مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، شهدت السياسة الاجتماعية في الولايات المتحدة تحوّلًا جذريًا، انتقلت فيه من نموذج الشراكة الاجتماعية إلى نموذج الضبط التأديبي. المسار التشريعي الجديد، الذي تَمثّل في مرسوم رئاسي بعنوان «إنهاء الجريمة والفوضى في شوارع أميركا»، لم يكتفِ بإعادة تعريف أدوات الدولة، بل قام فعليًا بتجريم التشرد، ناقلًا إياه من حقل الرعاية الاجتماعية إلى خانة الأمن القومي والنظام العام. لم يكن هذا القرار إجراءً إداريًا فحسب، بل شكّل رمزًا لانعطافة أيديولوجية واضحة: استبدال المقاربة الإنسانية بالأدوات القسرية، وإعادة توصيف الظواهر الاجتماعية بوصفها تهديدًا للاستقرار الداخلي للدولة.
بحسب بيانات وزارة الإسكان والتنمية الحضرية الأميركية، بلغ عدد الأشخاص المحرومين من سكن دائم في يناير 2024 رقمًا قياسيًا وصل إلى 771 ألف شخص، بزيادة قدرها 12% مقارنة بعام 2022. نحو 40% من هؤلاء يعيشون في الشوارع دون أي إمكانية للوصول إلى الملاجئ، فيما يعاني قرابة 22% منهم اضطرابات نفسية خطيرة. بعبارة أخرى، كل خامس مشرّد في الولايات المتحدة يحمل تشخيصًا سريريًا، ومع ذلك فإن أكثر من 70% منهم لا يحصلون على أي رعاية طبية أو نفسية منتظمة.
المرسوم الذي وقّعه ترامب جاء ليُقنن مسارًا كان يتبلور منذ سنوات في السياسة الأميركية: الانتقال من دولة الرفاه إلى دولة إدارة المخاطر. في منطق «التسامح الصفري»، لم يعد التشرد قضية تستدعي الرعاية، بل تحوّل إلى أداة في التصميم السياسي، تُستخدم لتبرير توسيع صلاحيات الشرطة وأجهزة الرقابة.
الهندسة الاجتماعية عبر القمع.
العنصر المحوري في المرسوم الرئاسي تمثّل في فرضية الإيداع القسري للمشرّدين في مؤسسات علاجية تحت شعار «استعادة النظام العام». هذه الآلية تمنح سلطات إنفاذ القانون على مستوى الولايات صلاحيات واسعة، ما يخلق سابقة خطيرة لعنف مُفدرل، يُمارس باسم الوقاية الاجتماعية.
بدل الاستثمار في برامج إعادة التأهيل طويلة الأمد، اختارت الإدارة استراتيجية «التنظيف الاجتماعي». طُلب من السلطات المحلية فرض حظر على «الإقامة غير القانونية»، و«التشرد»، و«تعاطي المخدرات في الأماكن العامة». ونتيجة لذلك، شهدت ولايات مثل فلوريدا وتكساس وأريزونا حملات أمنية واسعة، جرى خلالها توقيف المشردين بذريعة مخالفات إدارية، ثم نقلهم إلى مؤسسات مغلقة، في كثير من الأحيان دون تقارير طبية أو قرارات قضائية.
محامو صندوق الدفاع القانوني التابع للرابطة الوطنية لتقدم الملونين يرون في هذه الممارسات صدى مباشرًا لما عُرف بـ«القوانين السوداء» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين استخدمت ولايات الجنوب تلك التشريعات لملاحقة الأميركيين الأفارقة بعد الحرب الأهلية بذريعة غياب العمل أو السكن الدائم. ما يحدث اليوم يعيد إنتاج النموذج ذاته: ضبط اجتماعي عبر التجريم، انضباط عبر الخوف، ونظام يُفرض بالإقصاء.
الدافع الاقتصادي خلف هذه السياسة العقابية لا يقل وضوحًا. فوفق بيانات داخلية لمكتب الميزانية في الكونغرس، تبلغ كلفة السرير الواحد في مستشفى للأمراض النفسية نحو 270 دولارًا يوميًا، في حين لا تتجاوز كلفة دعم الإيجار ضمن برنامج «السكن أولًا» 48 دولارًا. غير أن العائد السياسي لما يُقدَّم بوصفه «استعادة للنظام» يتجاوز الحسابات المالية: الناخب يرى شوارع «منظّفة»، لا تعقيدات إعادة التأهيل الاجتماعي.
