هل تستطيع الجمهورية الإسلامية الإيرانية الحفاظ على استقرارها الداخلي وقدرتها على الفعل كفاعل مستقل في ظل التراكب المتزامن لصدمات داخلية وخارجية، اجتماعية واقتصادية وأيديولوجية وجيوسياسية، وما هي احتمالات تحوّل النظام من صيغة دينية ثيوقراطية إلى نموذج عسكري براغماتي في عام 2026.
تشهد إيران استمراراً لموجة احتجاجات واسعة النطاق امتدت إلى عشرات المدن في مختلف أنحاء البلاد. وعلى الرغم من التهديدات وحملات الاعتقال وقطع الإنترنت، عاد المحتجون إلى الشوارع مجدداً ليل الأحد. ويؤكد أطباء في عدد من المستشفيات استقبال مئات الجثث والمصابين، في وقت تواصل فيه السلطات التزام الصمت حيال أي أرقام رسمية. ووفق تقديرات منظمات حقوقية، تجاوز عدد القتلى خمسمئة شخص، فيما بلغ عدد المعتقلين عدة آلاف.
الإنترنت في البلاد شبه معطّل بالكامل، ما يجعل الحصول على معلومات دقيقة مهمة بالغة الصعوبة. المقاطع المصوّرة القليلة التي تمكّن ناشطون من نشرها عبر اتصالات فضائية تظهر مواجهات عنيفة في طهران ومشهد ورشت. قوات الأمن تستخدم الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع وأجهزة الصعق الكهربائي. المستشفيات تعاني نقصاً حاداً في الأسرّة، وكثير منها يعمل في حالة طوارئ قصوى.
ومع تزايد أعداد الضحايا، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداد واشنطن لتقديم «كل ما يلزم من دعم» للمحتجين. داخل الإدارة الأميركية تُناقش سيناريوهات متعددة، تتراوح بين عمليات سيبرانية تستهدف البنية العسكرية الإيرانية وفرض عقوبات محددة، وصولاً إلى دعم موارد المعارضة على الإنترنت. ومن بين المقترحات المطروحة تزويد إيران بمحطات اتصال فضائي لتجاوز الحجب الشامل للشبكة.
في المقابل، تحذّر مراكز تحليل أميركية من أن أي تدخل قد يؤدي إلى تصعيد خطير في الشرق الأوسط ويجرّ إسرائيل إلى المواجهة. لكن في واشنطن يسود القلق من أن يؤدي غياب خطوات حاسمة إلى قمع الاحتجاجات بوحشية مشابهة لما حدث عام 2022.
في الداخل الإيراني، تتصاعد وتيرة القمع. المرشد الأعلى وصف المحتجين بأنهم «مرتزقة لقوى خارجية»، فيما هدّد المدعي العام بتطبيق عقوبة الإعدام على كل من يُصنَّف «محارباً لله». في الشوارع متاريس مشتعلة وأصوات إطلاق نار، وفي المستشفيات مشارح مكتظة.
المشهد يتجه إلى اختبار صبر طويل. المحتجون يسعون إلى الحفاظ على وجودهم في الشارع ومنع السلطات من استعادة السيطرة الكاملة، بينما تبذل الحكومة كل ما بوسعها لبث الخوف وكسر إرادة المقاومة. ومع تصاعد المواجهة، تتعالى الدعوات إلى تدخل دولي، لكن مآلات الصراع ما تزال غير قابلة للتنبؤ.
حملة القمع التي يشنها النظام تتوسع، والتقارير عن قتلى وجرحى تتكاثر. ومع ذلك، لا بد من الإقرار بأن الصورة الكاملة تبقى مشوشة. الانقطاع المنهجي للإنترنت، والرقابة الصارمة على تدفق المعلومات، والضغط المباشر على المصادر من داخل البلاد، كلها عوامل تجعل ما يجري يُعاد تركيبه من إشارات متناثرة. إيران اليوم فضاء ضبابي، تُجمع فيه الحقيقة من الشذرات.
ورغم ذلك، فإن طول أمد الاحتجاجات واتساع رقعتها الجغرافية يشيران بوضوح إلى أن الأمر لا يتعلق باندفاعة غضب عابرة، بل بأزمة بنيوية عميقة. الاحتجاجات لا تخمد، ولا تنحصر في منطقة بعينها، ولا تقتصر على فئة اجتماعية محددة. على العكس، هي تتكرر وتتوسع وتكتسب طابعاً مستداماً.
في مواجهة ذلك، يرفع النظام منسوب التهديد تدريجياً، ويبعث برسائل واضحة عن استعداده للدفاع عن النظام القائم بأي ثمن. الأمن الداخلي أُعلن «خطاً أحمر»، والجيش صرّح علناً باستعداده للتحرك لحماية الممتلكات العامة. هذه الرسائل لا تُوجَّه إلى الشارع فقط، بل إلى داخل المنظومة نفسها، إلى النخب السياسية والدينية والأمنية، إذ يُنظر تاريخياً إلى تردد هذه النخب في اللحظات الحرجة باعتباره الخطر الوجودي الأكبر على الجمهورية الإسلامية.
