وتآكل الأيديولوجيا إلى بروز نخبة جديدة من العسكريين أو التكنوقراط، تطلق إصلاحاً سياسياً ضمن إطار السيادة الوطنية وتحت ضمانات خارجية من الاتحاد الأوروبي أو الصين. هذا المسار يقلل مخاطر الفوضى، لكنه يفضي تدريجياً إلى تراجع الهوية الثورية.