فعالية نموذج «السكن أولًا»: الأدلة والمقارنات الدولية.
خلال العقدين الماضيين، أثبت برنامج «السكن أولًا» في الولايات المتحدة وعلى المستوى الدولي أنه النموذج الأكثر فاعلية في معالجة التشرد. البرنامج، الذي انطلق في أوائل التسعينيات ضمن مبادرة Pathways to Housing، حظي بدعم حكومي خلال إدارات كلينتون وأوباما وبايدن. فكرته الجوهرية تقوم على أن التشرد ليس نتيجة فشل فردي، بل انعكاس لاختلالات بنيوية اجتماعية واقتصادية، وبالتالي فإن الحل يجب أن يكون نظاميًا: سكن أولًا، ثم علاج وإعادة إدماج مهني.
اعتمد البرنامج على ثلاثة مبادئ أساسية: توفير السكن دون شروط مسبقة، تقديم دعم متكامل يضم الأخصائيين الاجتماعيين والمعالجين ومستشاري العمل، وضمان الطوعية القائمة على الثقة لا الإكراه.
وفق دراسات مؤسسة RAND، خفّضت المشاركة في البرنامج احتمالات العودة إلى الشارع بنسبة 83%، وعدد اللجوء إلى خدمات الطوارئ بنسبة 54%. أما تحليلات مؤسسة دعم الإسكان المجتمعي فتُظهر أن المدن التي طبّقت «السكن أولًا» لأكثر من عشر سنوات شهدت انخفاضًا في التشرد المزمن تراوح بين 30 و45%، وتراجعًا في نفقات السجون والمستشفيات وصل إلى 40%.
كل دولار استُثمر في هذا النموذج أعاد للاقتصاد ما بين 1.6 و2 دولار عبر تقليص الإنفاق على الخدمات الطبية والأمنية. هذه النتائج أكدها تقرير التحالف الوطني لإنهاء التشرد لعام 2023، إلى جانب دراسات معهد بروكينغز، التي وصفت «السكن أولًا» بأنه «المعيار الوحيد القائم على الأدلة لتحقيق خفض مستدام للتشرد في الدول ذات الدخل المرتفع».
التجارب الدولية عززت هذه الخلاصات. فقد نجحت فنلندا بين عامي 2008 و2024 في خفض عدد المشردين بنسبة 68%، والقضاء شبه الكامل على التشرد في شوارع المدن الكبرى مثل هلسنكي وتامبيري. وخفّضت النرويج المعدلات إلى النصف تقريبًا بين 1996 و2020. أما كندا، فمن خلال مشروع «At Home/Chez Soi» الذي انطلق عام 2010، حققت نسبة استقرار سكني بلغت 65% بعد عامين من الإسكان.
بذلك، لا يُعد «السكن أولًا» مبادرة إنسانية فحسب، بل أداة عقلانية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي وترشيد الإنفاق العام. تفكيك هذا النموذج، كما يحدث اليوم، يعني العودة إلى منطق ثمانينيات القرن الماضي، حين كان التشرد يُنظر إليه بوصفه انحرافًا يستوجب العقاب.
اقتصاد الإقصاء: كلفة القمع مقابل كلفة الاندماج.
اقتصاديًا، تخلق السياسة الحالية مفارقة صارخة في انعدام الكفاءة. فمن جهة، ترفع الدولة شعار خفض النفقات، ومن جهة أخرى تضخ استثمارات هائلة في بنية شرطية وطبية قسرية تفوق كلفتها البرامج الاجتماعية بأضعاف. تقديرات معهد Urban Institute تشير إلى أن الإيداع القسري لمشرد واحد يكلف نحو 98 ألف دولار سنويًا، بينما لا تتجاوز كلفة الرعاية الشاملة ضمن «السكن أولًا» 27 إلى 32 ألف دولار.