بالتوازي، تعزز وسائل الإعلام الرسمية خطاب «التدخل الخارجي». تُتهم الولايات المتحدة وإسرائيل مباشرة بمحاولة استغلال السخط الداخلي لإسقاط النظام، بما في ذلك مزاعم عن دعم مجموعات مسلحة تسللت إلى داخل البلاد. هذه اللغة مألوفة، فهي أداة تعبئة للأنصار، وفي الوقت نفسه غطاء لتبرير القمع.
التقديرات الخارجية تتفق على أمر واحد: ما تشهده إيران اليوم هو أخطر تحدٍ داخلي يواجهه النظام منذ سنوات. طهران غارقة إلى حد كبير في أزماتها الداخلية، ولا تظهر في هذه المرحلة اندفاعاً هجومياً على الساحة الخارجية. خطر زعزعة الاستقرار واضح، لكن الواضح أيضاً هو سعي السلطة إلى منع انزلاق غير مضبوط نحو التصعيد.
القيادة العليا للبلاد، على ما يبدو، تدرك تماماً حجم الأزمة، وهي مصممة على القتال حتى النهاية من أجل البقاء. غير أن سلوك النظام يتسم بحذر محسوب. القمع يُمارس بجرعات، والعنف يُستخدم بشكل انتقائي لا شامل. المنطق بسيط: تصعيد مفرط قد يوفّر ذريعة رسمية لتدخل خارجي مباشر. إنها سياسة موازنة بين الشدة وضبط النفس، اعتادت المنظومة اللجوء إليها في أزمات سابقة.
حتى الآن، لا تزال الركائز الأساسية للنظام، من قوات التعبئة والحرس الثوري إلى الجيش النظامي، متماسكة. لا مؤشرات على انشقاقات واسعة، ولا على رفض تنفيذ الأوامر، ولا على انتقال عناصر أمنية إلى صف المحتجين. هذا العامل يبقى المصدر الأهم لاستقرار السلطة.
في المقابل، يُقرّ بأن النظام قد يتعرض لإضعاف حقيقي إذا تحولت الاحتجاجات إلى حركة طويلة النفس، متواصلة وموجهة. غير أن هذا العامل تحديداً هو الأكثر صعوبة في التنبؤ. القيادة الإيرانية تراهن، على ما يبدو، على عامل الوقت، وعلى تجاوز المرحلة الأشد توتراً من دون الانزلاق إلى مجازر واسعة. كما يُعوَّل على اقتراب شهر رمضان، الذي غالباً ما يخفف من وتيرة الحراك في الشارع وقد يؤدي إلى تراجع مؤقت في الزخم.
في الوقت نفسه، تظل المعضلة الأساسية للحركة الاحتجاجية قائمة. فرغم وجود قيادات محلية وبؤر تنظيم ذاتي، لا تزال تفتقر إلى تنسيق مركزي وقيادة سياسية موحدة. الغضب الاجتماعي والاقتصادي لم يتحول بعد إلى مشروع سياسي متكامل قادر على تقديم بديل واضح للنظام القائم.
هكذا تتشكل مفارقة لافتة. خطر زعزعة استقرار النظام ارتفع فعلياً، لكن الدولة، في هذه المرحلة، لا تزال متماسكة. النخبة الحاكمة تسيطر على مفاصل السلطة وتُظهر تماسكاً حتى تحت الضغط. لا دلائل على انقسامات خطيرة داخل الأجهزة الأمنية، أو المؤسسة الدينية، أو الدوائر الاقتصادية والسياسية. كما لا تظهر أعراض انهيار الولاء أو هروب رأس المال أو هلع القمة، تلك التي ميّزت الأشهر الأخيرة من حكم الشاه محمد رضا بهلوي عشية ثورة 1979.
هذا التلاقي بين احتقان اجتماعي متصاعد واستقرار مؤسسي نسبي يجعل الأزمة الإيرانية الراهنة طويلة الأمد، معقدة، ومحفوفة بالمخاطر، ليس فقط على النظام، بل على مجمل بنية الأمن الإقليمي. المنظومة دخلت مرحلة استنزاف، حيث لا رهان على حلول سريعة، بل على القدرة على الصمود.
وفي هذا السياق، يبرز استنتاج قاسٍ يخلو من الأوهام: من دون كسر جذري في قمة السلطة، تبدو إمكانية تغيير النظام ضعيفة. على خلاف أواخر سبعينيات القرن الماضي، لا توجد معارضة موحدة ذات قيادة واستراتيجية وتنسيق. تشتت الاحتجاجات يحد من قدرتها التحويلية، رغم اتساع نطاق الغضب.
حتى من منظور التوقعات الشعبية، فإن مجرد تبديل وجوه داخل الدائرة الحاكمة لن يعالج جذور الأزمة. الانسداد البنيوي المتراكم عبر عقود من الحكم الكهنوتي يحتاج إلى نموذج سياسي مختلف جذرياً وإصلاحات عميقة، لا إلى تغييرات شكلية. من دون ذلك، تخاطر البلاد بالانزلاق إلى حالة عدم استقرار مزمن.
العنف الذي تمارسه السلطات، خلافاً لحساباتها، لا يضمن التهدئة. بل قد يزيد من حدة التصلب المجتمعي. الأزمة الاقتصادية والسياسية بلغت مستوى يشعر فيه قطاع واسع من السكان بأن لا شيء لديهم ليخسروه. في مثل هذه الظروف، يتراجع الخوف لصالح اليأس، ويحل اليأس محلّه العزم. المحتجون يواجهون وحدات أمنية مدججة بالسلاح من دون أوهام ومن دون أمل في تسوية.
