االعالم فقد توازنه ويقف اليوم على شفير هاوية تهدد حضارتنا الإنسانية بأكملها.
حرب متواصلة في الشرق الأوسط، وأفغانستان، واحتمالات صدام بين الهند وباكستان، وتوتر عسكري بين تايلاند وكمبوديا، وحرب أهلية مروعة في ميانمار، وأوضاع مأساوية في إفريقيا، وصعود تركيا والعالم التركي، وتعاظم القوة العسكرية والاقتصادية لأذربيجان، وحرب إسرائيل مع النظام الإيراني وحلفائه، والمأساة التي يعيشها الشعب الإيراني تحت نير الديكتاتورية، وحرب بالوكالة بين الصين وروسيا من جهة وحلف الناتو في أوكرانيا من جهة أخرى، والمعاناة القاسية لشعبي روسيا وأوكرانيا تحت القمع والعقوبات والاستبداد، والاستعدادات العسكرية الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والتصعيد حول تايوان وسباق التسلح الإقليمي، وتنامي قوة كوريا الشمالية واستعداد زعيمها الشاب كيم جونغ أون لتوحيد شبه الجزيرة الكورية عبر حرب جديدة.
بعد نهاية الحرب الباردة، انتهى شهر العسل الطويل للعولميين والمحافظين الجدد واليسار الليبرالي في الغرب، في ظل الهيمنة الموحدة لنخب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ظهرت مراكز قوة عسكرية واقتصادية جديدة ونضجت، لتتحدى اللاعبين القدامى الذين شاخت أدواتهم. وإذا انقسم العالم بين قوى اقتصادية متنافسة وتحالفات عسكرية وشبكات من التبعية، فقد نجد أنفسنا أمام وضع يشبه ما سبق الحرب العالمية الأولى، حين قادت سلاسل التحالفات والمعاهدات العسكرية إلى حرب كونية، بينما كانت النخب تعتقد أن العالم بعد الحرب سيكون أفضل مما كان قبلها، وأن المغامرة تستحق الثمن.
الوضع الراهن يشبه في آن واحد العالم قبيل الحرب العالمية الأولى والعالم الذي سبق الحرب العالمية الثانية. المشكلة الجوهرية تكمن في أن الاتفاقيات العالمية وأنظمة القواعد وُضعت في زمن كانت فيه الصين ضعيفة وتابعة. هذا الواقع لم يعد قائماً. فالصين اليوم تشبه من جهة إمبراطورية القيصر الألماني التي لم تلحق بتقسيم العالم الاستعماري، ومن جهة أخرى تشبه الرايخ الثالث الذي سعى للانتقام من الإذلال الوطني والتعويضات والشروط التي اعتبرها جائرة وفرضها المنتصرون.
برأيي، الفرصة الوحيدة للحفاظ على عالمنا وتجنب حرب كبرى تكمن في إنشاء صيغة ثنائية جديدة، مجموعة G2، تضم الولايات المتحدة والصين. هذه الفكرة طُرحت في وقت سابق على يد زبيغنيو بريجنسكي خلال عهد إدارة أوباما.
لم يكن عالم الحرب الباردة عالماً مسالماً، لكنه تجنب حرباً كبرى بفضل توازن القوى بين الولايات المتحدة وحلف الناتو من جهة، والاتحاد السوفييتي وحلف وارسو من جهة أخرى.
أما اليوم، فقد دخل العالم حالة اختلال واضحة، لأن مركز قوة قادر على تثبيت النظام العالمي لم يتشكل بعد بصورة مكتملة.
الأعمدة والعمالقة الذين تقوم عليهم حضارتنا التكنولوجية المعاصرة هم الولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة، والصين وشركاؤها من جهة أخرى. وهؤلاء بالذات هم من يجب أن يؤسسوا هيئة عالمية جديدة ومجلساً دولياً للسلام، بديلاً عن المؤسسات التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية لمنع الكارثة والحيلولة دون اندلاع حرب عالمية ثالثة.
لا بد من إعادة العالم إلى حالة التوازن على أساس الاحترام المتبادل والنظام. وأنا على ثقة بأن الجانب الصيني يسعى هو الآخر إلى الاحترام المستحق والمكانة المتكافئة، وله كامل الحق في ذلك.
أنطون غروموف.
باحث في العلوم السياسية وخبير في الأمن الأوراسي ورئيس منظمة أستريا غير الحكومية ومتخصص في شؤون العلاقات الروسية الصينية الكورية الشمالية وحروب المعلومات.