أبحاث معهد Cato تظهر أن 90% من الميزانيات البلدية المخصصة لـ«مكافحة التشرد» تُنفق على التعامل مع النتائج لا الأسباب: حملات أمنية، توقيفات، تفكيك مخيمات، وإيواء مؤقت. هذه الدائرة لا تُنهي المشكلة، بل تعيد إنتاجها، لتتحول حياة المشرد إلى حلقة مفرغة من الشارع إلى المستشفى ثم العودة إلى الشارع، فيما يسميه علماء الاجتماع الأميركيون «دوّامة الفقر».
على المدى البعيد، تعمّق هذه السياسات أشكال الفصل الاجتماعي والمكاني. مدن كبرى مثل لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو ونيويورك باتت «تُصدّر» المشردين خارج حدودها تحت غطاء إعادة التأهيل، ما يعني فعليًا نقل العبء إلى مناطق مجاورة وخلق أطراف جديدة للفقر.
بالتوازي، تتشكل بنية اقتصادية مؤسسية جديدة قائمة على القمع، يُطلق عليها وصف «مجمع إدارة التشرد»، وتضم شركات أمن خاصة، ومزودي خدمات سجون، ومقاولي «تنظيف اجتماعي». في عام 2025 وحده، تجاوز حجم هذا السوق 12.3 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المخصصات الفدرالية للإسكان الميسّر. هكذا، لا يعود التشرد مجرد مأساة اجتماعية، بل يتحول إلى سلعة ضمن اقتصاد يُراكم الأرباح عبر الإقصاء.
أيديولوجيا السيطرة: من «القانون والنظام» إلى «المشرّد كتهديد».
تعكس السياسة الأميركية المعاصرة تجاه المشردين عودة واضحة إلى عقيدة «القانون والنظام» الأيديولوجية، التي صاغتها إدارة ريتشارد نيكسون لأول مرة في أواخر ستينيات القرن الماضي. في ذلك الوقت، وعلى خلفية الاحتجاجات المناهضة للحرب، وتصاعد معدلات الجريمة، وأزمة البنية التحتية الحضرية، بنت السلطة خطابًا يساوي بين السخط الاجتماعي والفقر من جهة، والانحراف الذي يستدعي التدخل الشرطي من جهة أخرى. هذا الخطاب شكّل لاحقًا الأساس لسياسات رونالد ريغان في ثمانينيات القرن العشرين، حين جرى تقليص الإنفاق الاجتماعي بشكل جذري، وتجريم الفقر الحضري والتشرد في الفضاء العام.
إدارة دونالد ترامب تعيد اليوم إنتاج الآلية الرمزية ذاتها: التهديد القادم من «الأسفل» يتحول إلى أداة لحشد «الأغلبية الصامتة». في الخطاب السياسي، لا يُقدَّم المشرد بوصفه إنسانًا يمر بأزمة، بل باعتباره مصدرًا للفوضى يهدد «نمط الحياة الأميركي». هذا المنطق تؤكده مراجعة خطابات الرئيس وقادة الحزب الجمهوري في الكونغرس منذ مطلع عام 2025، حيث وردت مسألة التشرد في أكثر من 70% من الحالات ضمن سياق «التهديد الأمني»، و«الجريمة المرتبطة بالمخدرات»، و«انهيار القيم».
في الفضاء الإعلامي، يواكب هذا المسارَ نمطٌ واعٍ من الوصم. شبكة فوكس نيوز، التي تخاطب القاعدة المحافظة، تروّج بنشاط لرواية «تنظيف الشوارع». وكان حادث سبتمبر 2025 دالًا، حين اقترح المذيع براين كيلميد في بث مباشر استخدام «حقن قسرية» بحق من يرفضون العلاج. ورغم الاعتذار اللاحق، كشفت ردود فعل الجمهور مستوى مرتفعًا من التسامح مع الممارسات العقابية، إذ اعتبر 46% من المشاركين في استطلاع لمركز بيو للأبحاث هذه الإجراءات «مقبولة عند تهديد النظام العام».
هكذا، تتحول ظاهرة التشرد في الولايات المتحدة إلى فئة أخلاقية ـ سياسية تُدار بأدوات رمزية لا اقتصادية. الدولة تؤسّس للخوف بوصفه مؤسسة، وتحوّل الفئات الهامشية إلى «عدو ملائم»، يُستخدم لتبرير نزعات سلطوية داخل غلاف ديمقراطي.