البلاد تدخل منطق صراع الاستنزاف. وفي هذا النوع من الصراعات، تتراكم أخطاء السلطة، ويعمل الزمن ضد من يعتمد حصراً على القمع. المنتصر لن يكون من هو أقوى اليوم، بل من يستطيع الصمود أطول.
إيران تمر بإحدى أكثر الفترات حرجاً وفوضوية في تاريخها الحديث.
شوارع طهران وعشرات المدن الأخرى تحولت إلى مسرح لغضب جماهيري وانفجار اجتماعي شمل تقريباً كامل البلاد. تضافر عوامل عدة، من الهزيمة العسكرية في يونيو 2025، إلى تدمير البنية النووية، وصولاً إلى شلل اقتصادي عميق، شكّل تهديداً وجودياً للجمهورية الإسلامية.
الشرارة الأساسية للاضطرابات الحالية كانت عملية «الأسد الصاعد» التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة. خلال اثني عشر يوماً فقط، انهارت أسطورة «العمق الاستراتيجي» للنظام وقدرته على ردع خصومه. الهزيمة نسفت عقوداً من الدعاية التي صوّرت السلطة في طهران كقوة حامية. الجمهورية الإسلامية فقدت زمام المبادرة، لا عسكرياً فحسب، بل أيديولوجياً أيضاً.
اتخذت الأزمة طابعاً شاملاً وكلياً. انهيار الريال إلى مستوى 1.46 مليون مقابل الدولار، وعودة نظام العقوبات الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وضعا البلاد في حالة بقاء قسري. ملايين الإيرانيين باتوا على حافة الفقر، فيما وجدت الدولة نفسها بلا موارد تمويل كافية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
ولا تقل خطورة التحول الذهني الذي يشهده المجتمع الإيراني. في المدن، وعلى رأسها طهران، تتسارع وتيرة العلمنة بصورة غير مسبوقة. هذا التحول هو نتيجة مباشرة لاستهلاك النموذج الأيديولوجي القائم على الهوية الشيعية الجعفرية. وللمرة الأولى منذ نصف قرن، تتعرض الشرعية الدينية للسلطة لتشكيك منهجي من داخل النخبة نفسها.
ومع ذلك، تغيب داخل البلاد أي بدائل موحدة. المعارضة مشتتة، والحركات السياسية تفتقر إلى منصة جامعة. الشخصية الأبرز في النقاشات العامة يبقى نجل آخر شاه لإيران، الأمير رضا بهلوي. اسمه تحوّل إلى رمز لحنين إلى الاستقرار المفقود وجاذبية لدى شريحة من الفرس. غير أن فكرة استعادة النموذج الملكي تثير مخاوف الأقليات القومية والإثنية، التي تربط هذا السيناريو بسلطوية مركزية صارمة.
في المقابل، تشير مصادر داخل الأجهزة الأمنية إلى بوادر هلع في قمة السلطة. في الكواليس، تتداول شائعات عن استعداد محتمل لهروب المرشد الأعلى ودائرته الضيقة إلى الخارج. ومع تراجع نفوذ التيار الديني، يبرز دور الحرس الثوري الإيراني بوصفه آخر دعائم النظام. هذا الكيان قد يسعى إلى الإمساك بالسلطة، مقدماً للمجتمع صيغة انتقال إلى «براغماتية عسكرية» خالية من الأيديولوجيا. في هذا السيناريو، لا يُستبعد فتح قنوات حوار مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بهدف الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية وتقليص الضغوط الخارجية.
بالنسبة لتركيا، ما يجري يحمل أبعاداً عملية تتصل مباشرة بالأمن القومي. أنقرة تنظر إلى الأزمة من زاوية مخاطر عدم الاستقرار العابر للحدود أكثر مما تنظر إليها من منظور أيديولوجي. القلق الأكبر يتمثل في احتمال تنشيط حزب الحياة الحرة الكردستاني، الجناح الإيراني لحزب العمال الكردستاني، مستفيداً من أي فراغ في السلطة.
أجهزة الاستخبارات التركية رصدت بالفعل محاولات تسلل لمسلحين من شمال العراق إلى داخل إيران. هذه الوقائع تؤكد إصرار أنقرة على منع تشكل «ممر كردي» بمحاذاة حدودها. العامل الكردي هو «بندقية معلقة على الجدار»، ستطلق النار حتماً إذا ما ضعفت السلطة المركزية في إيران.
إلى ذلك، تبرز مخاطر موجة لجوء جديدة، وتعطل مسارات الطاقة، وتصاعد الاضطراب في المناطق الحدودية. القلق يتضاعف إزاء مصير المجموعات العرقية التركية، من أذريين وتركمان وقشقايين. سنوات طويلة من القمع دفعت قياداتهم إلى المنفى، وفي حال تفكك الإدارة المركزية قد يتحولون إلى أهداف لتشكيلات راديكالية.