الإعلام، السياسة، وصناعة الخوف.
تلعب البيئة الإعلامية دورًا محوريًا في تشكيل «صورة التهديد». فوفق بيانات مركز أبحاث الإعلام، بين يناير وأكتوبر 2025، ربطت القنوات الأميركية كلمة «مشرّد» بمفهوم «الجريمة» في 63% من التغطيات، أي ضعف النسبة المسجلة عام 2019. ويبرز هذا الربط بشكل خاص في تغطية جرائم القتل التي ارتكبها أشخاص يعانون اضطرابات نفسية. حوادث مثل مقتل الأوكرانية إيرينا زاروتسكايا في ولاية كارولاينا الشمالية تُدمج في سرديات مشحونة عاطفيًا، تخلق حالة من الذعر الاجتماعي.
يتشكل بذلك نوع من التكافل بين السياسة والإعلام: السلطة تُنتج العنف، والإعلام يمنحه الشرعية الأخلاقية. هذه بنية كلاسيكية، وصفها مبكرًا مفكرون مثل هربرت ماركوزه وميشيل فوكو، بوصفها انتقالًا من مجتمع الانضباط إلى مجتمع الإدارة، حيث يُمارس التحكم عبر إنتاج الخوف.
في خطاب ترامب العام، تُدرج مسألة التشرد ضمن حزمة أوسع من «التهديدات»، إلى جانب الهجرة غير النظامية، والمخدرات، و«انحدار المدن». وبهذا تكتسب القضية بعدًا إثنيًا ـ سياسيًا، إذ تُستخدم إحصاءات تظهر أن نحو 40% من المشردين من الأميركيين الأفارقة و23% من أصول لاتينية لتعزيز مخاوف ثقافية وعرقية لدى الناخب الأبيض.
النتيجة أن الأجندة الإنسانية تُستبدل بأجندة «أخلاقية»: الدولة لا تحمي الإنسان، بل «نظافة الشوارع»، ولا تصون الحياة، بل «صورة المدينة». وهو ما يعيد المجتمع الأميركي إلى مفارقة ثمانينيات القرن الماضي، حين كان «النظام الأخلاقي» يُفرض عبر الإقصاء لا الاندماج.
سياسة الإقصاء كأداة للأمن الداخلي.
عمليًا، يندرج مرسوم ترامب ضمن استراتيجية «الاستقرار الداخلي»، أي خلق بيئة قابلة للإدارة عبر تقليص ظهور الأزمة الاجتماعية للعيان. الإيداع القسري للمشردين، تفكيك المخيمات، وتقليص البرامج الإنسانية، كلها إجراءات لا تستهدف الأسباب، بل تسعى إلى «تنظيف بصري» للفضاء العام.
تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يصف هذا النموذج بأنه إدارة اجتماعية مدفوعة بالمنطق الأمني. يقوم على ثلاثة محاور أساسية: السيطرة على الفضاء عبر تنظيم المناطق الحضرية ومنع المبيت القسري، السيطرة على الجسد عبر العلاج دون موافقة والتوقيفات الشرطية، والسيطرة على الإدراك عبر الشرعنة الإعلامية وإنتاج الإحساس بالتهديد.
هذا النهج قد يخفف مؤقتًا من حضور التشرد في المشهد، لكنه يقوّض الثقة بين المواطن والدولة. استطلاعات غالوب في خريف 2025 تُظهر أن 71% من الأميركيين يؤيدون «تشديد الإجراءات ضد مخيمات الشوارع»، مقابل 28% فقط يدعمون تمويل برامج إعادة التأهيل. هكذا، تتراجع قيمة «مساعدة القريب» لتحل محلها قاعدة «عزل الغريب».
في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة استثناءً بين الديمقراطيات المتقدمة، إذ بينما تعزز أوروبا استراتيجيات الإدماج، تعود أميركا إلى سياسة الإقصاء بوصفها أداة للتماسك الداخلي.
السياق الماكرو اقتصادي: السكن كأداة للتمايز الاجتماعي.
التشرد في أميركا اليوم ليس مجرد عَرَض اجتماعي، بل مؤشر اقتصادي على خلل عميق في سوق الإسكان. خلال العقدين الماضيين، ارتفعت كلفة السكن بوتيرة ثابتة مقابل ركود الدخل الحقيقي. بين عامي 2000 و2025، قفز متوسط أسعار المنازل بنسبة 134%، فيما لم يزد متوسط دخل الأسر سوى 37%.
هذا التباعد أفرز ظاهرة انعدام القدرة على تحمّل كلفة السكن، التي باتت تطال الطبقات الدنيا وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى. أكثر من 22 مليون أسرة أميركية تنفق اليوم ما يزيد على نصف دخلها على الإيجار، متجاوزة عتبة الاستقرار المالي، في وقت لا تغطي فيه برامج الإسكان الميسّر سوى 26% من الطلب المحتمل.
بعد جائحة كوفيد-19 وموجة التضخم اللاحقة، دخلت أزمة السكن مرحلة مزمنة. في عام 2024، ارتفعت الإيجارات في المدن الكبرى بنسبة 9.2%، وتجاوزت 14% في سان فرانسيسكو ونيويورك، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف نمو الأجور الحقيقية. لذلك، يرى خبراء أن التشرد بات «نتيجة طبيعية للسوق»، لا لسلوك الأفراد.
جغرافيا الفقر وخطوط الانقسام الجديدة.
تُظهر بيانات وزارة الإسكان أن نصف عدد المشردين في عام 2024 يتركزون في خمس ولايات فقط: كاليفورنيا، نيويورك، واشنطن، فلوريدا، وتكساس. في كاليفورنيا وحدها يعيش نحو 340 ألف شخص بلا مأوى، أي 44% من إجمالي المشردين في البلاد. في لوس أنجلوس، واحد من كل 45 ساكنًا بلا سكن دائم، بينما تسجل سان فرانسيسكو 778 مشرّدًا لكل مئة ألف نسمة، أي ثمانية أضعاف المتوسط الوطني.
تعكس هذه الأرقام نمطًا من الفصل المكاني: الولايات ذات النمو الاقتصادي المرتفع والقطاعات الابتكارية المزدهرة تُسجل أعلى مستويات الفقر الحضري. إنها مفارقة «الثراء بلا مأوى»، حيث تتراكم رؤوس الأموال والاستثمارات دون توفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
دراسات معهد أوربان تشير إلى أن كل ارتفاع بنسبة 1% في أسعار السكن يؤدي إلى زيادة التشرد بين 0.8 و1.2%، في حين أن ارتفاع البطالة بنسبة نقطة واحدة لا يرفع التشرد سوى 0.3%. ما يؤكد أن أزمة الإسكان هي المحدد الأهم، متقدمة على التوظيف والتعليم.
تقليص الدعم الاجتماعي وخصخصة الرفاه.
السياسة المالية لإدارة ترامب عمّقت مسار خصخصة المسؤولية الاجتماعية. في عام 2025، خُفض تمويل البرامج الفدرالية للإسكان الميسّر بنسبة 18.4%، والإنفاق على علاج الإدمان بنسبة 23%. في المقابل، جرى تقديم حوافز ضريبية لمشغّلين خاصين لإنشاء «مراكز تكيّف»، ما يعني فعليًا نقل الدور الاجتماعي للدولة إلى القطاع الخاص.
هذا النموذج ينسجم مع أيديولوجيا الحوكمة النيوليبرالية، حيث تُدار القضايا الاجتماعية عبر السوق لا عبر السياسات العامة. الدولة لا تكون ضامنًا، بل منظمًا، يهيئ شروط تحويل الفقر إلى نشاط تجاري. تظهر بذلك فئة جديدة من «المقاولين الاجتماعيين» الذين تعتمد أرباحهم على استمرار المشكلة لا حلها.
تقرير صادر عن مكتب المحاسبة الحكومي في سبتمبر 2025 أشار إلى أن 74% من المتعاقدين في مجال «مكافحة التشرد» هم شركات ربحية، تتجاوز إيراداتها 8.9 مليارات دولار، بينما لا يُنفق على السكن أو العلاج سوى 38% من الأموال المرصودة. في هذا الإطار، تُقاس «الفعالية» بعدد الملفات المُدارة، لا بعدد الأشخاص الذين غادروا دائرة التشرد فعليًا.