بهذا المعنى، وصلت الجمهورية الإسلامية إلى نقطة بات كثيرون يصفونها ببداية نهاية النظام. عام 2026 قد يكون بالنسبة للمجتمع الإيراني خطاً فاصلاً، نهاية حقبة الديكتاتورية الدينية وبداية انتقال معقد وغير قابل للتنبؤ نحو نظام سياسي جديد. أي إيران ستولد من هذا المخاض، علمانية أو فدرالية أو عسكرية، لا أحد يعرف اليوم.
الإرهاق البنيوي للثورة الإسلامية: نهاية الدورة التاريخية.
دخلت إيران مرحلة أزمة نظامية تتجلى في نضوب الرصيد السياسي والأيديولوجي لثورة 1979. النموذج الكلاسيكي لـ«دولة التعبئة»، القائم على مزيج من الأيديولوجيا الشيعية والخطاب المعادي لإسرائيل والولايات المتحدة، لم يعد قادراً على إنتاج الشرعية.
بحسب معطيات صندوق النقد الدولي، بلغ انكماش الناتج المحلي الإيراني في عام 2025 نحو 7.4 في المئة، فيما تجاوز التضخم 70 في المئة، وتراجع سعر الريال إلى 1.46 مليون مقابل الدولار. هذه الأرقام لا تعكس اختلالاً اقتصادياً عابراً، بل انهياراً هيكلياً لنموذج الاقتصاد الريعي التوزيعي الذي حافظ لعقود على العقد الاجتماعي بين النخبة والمجتمع.
دراسات مركز GAMAAN الهولندي تشير إلى أن أكثر من 72 في المئة من الإيرانيين بين 18 و35 عاماً لا يعرّفون أنفسهم من خلال الثورة الإسلامية ولا يرون في الدين أساساً لشرعية السلطة. هذا المؤشر ليس علامة أزمة مؤقتة، بل دلالة على تحول حضاري عميق.
«إجهاد المعدن» هو الاستعارة الأكثر دقة لوصف حال الجمهورية الإسلامية اليوم. التوترات الداخلية تراكمت على مدى عقود، وها هي نتيجتها تظهر في صورة فقدان القدرة على التجدد الأيديولوجي.
الخلفية الجيوسياسية: ما بعد عملية Rising Lion.
عملية Rising Lion التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة في صيف 2025 شكّلت نقطة انعطاف استراتيجية لإيران. للمرة الأولى منذ ثمانينيات القرن الماضي، تكبدت طهران هزيمة عسكرية مباشرة أدت إلى تدمير عناصر من بنيتها النووية وزعزعة منظومة القيادة.
الهزيمة العسكرية حطمت السردية المركزية للنظام بوصفه «حامي العالم الإسلامي». والمفارقة أن السقوط في الحرب كان المحفز الأبرز للاحتجاجات الداخلية، إذ كشف للمجتمع هشاشة القوة العسكرية كمصدر للفخر الوطني.
وفق تقديرات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، بلغت النفقات العسكرية الإيرانية في عام 2024 نحو 6.7 في المئة من الناتج المحلي، أي أكثر من 25 مليار دولار. غير أن جزءاً كبيراً من هذه الموارد لم يوجّه لتحديث الجيش، بل لدعم الحرس الثوري وشبكاته الاقتصادية، ما خلق اختلالاً عميقاً بين متطلبات الدفاع ومصالح النخبة.
الديناميات الاجتماعية: الاحتجاج كمسار للتنشئة السياسية.
الاحتجاجات الراهنة في إيران ليست مجرد رد فعل على الضغوط المعيشية، بل تعبير عن تشكل فاعل سياسي جديد. الشباب، الذين يشكلون أكثر من 60 في المئة من السكان، يعيدون تعريف قيمة الحياة والعمل والحرية.
بخلاف عامي 2019 و2022، تتسم احتجاجات 2026 بطابع تعبوي مستدام لا اندفاعي. أدوات القمع، من اعتقالات وإعدامات وحجب الإنترنت، فقدت قدرتها على الردع. بل إن العنف بات محفزاً لمزيد من التشدد المجتمعي.
عالم الاجتماع الإيراني حميد أبو لعلي، في تقريره لمدرسة لندن للاقتصاد، يشير إلى أن النظام يواجه ظاهرة «التنظيم الأفقي»، حيث تتحرك مجموعات الاحتجاج بلا مركز، لكنها تتقاسم إحساساً موحداً بالغاية. هذا تطور نوعي يحول إيران إلى مختبر لاحتجاجات ما بعد السلطوية.
بنية السلطة: تفتت داخلي وولاء محسوب.
التركيبة السياسية للجمهورية الإسلامية من الأكثر تعقيداً عالمياً. الرئيس، البرلمان، مجلس الخبراء، مجلس صيانة الدستور، المرشد، والحرس الثوري يشكلون منظومة متعددة المستويات تتداخل فيها الصلاحيات وتتوزع مراكز القوة.
حتى الآن، لا تزال الدعائم الأساسية للنظام، من الحرس الثوري إلى الجيش والمؤسسة الدينية، تحافظ على تماسك شكلي. إلا أن داخل النخبة تتنامى مؤشرات انقسام كامن بين براغماتيين يسعون إلى تقليص المخاطر الخارجية، وأرثوذكس يرفعون شعار «الدفاع عن الثورة حتى النهاية».