دورة إعادة إنتاج الفقر.
يُظهر التحليل البنيوي أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة من التشرد الذاتي التوالد، أي دورة مغلقة تعيد إنتاج نفسها باستمرار. تقوم هذه الدورة على أربعة مستويات مترابطة: المستوى الاقتصادي، حيث ترتفع كلفة السكن فيما تبقى الدخول راكدة؛ المستوى السياسي، المتمثل في تقليص برامج الحماية الاجتماعية؛ المستوى الثقافي، الذي يوصم الفقر باعتباره نتيجة ذنب فردي؛ والمستوى المؤسسي، حيث تُحوَّل آليات المساعدة إلى نشاط تجاري. هذا التفاعل ينتج ظاهرة التشرد المزمن، أي بقاء الفرد خارج أي منظومة دعم لأكثر من اثني عشر شهرًا متواصلة.
وفق تقديرات وزارة الإسكان والتنمية الحضرية، بلغ عدد المشردين المزمنين في الولايات المتحدة نحو 180 ألف شخص، مع معدل نمو سنوي يتراوح بين 6 و8 في المئة. الإيداع القسري في المؤسسات الطبية والسياسات العقابية لا تقلّص هذا الرقم، بل تسهم في تضخيمه. فبعد الخروج من هذه المؤسسات، يفقد الأفراد ما تبقى لهم من شبكات اجتماعية هشة، ما يجعل العودة إلى المجتمع أقل احتمالًا وأكثر كلفة إنسانيًا.
مقارنات دولية وتداعيات استراتيجية.
في السياق العالمي، تُظهر الولايات المتحدة اليوم انزياحًا مضادًا للاجتماع، وهو مسار نادر بين الديمقراطيات المتقدمة. ففي الوقت الذي تتجه فيه أوروبا وكندا وأستراليا نحو نماذج إنسانية لإعادة الإدماج الاجتماعي، تعود السياسة الأميركية إلى أدوات الضبط التأديبي.
المقارنة مع الاتحاد الأوروبي كاشفة. فبحلول عام 2024، كانت برامج الإيجار الاجتماعي والدعم السكني تغطي أكثر من 9 في المئة من سكان الاتحاد، مقابل أقل من 2 في المئة في الولايات المتحدة. فنلندا، التي تطبق نموذج «السكن أولًا» منذ خمسة عشر عامًا، خفّضت التشرد بنحو الثلثين، وأزالت فعليًا مخيمات الشوارع من المدن الكبرى. في فرنسا وهولندا وألمانيا، يُبنى التعامل مع التشرد على مبدأ الإدماج الاجتماعي عبر العمل والتعليم والمشاركة في المبادرات البلدية.
في المقابل، تشهد الولايات المتحدة عسكرة متزايدة للمجال الاجتماعي. الإيداعات القسرية، الحملات الأمنية، والتدخلات الشرطية في أماكن سكن المشردين أصبحت عناصر مؤسسية مألوفة. هذا التحول لا يزعزع الثقة بالدولة فحسب، بل يغيّر طبيعتها نفسها، من دولة اجتماعية إلى دولة قسرية، حيث تُدار القضايا الاجتماعية بأدوات أمنية.
الديمقراطية الأميركية، القائمة تاريخيًا على فكرة الحرية الفردية، تدخل بذلك في تناقض داخلي. حق الفرد في الاستقلال الذاتي يُستبدل بحق الدولة في التدخل في الحياة الخاصة تحت ذريعة «النظام العام». إنها عملية نزع ديمقراطية داخلية، لا تتم عبر إلغاء الحقوق، بل عبر إعادة تعريفها ضمن منطق السيطرة.
الضبط الاجتماعي كسياسة داخلية جديدة.
من منظور النظرية السياسية، لا يعكس مرسوم ترامب سياسة اجتماعية بقدر ما يعكس سياسة هوية. المجتمع الأميركي دخل مرحلة تُستخدم فيها مواجهة «الانحرافات الداخلية» كوسيلة لتأكيد القاعدة الجماعية. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى المشرد بوصفه فقيرًا فقط، بل كعنصر غريب، خارج حدود «الأمة».