تحليل سيناريوهات مؤسسة RAND يشير إلى أن احتمال انقسام الكتلة الأمنية، في ظل استمرار الضغوط وتصاعد الاحتجاجات خلال الأشهر الستة المقبلة، يصل إلى 35 في المئة. عامل الخطر الأبرز يتمثل في احتمال انحياز وحدات من الحرس الثوري إلى الشارع إذا طال أمد المواجهة.
الفاعلون الخارجيون: استراتيجية الولايات المتحدة ومفارقة التدخل المحدود.
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن «ضربات غير مسبوقة» ضد إيران يجب فهمها كأداة ضغط استراتيجي أكثر من كونها تهديداً مباشراً. البيت الأبيض، وفق تقارير Politico وWall Street Journal، يدرس حزمة إجراءات تمتد من الهجمات السيبرانية إلى عمليات عسكرية محدودة، مع تجنب التدخل الشامل.
في الوقت ذاته، تدعم الولايات المتحدة البعد المعلوماتي للاحتجاجات، بما في ذلك فكرة استعادة الاتصال بالإنترنت عبر Starlink. هذه الخطوة ليست تقنية فحسب، بل أداة نفوذ استراتيجية تكسر احتكار النظام للمعلومة.
فعلياً، تطبق واشنطن مقاربة «الانخراط المحدود»، التي تمزج بين العقوبات، والعمليات السيبرانية، ودعم المعارضة، من دون إرسال قوات.
لكن مخاطر التصعيد تبقى مرتفعة. أي ضربة أميركية أو إسرائيلية قد تدفع طهران إلى الرد على قواعد أميركية في الخليج، ما يفتح فصلاً جديداً من المواجهة الإقليمية.
آليات صمود النظام: قصور الخوف والتكيف المؤسسي.
على الرغم من الفوضى الظاهرة، تظهر المنظومة السياسية الإيرانية قدرة عالية على التكيف المؤسسي. يمكن توصيف ذلك بـ«المرونة السلطوية»، أي قدرة النظام الاستبدادي على امتصاص الأزمات من دون التفكك.
الحرس الثوري ليس مجرد قوة عسكرية، بل مؤسسة سياسية واقتصادية متكاملة. بحسب المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، يسيطر الحرس على ما يصل إلى 40 في المئة من الاقتصاد الوطني، من البنية التحتية والبناء إلى الاتصالات والمصارف. هذه القاعدة المادية تفسر تماسك الولاءات داخل النخبة.
أيديولوجياً، لا يزال خطاب «التهديد الخارجي» فاعلاً. الإعلام الرسمي يروج باستمرار لروايات «المؤامرة الأميركية الإسرائيلية» ودعم «أعداء الإسلام». هذا الخطاب يظل أداة فعالة للتعبئة والضبط الداخلي.
بذلك، ورغم عمق الأزمة، يحتفظ النظام بقدرته على البقاء عبر ثلاثة عوامل مترابطة: احتكاره للعنف من خلال سيطرته الكاملة على الحرس الثوري والشرطة والباسيج والأجهزة الأمنية. سيطرته على الفضاء المعلوماتي عبر حجب الإنترنت والمراقبة الرقمية. وأخيراً، الخوف من التفكك، إذ لا يزال قطاع واسع من المجتمع يعتقد أن بديل النظام قد يكون فوضى شبيهة بالسيناريوين السوري أو الليبي.
معارضة بلا مركز: رضا بهلوي وظاهرة القيادة غير المتحققة.
يشكّل الأمير رضا بهلوي عنصراً رمزياً مهماً في المشهد الاحتجاجي، لكنه لا يمثل مركزه التنظيمي. دعمه يتركز أساساً داخل الجالية الإيرانية في الخارج وبين شرائح من سكان المدن المتعلمين، غير أن فكرة استعادة الملكية تُقابل بمواقف متباينة داخل إيران متعددة القوميات، من فرس وأذريين وأكراد وعرب وبلوش.
وفقاً لاستطلاع أجراه مركز GAMAAN عام 2025، أعرب 28 في المئة من المستطلعين عن استعدادهم لدعم «حكومة وطنية انتقالية» برئاسة بهلوي، في حين أيّد 41 في المئة نموذجاً جمهورياً يقوم على الفصل بين الدين والدولة. هذا المعطى يعكس طلباً واضحاً على العلمنة، لا على الملكية بوصفها نموذج حكم.
بذلك، يتخذ الاحتجاج في إيران طابعاً ما بعد قيادي. محركه الأساسي هو الإحباط الاجتماعي لا مشروع سياسي محدد. هذا الواقع يجعل الثورة ممكنة، لكنه في الوقت نفسه يعقّد عملية بناء نظام مستقر في مرحلة ما بعد التغيير.
الأبعاد الإقليمية: إيران بوصفها بؤرة عدم استقرار متسلسل.
إيران تمثل عقدة مركزية في منظومة الأمن الإقليمي. أي زعزعة لاستقرارها تولّد مخاطر متتالية للدول المجاورة، وفي مقدمتها تركيا وأذربيجان والعراق وأفغانستان.
تركيا تنظر إلى الأزمة الإيرانية من زاوية الأمن القومي. التهديدات الرئيسية لأنقرة تتمثل في تنشيط حزب الحياة الحرة الكردستاني، الجناح الإيراني لحزب العمال الكردستاني، واحتمال تدفق موجة لاجئين جديدة، وتعطّل مسارات الطاقة. مراكز بحثية تركية مثل SETA وTEPAV تصف سيناريو «تمدّد الفوضى» عبر المناطق الكردية بأنه الأكثر ترجيحاً في حال انهيار النظام.