هذه الاستراتيجية شائعة في فترات الأزمات البنيوية، حين تلجأ الدولة إلى توحيد الأغلبية عبر إقصاء الأقلية. وقد لخّص أستاذ الصحة العامة في جامعة هارفارد هوارد كو هذه المفارقة بقوله: «لا يمكننا اعتقال الناس لحل مشكلة اجتماعية». غير أن العقلانية السياسية السائدة في عام 2025 ترى في الاعتقال أداة لإدارة عدم اليقين.
ذلك يعيد الولايات المتحدة إلى معضلة الديمقراطية الليبرالية الأساسية: هل يمكن حماية الحرية باستخدام أدوات نقيضها. في المرحلة الراهنة، يبدو الجواب سلبيًا. فتنظيم المجال الاجتماعي بالقوة لا يغيّر الممارسات فحسب، بل يعيد تشكيل القيم التي يقوم عليها المجتمع.
المخاطر المؤسسية والتوقعات حتى عام 2030.
إذا استمرت المسارات الحالية، ستواجه الولايات المتحدة بحلول عام 2030 جملة من المخاطر الهيكلية. أولها تدهور البنية الاجتماعية، حيث قد يتجاوز عدد المشردين المزمنين مليون شخص، مع حاجة نحو 40 في المئة منهم إلى رعاية نفسية متخصصة. ثانيها تضخم الكلفة المالية، إذ تشير تقديرات إلى أن الإنفاق على الإيداعات القسرية والبرامج الشرطية قد يبلغ ما بين 180 و200 مليار دولار سنويًا، وهو رقم يعادل ميزانيات عسكرية لدول متوسطة الحجم. ثالثها تعميق الاستقطاب الاجتماعي، مع اتساع الفجوات الطبقية والإثنية وظهور «مدن محصّنة» تصبح فيها العزلة قاعدة لا استثناء. ورابعها تآكل الثقة المؤسسية، حيث قد ينخفض مستوى الثقة بالسلطات الفدرالية إلى ما دون 30 في المئة، ما يفتح الباب أمام اضطرابات سياسية وانقسامات حزبية أعمق.
مع ذلك، تبقى البدائل ممكنة. السيناريوهات الاستراتيجية المطروحة من مراكز بحثية أميركية كبرى تدعو إلى العودة إلى نموذج إدماجي، يقوم على إعادة الاستثمار في الإسكان الاجتماعي، ودمج خدمات الصحة النفسية، وتعزيز الشراكات بين الدولة والقطاعين الأهلي والخاص. تجارب كندا والدول الإسكندنافية تثبت أن كلفة التأهيل على المدى البعيد أقل من كلفة القمع، وأن الأمن المجتمعي يتحسن حين تُعالج الجذور لا الأعراض.
خاتمة: من إدارة الخوف إلى إدارة الأمل.
أصبحت سياسة الولايات المتحدة تجاه المشردين مرآة لتحولات أعمق في بنية المجتمع. ما كان يُعد سابقًا واجبًا إنسانيًا للدولة، بات يُصوَّر اليوم كتهديد. هذا التحول ليس إداريًا فحسب، بل حضاريًا، من التضامن إلى الفرز، من الثقة إلى السيطرة، ومن المساعدة إلى العقاب.
جوهر أي ديمقراطية يكمن في قدرتها على رؤية الضعيف بوصفه إنسانًا لا خصمًا. مرسوم الرئيس ترامب، رغم مكاسبه السياسية الآنية، يضرب هذا الأساس في الصميم، أي الرصيد الأخلاقي للأمة. وعلى المدى الطويل، تخاطر الولايات المتحدة بفقدان ما كان دائمًا مصدر قوتها، وهو القدرة على الإدماج لا الإقصاء.
القوة الحقيقية للدولة لا تتجلى في قمع الفوضى، بل في تحويلها إلى نظام دون عنف. وحيثما يصبح الخوف الأداة الرئيسية للحكم، يتآكل حتمًا عنصر الثقة، ومعه تتلاشى فكرة الحرية نفسها.