أذربيجان تعتمد موقفاً حذراً، لكنها تراقب عن كثب أوضاع السكان الأذريين في إيران، الذين يُقدّر عددهم بما بين 20 و25 مليون نسمة. بالنسبة إلى باكو، تبرز أهمية ضبط التدفقات العابرة للحدود، والحفاظ على استقرار خطوط الاتصال على محور أستارا–تبريز، ومنع تصاعد النزعات الانفصالية.
روسيا ترى في الأزمة الإيرانية تهديداً لحدودها الجنوبية ولمصالحها في مجال الطاقة. موسكو معنية بالإبقاء على حد أدنى من قابلية إدارة الوضع في الجمهورية الإسلامية، لأن تفكك إيران يفتح الباب أمام سيناريوهات طاقوية غير قابلة للتنبؤ، بما في ذلك اشتداد المنافسة على الأسواق الآسيوية.
أما إسرائيل، فتنظر إلى إضعاف طهران كنافذة فرص استراتيجية. محللون عسكريون يشيرون إلى أن إيران، وللمرة الأولى منذ عقود، لم تعد قادرة على الحفاظ على مستوى مرتفع من النشاط الخارجي، بما في ذلك دعم حزب الله والميليشيات الشيعية في سوريا والعراق.
دور الولايات المتحدة: من عقيدة الاحتواء إلى عقيدة الانخراط.
في عام 2026، تُظهر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحولاً ملحوظاً في مقاربتها تجاه إيران. واشنطن تبتعد تدريجياً عن منطق «الضغط الأقصى» وتتجه نحو نموذج أكثر تعقيداً يُعرف بـ«الانخراط الأقصى». الأمر لا يتعلق بتليين السياسة، بل بإعادة تشكيلها من الإكراه المباشر إلى التأثير السياسي المُدار.
الاستراتيجية الجديدة تعتمد أدوات التأثير الهجين. العقوبات على النخب الإيرانية والكيانات المرتبطة بالحرس الثوري تُحافظ عليها بل وتُشدد بشكل انتقائي، بالتوازي مع تكثيف العمليات السيبرانية الهادفة إلى إرباك منظومات الإدارة والبنية المعلوماتية. في الوقت نفسه، تتوسع مظلة دعم وسائل الإعلام المناهضة للحكومة والمنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية التي تصوغ أجندة بديلة داخل البلاد وفي المهجر. عنصر محوري في هذا التوجه يتمثل في منح المعارضة الإيرانية شرعية دبلوماسية على منصات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما ينقلها من الهامش إلى خانة الفاعلين السياسيين المعترف بهم.
الهدف الجوهري للولايات المتحدة ليس إسقاط النظام عسكرياً، بل نزع سلاحه سياسياً. واشنطن تسعى إلى تحويل الجمهورية الإسلامية إلى لاعب براغماتي مضبوط، منزوع الأيديولوجيا التوسعية، ومحدود القدرة على التعبئة الإقليمية. الرهان ليس على تدمير المنظومة، بل على إعادة ضبطها ضمن قيود خارجية واضحة.
في هذا السياق، يبدو فتح «نافذة تفاوض» محدودة حول البرنامج النووي مقابل ضمانات بخفض أو وقف العنف الداخلي جزءاً من منطق «الاحتواء التدريجي». هذا النهج يسمح للولايات المتحدة بالإبقاء على أدوات الضغط، مع تقديم حوافز محسوبة، وبناء مسار تغيير بطيء لكنه قابل للتحكم، من دون سيناريوهات عسكرية حادة أو تداعيات إقليمية غير محسوبة.
السيناريوهات المحتملة للتحول.
استناداً إلى تحليل مقارن لأزمات مشابهة، مثل رومانيا 1989، ومصر 2011، وفنزويلا 2019، يمكن تحديد ثلاثة مسارات رئيسية:
- سيناريو «الاستقرار بالقصور الذاتي» بنسبة احتمال 45 في المئة. يحتفظ النظام بالسيطرة على الأجهزة الأمنية، يقيّد الاحتجاجات، ويُجري تدويراً شكلياً للسلطة، ربما عبر تنحي المرشد علي خامنئي ونقل الصلاحيات إلى نجله أو إلى شخصية دينية أقل تشدداً. الاقتصاد يحصل على هدنة مؤقتة بفضل العائدات النفطية ورفع جزئي للعقوبات.
- سيناريو «البراغماتية العسكرية» بنسبة 35 في المئة. يتولى الحرس الثوري زمام الحكم، مُشكّلاً إدارة عسكرية بحكم الأمر الواقع. تُستبدل الأيديولوجيا بخطاب قومي. قد ينفتح حوار تكتيكي مع الولايات المتحدة للحصول على اعتراف بالسلطة الجديدة. النتيجة نظام من نوع جديد، عسكري براغماتي بلا هيمنة دينية.
- سيناريو «الانهيار الثوري» بنسبة 20 في المئة. تتحول الاحتجاجات إلى فوضى واسعة، ينقسم الجيش، وتفرّ النخب. تنتقل السلطة إلى مجالس مؤقتة أو حكومة انتقالية برعاية بهلوي. تدخل البلاد مرحلة فراغ مؤسسي وأزمة إنسانية.
التداعيات الاستراتيجية والإسقاطات الإقليمية.
الأزمة الإيرانية تجاوزت الإطار الوطني وأصبحت عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرقين الأوسط والأدنى. إيران، التي لعبت تاريخياً دور ثقل موازن للنفوذ الأميركي والإسرائيلي، تتحول في 2026 إلى مصدر عدم يقين استراتيجي.
- توازن القوى الإقليمي. إضعاف الجمهورية الإسلامية يخلق فراغاً جيوسياسياً تسعى أطراف عدة لملئه. السعودية تعزز حضورها في الخليج عبر توثيق التنسيق مع الولايات المتحدة وتركيا. إسرائيل تحصل على فسحة استراتيجية لإعادة تركيز مواردها على لبنان وقطاع غزة. روسيا تفقد جزءاً من مجال نفوذها الأوراسي، ما يعزز موقع تركيا وأذربيجان كعاملَي استقرار إقليميين.
- الطاقة والنقل. زعزعة إيران تمس مباشرة طرق إمداد النفط والغاز عبر مضيق هرمز. وفق وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر المضيق أكثر من 20 في المئة من صادرات النفط البحرية العالمية. أي اضطراب قد يدفع الأسعار مؤقتاً إلى حدود 110 دولارات للبرميل، ما يحفّز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على تنويع الإمدادات وتعميق التعاون مع أذربيجان والسعودية وقطر.
على المدى الطويل، تتعزز أهمية المسارات العابرة لبحر قزوين وممر الغاز الجنوبي. في هذا الإطار، تتحول باكو إلى ركيزة أساسية لاستقرار الطاقة وشريك محوري للغرب في هندسة سوق طاقة «ما بعد إيران».
- الأمن ومخاطر الهجرة. في حال انزلاق الأزمة إلى حرب أهلية، قد تشهد المنطقة أكبر موجة نزوح في أوراسيا منذ الأزمة السورية عام 2011. التقديرات تشير إلى احتمال نزوح ما بين أربعة وستة ملايين شخص، ما يشكل عبئاً إنسانياً واجتماعياً ثقيلاً على تركيا وأذربيجان.
- العامل الكردي. انهيار السيطرة المركزية في إيران سيؤدي حتماً إلى تنشيط الحركات الانفصالية الكردية، بما فيها حزب الحياة الحرة الكردستاني. هذا المسار قد يشعل مواجهة عابرة للحدود تشمل تركيا والعراق وسوريا، ويحوّل الأزمة الإيرانية إلى عامل عدم استقرار قاري واسع النطاق.
الأبعاد العالمية: الولايات المتحدة، الصين، ومنطق الردع الجديد.
تسعى الولايات المتحدة إلى توظيف الأزمة الإيرانية لتكريس موقعها بوصفها مهندس «الشرق الأوسط الجديد». سياسة دونالد ترامب لا تستهدف التدمير، بل الإضعاف المُدار لإيران، ضمن منطق الاحتواء بصيغته المحدّثة. واشنطن تُبدي استعداداً للحوار مع قوى معتدلة داخل الجمهورية الإسلامية، مع احتفاظها بحق تنفيذ إجراءات استباقية ضد هياكل الحرس الثوري.
في المقابل، تلتزم الصين نهج عدم التدخل، مكتفية بدعوات دبلوماسية إلى «الاستقرار والحوار». غير أن بكين تشعر بقلق متزايد حيال مصير استثماراتها في قطاعي الطاقة واللوجستيات في إيران، والتي تُقدَّر بنحو 15 مليار دولار ضمن مبادرة «الحزام والطريق». بالنسبة للصين، تمثل إيران حلقة وصل أساسية بين آسيا الوسطى والبحر المتوسط، وخسارة هذه الحلقة تُضعف الامتداد الأوراسي لنفوذها.
أما روسيا، فتجد نفسها في موقع المراقب. في ظل أعباء داخلية متراكمة وعزلة ناتجة عن العقوبات، لا تملك موسكو موارد تتيح لها تدخلاً فاعلاً. مصالحها تقتصر على كبح النفوذ الأميركي والحفاظ على حد أدنى من ولاء القيادة الإيرانية، أياً يكن من يتولى الحكم.
إيران 2030: ثلاث نماذج محتملة للمستقبل.
في أفق عام 2030، يمكن تصور ثلاث صيغ بنيوية لما بعد الأزمة في إيران.
- جمهورية عسكرية قومية.
تنتقل السلطة إلى الحرس الثوري، فيما يحتفظ المرجع الديني بدور رمزي. تصبح الدولة أكثر علمانية، مع بقاء الطابع السلطوي. يُحتمل فتح حوار محدود مع الغرب، مع استمرار السيطرة الصارمة على الجيش والموارد. - ديمقراطية علمانية انتقالية.
نتيجة تسوية بين نخب معتدلة والحركة الاحتجاجية، تتشكل حكومة انتقالية. تُنظم انتخابات، وتُجرى إصلاحات دستورية، ويُفصل الدين عن الدولة. احتمال هذا المسار ضعيف بسبب غياب مركز سياسي موحّد. - إيران فدرالية.
في حال تفكك السلطة المركزية، قد تتجه البلاد نحو فدرلة فعلية تمنح الأقاليم حكماً ذاتياً واسعاً، بما في ذلك جنوب أذربيجان وكردستان. هذا السيناريو بالغ الخطورة، ويحمل في طياته صراعات داخلية وتدخلاً خارجياً.
خاتمة.
إيران اليوم تقف أمام مرآة تاريخها. الصورة المنعكسة مقلقة ومتناقضة. البلاد بلغت حدّاً أقصى من التوتر الداخلي، حيث تتشابك الشيخوخة الاجتماعية والانهيار الاقتصادي والإنهاك الأيديولوجي في عقدة قابلة للانفجار في أي لحظة. ما كان يبدو حتى وقت قريب نظاماً مستقراً تحيط به طبقات من الصمامات الواقية، بات أقرب إلى هيكل مرتجف فوق أساس هش.
إيران تعيش فعلاً ما يمكن تسميته «إرهاق المعدن» للثورة الإسلامية. المشروع الذي وُلد عام 1979 استنفد طاقته التعبوية. آنذاك وعد بالعدالة والاستقلال والتجديد الروحي. اليوم لا يقدّم سوى ألم اقتصادي مزمن وحياة قائمة على البقاء. العقوبات حوّلت يوميات الملايين إلى معركة مستمرة من أجل العيش. الريال ينهار بلا كوابح. الثقة تتآكل: بالعملة، بالدولة، بالفكرة. جيل نشأ في العالم الرقمي لا يرى مستقبلاً في عقائد نظام هرِم، ولا يقبل أن يكون رهينة أساطير ثورية لم يصنعها.
النظام السياسي الإيراني من أكثر الأنظمة تعقيداً في العالم. سلطتان، دينية ودنيوية، متداخلتان إلى حدّ يعجز كل منهما عن إصلاح الأخرى. الرئيس، البرلمان، الجيش، الحرس الثوري، مجلس صيانة الدستور، والمرجعيات الدينية، جميعهم يعزفون أدوارهم، لكن من دون قائد أوركسترا. هذه التعددية باتت اليوم نشازاً. شكلياً، السلطة بيد الإصلاحيين، لكن فعلياً تُدار البلاد بالخوف والتقاليد. المجتمع مُنهك أخلاقياً ونفسياً. في المدن، ضيق من القيود الدينية. في الأرياف، تمسّك بمثاليات الماضي. بين الطرفين فجوة سحيقة، ليست أيديولوجية فحسب، بل اجتماعية وثقافية عميقة.
النظام لا يزال صامداً. اعتاد البقاء تحت الضغط، سواء عبر العقوبات أو العزلة أو التهديدات. لكن اللحظة الراهنة مختلفة. داخل البنية نفسها يتراكم توتر «زلزالي». السلطة تعتقل، تنظم تظاهرات موالية، وتستعرض القوة. غير أن ما يختبئ خلف ذلك هو الخوف: خوف من جيل جديد، من انهيار اقتصادي، ومن عزلة جيوسياسية خانقة. إيران دخلت طور الاضطراب، حيث يمكن لأي خطأ أن يطلق سلسلة انهيارات.
نحن أمام ما يشبه «العاصفة المثالية»: عقوبات، إفقار، لامبالاة اجتماعية، ضغط أميركي وإسرائيلي، وتشققات داخل النخبة. حين تتلاقى هذه العوامل، حتى أكثر الأنظمة تماسكاً أيديولوجياً تصبح عرضة للتصدع. ليس بالضرورة اليوم، وربما لا بضربة واحدة، بل من الداخل، بفعل التعب. هكذا سقطت أنظمة كثيرة في التاريخ، لا بسبب الهجوم الخارجي، بل بفعل إنهاك الذات.
ومع ذلك، لا يلوح حتى الآن سيناريو «تصفير» كامل للنظام. الأرجح هو إعادة تشغيل. المرشد الأعلى ضعيف، وخروجه سيكون لحظة رمزية قد تستغلها السلطة لمحاكاة الإصلاح. تعيين مرشد جديد، وعود اجتماعية، دعم للعملة، تقارب محسوب مع الغرب. لكنها ستكون عملية تجميل، لا تحولاً جذرياً. تغيير في الواجهة، لا في الجوهر، لكسب الوقت.
إيران حضارة عريقة، تعرف كيف تعيش فوق الرماد وبين الأنقاض. لكنها ليست بمنأى عن إنتروبيا التاريخ. عاجلاً أم آجلاً، المعدن المرهق يبدأ بالتشقق. وعندها، تحل الواقعية محل الثورة.
الأزمة الإيرانية ليست حدثاً عابراً ولا موجة غضب طارئة. إنها انعطافة بنيوية في مسار الدولة، ونهاية دورة تاريخية للثورة الإسلامية. ما نشهده اليوم هو صدام بين إنهاك أيديولوجي وجمود مؤسسي، وهذا التناقض بالذات سيحدد مسار إيران في السنوات المقبلة.
النظام الذي تأسس عام 1979 فقد قدرته على التجدد الذاتي. لكن انهياره من دون بديل لا يعني الحرية، بل التفكك. الجمهورية الإسلامية تقف أمام خيار حاسم: تطور أو انحلال.
ومآل هذا الخيار لن يرسم مستقبل إيران وحدها، بل مستقبل أوراسيا بأكملها.